::::: كتاب الدعـاء ، مفهومه ، أهميته و موقعه بين الأسباب :::::
بسم الله الرحمن الرحيم

الدعــــــاء
مفهومه ، أهميته و موقعه بين الأسباب

مقدّمة الموضوع
كتب كثيرٌ من علماء هذه الأمّة الإسلاميّة في موضوع الدعاء والذي لاحظته بأنّهم لم يُدركوا بأنّ الدعاء فريضة دينيّة كسائر الفرائض الدينيّة المفروضة على المسلم.ولا تكلّموا في موضوع الفلسفة التي قام عليها الدعاء ولا وضّحوا حقيقته بأسلوب علميٍّ وبأدلّة من النصوص القرآنيّة.بل تكلّموا عن الأدعية المستجابة وعلى حسب ما وصل إليه اجتهادهم على مرّ الزمان.
وإنّ هذا الواقع ، وبتحريك خفيٍّ من لدنّ اللّه عز وجلّ، فقد أقدمت على كتابة هذا الموضوع الذي خصّصت له هذا الكتاب.فإن كنت قد جئت فيه بشيء جديدٍ وببيّنات لم يأت بها من كانوا قبلي فالفضل في ذلك يرجع إلى اللّه ذو الفضل العظيم وليس إلى سعيي الشخصي.وأنا لا أريد إطالة الكلام في هذه المقدّمة،بل أترك للقارئ الكريم مطالعة ما أوردته في هذا الكتاب والحكم بنفسه على جميع ما طالعه فيه.وأستغفر اللّه ربّي عن كلّ نقصٍ بدر عنّي ، واللّه من وراء القصد،وإنّما الأعمال بالنيّات .وراجيا من كلّ مؤمن يستفيد ممّا تضمّنه هذا الكتاب من معلومات الدعاء لي مشكورا . وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين . ســـليم الجابي




مفهوم الدعاء
عندما نتكلّم في موضوع الدعاء ، فلا ينبغي أن نتكلّم في موضوعه بالأسلوب التقليدي المعروف الذي يتناوله أصحاب العقول التّقليديّة في زماننا الحاضر.بل إنّ من واجبنا أن نبحث هذا الموضوع من مختلف جوانبه وبأسلوب علميٍ مقنع.ذلك لأنّ كلمة الدعاء عادت متداولة على ألسن المسلمين المعاصرين وعلى ألسنة غيرهم من الناس وهي خاوية من مفهومها الحقيقيّ وحقيقتها الطبيعيّة.حتى عادت الألسن تلوك كلمة (دعاء) بمعنى وبدون معنى ترمي إليه.ولا ألقي بهذا الادّعاء جزافا ، بل بدليل أنّ ملايين الحجّاج يتجمّعون في موسم الحجّ ويدعون أدعيةً جماعيّة ،ولا يرى المدقّق والباحث عن الحقيقة أيّ أثرٍ ملموس ينتج عن تلك الأدعية التي ردّدوها وراء إمام الصلاة في موسم الحج كالببّغاوات وبالتالي يبدو حال هؤلاء الحجيج أنّهم يفعلون هذا غافلين أو متغافلين عن نتائج أدعيتهم سلبا أو إيجابا.أو أنّ مفعول هذا الدواء الذي يستعملونه والذي يسمّونه (دعاء) شبيه إلى حدٍّ كبير بالدواء الذي انتهت مدّة مفعوله لذلك لا ينتج عن أدعيتهم أيّ أثرٍ إيجابيّ.فهذا الأمر هو الذي دفعني للقول بأنّ هؤلاء يدعون بشكلٍ تقليديٍّ غير مستنير وهم في حال هو أبعد عمّا يكون مستوجب الدعاء.
وهذه حقيقة دفعتني لبحث موضوع الدعاء بمفهومه الحقيقي كما دفعتني إلى بيان موقعه الطبيعي في عالمٍ قائمٍ على أسباب ومسبّبات وصراع الأضداد وضمن معطيات القوانين الطبيعيّة المسنونة.وأن أبيّن ذلك كلّه من ضمن إطار مُعطيات تعاليم القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة.وبما لا يخالف معطيات العلوم الحديثة المعاصرة.
والسؤال الأوّل المطروح هو: ما هي دلالة كلمة (دعاء) وما هو مفهوم (الدعاء) لغويّا ؟
وللإجابة على هذا السؤال المطروح عاد من واجبنا مراجعة مِعجم (مقاييس اللّغة) للكاتب أبو الحسين أحمد بن فارس الّلغويّ الغنيّ عن التّعريف والذي يُعدّ مرجعا في بيان أصول الكلمات العربيّة.فقد أورد ابن فارس رحمه اللّه تعالى في معجمه وهو ينبّه أذهاننا بأنّ الدال والعين أصلٌ واحدٌ مُنقاسٌ مطّرد وأنّ اجتماع هذين الحرفين ذوي الأصل الواحد (يدلّ على حركة ودفع واضطراب).ولقد قدّم ابن فارس كلمة (الدّعّ) لبيان معنى (الدفع) حيث تقول: دعمتُ فلانا أدُعّه دعّا أي أدفعه دفعا.واستدلّ بقول اللّه تعالى في كتابه العزيز (يوم يُدَعّون إلى نار جهنّم دعّا) أي يُدفعون إلى نار جهنّم دفعا.كذلك قدّم كلمة (الدّعدعة) لبيان معنى (الدفع) وأنّ هذه الكلمة استُعملت بمعنى تحريك المكيال ودفعه ليستوعب الشيء الذي نضعه داخله.وعليه يُقال: جفنةٌ مُدعدعة والمعنى أنّ الذي ملأها حرّكها ودفعها حتّى امتلأت.
وأضاف ابن فارس يقول بأننا إذا أدخلنا أحد أحرف العلّة وهو الواو خاصّة فأصبح الأصل (دعَو) نكون قد حصلنا على أصل جديد وهو (دعَو) ويعني هذا الأصل الجديد محاولة المرء إمالة شيءٍ إليه بذريعة صوت وكلام صادر عنه.فأنت تقول حينئذ: دعوت اللّه أدعوه دُعاء وبمعنى أنّك تضرّعت إلى اللّه تعالى وأنت تستميل عطفه ورحمته نحو شخصك الضّعيف.
فإن نحن راجعنا الآن معجم (محيط المحيط) الذي جمع آراء أغلب أصحاب المعاجم في معجمه،فقد أدخل حرف العلّة الألف عوضا عن الواو على الأصل الذي هو الدال والعين ليصبح الأصل الجديد (دعا) وأورد يقول: إذا قلت: دعا فلانٌ اللّه يدعوه دُعاء ودعوى (واوي) معناه أنّ هذا ابتهل إلى اللّه ورغب إليه بالسؤال ورغب فيما عنده من الخير كذلك تقول: دعا فلانٌ اللّه لفلان في الخير ، ودعا فلانٌ اللّه على فلان في الشرّ.والدعوة مصدر (دعا) وهي المرّة من الدعاء.
وعلى هذه الصورة فإنّ الحرفين الدال والعين قد أفادا من حيث دلالتيهما مجتمعتين (الحركة والّدفع والاضطراب).وقد أضاف إدخال حرف العلّة على هذين الحرفين معنى جديدا بالإضافة إلى المعاني الأصليّة وساعد ذلك على فهم أصل وضع كلمة (دعاء) التي نتكلّم في موضوعها فهي كلمة موضوعة على وزن (فُعال) هذا الوزن الدّال على حركة واضطراب ناتجين عن حاجة ودفع.فأنت تقول سمعت بُكاء الرّضيع ، وتكون بقولك هذا قد لفتّ النظر إلى أنّ هذا الرّضيع تحرّك حركات اضطراب ودفعٍ لمن يسمع بُكاءه ونبّهنا ببكائه إلى حاجته إلى الرضاعة من حليب أمّه.
فمن خلال هذه الدلالة التي ذكرناها نُدرك بأنّ تاريخ وضع كلمة (دعاء) هو تاريخ قديم وقديمٌ جدّا قِدَم أزمنة البعثات السماويّة التي جاءت تعاليمها تُنبّه ذهن هذا الإنسان إلى وجود خالقه واسع القدرات وإلى أنّ هذا الخالق هو الربّ الحقيقي لهذا الإنسان.وأنّه المرجع الحقيقيّ الذي بإمكانه مساعدة هذا الإنسان على بلوغ مراده.وهذا من باب أنّ علم فقه اللّغة يساعد على معرفة وتحديد تاريخ وضع الكلمة.فكلّما قلّت أحرف الكلمة كلمّا ساعد ذلك على التّدليل على قِدم وجودها فحرفا (أب) و(أم) على سبيل المثال قديمان في تاريخ وضعهما قِدم نُطق هذا الإنسان بلغة البيان.وهي حقيقة بيّنتها في مؤلّفي المعروف (نشوء الإنسان وتطوّره).
واستنادا إلى ما ذكرناه حتّى الآن نكون قد أدركنا بأنّ تعاليم كلّ دينٍ سماويٍّ لابدّ وأن تكون قد علّمت أتباعها المؤمنين أن يأخذوا بوسيلة (الدعاء) كواسطة بينهم وبين خالقهم ليستغفرونه وليستجدونه العطاء.وليتّخذ المؤمن هذه الوسيلة سببا بين يديه وهو مضطربٌ ومحتاج إلى مساعدة ربّه عز وجلّ إيّاه فيدعوه متوسّلا إليه وليحرّك عطفه وشفقته عليه وليدفعه ليغفر له ذنوبه وتقصيره الذي بدر عنه تجاهه جلّ شأنه وليدعوه باضطراب وبحركات انفعال أيضا ليحصل من جانب ربّه على أسمى ما يتمنّاه المؤمن ويسعى إليه في حياته الدّنيا وهو أن يرزقه ربّه محبّته وقربه ورضوانه وأن يُعرّفه على ذاته المقدّسة وعلى ما تحلّت بها من صفات كمال لا يضارع اللّه تعالى فيها شيء في هذا الوجود.الذات التي أبدعت وجوده في أحسن تقويم وأعدّت له إن هو استقام على الطريقة المثلى التي جاء بها هذا الدين الإسلاميّ الحنيف قد أعدّت له أجراً غير ممنون.فبهذا الفهم لمضمون كلمة (الدعاء) نبدأ بحثنا الذي عزمنا على أن
نبحثه في هذا الكتاب المخصّص لبحث موضوع الدعاء.
وأرى أنّ من المناسب تلخيص ما أتينا على بيانه حتّى الآن وذلك لأساعد القارئ العزيز على ترسيخ تلك المعلومات في ذهنه بشكلٍ موضوعيٍّ فأقول:
اعلم يا عزيزي القارئ بأنّ كلمة (دعاء) التي خصّصت
مؤلّفي هذا للكلام في موضوعها تحمل المضامين التالية:
أولا- إنّ كلمة (دعاء) تُذكّر هذا الإنسان المؤمن بأنّ اللّه الذي خلقه،لم يتجاهل بأنّه قد خلق هذا الإنسان ضعيفا.وبدليل أنّه تعالى قال في كتابه العزيز في الآيتين 37/38 من سورة النساء (واللّه يُريد أن يتوب عليكم وقف ويريد الذين يتّبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما.يريد اللّه أن يُخفّف عنكم وخُلق الإنسان ضعيفا) أي خلقه خالقه محتاجاً إلى مساعدته عزّ وجلّ من خلال إخضاع هذا الإنسان إلى سلطان قانون الاحتياج العام في جميع أحواله، هذا القانون المهيمن على هذا الكون والذي ألقيت الضوء عليه في مؤلّفي (ماذا تعرف عن عقل الإنسان ؟).فهذا الإنسان الضعيف يواجه مشكلات عسيرة الحلّ وفي وقت لا تتوفّر فيه الأسباب بين يديه لحلّها بيسر وسهولة، لذلك ينفعل ويضطرب ويعود في حالة احتياج لذلك يندفع ليسأل خالقه أن يحلّ له مشكلاته وهي الحالة التي عبّر عنها حرفا الدّال والعين المعبّران عن (الحركة والدفع والاضطراب).وعلى حسب ما أوردناه في حينه.
ثانيا_ ثمّ إنّ إضافة أحد أحرف العلّة على الحرفين المذكورين ولتصبح (دعو) أو (دعا) قد منح كلمة (دعاء) معنى الابتهال إلى اللّه تعالى والرّغبة إليه.وهو معنى قد أعطته كلمة (دعاء) في نظر المؤمن كوسيلة وكسبب من الأسباب الطبيعيّة قد اختصّه به خالقه وإلهه جلّ شأنه من بين بقيّة الناس. وهي حقيقة عبّر اللّه تعالى بواسطتها عن اختصاص هذا الإنسان المؤمن ببركات وسيلة (الدعاء) كسببٍ بين يديه ليمتاز به عن غيره من الناس من غير المؤمنين ووفق دلالة الآية الأخيرة من سورة الفرقان التي خاطب اللّه تعالى فيها المؤمنين وقال (قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم فقد كذّبتم فسوف يكون لِزاما.).وأكّد اللّه تعالى في الوقت نفسه حرمان الناس الكافرين بوجود ربّهم من بركات وسيلة (الدعاء) هذه وبدليل قوله تعالى في الآية 13 من سورة الرّعد (له دعوة الحقّ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلاّ كباسط كفّيه إلى الماء لِيبلُغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال).لكنّ اللّه سبحانه وتعالى قال من جهة أخرى وفي الوقت نفسه وهو يُعدّد أدلّة وجوده في الآيات من سورة النمل وذلك في الآية 62 قال (أ فمن يُجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أ إله مع اللّه قليلا ما تذكّرون.) أي أنّه تعالى يُثبت للإنسان الذي وقع في مأزق ولا يستطيع حلّه إلا بمعونة اللّه الذي أخضعه لقانون الاحتياج العام،يثبت له بأنّه موجود وأنّه قادر على أن يحلّ له مشكلته إن هو توجّه إلى خالقه بالدعاء وهو في حالة اضطرار ولعلّ هذا المضطرّ إذا ما كشف اللّه تعالى عنه تلك حالة اضطراره يرجع إلى ربّه ويدعوه فيستجيب له دعاءه.ويعلم هذا المستجير باللّه اضطراراً
بأنّ اللّه موجود.
ثالثا- والأمر الثالث الذي أشارت إليه كلمة (دعاء) وعلى حسب مُعطيات وضعها اللّغويّ هو أنّ (الدعاء) هو في حقيقة أمره وسيلة وسببٌ من الأسباب الطبيعيّة التي قام عليها بناء هذا الكون المادّي وبألفاظ أخرى فإنّ الأسباب والمسبّبات يغلب عليها الطابع المادّيّ ظاهريا ولذلك فإنّ الإنسان الملحد الذي لا يؤمن بوجود خالق لهذا الكون لا يبالي بشيء اسمه (دعاء) لغلبة التّفكير المادّي على عقله وعلى تفكيره وبالتالي فلا يُدخل هذا الملحد في معادلة تفكيره كلمة (دعاء) ومن باب أنّ الدّعاء لا يدخل في الأسباب المادّية المعروفة لديه.
أمّا الإنسان المؤمن الذي استجاب لصوت السماء منذ بعثة
آدم عليه السلام قديما وعلى أيدي محمّد المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم حديثا واطّلع في كتاب اللّه القرآن على قول ربّه عز وجلّ الوارد في الآية 60 من سورة غافر التي قال تعالى فيها (وقال ربُّكم ادعوني أستجب لكم إنّ الّذين يستكبرون عن عبادتي سيدخُلون جهنّم داخرين.) فإنّ هذا الإنسان المؤمن قد تميّز من خلال استجابته لصوت ربّه ودعاؤه إيّاه قد تميّز عن الإنسان الملحد في نظرته إلى موضوع (الدعاء) واعتقاده بأنّ الدعاء يدخل أصلاً في الأسباب والمسبّبات التي اشتمل عليها عالمنا المادّي.ولذلك فإن حاول المؤمن التّفكير في أمر من الأمور فإنّ هذا المؤمن يُدخل في معادلته (الدعاء) كوسيلة وكسببٍ من الأسباب.أمّا المؤمن الذي لا يفعل ذلك ويسير على ما يسير عليه الملحد في حياته ولا يراعي هذه الوسيلة في معادلة تفكيره فإنّ هذا المؤمن يخسر في الحقيقة ما اشتملت عليه وسيلة الدعاء من بركات وخير كثير وهذا هو السبب في وجود هذا الفارق ما بين تفكير إنسان مؤمن وما بين تفكير إنسان كافر أو ملحد.فهذه هي خلاصة الأمور التي تضمّنتها هذه الأحرف الثلاثة الدّال والعين والواو والتي اشتُقّت منها كلمة (دعاء) .
وهكذا ومن خلال جميع ما بيّناه حول مفهوم كلمة (الدعاء) فقد عاد القارئ العزيز يُدرك بأنّ موضوع الاستفادة من بركات هذه الوسيلة المسمّاة (دعاء) يرتبط ارتباطا موضوعيّا بموضوع الإيمان بوجود اللّه تعالى وبالالتزام بما أنزله اللّه تعالى من تعاليم سماويّة على أيدي رسله الكرام.وأنّ كلّ إنسان بعيد عن هذه الحقائق عن علم أو عن جهل بها،وعن قصد أو عن غير قصد،فلا يستجيب له ربّه دعاءه.وإنّ عدم استجابة اللّه تعالى أدعية هذا الدّاعي هو أمر يُعدُّ في حدّ ذاته الدليل القاطع على أنّ هذا الدّاعي لم يستوف في دعائه وهو بين يدي ربّه هذا المفهوم الذي تضمّنته كلمة (دعاء) .
الأسباب والمسبّبات
وعندما نطرح مسألة الأسباب والمسبّبات لا ينبغي أن نطرحها بمفهومها التّقليدي بل ينبغي أن نطرحها كما طرحها كتاب اللّه العزيز الذي قال وعزّ من قائل وذلك في الآية 42 من سورة النّجم (وأنّ إلى ربّك المنتهى.) بمعنى أنّه لا يوجد في هذا الكون شيءٌ خارج عن سلطان اللّه عز وجلّ.بل إنّ خيوط تحريك كلّ شيء تنتهي في أيدي ربّك وأنّه تعالى ممسكٌ بتلك الخيوط يقينا وأنّ بإمكانه أن يحرّكها كيف يشاء.
فكلمة (المنتهى) الواردة في الآية المذكورة تعني (النهاية)
(محيط المحيط) بمعنى أنّ نهاية كلّ شيءٍ في هذا الكون ينتهي عند اللّه عز وجلّ وأنّ اللّه تعالى مُمسكٌ بخيوط هذا الأشياء ويحرّكها كيف يشاء.هذا ولابدّ أنّك يا عزيزي القارئ قد لاحظت كيف أنّ اللّه تعالى لم يقل (إلى ربّك منتهى كلّ شيء) بل أتى بكلمة (منتهى) معرّفة بالألف والّلام لتفيد الاستغراق وحاذفا الجارّ والمجرور منها أيضاً.فإن نحن أضفنا أداة الاستغراق وهي أداة التّعريف إلى عمليّة حذف المضاف هذه.يعود هذه الحذف البلاغيّ يفيدنا في تأكيد ما استدللنا به من هذه الآية الكريمة على ما أردناه في هذا المقام.وإنّ ما يؤكّد هذا المعنى الذي ذهبنا إليه هو أنّ اللّه تعالى أضاف يقول في الآيات التي بعد قوله هذا (وأنّ إلى ربّك المنتهى) فقد أضاف يقول: (وأنّه هو أضحك وأبكى.وأنّه هو أمات وأحيا.وأنّه خلق الزّوجين الذّكر والأنثى.من نطفةٍ إذا تُمنى.وأنّ عليه النشأة الأخرى.وأنّه هو أغنى وأقنى.).وتفيد مضامين هذه الآيات جميعها بأنّ المحرّك الأساسيّ في هذا الكون المادّي هو اللّه سبحانه وتعالى لأنّ خيوط كلّ شيء في قبضته يحرّكها كيفما شاء.ولذلك فلا ينبغي للمؤمن أن ينظر إلى هذه الأشياء المادّية وما تحمله من خواص نظرة الملحد السطحيّة ويظنّ بأنّ خواص هذه الأشياء المادّية هي خواص ذاتيّة لهذه الأشياء، بل إنّ على هذا المؤمن أن يعتقد بأنّ اللّه تعالى هو الذي فوّض هذه الخواص لتلك الأشياء وهو قادر على أن يسلب هذه الأشياء ما تحمله من خواص غير ذاتيّة في أيّ مكان وجدت فيه هذه الأشياء وفي أي زمان كان.وبإمكان القارئ مراجعة كتاب (القضاء والقدر حقيقة كونيّة ثابتة) لتقصّي ما أوردته فيه من أدلّة وأمثلة تثبت مصداقيّة ما ذكرته له في هذا المقام.
خواص الأسباب ليست ذاتيّة
وأزيد القارئ العزيز توضيحا لهذه الحقيقة التي طرحتها على مسامعه فأقول: إنّ من المعروف علميّا هو أنّ جميع العناصر المادّية ذات خواص وتتجلّى هذه الخواص من خلال صلاتها بعضها ببعضها الآخر فالماء يُطفئ النّار.والنّار تحرق الأشياء. وإنّ الإنسان الذي يفكّر بمعزلٍ عن الدّين ينظر إلى ما اختصّ به الماء من خاصّية وأنّ ما اختصّت به النار من خاصّية فيذهب ظنّه إلى أنّ هذه الخواص هي خواص ذاتيّة للماء وللنار. لكنّ الدّين وعلى حسب ما بيّنته في مؤلّفي (القضاء والقدر حقيقة كونيّة ثابتة) ينبّه هذا الإنسان إلى أنّ هذه الخواص التي تتحلّى بها المواد ليست هي بخواص ذاتيّة لهذه الأشياء بل هي خواص مفوّضة إلى هذه الأشياء المادّية كتفويض القاضي ببعض صلاحيّاته إلى شرطيّ المرور وإعطاءه الحقّ بفرض مخالفات مادّية على المخالفين لأنظمة المرور ،وكتفويض وزير التّموين لموظّفي وزارته ببعض صلاحيّاته وإعطائهم الحقّ بفرض غرامات على الذين يخالفون تسعيرة التموين.وإنّ عمليّة التّفويض هذه تُعطي الإنسان الذي يؤخذ بظواهر الأمور تعطيه أثرا لا يكون صحيحا فيظنّ أنّ موظّف التموين وشرطي المرور يحملان هذا الحقّ كحقٍّ ذاتيٍّ لهما.ولا يعلم بأنّ ما يفعله هذا الشرطي وموظّف التموين إنّما جاء نتيجة لتفويض الرؤساء ببعض صلاحيّاتهم لهذا الشرطي ولموظّف التموين.وإلاّ فإنّه يحقّ للذي فُرضت عليه هذه الغرامة المادّية إن هو لم يقتنع بالغرامة التي نصّت عليها سواء تلك التي هي من طرف شرطيّ المرور وسواء أكانت من طرف موظّف التموين فإنّه يحقّ له الاعتراض على تلك الغرامات المفروضة عليه وذلك بالعودة إلى المراجع القضائيّة أو إلى المراجع التموينيّة المختصّة التي قامت بعمليّة التّفويض هذه.وقد ينجح هؤلاء المسؤولون الحقيقيّون في إلغاء هذه المخالفة أو في تعديلها وذلك حسب معطيات ما لديهم من قوانين وأوامر ومعطيات يلتزمون بها بصورة عمليّة.
فإن أنت انطلقت يا عزيزي القارئ من مفهوم كلمة (دعاء) وعلى حسب ما شرحته لك سابقا. واعتقدت بأنّ اللّه عز وجلّ قد جعل عمليّة الدّعاء هذه وسيلة مخاطبة هذا الإنسان الدّاعي ربّه عز وجلّ بصورة مباشرة وبغير توسّط الرّهبان ورجال الكهنوت ، فإنّ هذا الإنسان المحتاج إلى مساعدة ربّه لكونه قد خلقه (ضعيفا) تعود تُدرك من خلال اعتقادك هذا وبصورة طبيعيّة بأنّ اللّه تعالى الذي هو خالق كلّ شيء قد جعل (الدعاء) سبباً من جملة هذه الأسباب وتلك المسبّبات المادّية المعروفة.لكنّه يختلف عنها من حيث أنّه سببٌ غير مادّي الماهيّة،ويتعلّق بالنظام الروحيّ الموازي لهذا النظام المادّي المعروف. فإن أدرك القارئ العزيز هذه الحقيقة ونظر إلى الدعاء هذه النظرة التي ذكرتها فباعتقاده هذا لا يكون قد اعتقد اعتقاداً غير علميّ وعلى حسب ما سينظر به إليه الملحدون بوجود اللّه عز وجلّ.كلاّ بل إنّه يثبت بهذا الاعتقاد بأنّ اعتقاده ونظرته هذه هي نظرة علميّة حقيقيّة. كما يثبت بأنّ الملحدين بوجود الخالق عز وجلّ ينظرون إلى الأشياء نظرة سطحيّة قصيرة النظر، ولا ينظرون إلى هذه الأشياء نظرة نابعة من واقع هذا الكون الذي أثبتت مُعطيات نظريّة الانفجار العظيم العلميّة التي باتت معروفة بأنّ مادّة هذا الكون مخلوقة وغير أزليّة وأنّه يوجد خالق يمثّله عقل مطلق قد خلق هذه المادّة الكونيّة وأنّه قد حدث ذلك وتمّ خلق هذا الكون قبل اليوم بما يقارب (12-20) مليون عام.فهذه معلومة بإمكان القارئ التوسّع في فهمها وذلك إذا راجع مؤلّفي (النظريّة القرآنيّة الكونيّة حول خلق هذا العالم).
وقد تسألني يا عزيزي القارئ بعد أن أصل بك إلى هذا المستوى من الفهم،تسأل:وما هو دليلك العلميّ الذي يثبت لنا بأنّ اللّه تعالى هو مسبّب الأسباب الحقيقي وأنّه ممُسك بخيوط كلّ شيء في هذا الوجود ؟
فأجيب وأقول: أفلا تذكر كيف أنّي كنت قد قدّمت لك يا عزيزي القارئ الماء والنار كأمثلة بسيطة لتوضيح موضوع الأسباب والمسبّبات وما لها من خواص غير ذاتيّة.وللإجابة على سؤالك أقدّم لك أمثلة أكثر تعقيدا وبقصد توضيح هذه الحقيقة التي سألتني إثباتها بصورة علميّة.فأسألك أفلا تستمع يا عزيزي القارئ إلى النشرات الجوّية وكيف أنّهم يقولون فيها أنّ هناك منخفض جوّي وأنّ هناك مرتفع جوّي ويوضّحون لك مدى تأثير المنخفض والمرتفع على الأحوال المقبلة التي ستأتي على بلادك ؟ فإن أنت سألت هؤلاء المختصّين عن كيفيّة تشكّل هذا المنخفض وعن كيفيّة تشكّل ذاك المرتفع يُعطونك فكرة عن تحرّكات تيّارات هوائيّة باردة وعن تحرّكات تيّارات حارّة وعن تداخلها بعضها ببعضها الآخر وأنّه ينتهي الأمر في النهاية إلى تشكّل منخفض أو إلى تشكّل ما يسمّونه مرتفع.ولكنّهم لا يكونون بإجابتهم هذه قد أمدّوك بالجواب الشافي وببيان المحرّك الحقيقي لِما حدث فعلا.وكان من واجبهم أن يشرحوا لك كيف تشكّلت تلك التيّارات الهوائيّة الحارّة وأين تشكّلت.وأن يشرحوا لك كيف تشكّلت تلك التيّارات الهوائيّة الباردة وأين تشكّلت أيضاً.وليس هذا وحسب،بل أن يشرحوا لك يا عزيزي القارئ لماذا تشكّلت تلك التيّارات الهوائيّة في تلك الأوقات بالذّات ومن هو وراء تشكّلها ؟ لكنّهم يعجزون عن بيان جميع الإجابات الصحيحة عن جميع هذه التساؤلات بسبب عدم توفّر الآليّات اللازمة لديهم لمعرفة أجوبتها.
ولقد أجابك القرآن الكريم على تلك التساؤلات من خلال ردّ صاحب الجنّة المؤمن على صاحب الجنّة المشرك.وذلك في الآيات 37-43 من سورة الكهف،وهو (قال له صاحبه وهو يحاوره أ كفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلا. لكنّا هو اللّه ربّي ولا أُشركُ بربّي أحداً.ولولا إذ دخلت جنّتك قلت ما شاء اللّه لا قوّة إلاّ باللّه إن تَرن أنا أقلَّ منك مالا وولدا.فعسى ربّي أن يؤتينِ خيراً من جنّتك ويُرسلَ عليها حُسبانا من السماء فتُصبحَ صعيدا زَلقا.أو يصبحَ ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا.وأحيطَ بثمره فأصبح يُقلِّبُ كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاويةٌ على عروشها ويقول يا ليتني لم أُشرِك بربّي أحدا.).وقد لاحظت يا عزيزي كيف أنه يبدو من خلال حوار هذا المؤمن مع صاحبه أنّه مؤمن بوجود اللّه تعالى ومعتقد بأنّ ربّه هو الممسك بالخيوط التي بإمكانها تشكيل منخفض جوّي أو بتشكيل مرتفع جوّي. فيسقي اللّه عز وجلّ الأرض التي يشاء سقايتها ويحرم الأرض التي يشاء من إنزال الأمطار فوقها.وعليه فإنّ أدوار الخصب والجفاف التي تمرّ على الأرض وإنّ عمليّة تشكّل المنخفض والمرتفع الجوّي في أيّ مكان من هذا العالم ترتبط ارتباطا موضوعيّا بمشيئة اللّه تعالى ولها علاقة بعمليّة (دعاء) المؤمنين المخلصين الأتقياء وليس بدعاء المؤمنين إيمانا تقليديّا خاويا من شروط قبول هذا الدعاء.وهذا هو سرّ دعاء الاستسقاء الذي علّمنا إيّاه محمّد رسول اللّه (ص) ولندعو به في أيّام الجفاف متوسّلين ومتضرّعين إلى ربّنا وخالقنا أن يُغيثنا بإنزال المطر اللازم لإحياء أراضينا أيّام الجفاف.وإنّ المؤمن الذي لا يكون مؤمنا بهذه الحقيقة التي وضّحتها الآيات القرآنيّة التي أوردتها سورة الكهف وبشكلٍ يقينيٍّ، فليس بإمكان هذا المؤمن أن يصبح أنموذجاً في الدعاء بين يدي اللّه تعالى في مثل تلك الأحوال.ويكفي القول هنا بأنّ الأسباب الظاهرة تشكّل في حقيقة أمرها حلقات من ضمن سلسلة طويلة تنتهي آخر حلقاتها في أيدي اللّه مالك السماوات والأرض وما بينهما ويحرّكها كيف يشاء.
ولا أكتفي بما ذكرته لهذا القارئ العزيز من مثال وجواب بل بإمكان هذا القارئ أن يتناول الذرّة المادّية ومكتشفاتها كمثال دالٍّ على مصداقيّة ما ذكرته له وأن ينظر إلى حال الذرّة المادّية كعلامة دالّة على مصداقيّة ما ذكرته له حتى اللّحظة.

ألا إنّ علماء الذرّة قد اعترفوا بأنّهم كلّما اكتشفوا حلقة من حلقات تركيب الذرّة المادّية التي لا تُرى بالعين المجرّدة كلّما تراءت لهم حلقة جديدة تتعلّق بتركيبها.وبألفاظ أخرى فإنّ هذه السلسلة المؤلّفة من حلقات تركيب الذرّة ممتدّة إلى المدى الذي يعود من المستحيل على الإنسان اكتشافها وتكون تلك الحلقات الأخيرة في حقيقة الأمر في قبضة خالق هذه المادّة ومالكها.فمن أسماء اللّه تعالى الحسنى أنّه (الّلطيف) بمعنى العالم بخفايا الأمور ودقائقها،وهي صفة ذات.ولذلك فإنّ من معاني صفة الّلطيف أيضا أنّه تعالى البرّ بعباده والمحسن إلى خلقه بإيصال المنافع إليهم برفقٍ ولُطف.لذا فهذا المعنى من صفات الأفعال.أي أنّ اللّه تعالى هو العليم بخفايا الأمور ودقائقها كخفايا الذرّة المادّية وخفايا نفس الإنسان وعقله،هذا من جهة.ومن جهة ثانية فهو من هذه الحيثيّة القادر على إيصال المنافع إلى عباده والإحسان إليهم (محيط المحيط)
وهذه حقيقة تنطبق على ما يملكه هذا الإنسان من نفس وعقل ولقد أثبتّ في مؤلّفاتي وبأدلّة علميّة بأنّ نفس الإنسان وعقله مركّبان من ماهيّة هي في قبضة خالقها وتابعة لسلطان اللّه الخالق مباشرة. وأنّ الحواس الخمس التي هي لهذا الإنسان هي مجرّد فروج موجودة في هذا الجسد وقد صمّمت لنقل المعلومات إلى العقل عن طريق الأعصاب والدماغ وأنه بالإمكان تطويرّ النفس البشريّة نحو الأفضل بواسطة
هذه التّعاليم التي جاء بها هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.فهذا هو ما أردت بيانه حول موضوع الأسباب والمسبّبات المادّية وحقيقتها.
الدّعاء وعلاقته بالأقدار
وأوّل ما ينبغي أن أبيّنه هو: ماذا أردت من كلمة الأقدار ؟ فأقول: إنّ كلمة الأقدار جمع كلمة (قدَر).فالقدَر بفتح الدال كلمة اشتُقّت من قولك: قَدَرَ وقدَّر اللّه الأشياء على قدْر مخصوص بمعنى أنّ اللّه تعالى قد جعل الأشياء على مقدار مخصوص وعلى وجه مخصوص بقدر ما تقتضيه الحكمة الإلهيّة.واسم الفعل من هذه الكلمة هو التّقدير.وعليه تقول:خلقَ اللّه كلّ شيء،وقد قدَّر اللّه كلّ شيءٍ خلقه تقديرا.ولذلك جاءت الأشياء على قَدَر.ولكلمة (قدر) معنى آخر فتقول:قدّر الأشياء ومعناه قاسها ووزَنها.ثمّ إنّ كلمة (القُدرة)تعني القوّة على كلّ شيء إلى جانب التمكّن منه.فهي صفة مؤثّرة تأثيرا موافقا للإرادة.وعلى هذا الأساس اللّغويّ وردت صفة اللّه (القدير) وبصيغة المبالغة ولتعني هذه الصفة أنّ ذات اللّه عز وجلّ قادرة قدرة مطلقة. فهي خالقة لكلّ شيء ومتمكّنة من هذه الأشياء ومهيمنة عليها.وبهذا المعنى ورد قول ربّنا عز وجلّ في الآية الثانية من سورة الفرقان (ولم يكن له شريك في المُلك وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا.).ولقد أقام اللّه تعالى عقيدة (القضاء والقدر) التي أدخلها في الإيمانيّات،أقامها على هذا الأساس من المعطيات اللّغوية التي شرحناها آنفا.
وعليه فعندما أتكلّم عن علاقة الدعاء بالأقدار،أكون أعني الكلام عن محلّ عمليّة (الدعاء) وسط هذه الأشياء المادّية المخلوقة والمقدّرة تقديرا.فالأشياء المادّية من حولنا موجودة ومقدّرة وتابعة لقوانين طبيعيّة، فهل أنّ (للدعاء) من أثر في مجال هذا العالم المادّيّ ؟ فهذا سؤال هامّ لابدّ من الإجابة عليه بأسلوب علميّ.
أقول: إنّ الذي نراه ونشاهده يوميّا وفي كلّ مكان من العالم هو أنّه إن حدث أن ّشيئا ما قد أخذت النار تحرقه وتلتهمه فهناك الماء بمتناول أيدينا نستعين بواسطته على إطفاء هذه النار التي أخذت تلتهم هذا الشيء الذي مسّته النار.ونكون في عمليّتنا هذه التي أقدمنا عليها لإطفاء النار قد فكّرنا تفكيرا مادّيا محضا بالنظر إلى معرفتنا بخواص الأشياء وبالقوانين الطبيعيّة الناظمة لها.وهنا نتساءل عن الدور الذي يحتلّه (الدعاء) في تلك الأحوال ؟ وما هو الأثر المنتظر من الدعاء ؟ فهذا ما أردت بيانه من خلال مضمون هذا العنوان (علاقة الدعاء بالأقدار).
هذا وإنّ القارئ العزيز وبعد أن أحاط علما بمفهوم الدعاء وبمفهوم كلمة (أقدار) يعود بحاجة ليحيط علما ولو بصورة مجملة بما تفيده عقيدة (القضاء والقدر) ومحلّ هذه العقيدة في هذا العالم المادّي الذي نعيش في أرجائه لذلك كان من واجبي أن ألقي ضوء على معطيات عقيدة القضاء والقدر وباختصار فأقول:
اعلم يا عزيزي بأنّ اللّه تعالى حين قدّر أشياء هذا العالم كان قد قدّر في الوقت نفسه ما تحمله هذه الأشياء من خواص وقد أخضع اللّه الخالق هذه الأشياء المخلوقة وما تحمله من خواص أخضعها جميعها لتنظمها القوانين الطبيعيّة المعروفة. وعلى سبيل المثال فإنّ اللّه تعالى قد قدّر الماء فقدّر أنّ من خاصّية هذا الماء إطفاء الظمأ وكذلك من خاصيّته إطفاء النار.فهذا يحدث على صعيد الأشياء المادّية.أمّا على صعيد الأشياء الروحيّة التي منها هذه النفس البشريّة والتي يجوز أن نسميّها روح هذا الإنسان.فقد قدّر اللّه تعالى لهذه النفس البشريّة أن يقوّم صاحبها بتطوير ما تملكه هذه النفس من قوى بمعطيات أسماء اللّه الحسنى وأن يقوم بتغذية هذه النفس البشريّة بالعبادات وبالأعمال الصالحات وعلى شاكلة ما يفعله تجاه هذا الجسد الذي تقع النفس في إساره،فهو يقوم بتغذية هذا الجسد بهذه الثمار وبالخضراوات وبالحبوب التي تنبتها هذه الأرض وبما اشتملت عليه من مياه ينابيع وأنهار.
فعلى هذه الصورة فإنّ اللّه تعالى قد قدّر أن تكون العبادات والأعمال الصالحات هي الغذاء الروحيّ المناسب لتغذية الإنسان المؤمن ما يحمله من نفس بهذه الأشياء.ولذلك فقد جعل اللّه تعالى لكلّ عبادة ولكلّ عمل صالح خاصيّته وأثره الروحيّ الذي يتركه في هذه النفس البشريّة. وقد أخضع تعالى هذا كلّه لنظام روحيّ موازٍ للنظام الكوني المادّي المعروف كما جعل لهذا النظام الروحيّ قوانينه القدريّة الناظمة له أيضا.علما بأنّ هذا القارئ العزيز إن شاء التوسّع في فهم موضوع عقيدة القضاء والقدر،فما عليه إلا أن يراجع مؤلّفي (القضاء والقدر حقيقة
كونيّة ثابتة).
وبعد أن قمت بهذا التوضيح سالف الذكر وباختصار شديد أعود للكلام عن علاقة موضوع (الدعاء) بموضوع الأقدار الكونيّة الروحيّة.فأقول لك يا عزيزي القارئ ولكن باختصار شديد أيضا: إنّ علاقة عمليّة (الدّعاء) بالأقدار الكونيّة الروحيّة هي عمليّة تشبه إلى حدّ كبير علاقة الماء وتبخّره إلى أعلى وتجمّعه في السماء وتشكّله على شاكلة سحُب ممطرة تهطل منها الأمطار لتسقي الأرض العطشى حيث هطلت تلك الأمطار.ويكاد يخضع هذان الشيئان: الدّعاء وتبخّر الماء لقانون واحد يشبه الواحد الآخر.وسأخصّص عنوانا يدور حول آليّة عمل (الدعاء) في الوقت المناسب.لكنّي أحاول الآن التوسّع في شرح علاقة (الدعاء) بالأقدار الكونيّة الروحيّة الخاصة منها .ولكي نتفهّم هذه العلاقة على حقيقتها فإنّ من واجبنا العودة إلى ما بحثناه عندما تكلّمنا عن مفهوم الدعاء.فأنت تذكر يا عزيزي القارئ بأنّ حرفي الدال والعين قد دلاّنا على معنى (الحركة والدفع والاضطراب).كما تذكر كيف أنّ إدخال حرف العلّة على هذين الحرفين المذكورين قد حصرا معنى كلمة (الدعاء) المؤلّف من هذه الحروف الثلاثة في معنى (الابتهال إلى اللّه تعالى والرّغبة إليه بالسؤال والرغبة فيما عنده من الخير).وبألفاظ أخرى فقد تبيّن لنا بأنّ (الدّعاء) يستند في حقيقته وأساس وضع تسميته اللّغويّة يستند إلى حالة اضطراب هذه النفس البشريّة وإلى تحركها ودفعها صاحبها إلى فعل شيء لتسكين هذا الاضطراب النفسيّ الناشئ فيها. وقد تحدّد معنى هذا الشيء المطلوب الإقدام عليه بعد إضافة حرف العلّة على حرفي الدال والعين وذلك المعنى تحدّد في عمليّة (مناجاة هذا الإله خالق السماوات والأرض والابتهال بين يديه بعد الرّغبة إليه وسؤاله فيما عنده من الخير).وهذا هو معنى (دعا المؤمن اللّه تعالى).
وقبل أن أتقدّم خطوة أخرى على هذا الطريق أرى أن أوضّح للقارئ معاني هذه الكلمات الواردة فيما ذكرته من قبل وهي كلمتا (الابتهال والخير) الواردتين في دلالة ومفهوم كلمة (دعاء).أن أقوم بتوضيح معاني هاتين الكلمتين المذكورتين وذلك ليتمكّن هذا القارئ من الإحاطة جيّدا بهذه المعاني التي دلّت عليها كلمة (دعاء).فأقول: إنّ كلمة (ابتهل إلى اللّه تعالى) تعني بأنّ هذا المبتهل دعا اللّه ربّه بإخلاص واجتهاد وبتضرّع.وأمّا كلمة الخير فهي ضدّ الشرّ، وتعني الخير المطلق الذي هو الجنّة التي يسعى للحصول عليها جميع المؤمنون.وقيل إنّ الخير يعني طلب شيء يناسب طالبه ويليق به.وقد يُطلق الخير على المال مطلقا وجمعه أخيار (محيط المحيط).وعليه فإنّ القصد من كلمة (دعاء) المكوّنة من هذه الأحرف الثلاثة هو حضّ هذا الإنسان الذي آمن بوجود اللّه تعالى على أنّه حين يواجهه شيء يجعله مضطربا ومدفوعا للبحث عمّا يدفع عنه اضطرابه، أن يعمد إلى هذه الوسيلة التي أوجدها ربّه عز وجلّ لصالحه وبسبب أنّه تعالى قد خلق هذا الإنسان ضعيفا.فالدعاء يعني حضّ هذا الإنسان الذي اضطرب لسببٍ من الأسباب أن يبتهل إلى اللّه تعالى والذي اعتقد هذا المؤمن بوجوده وأن يبتهل إليه سبحانه وتعالى وأن يدعوه بإخلاص واجتهاد وبتضرّع طالبا ما عند ربّه عز وجلّ من خير ألا وهو الجنّة أو ما يناسبه ويليق به ليدفع عنه اضطرابه.فإن كان هذا الدّاعي مؤمنا إيمانا حقيقيّا وإلى حدّ اليقين بوجود ربّه عز وجلّ وأقدم على الابتهال إليه ودعاه، فإنّ اللّه تعالى يستجيب لدعائه ولا يخيّب دعاء هذا المؤمن يقينا.
دعاء الصلاة الإسلاميّة دعاء أمثل
هذا وتعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه تعالى قد فرض على المسلم القيام بأداء فريضة الصلاة خمس أوقات. فهو تعالى فرض عليه هذه العبادة التي تعني لغة (الدّعاء). فالملاحظ بأنّه تعالى قد فرض عبادة الصلاة هذه على هذا المسلم محدّدة بحركاتٍ وبأدعية وبقراءات وبأذكار وعلى نحوٍ محدّدٍ لتساعد فريضة الصلاة هذا المؤمن على اتّخاذ فريضة صلاته مطيّةً له بُغية الحصول على أسمى ما يليق بهذا الإنسان المؤمن وبما هو في صالحه وهو أن يطلب من ربّه جلّ شأنه أن يُدخله في زمرة الذين أنعم عليهم من عباده الصالحين وليصبح هذا المؤمن أهلا لنيل جنّة اللّه الموعودة ومن المقرّبين . لذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى قد فرض على هذا المصلّي أن يتوجّه في صلاته نحو ربّه عز وجلّ يدعوه بدعاء فاتحة الكتاب أوّل ما يدعوه فيحمد اللّه تعالى فيها ويعترف بما يحمله لله بارئه من أسماء حسنى ومن ثمّ يبتهل إليه ويدعوه (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين .اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين.آمين).علما بأنّ اللّه تعالى قد حدّد في الآية 69 من سورة النساء مَن هم هؤلاء الذين أنعم اللّه تعالى عليهم وقال هناك (ومن يُطع اللّه والرسول فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبييّن والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.).
وبناء على ما تقدّم أكون قد وضّحت لك يا عزيزي القارئ صلة هذا (الدعاء) المسنون في الصلاة الإسلاميّة بالأقدار الكونيّة الروحيّة ولو على سبيل الإجمال.فالأسباب المادّيّة وحدها يستحيل أن توصل هذا الإنسان إلى الاتّصال باللّه تعالى لطلب مغفرته وإلى الاستعانة بقُدراته وللتّعرّف عليه.لذلك أبدع اللّه تعالى هذه الوسيلة المطلوبة التي هي الدعاء وعلى صورة هذه الصلاة الإسلاميّة المعروفة لتشكل لهذا الإنسان المؤمن الوسيلة اليومية للوصول إلى اللّه تعالى ولطلب مغفرته ولطلب التّعرّف عليه وللاستعانة بقدراته وهي وسيلة (الدّعاء) الذي خصّصنا هذا الكتاب لبحثه وللكلام فيه. ولا تظنّن يا عزيزي القارئ بأنّ تعاليم الدين الإسلاميّ الحنيف هي وحدها التي علّمت أتباعها من المؤمنين وسيلة الدّعاء هذه ومناجاة اللّه تعالى والدعاء بين يديه.بل إنّ اللّه تعالى كان قد فتح هذه النافذة وفرض تلك الوسيلة ما بينه تعالى وما بين عباده منذ بعثة آدم عليه السلام.لكنّ الذين جاءوا من بعده ابتدعوا وسائل أخرى لتحقيق هذه الغاية،ابتدعوا وسائل ما أنزل اللّه بها من سلطان وقد فضحهم القرآن الكريم عندما قال اللّه تعالى في الآيات 25/26/27 من سورة الحديد وبألفاظ واضحة الدّلالات: (لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان لِيقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديدٌ ومنافع للنّاس ولِيعلمَ اللّه نَن ينصره ورُسُله بالغيب إنّ اللّه قويّ عزيز.ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذرّيّتهما النبوّة والكتابَ فمنهم مُهتدٍ وكثيرٌ منهم فاسقون.ثمّ قفّينا على آثارهم برُسلنا وقفّينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتّبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانيّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلاّ ابتغاء رضوان اللّه فما رَعوها حقّ رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثيرٌ منهم فاسقون.)
محمّد (ص) ووسيلة الدعاء
لكنّ الذي ينبغي أن تعرفه يا عزيزي القارئ بأنّ ما كان قد فتحه سبحانه وتعالى من هذه الوسيلة منذ بعثة آدم عليه السلام كانت تلك تمثّل مجرّد بدايات إلى أن جاء الإسلام فأكمل فتح هذه النافذة وأكمل وجهها على صورة معجزة ظهرت معالمها من خلال الأحداث الخطيرة التي تعرّض لها هذا النبيّ محمّد المصطفى (ص) في حياته وتمّت معالجتها بوسيلة الدعاء التي أحدثت معجزات بعيدة عن الأسباب المادّية وفي وقت ما كان من الممكن معالجة تلك الأحداث الخطيرة إلا بهذه الوسيلة التي هي الدعاء.
ولتوضيح هذه الحقيقة التي ذكرتها لك يا عزيزي القارئ أحاول أن أعطيك فكرة ولو موجزة عن الأقدار الخاصّة وعن علاقة الدّعاء بها لتعلم وبشكل علميّ أنّ ما ذكرته لك هو أمر يقينيّ.ومن منطلق أنّ العلم يقوم على الملاحظة والتجربة والاستنتاج.وإنّ تجارب محمّد رسول اللّه (ص) التي أمست عبر التاريخ من المسلّمات فقد عادت تشكّل حقائق ارتكزت إلى أساس علميٍّ وهو عنصر (التجربة).وهذه الحقيقة تدفعني لأقوم بتقديم أمثلة بارزة مما واجهه محمّد رسول اللّه (ص) خلال سني أدائه لرسالة ربّه عز وجلّ ولتوضّح لك هذه الأمثلة كيف أنّ محمّدا (ص) قد تمكّن من معالجة مشاكله المعقّدة بواسطة الدعاء خاصّة وكيف أنّ ربّه عز وجلّ قد شمله بأقداره الخاصّة بعد أن استجاب له أدعيته وقد جاءت النتائج المباشرة لأدعيته (ص) تتحدّث عن استجابة اللّه عز وجلّ له بشكل معجزٍ وبعيد عن الأسباب المادّية وأثبت اللّه تعالى بذلك وجوده ووجود وسيلة الدّعاء هذه التي نتكلّم عنها وأثبت تعالى بأنّه هو الذي أرسل محمّدا (ص) بدعوة الحقّ في حينه.
وهذا المثال الأول أقدّمه لك من خلال معطيات أحداث أوّل معركة كبيرة خاضها المؤمنون بعد أن أصبح لهم في المدينة المنوّرة حكومة وجيش مؤلّف من المهاجرين والأنصار.وهذه المعركة هي معركة (بدر الكبرى) المعروفة. فأختصر وأقول بأنّه قد وصل إلى علم محمّد رسول اللّه (ص) وذلك بعد مضيّ ثلاثة عشر شهر من هجرته (ص) إلى المدينة المنوّرة وتشكيله حكومة هناك فيها، فقد وصل إلى علمه بأنّ أبا سفيان قد جهّز جيشا من ألف مقاتل وسار به تجاه المدينة المنوّرة بحجّة حماية قافلتهم التجاريّة العائدة من الشام.وخشي محمّد (ص) أن يفكّر هؤلاء بعمل عسكريّ ضدّه. لذلك اصطحب رسول اللّه (ص) معه كلّ من تبرّع بالذهاب معه من المهاجرين والأنصار لاستطلاع حقيقة هذا الخبر وفي وقت لم يكن الأنصار من أهل المدينة قد عاهدوه بعد على القتال إلى جانبه ولا الدفاع عنه (ص).وهكذا اجتمع حول رسول اللّه (ص) ثلاثمائة وثلاثة عشر مهاجر وأنصاريّ وكان بينهم صبيّان لم يبلغا بعد سنّ رشدهما.فغادر هؤلاء المدينة بصحبة رسول اللّه (ص) وهم لا يدرون هل سيلقون قافلة أبي سفيان وحرّاسها المؤلّفين من ألف فارس متمرّس على القتال أم لا.وقد غادروا المدينة المنوّرة من دون إجراء أيّ استعداد من طرفهم للقتال.وكان أكثر هؤلاء من الراجلين ولم يكن معهم من السلاح ما يكفي لمجابهة ألف فارس من قريش.وكان معهم بعض إبلهم وفرس واحدة فقط.
وأقول باختصار أيضا أنّ رسول اللّه (ص) والذين رافقوه قد شاهدوا أنّ فرسان قريش قد عسكروا على أرض صلبةٍ بعيدا عن نبع موقع يسمّى موقع بدر.قد عسكروا هناك على تلك الأرض الصلبة لأنّها تصلح لكرّ وفرّ هذا إن حدث فوقها قتال.وكانت أرض نبع بدر رمليّة لا تصلح لكرّ وفرّ هي أيضا إذا ما وقع فوقها قتال لذلك ترك المشركون النبع وما حوله فارغا ولذلك كانوا قد عسكروا فوق الأرض الصلبة من منطلق نظرة حربيّة ليس إلاّ.فتصوّر يا عزيزي القارئ حالة عدم التوازن التي كان عليها هذان الطرفان.فلم يتوفّر بين المؤمنين والمشركين أيّ توازن من جهة العدد ولا أيّ توازن من جهة العُدّة والسلاح.كذلك حدث اختلال ما بين الأرض الصلبة التي عسكر فوقها المشركون وما بين الأرض الرمليّة التي عسكر فوقها المؤمنون إن هي حدثت معركة بين هذين الطرفين المذكورين.وعليه فقد كان هناك عدم تكافؤ ما بين الطرفين هذين من جميع النواحي المطلوبة لخوض معركة وقتال.وبالتالي فإنّ كلّ محقّق باحث عن الحقيقة ما كان يتصوّر أن تنتصر فئة المؤمنين القليلة العدد والعُدد على فئة فرسان المشركين الكثيرة العدد والعُدد والمتمرّسة بالقتال إن وقعت معركة ما بينهما في ذاك المقام ؟ وهنا بيت القصيد،فتعال أخبرك كيف اعتمد محمّد رسول اللّه (ص) لحلّ تلك المشكلة الخطيرة التي واجهته عند وصوله عند موقع بدر المشار إليه وهي وسيلة (الدّعاء) هذه الوسيلة التي حوّلت عدم التكافؤ إلى متغيّرات عادت في صالح فئة المؤمنين وبنتيجة ذاك الدعاء.فاعلم يا عزيزي القارئ أنّه وحسب ما أوردته كتب التاريخ فلم تذق أعين محمّد رسول اللّه (ص) النوم في تلك اللّيلة التي أمضاها المؤمنون في الموقع الذي عسكروا فيه حول نبع الماء وعلى أرض رمليّة.فقد أحيا رسول اللّه (ص) تلك اللّيلة قائما وهو يصلّي ويبتهل إلى ربّه متضرّعا وقائلا (اللّهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذّب رسولك.اللّهم فنصرك الذي وعدتني .اللّهم إن تهلك هذه العصابة اليوم- وأشار بقوله هذا إلى فئة المؤمنين- فلا تُعبد بعد اليوم.) –سيرة ابن هشام الجزء الثالث صفحة 267 والزرقاني-. فهذا هو مضمون الدعاء الذي بات محمّد رسول اللّه (ص) يدعو به ربّه طوال تلك اللّيلة.فماذا حدث من متغيّرات بنتيجة ذاك الدعاء ؟ ألا فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ قد سمع تضرّعات رسوله الكريم وما أن لاح ضوء نهار تلك اللّيلة حتّى استفاق جميع من بات في موقع بدر برفقة محمّد رسول اللّه (ص). وإذا بالسماء وقد تلبّدت بالغيوم في سماء موقع بدر فجأة وقد أنزل اللّه تعالى الغيث الشديد فوق هذين الموقعين: الموقع الذي كان المشركون قد عسكروا فوقه.والموقع الذي كان المؤمنون قد عسكروا فوقه.ونتج عن نزوله الأمطار أنّ الأرض الرمليّة التي كان قد عسكر المؤمنون فوقها تلبّدت وأصبحت صالحة لكرّ وفرّ. وأمّا الأرض التي كان قد عسكر فوقها فرسان قريش فقد أوحلت نتيجة لهطول الأمطار فوقها وما عادت صالحة لكرّ وفرّ أثناء المعركة.وقد حدث هذا التّغير على الأرضّ وهو تغيّر ما كان موجودا في حساب هذين الطرفين ولذلك فقد أخلّ ما حدث من متغيّرات بموازين كلّ طرف من هذين الطرفين.ولم يحدث هذا صدفة بل حدث بعد أن كان محمّد رسول اللّه (ص) قد بشّر أصحابه صباحا بالنصر على الأعداء وعلى حسب ما بشّره به ربّه في تلك اللّيلة الذي استجاب له أدعيته فيها وفي وقت ما كان يخطر في خيال كلّ طرف من هذين الطرفين المؤمن والمشرك أن يحدث ما كان قد حدث من متغيّرات وإلاّ لكان المشركون قد احتاطوا لهذا الأمر.فرسول اللّه (ص) ما إن أصبح الصباح إلا وقال لجماعته المؤمنة (أبشروا سيهزم الجمع ويولّون الدبُر) وقبض قبضة من الرمل وقذفها في اتّجاه فرسان قريش وقال (شاهت الوجوه).وإذ بالأرض التي كان يقف عليها المشركون قد أصبحت متوحّلة كالطّين بسبب الأمطار الشديدة التي نزلت عليها وعرقلت بذلك تحرّكات فرسان قريش.بينما صلبت الرمال تحت
أقدام المؤمنين.وحدث حادث آخر وهو أنّه بينما أخذ المؤمنون يسوّون صفوفهم لخوض معركتهم مع المشركين. فقد حدث أنّ الصبييّن الأنصارييّن اللذين رافقا القافلة قد تركا صفوف المؤمنين فجأة ومن دون أن يؤمرا بما أقدما عليه ،وانقضّا فجأة من هناك وباتّجاه خيمة (أبو جهل) زعيم قريش والتي كانت محروسة بمقاتلين مدجّجين بالسلاح وراء صفوف جيش قريش فوصلا إلى مكان خيمة أبو جهل وأثخنوه بالجراح تحت دهشة فرسان قريش الذين لم يتوقّعوا حدوث ما حصل بشكل من الأشكال.ومن ثمّ بدأت المعركة بين هذين الطرفين. ولم تمض ثلاثة ساعات على بدء المعركة حتّى تمكّن خلالها هؤلاء الثلاثمائة وثلاث عشر مؤمنا والذين ما كانوا متمرّسين بالقتال فقد مكّنهم اللّه تعالى من التغلّب على أكثر من ألف فارس مغوار كما مكّنهم من قتل أكابر زعماء المشركين وفي وقت كان أكثرهم أعزل من السلاح.وكانت النتيجة أن ولّى فوارس قريش الأدبار عائدين إلى مكّة يجرّون أذيال خزي وعار. فهذا مثال تاريخيٌّ وواقعيٌّ قدّمته للقارئ العزيز من تجربةٍ حدثت على أيدي محمّد المصطفى (ص) بعد هجرته إلى المدينة المنوّرة ولا ينكرها أحد من الناس.وإنّ كتب التاريخ تشهد على حقيقة وقوعها ويحتفل المسلمون كلّ عام بذكراها.فهي تجربة مشهورة.علماً بأنّ من المعروف في عصرنا هو أنّ العلم يقوم في حقيقة أمره على ثلاثة ركائز هي الملاحظة والتجربة والاستنتاج وعلى حسب ما هو معروف لدى علماء هذا العصر.وعليه فهذه التجربة التي حدثت على أيدي محمّد المصطفى (ص) في موقع بدر هي في حقيقة أمرها تجربة علمية إذن وقد قدّمتها للقارئ العزيز من خلال ما وقع من معركة عند موقع نبع بدر ما بين محمّد وأصحابه الذين ما كان يزيد عددهم عن ثلاثمائة وثلاثة عشر أكثرهم راجلين وغير مسلّحين.وما بين جيش المشركين الذي كان مؤلّفا من ألف فارس مغوار. أقول: إنّ على أمثال هذه التجارب التي تدخل في باب التجارب العلميّة أكون قد أحطتك علما يا عزيزي القارئ بمدى فعّاليّة وسيلة (الدعاء) التي أتت بها تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.ويكفي القول هنا بأنّه لو لم يأت دعاء رسول اللّه (ص) بهذه المتغيّرات في ذاك الحين لكان المشركون قد تمكّنوا من القضاء على تلك الزمرة المؤمنة،ولكان قد تغيّر نتيجة لذلك وجه تاريخ الدّعوة الإسلاميّة يقينا.هذه الدّعوة السماويّة التي غيّرت ببقائها وبتقدّمها وجه التاريخ. وأعود بالقارئ العزيز الآن إلى تجربةٍ تاريخيّة أقدم من هذه التجربة تاريخيّا، ويعترف بحقيقة وقوعها كلّ قاصي وداني من المسلمين ومن غير المسلمين أيضا.وهي تجربة النبي نوح عليه السلام.فقوم نوح عليه السلام وقفوا منه كما ذكرته الكتب الدينيّة المعتمدة وقفة قريش قوم محمّد رسول اللّه (ص) منه. فقوم نوح عليه السلام سخروا من ادّعائه أنّه نبيّ اللّه تعالى واتّهموه بالسحر والجنون وسخروا ممّن آمن به واضطهدوهم جميعهم شرّ اضطهاد.
فنوحٌ عليه السلام وبعد أن أمره ربّه عز وجلّ أن يصنع الفُلك ازداد قومه سخرية منه وكانوا كلّما مروّا بجانبه أشبعوه سخرية واستهزاء حتى وصل الأمر به إلى حدّ مواجهة أعقد مشاكل حياته مع قومه.فماذا فعل نوح عليه السلام بعد أن تعقّد الأمر في وجهه وضاقت عليه السبُل؟ الذي حدث هو أنّ نوحا عليه السلام لم يفكّر بالأخذ بالأسباب المادّية المعروفة من عُددٍ وأعداد لحلّ مشكلته مع قومه بل عمد إلى الدّعاء والابتهال بين يدي ربّه وكما فعل محمّد المصطفى (ص) من بعده.عمد إلى هذه الوسيلة التي هي وسيلة (الدعاء) وإنّ القرآن العظيم قد اختصر لنا بيان ما أثمره دعاء نوح عليه السلام وابتهاله وذلك في الآيات 9-17 من سورة القمر تلك الآيات التي وردت مصاغة بصياغة بلاغيّة معجزة عبّرت عمّا جرى آنذاك لنوح عليه السلام مع قومه فهو تعالى قال: (كذّبت قبلهم قوم نوح فكذّبوا عبدَنا وقالوا مجنونٌ وازدجر.فدعا ربّه أنّي مغلوبٌ فانتصِر.ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمِر.وفجّرنا الأرض عُيونا فالتقى الماء على أمرٍ قد قُدِر.وحملناه على ذات ألواح ٍودُسُر.تجري بأعيننا جزاءً لمن كان كفر.ولقد تركناها آيةً فهل من مّدّكِر.فكيف كان عذابي ونُذُر.ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل من مدّكِر.).علما بأنّ إخبارنا بتفاصيل ما كان جرى لنوح عليه السلام لم يأت ما يسمّونه (العهد القديم) على بيان حقائقه على وجهها الحقيقيّ لذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه تعالى ما إن فرغ من سرد قصّة نبيّه نوح مع قومه إلا وتراه سبحانه وقد قال (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كُنت تعلمُها أنت ولا قومُك من قبل هذا فاصبر إنّ العاقبة للمتّقين.).هذا وبإمكانك يا عزيزي مراجعة كتابي (في ظلال دلالات سورة هود) للتزوّد بتفاصيل ما أطلعتك عليه.
فتصوّر يا عزيزي ألا يحدث في تلك الأيّام طوفان نتيجة لدعاء نوح التي أتت على ذكره الآيات سالفة الذكر.فماذا كان سيحدث ؟ الذي كان سيحدث هو أن يموت نوح وتنطفئ شعلة دعوته السماويّة ويظلّ قومه يرسخون في ظلمة الشرك والجهل والتخلّف.ويترك ذلك آثاره حتى أيامنا هذه.لكنّ التاريخ سجّل للبشريّة تجربة نوح العلميّة القائمة على أساس من وسيلة الدعاء الذي هو موضوع بحثنا في هذا الكتاب.
وعلى هذه الصورة أكون قد قدّمت للقارئ العزيز تجربتين
علميّتين من صلب أحداث التاريخ البشريّ ويسلّم بهما جميع من هو موجود في عصرنا من مفكّرين وباحثين.وتدليلاً على صلة الدعاء بالأقدار الخاصّة الكونيّة أيضا.فلولا أن كان قد قدّر اللّه تعالى أقدارا خاصّة كونيّة تأييدا للرسولين المذكورين ونتيجة لاستجابة اللّه تعالى لأدعية الرسولين المذكورين فما كان ليحدث ما كان قد حدث تاريخيّا.فالدعاء المخلص المستوفي لشروط قبوله عند اللّه تعالى إذن يترك أثره على الأقدار ويتولّد عنه قدر كونيّ خاص يقينا.بالرّغم من أنّ الدعاء لا يدخل في باب الأشياء المادّية وبالرّغم من أنّه لا يدخل في الأسباب المادّية التي يعترف بها الملحدون بوجود اللّه تعالى.
وإنّ هذه الحقيقة تشكّل في جوهرها الدافع الذي يدفع كلّ مؤمن تقيٍّ مخلص لاتّخاذ (الدعاء) وسيلته المفضّلة عندما تُظلم الدنيا في وجهه ولا يعود بين يديه من وسيلة للخروج من مشاكله إلاّ وسيلة الدعاء الذي إن استجاب اللّه تعالى لهذا المؤمن دعاءه يخلق من أجله قدراً كونيّا خاصّا يحلّ له مشاكله وينقذه ممّا أحاط به من ظلام.واستنادا إلى جميع ما بيّنته إلى الآن من بيّنات للقارئ العزيز أحاول أن أُطلِع هذا القارئ على آليّة عمليّة الدعاء هذه وبأسلوب علميّ أيضا.
آليّة عمليّة الدعاء
إنّ من المعلوم يا عزيزي القارئ أنّ لكلّ شيء آليّة عمله.ومن خلال مراقبة حلقات عمل كلّ شيء يصل الباحث إلى معرفة نتائجها المرجوّة منها. وإنّ وسيلة (الدعاء) لها آليّة عملها هي أيضا.وإنّ الدعاء يمرّ بحلقات عمل إلى أن تنتج عنه استجابة اللّه تعالى لمضمونه.
وقبل أن أحاول إطلاعك يا عزيزي القارئ على الحلقات التي يمرّ منها مضمون ما ابتهلت إلى ربّك ليساعدك فيه وليستجيب لطلبك أرى أن أعطيك فكرة عمّا يشابه عمليّة الدعاء من الأشياء الماديّة.ذلك أنّي كنت قد شبّهت لك الدعاء من قبل بالماء الذي تبخّر وتشكّلت منه الغيوم الممطرة.فلاحظ معي وتساءل: متى يتبخّر الماء ويصبح ضبابا ؟ الجواب تلاحظه يا عزيزي إن أنت راقبت زوجتك وهي تغلي الماء في وعاء.فأنت تلاحظ في تلك الدقائق أنّ الماء بعث بما نسمّيه بخار الماء وأنّ هذا البخار اتّخذ طريقه صعودا في الهواء باتّجاه السماء.فهذا يحدث في المطبخ وعلى أضيق نطاق.فإن أنت وقفت على شاطئ بحيرة أمست مياهها ساخنة من شدّة الحرّ فإنّك تلاحظ صعود أبخرة من تلك البحيرة تتّخذ طريقها هي أيضا صعودا نحو السماء.وهذا الأمر نفسه يحدث في كلّ مكان وُجدت فيه بحيرة ماء أو بحر كبير أو نهر يجري في الوديان. فأنت تلاحظ بأنّه من دون أن يشتدّ الحرّ ومن دون أن تسخن مياه تلك الأشياء فلا تتصاعد أبخرةٌ في الجوّ ولا ترتفع إلى السماء ولا تتشكّل نتيجة لذلك أيّة غيوم أو ضباب.
فهاتان حلقتان من حلقات آليّة تبخّر المياه وتشكّل الغيوم والضباب.ويأتي دور الحلقة الثالثة وهي تصادم تيّارات هواء باردة وتيارات هواء ساخنة ولينتج عن تصادمها تحوّل تلك الأبخرة التي كانت قد اتّخذت أشكال غيوم وضباب، تحوّلها إلى حبّات من المياه أو البرد أو الثلج وهطولها في أمكنة قد تكون فوق مناطق التبخّر أو تكون في أمكنة بعيدة عن مناطق تبخّر تلك المياه.وبألفاظ أخرى فإنّه ليس بشرط أن تتحقّق الحلقة الثالثة من حلقات آليّة تبخّر الماء فوق المكان الذي تبخّرت منه.بل تسيّر ما تشكّل من سحاب وضباب يدٌ خفيّةٌ تعمل من وراء سِتار،أقول تسيّر تلك السحب وذاك الضباب وذلك ليسقي أرضا ميتا أو حيث شاء ذاك الذي يسيّر ذاك السحاب وذاك الضباب.
فإن أنت وعَيت يا عزيزي القارئ حلقات آليّة عمل هذا الماء وتبخّره بشكل موضوعيّ.فإنّ هذا الوعي الموضوعيّ الذي وعَيته يعينك يقينا على وعي آليّة الدّعاء المخلص والحلقات التي يمرّ منها لينتج عنه ما شاء اللّه تعالى أن يحقّقه من ذاك الدعاء المخلِص المطلوب الابتهال بواسطته إلى اللّه عز وجلّ.
الفاتحة ومراحل آليّة الدّعاء
وأرى أنّ من الضروري بادئ ذي بدء أن أحيطك علما يا عزيزي القارئ بمعالم المرحلة الأولى لآليّة عمليّة الدّعاء المخلص المطلوب هذه المرحلة الأولى التي وجّهنا إليها دُعاء (فاتحة الكتاب) الذي لا تصحّ الصلاة بدونه.فقد أعطتنا آيات الفاتحة درسا ينبغي على العبد المؤمن أن يتذكّره ويحيط به علما ويراعيه كلّما توجّه إلى الدعاء والابتهال بين يدي خالقه عز وجلّ.وهذا الدرس المشار إليه لقّننا إيّاه هذا الترتيب الذي رُتّبت به آيات دعاء فاتحة الكتاب.
فأنت تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ مضامين آيات فاتحة الكتاب تنقسم من حيث ترتيبها إلى ثلاثة أقسام:
أوّلا-أمّا القسم الأوّل من آيات فاتحة الكتاب وهو دعاء
(الحمد للّه ربّ العالمين.الرحمن الرحيم.مالك يوم الدين.) فإنّ هذا القسم الأوّل من هذه الآيات قد تضمّن أكمل ما ينبغي على المؤمن أن يفعله بين يدي خالقه وهو أن يقوم بادئ ذي بدء بمديح هذا الخالق والثناء عليه وأن يفعل هذا بصورة فطريّة لا تكلّف فيها وعلى شاكلة ما كان يفعله الشعراء قديما بصورة فطريّة بين أيدي مليكهم الذي جاءوا يطلبون منه مُنحةً وعطاء.فكانوا يفعلون هذا وذلك تعبيرا من جانبهم عن اعترافهم بكامل إخلاصهم لمليكهم وباعترافهم بسيادته عليهم.وعليه فإنّ هذه الآيات الأوائل من سورة الفاتحة أعطت درساً لهذا العبد المؤمن من خلال مضامينها المصاغة بصيغة الغائب عن أنظاره.أن يقف بين يدي ربّه وأن يقرّ أوّلا ومن خلال قوله (الحمد للّه ربّ العالمين.) بأنّ خالقه موجود وأنّه استحقّ من جانب هذا العبد المؤمن الثناء عليه تعالى بجميع أنواع الحمد وأنّ خالقه هذا هو (ربّه) أيضاً. وهذا يعني بألفاظ أخرى أنّ هذا العبد المؤمن يعترف بأنّ خالقه الذي خلقه لم يتركه لتتقاذفه موجات الأقدار هكذا وهو لا يدري إلى أين يصير في نهاية المطاف.بل إنّ خالقه هذا الذي استحقّ من جانبه كامل أنواع الحمد فإنّه تعالى يُشرف على تطوير هذا المخلوق طورا بعد طور ليصل به إلى مصير هو في صالح هذا العبد يقينا.فهو تعالى يطوّره من حال إلى حال ليبلغ به مرحلة إتمام المقصد من خلقه إيّاه.فهذه هي دلالة هذه الآية الأولى من القسم الأوّل من آيات دعاء فاتحة الكتاب.
وإنّ هذا العبد المؤمن حين يضيف ويدعو: (الرحمن الرحيم ) فهو يقرّ بذلك بأنّ هذا الخالق الذي خلقه يتّصف بالأسماء الحسنى التي لخّصها دعاء الفاتحة بهاتين الصفتين الجامعتين وهما: صفة (الرحمان) الذي يعني عطاءً من جانب اللّه الخالق ومن دون مقابل تلقّاه الخالق من جانب هذا المخلوق.وهذه الصفة (الرحمان) قد تضمّنت وجمعت جميع الصفات التي هي للّه الخالق والتي أعانته على خلق هذا العبد من دون مقابل من جانب هذا المخلوق.وصفة (الرحيم) تعني أنّ هذا الخالق يجزي كلّ عبد من عباده يؤمن بربّه ويعمل على تعاليم ربّه عز وجلّ،فإنّه تعالى يجزيه عطاء أكثر من استحقاقه.وعليه فإنّ صفة (الرّحيم) هذه تكون قد تضمّنت وجمعت جميع الصفات التي تعين على هذا العطاء الفيّاض.
وإنّ هذا العبد حين يضيف ويدعو ويقول: (مالك يوم الدّين.) فإنّه بقوله هذا يكون قد أقرّ بأنّ هذا العالم المادّي الذي خُلِقَ فيه ليس هو العالم الأوّل والأخير.بل يقرّ من خلال قوله هذا بوجود عالم آخر غير هذا العالم يأتي بعد موت هذا العبد المؤمن وبعد مفارقته لهذا العالم المادّي. فهو يقرّ بوجود عالم آخر ينتظر استقباله بفارغ الصبر ليستكمل خالقه فيه معالجة جميع الأمراض الروحيّة التي تسبّبت بها مخالفة هذا العبد لأوامر ربّه عز وجلّ ونتيجة لارتكاب هذا العبد من المعاصي ما حال دونه ودون التعرّف على خالقه جلّ وعلا.
فهذه هي دلالات هذه الآيات الثلاثة الأوائل من آيات دعاء سورة فاتحة الكتاب.وهي التي شكّلت المرحلة الأولى التي ينبغي على هذا العبد المؤمن أن يعيها ويستفيد من الدرس الذي لقّنته إيّاه حين يقوم ليدعو ويبتهل بين يدي ربّه عز وجلّ.
ثانيا- وأمّا القسم الثاني من هذا الدرس الذي لقّننا إيّاه دعاء آيات فاتحة الكتاب فهو أن يتوجّه هذا العبد المؤمن بالدعاء من ربّه ليس بصيغة الغائب وكما فعله آنفاً.بل أن يتوجّه بالدعاء من ربّه بصيغة المخاطب الحاضر وليدعو (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين.) وإنّ هذا القسم الثاني الذي يشكّل الحلقة الثانية من درس عمل آليّة الدعاء المخلص المطلوب الذي لقّننا إيّاه دعاء سورة الفاتحة قد علّمنا أننا بعد أن ننتهي من حمد اللّه تعالى والثناء عليه أن نتوجّه بالدعاء بصورة مباشرة وكأننّا نقف بين يدي ربّنا فنقرّ له بالعبوديّة وذلك بوصف حالتنا الراهنة بين يديه ومن ثمّ نبدي ضعفنا وحاجتنا إلى مساعدته خصوصا وأنّه تعالى قد قال صراحة في كتابه العزيز (وخلق الإنسان ضعيفا) وأخضعنا بذلك إلى قانون الاحتياج العام.لذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ هذه الآية الكريمة (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) قد استُهلّت بمخاطبة اللّه تعالى مباشرة وبصيغة (إيّاك) وليس بصيغة الغائب كما كان الحال في آيات حمد اللّه والثناء عليه في الآيات الثلاثة الماضية وقد جيء بفعلين هما (نعبد) و (نستعين).ولندعو (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين.). ففي الدّعاء (إيّاك نعبُد) وصف حالةٍ راهنة لهذا العبد المؤمن.وإنّ فعل (نعبد) اشتقّ من (عبَد اللّه) ومعناه: أطاع اللّه وخضع له وذلّ بين يديه وخدمه والتزم بتعاليم شرائع دينه واعترف بكون اللّه تعالى أحدا لا شريك له في ملكه. وأما فعل (نستعين) فمن قولك (استعان باللّه) ومعناه طلب من اللّه العون.والاستعانة مصدر فعل استعان (محيط المحيط).فالخطاب المباشر إذن في هذه الآية الأولى ذو شعبتين: فالأولى وصف العبد حالته الراهنة فيها من أنّه مطيع للّه ربّه وخاضع له وذليلٌ بين يديه وخادم لدين ربّه وملتزم بالعمل على تعاليم شريعته وموحّدٌ ربّه عز وجلّ وإنّ هذا الداعي حين يصف حالته الراهنة هذه ينبغي أن يكون صادقا فيما وصف به نفسه.والشعبة الثانية لهذا الخطاب المباشر تضمّن طلب العون من اللّه عز وجلّ.ولكن العون على ماذا ؟ وما دام هذا العون قد ورد وقد حُذف منه المضاف فلتصريف معنى هذا العون إلى عدّة جهات: إلى معنى طلب العون على نفسه أوّلا.وطلب العون على أعدائه ثانيا وطلب العون على مساعدته في مسيرة التّقرّب من ربّه ثالثا.وأخيرا طلب العون على قضاء حاجته.فهذه هي دلالة دعاء هذه الآية الأولى (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين.) .
ويأتي دور القسم الثالث من دعاء فاتحة الكتاب الذي يُفصح فيه هذا العبد المؤمن عن أسمى أمنياته التي يسعى للحصول عليها شارحا ما يطلب الحصول عليه من جانب ربّه عز وجلّ.فيقول (اهدنا الصراط المستقيم.).وإنّ وراء هذا الطلب سرّ.فالداعي الذي يدعو ربّه مباشرة بدون توسّط بينه وبين ربّه يدعوه وهو يسعى لتصوّره على ضوء معطيات أسماء اللّه الحسنى.وإنّ هذه الحالة تولّد في نفسه رغبة شديدة لرؤية ربّه وإلى كشف الحجاب القائم ما بينهما.وهي حالة شبيهة بما أصاب موسى عليه السلام ودفعه ليقول (ربّي أرني أنظر إليك) ليصل إلى حال القرب من ربّه.وهذا سرّ طلب القرب من اللّه تعالى في دعاء (إيّاك نعبد)وهو طلب قطع أقرب مسافة ما بينه وما بين ربّه عز وجلّ.ولذلك أبدى هذا العبد المؤمن عجزه وضعفه وأضاف (وإيّاك نستعين) فبيّن هذا العبد المؤمن بأنّ ما خلق اللّه تعالى من أسباب مادّية لا توفّر لأحدٍ من العباد ذريعة الاستعانة على معرفة هذا الخالق الربّ والتقرّب منه للتعرّف عليه.لذلك لم يجد إلا ذريعة واحدة وهي أن يدعو ربّه ويطلب العون منه لتحصيل ذلك القرب فهذه الأسرار تضمّنتها هذه الآية الأولى من هذه الحلقة الثانية من آيات دعاء الفاتحة الذي أعطانا هذا الدرس العظيم في كيفيّة الدعاء والابتهال بين يدي اللّه ربّنا العظيم.وما دام اللّه عز وجلّ قد أقام هذا الكون المادّي على هذا الأساس الذي ذكرناه وهو أنّ وسيلة التعرّف إلى وجود اللّه تعالى والاتّصال به يستحيل أن تعيننا الأشياء المادّية على تحقيقه وأنّ طلبه لا يكون إلا من اللّه الخالق مباشرة.فإنّ اللّه عز وجلّ قد علّم هذا العبد المؤمن في الآية الثانية من هذه المجموعة أن يدعو ويقول (اهدنا الصراط المستقيم) وقد تضمّنت هذه الكلمات أسرارا أيضا.ففعل (اهدنا) أتى من قولك: هداه معناه أرشده وبيّن له وأرشده.وهو ضدّ الضلال.والملاحظ هو أنّه تعالى لم يعلّمنا هنا لنقول (اهدنا إلى الطريق المستقيم) بل علّمنا أن ندعو (اهدنا) وحاذفا تعدّي هذا الفعل إلى صلة (إلى).وكأنّه تعالى قد علّمنا من خلال ذلك بأنّ خالقنا هو (الهادي) وأنّ الهداية محصورة في يديه عز وجلّ فإن استعنّا به، فلنستعين به على أن يهدينا إلى معرفته وإلى الحصول على القرب منه.وليس أن نطلب العون منه أن يدلّنا ويرشدنا ويبيّن لنا شيئا غيره وله صفة الغيريّة بالنسبة إلى ذاته المقدّسة.ولذلك علّمنا أن نطلب الحصول على (الصراط المستقيم).ولم يعلّمنا أن نطلب الحصول على (صراط الإيمان) لكوننا ندعوه تعالى ونحن مؤمنين بوجوده عز وجلّ.وعليه فإنّ كلمتي (الصراط المستقيم) تكونان قد تضمّنتا سرّا أيضا.ذلك أنّ كلمة (الصراط) وردت معرّفة بأداة التّعريف التي تفيد العهد.إشارة إلى أنّ هذا (الصراط) المطلوب ليس هو بشيء جديد بل عرفه كثير من المؤمنين من قبلنا.ثمّ إنّ هذه الأحرف الثلاثة الصاد والراء والطاء تولّدتا في الأصل عن حرفين هما الصاد والراء أو السين والراء الذين يشكّلان أصلا واحدا يجمع في جميع فروعه معنى الخفاء.وإنّ إضافة حرف الطاء على الحرفين المذكورين لم يُزل عنهما معنى الخفاء بل زاد عليه معنى مرّ وذهاب.حيث تقول سرطت الطعام بمعنى بلعته.وإنّ استبدال السين بالصاد لا يبدّل من المعنى شيئا.
وأمّا كلمة (المستقيم) فهي صفة لهذا (الصراط) فالمستقيم في الرياضيّات هو أقلّ مسافة ما بين نقطتين.وقد تضمّن هذا المعنى توسّط الأسباب المادّية ما بين العبد وما بين ربّه من جهة.كما تضمّن معنى
الخفاء لكون الذات الإلهيّة خافية عن أعين العباد.(معجم مقاييس اللّغة) وإن حصيلة هذه الدلالات تنحصر في طلب القرب من اللّه تعالى المباشر والذي يتمّ في خفاء عن أعين العباد.لكنّ هذه الحصيلة تظلّ بحاجة إلى ما يوضّحها أكثر فأكثر في أعين هذا العبد المؤمن لذلك فقد أتى اللّه تعالى بالآية التي تشير إلى السابقين ولتعين على جلاء هذه الحقيقة المطلوبة فعلّمنا سبحانه وتعالى أن ندعو (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين.آمين).
وهنا لاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى لم يعرّف هنا كلمة (صراط) بأداة التّعريف التي تفيد العهد بسبب أنّه تعالى أورد مضاف هذه الكلمة وهو (الذين أنعمت عليهم) وكشف اللّه تعالى بذلك عمّا أراده تعالى من تعليمنا أن ندعو ونطلب (اهدنا) وهو أنّ هذا الطلب يتضمّن معنى طلب الإنعام على هذا العبد المؤمن من اللّه تعالى المؤمن أن يجعله ربّه من المقرّبين منه جلّ وعلا.وهذا المعنى من باب أنّ الآية 69 من سورة النساء قد وضّحت معنى (الذين أنعمت عليهم) فقد ورد هناك قوله تعالى (ومَن يُطع اللّه والرّسول فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبييّن والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.).
والحقيقة هي أنّ اللّه تعالى أورد في هذه الآية الكريمة فعل (أنعمت عليهم) فإن أنت قلت: أنعم اللّه النعمة على فلان، معناه أنّه تعالى قد أحسن على فلان وأوصل نعمته إليه.وإنّ فعل (أنعم) من معانيه أنّه زاد في إحسانه وإيصاله نعمته على فلان.والاسم النَعمة (محيط المحيط) وعليه فإنّ فعل (أنعمت) لم يُستعمل في هذه الآية الكريمة عبثا،ً بل كان وراءه حكمة بالغة وهي أنّ المؤمنين الصادقين مّمن نالوا على مرّ الزمان مقامات النبوّة والصدّيقيّة والشهادة والصلاح ممّن دأبوا دوما على الدعاء والابتهال إلى اللّه تعالى ومستعينين به فقد كان ربّهم يستجيب لهم أدعيتهم فيحسنُ إليهم ويوصل نعمته إليهم والتي هي (الصراط المستقيم) الذي كانوا يدعون من أجل الحصول عليه وهو هذا القرب الإلهيّ المطلوب والذي يحصل في خفاء وعلى حسب ما بيّناه من قبل.
ويعترض بعضهم في هذا المقام على أنّ حرف (مع) وكلمة (رفيقا) يدلاّن على مجرّد مرافقة أصحاب المقامات الأربعة التي ذكرتها هذه الآية من سورة النساء.ولا تفيدان تحصيل هذه المقامات بصورة عمليّة.فهذا هو قول من قال بانقطاع النبوّة بعد محمّد رسول اللّه (ص).وأنا مع اتّفاقي مع هؤلاء في موضوع انقطاع جميع أنواع النبوّة بعد محمّد رسول اللّه (ص) والتي سبقت بعثته عليه السلام.فإنّي أختلف مع هؤلاء في باقي ما ارتأوه وذهب ذهنهم إليه.فحرف (مع أولئك الذين) قد استُعمل في هذه الآية الكريمة بمعنى حرف (من) وكدعائك دوما (وتوفّنا مع الأبرار) ولا تكون بدعائك هذا قد قصدت أن تموت حين يموت الأبرار بل قصدت أن تموت ميتة البارّ لربّه ولوالديه.وقد حدث هذا الاستبدال لحرف (من) بحرف (مع) هنا دفعاً لتكراره في آية واحدة.وإلاّ فإن كان المراد من حرف (مع) هنا دلالة هذا الحرف نفسه فإنّ هذه الآية لا تعود تفيد حينئذ معنى الإحسان وإيصال نعمة اللّه إلى هذا العبد المؤمن الذي يقوم بالدعاء والابتهال بين يدي ربّه عز وجلّ.والدليل على صحّة رأينا هذا هو أنّ اللّه تعالى قد أنهى هذه الآية الكريمة بكلمة (رفيقا).وإنّ كلمة (الرفيق) تفيد معنى رفقة واحد من الناس لآخر، فإذا ابتعد هذا عن ذاك، فلا يعود هذا يسمّى رفيقا لفلان.فبابتعاد الواحد عن الآخر يزول عنه معنى الرفيق. (محيط المحيط) وعليه فإن نحن سلّمنا بالمعنى الذي يذهب إليه غيرنا فإنّ أحداً من المسلمين الصادقين في إيمانهم لن يصبح في دنياه رفيقا لأصحاب هذه المقامات الروحيّة السامية إلا بعد أن يموت.وهو معنى غير لائق بأمّة كانت خير الأمم.إلا أن يكون حال غيرنا من أصحاب هذا الرأي هم أنفسهم من المحرومين من هذه المقامات الروحيّة في هذه الحياة الدنيا
ولذلك يفسّرون الآيات بما يتناسب وأحوالهم.
وعليه فإنّ اللّه تعالى حين أنهى هذه الآية وقال (وحسُن أولئك رفيقا) فقد بشّر اللّه تعالى هذا العبد المؤمن الذي دأب على الدعاء (اهدنا الصراط المستقيم.صراط الذين أنعمت عليهم) بشّره بأنّ ربّه سيظلّ يُحسن إليه ويوصل إليه نعمته إلى أن يفوز هذا العبد المؤمن ويحصل على أحد المقامات الأربعة التي ذكرتها هذه الآية الكريمة من سورة النساء،بالرّغم من انقطاع جميع أنواع النبوّات التي سبقت في ظهورها بعثة محمّد المصطفى (ص) خاتم وأشرف النبيّين.ومن باب أنّ نيل مقام النبوّة لا يشترط فيه أن يصبح صاحب هذا المقام نبيّا كأحد الأنبياء السابقين.بل إنّ نبوّته تكون نبوّة مقام.علما بأنّ علماء هذه الأمّة المسلمة هم كأنبياء بني إسرائيل وعلى حسب ما وصلنا من قول محمّد رسول اللّه (ص) نفسه.
وبقي علينا هنا أن نبيّن السبب في إنهاء هذا الدعاء بقولنا (غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين.آمين.) .فهذا القول نابعٌ من واقعٍ تاريخيٍّ أصيبت به الأمم الذين خلوا من قبلنا أولئك الذين علّمهم أنبياؤهم ما أنزل اللّه عليهم من تعاليم وفازوا بسببها بنعمة اللّه تعالى لكنّهم مع تقادم تلك التعاليم انحرفوا عنها وتناسوا بعضها فباء بعضهم بغضب اللّه تعالى نتيجة لذلك وضلّ بعضهم الآخر عن سبيل الهداية.
وعليه فقد علّمنا درس فاتحة الكتاب أن ندعو أخيرا (غير
المغضوب عليهم ولا الضالّين.آمين.) تذكيراً من جانبه تعالى إيّانا من جهة بمصير الذين حرمهم اللّه تعالى من نعمته من جهة،وحثّا من جانبه تعالى إيّانا من جهة ثانية أن نظلّ يقظين عابدين حقيقيين لربّنا لنظلّ مستحقّين إنزال هذه النعمة التي تكلّمنا عنها في حينه وهي السعي إلى التّقرّب من ربّنا لنيل أحد مقامات المنعم عليهم قبل الرحيل من هذه الدنيا من جهة ثانية.هذا من باب أنّ جملة (غير المغضوب عليهم ولا الضاليّن) هذه في محلّ بدل من جملة (الذين أنعمت عليهم).وكأنّ اللّه تعالى بتعليمه هذا قد قال مناشدا أمّة محمّد المصطفى (ص) بألفاظ أخرى إيّاكم يا أتباع البعثة الإسلاميّة الأولى أن تستبدلوا نعمة اللّه بغضبه عليكم ونقمته.فمن باء بغضب اللّه تعالى ينحطّ ويتخلّف ولا تعود تقوم له من قائمةٍ في حياته الدنيا.ومن منطلق أنّ مفتاح الإحياء والإماتة هو
بيد اللّه خالق هذه السماوات والأرض وما بينهما يقينا.
تلخيص درس فاتحة الكتاب
وألخّص للقارئ العزيز مضمون هذا الدرس الذي لقّننا إيّاه
دعاء سورة الفاتحة الذي لا تصحّ صلاة بدونه.فأقول: اعلم يا عزيزي بأنّ اللّه تعالى علّمنا من خلال هذه الدعاء ألاّ نقف نبتهل وندعو بين يدي ربّنا عز وجلّ من غير تقديم لما نريد أن نستعين ربّنا على قضائه لنا.فعلّمنا أن نقف بادئ ذي بدء نحمد ربّنا ونثني عليه لنجلب توجّهه نحونا وعطفه ورأفته على حالنا الذي نحن فيه.وذلك بصيغة مخاطبة غائب.فإن نحن فرغنا من ذلك توجّهنا نخاطب ربّنا خطابا مباشرا فنصف بين يديه حالتنا الراهنة بعد أن أبدينا اعترافنا بما للّه تعالى من قدرات ومننٍ على جميع بني نوع الإنسان.ومقرّين في الوقت نفسه بأننّا ضعفاء وبحاجة إلى مساعدته عز وجلّ.وحينئذ نعرض بين يديه ما نحتاجه من مساعدة وذلك بكلّ تواضع وبحالةٍ من الاضطراب وهي التي عبّرت عنها آيات أخرى ورد فيها قوله تعالى (فخرّوا سجّدا وبكيّا).وأن نثابر على هذا التواضع وعلى هذا الطلب المقرون بالسجود والبكاء إلى أن نجذب عطف ربّنا علينا وليُشعرنا اللّه جلّ شأنه حينئذ بحالة استجابته لدعائنا وننتظر بعدها كيف تسير الأمور.وإنّي لعلى يقين بأنّ العبد المؤمن الذي يستوفي جوانب درس فاتحة الكتاب في أدعيته لا يخرج من بين يدي ربّه عز وجلّ خائبا.فهذه هي تجربتي الشخصيّة في هذا المجال.والتجربة أكبر برهان كما يقولون.
ألا إنّ المؤمن الذي يعي هذا الدرس الذي لقّنه إيّاه دعاء سورة الفاتحة يكون كمن أمسك بمفتاح النجاح على طريق فهم عمليّة الدعاء وآليّته.فالمؤمن الذي يقف بين يدي ربّه ليبتهل ويسأله شيئا لم يتوفّر له بعد أخذه بما أعدّ اللّه تعالى من أسباب ماديّة متوفّرة لديه.ووعى هذا الدرس الذي لقّنته إيّاه سورة الفاتحة.فمن واجبه ألاّ يسأل ربّه ما أراد طلبه منه من أوّل الطريق. بل إنّ من واجبه أن يحاول تذكّر فضل اللّه تعالى عليه ومنّته التي منّ بها عليه من قبل مادّية كانت أو كانت معنويّة.يتذكّر واحدة بعد واحدة وهو يحمد اللّه تعالى على ذلك ويشكره ويثني عليه إلى أن يرقّ قلبه من كثرة هذه المِنح التي ذكرها بين يدي ربّه عز وجلّ.وبحيث يعود موقنا بقدرة اللّه تعالى على كلّ عطاء.وهنا تبدأ نفسه تضطرب حبّا لذات اللّه وشوقا لقربه ورضوانه.وأن يحاول هذا العبد المؤمن وهو في تلك الحال الذي وصل إليه أن يتذكّر حاجته التي وقف ليطلبها من لدن ربّه عز وجلّ وإنّه من خلال تذكّره هذا يزداد خشوعا وانمحاءً عن دنياه وتبدأ أعينه تذرف الدموع مهابة من جلال الموقف الذي وقفه وهو يقوم بعمليّة التوسّل والابتهال هذه وفي تلك اللّحظات المهيبة تميل نفسه لسؤال اللّه تعالى ما أراد سؤاله منه وإنّ حساسيّة طلبه تجعله يذرف الدموع بكثرة ويجهش بالبكاء وأن يستمرّ على تلك الحالة مهما طالت مدّتها إلى أن تجفّ دموعه ويبرد فؤاده شعورا من جانبه بأنّ طلبه أمسى بين يدي خالقه الرّحمان والرحيم فإذا فرغ من حالة الدعاء هذه يسبّح ربّه ويحمده حمدا كثيرا ويصلّي على رسوله الكريم وهو موقن بأنّ ربّه لن يضيع دعاءه هذا لالتزامه بمعطيات درس سورة الفاتحة في هذا المجال.
شرط صحّة الصلاة وعلاقته بمضمونها
وحين أصل بالقارئ العزيز إلى هذا الحدّ من البيان يعجب ويسأل: ما دليلك على صحّة ما استخلصته من درس سورة الفاتحة ؟
فأجيب وأقول: هل أنّك قد نسيت يا عزيزي القارئ أو أنّك تجهل شرط صحّة صلاة المسلم الأساسيّ والذي تضمّنته الآية 43 من آيات سورة النساء التي ورد فيها قوله تعالى (يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى حتّى تعلموا ما تقولون ..).فالسُكر نقيض الصحو (محيط المحيط) وبغضّ النظر عمّا يُسكر من الأشياء فإنّ هذا النهي الوارد في هذه الآية الكريمة يعني بألفاظ أخرى أنّه يُطالب المصلّي أن يكون صاحيا وواعيا لما يتلوه في صلاته من أدعية وأذكار.وبهذا المعنى ورد قوله تعالى (سكرة الموت) فالذي ينازع ويشرف على الموت تفارقه صحوته.
والمهمّ هو أنّ شرط الصحوة في الصلاة مطلوب من هذا المصلّي ليعي أبعاد ما يردّده من أدعية وأذكار وليعي بالتالي ما وراءها من مواعظ ودروس.وإنّ هذه الصحوة هي التي ساعدتنا على الإحاطة علما بما وراء دعاء فاتحة الكتاب من درس هامّ سبق لنا أن بيّناه.ومن باب أنّ كلام اللّه تعالى يكون دوما مُحكما وذاخراً بالمعاني والدلالات.وعليه فإنّ المصلّي الذي يصلّي وهو ساه عمّا يتلوه من أدعية وأذكار وقراءات ينطبق عليه قول محمّد رسول اللّه (ص) الذي وصلنا وهو (كم من قائم يصلّي ليس له من صلاته إلا النّصب.).فإن أمعن القارئ العزيز بمضمون كلمات هذا الحديث النبويّ يُدرك صحّة ما نبّهته إليه بشأن شرط صحّة الصلاة الإسلاميّة وهو ضرورة أن يكون هذا المصلّي واعيا لكلّ ما يقوم به في صلاته من حركات وتأدّب في القيام والركوع والسجود ومن قراءات وأدعية وأذكار يؤدّيها في كلّ ركعة من ركعات صلواته.فلم يفرض اللّه عز وجلّ على العبد المؤمن كلّ ذلك عبثا.
نواحي تشابه النظام الكوني مع آليّة الدعاء
وبعد بيان درس سورة الفاتحة وما ترتّب عليه من سؤال.أرى أن أبيّن لهذا القارئ العزيز آليّة نظام كونيّ مادّي شبيه بما شرحناه من آليّة الدّعاء التابع للنظام الكوني الروحي.فلقد قلنا من قبل أنّ آليّة الدعاء تتعلّق بنظام الأقدار الكوني الروحيّ.وأنّ تلك الآليّة تشبه إلى حدّ بعيد نظام آليّة الأحوال الجوّية الطبيعي.وأرى أن أوضّح هنا نواحي التشابه بين هذين الشيئين.فأنت تعلم يا عزيزي القارئ أنّ عمليّة تحوّل الماء إلى بخار لا تتمّ إلاّ بعد قيامنا بتسخين الماء إلى درجة حرارة معيّنة.وقد سبق لنا حين بحثنا مفهوم الدعاء من الوجهة اللّغويّة أن فهمنا أنّ الابتهال إلى اللّه تعالى يبتدئ من حركةٍ ودفعٍ واضطراب.والاضطراب هو في حقيقته انفعال نفسيّ يتولّد عنه حرارة جسديّة.وينتج عن ذلك تولّد حركة واضطراب في نفس هذا الإنسان الذي يدعو مبتهلا بين يدي ربّه عزّ وجلّ تشبه الغليان وينتج عن حركة الاضطراب هذه اندفاع ما تضمّنه الدعاء من خواص باتّجاه ذات البارئ تعالى.كما يندفع بخار الماء إلى السماء.وندرك من خلال هذا التحليل أنّ الدعاء الذي يقتصر على مجرّد ترديد كلماته ومن دون أن يقترن بحركة الاضطراب النفسيّ والغليان التي أشرنا إليها،فلا ينبغي أن نتصوّر أن تتبخّر خواص أدعيتنا في تلك الحالة إلى أعلى بشكل من الأشكال ومن منطلق وجود رابطة الشبه الأولى هذه التي لاحظناها ما بين نظام الدعاء الروحي وما بين نظام تبخّر الماء المادّي.وعليه ينبغي اقتران الدعاء بالتضرّع الشديد وبالبكاء على أعتاب اللّه عز وجلّ.
ونخطو خطوة ثانية على طريق تشبيه حالة الدعاء بحالة غليان الماء.فمن المعلوم هو أنّ أبخرة الماء المتصاعدة عند الغليان في الهواء ترتفع لتشكّل هذه السحب المنتشرة في السماء هنا وهناك.والحقيقة هي أنّ أبخرة وخواص الانفعالات النفسيّة والتضرّعات والبكاء بين يدي ربّنا عز وجلّ تتصعّد هي بدورها نحو الأعلى لتشكّل سحباً عند اللّه تعالى وأرضيّة لاستجابة الدعوات من جانب اللّه عز وجلّ.وبألفاظ أخرى فكما أنّ أبخرة الماء الساخن لا تضيع هباء فإن خواص أبخرة الانفعالات النفسيّة حين قيام هذا العبد المؤمن بالدعاء فإنّها لا تضيع هباء بشكل من الأشكال.بل تتراكم في السماء لتشكّل أرضيّة استجابة الدعاء.
هذا ومن المعلوم أيضا وجود مرحلة ثالثة تمرّ منها أبخرة الماء بعد أن أصبحت سحابا،وهي أنها تهبّ أحيانا تيّارات هواء حيث تكون تلك الأبخرة المائيّة ويتشكّل بنتيجة ذلك ما يسمّونه مرتفع ومنخفض جوّي ومن تصادم سحب تلك التيارات الهوائيّة يتولّد البرق والرعد وتنشأ السحُب الثقال وهي حقيقة أشار اللّه تعالى إليها في الآية 11 من سورة الرعد حين قال (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال.).وإنّ هذه الحقيقة تبيّن لنا أنّه ليس بشرط أن ينتج عن أدعيتنا ما نختاره نحن،بل إنّه ينشأ عنها ما يختاره اللّه عز وجلّ نفسه.ولقوله سبحانه وتعالى في الآية التاسعة من سورة فاطر (واللّه الذي أرسل الرّياح فتثيرُ سحابا فسُقناه إلى بلدٍ ميّتٍ فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور.).أي أنّ أدعية العباد المؤمنين التي تتصاعد خواص انفعالاتها إلى ربّنا عز وجلّ لا تضيع بل يفعل اللّه بها ما شاء أن يفعله بها. فهو تعالى يستجيب تلك الأدعية ولكن بأشكال لا نكون أهلا لتصوّرها. فهو تعالى يستجيب ما هو في صالحنا من حيث نشعر أو من حيث لا نشعر.ولذلك فإنّ واجه العبد المؤمن مشكلة في طريقه ولم تساعده هذه الأسباب المادّية على معالجتها فمن واجبه أن يتوجّه إلى الدعاء والابتهال بين يدي ربّه عز وجلّ، وبالصورة الانفعاليّة التي بيّناها. وأن يفوّض أمره بعد حالة الدعاء تلك في النهاية إلى بارئه ليستجيب اللّه تعالى دعاءه لكن بالصورة المناسبة له وليس بالصورة التي يريدها هذا العبد المؤمن نفسه ومن باب أنّ ربّه هو أعلم بحاله وبالأسلوب الذي يصلح لمعالجة ما
واجهه هذا العبد المؤمن من مشكلات.
مضامين الدعاء ليست واحدة
وإنّ على القارئ العزيز أن ينتبه إلى نوعيّة الدعاء الذي وقف يبتهل ويدعو به بين يدي ربّه عز وجلّ.فمن المعلوم أنّ موضوع الدعاء يختلف باختلاف الحاجة إليه.ويتراوح ذلك ما بين دعاء يكون في صالح الدين وما بين دعاء يتّسم بالمصلحة الشخصيّة.كما يتراوح ما بين دعاء يتّفق مع تعاليم السماء وما بين دعاء يختلف معها ويشذّ عنها.وبألفاظ أكثر وضوحا أقول: هناك إنسان مؤمن يقف يبتهل ويدعو لنصرة الدّين الحقّ.وهناك إنسان يقف يبتهل ويدعو ليفوز بزوجة أو بمنصب أو ليربح في تجارته.ومن جهة أخرى فهناك إنسان يقوم يدعو من أجل الحصول على حاجته الشخصيّة وفي وقت يكون فيه متقيّدا بمعطيات تعاليم دينه.وهناك إنسان يقوم يدعو من أجل حاجته الشخصيّة وحاله أنّه مقصّرٌ في الالتزام بتعاليم دينه.ولا شكّ أنّ العاقل يفرّق بين هذه الأنواع من الحاجات التي تدفع هذا الإنسان للدّعاء ولا يضع جميع أنواع الدعاء هذه التي ذكرناها على مستوى مرتبة واحدة.ولا ينظر إليها بمختلف أنواعها على أنّ ما نكتبه حول الدعاء من بيّنات ينطبق عليها جميعها.حتّى ولو توفّر في جميع أنواع الدعاء هذه عنصر الاضطراب النفسيّ المطلوب. فنوعيّة الدعاء وتقيّد صاحبه بالشروط المطلوبة تلعب دورا هامّا في موضوع استجابة ذاك الدعاء.
وأوضّح هذه الحقيقة بشيء من التّفصيل،فأقول: أ و لم تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ دعاء سورة الفاتحة كان يدور حول طلب الحصول على نعمة التقرّب من اللّه تعالى وللفوز بما أنعم اللّه تعالى به على الذين سبقونا من النبييّن والصدّيقين والشهداء والصالحين ؟ وعليه يكون اللّه تعالى قد علّمنا بواسطة دعاء سورة الفاتحة أسمى أنواع الدعاء المستجاب وذلك بسبب ارتباط هذا دعاء سورة الفاتحة ارتباطا عضويّا بالمقصد
الأسمى لحياة هذا الإنسان.فهو دعاء المقصد منه أن يتضرّع العبد المؤمن بواسطته في جميع صلواته ليصبح من العابدين الموحّدين العارفين باللّه عز وجل.وعليه فبقدر قرب أو بعد المشكلة التي ندعو لحلّها من هذا المقصد الأسمى من وجودنا يتحدّد موضوع استجابة دعاء الدّاعين والمبتهلين بحرارة واضطراب وبكاء.
وهنا ينبغي أن نضع في حسباننا يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه الذي بثّ العاطفة في صدور الأمّهات لتحنوا هذه الأمّهات على أبنائها. فإنّه جلّ شأنه يمثّل عاطفة مجسّمة وزّعت هذا العطاء الواسع من العواطف ،وكما أنّ البكاء الشديد الذي يصدر عن رضيع هذه الأمّ يدرّ حليب ثدييها ويجعلها ترضعه ولو كانت تغالب النعاس.فإنّ الإله الذي هو في حقيقته عاطفة مجسّمة فإنّه لا يدع عبدا من عباده يواجه مشكلة وصل فيها إلى حدّ الاضطرار ولو كان هذا العبد مقصّرا أو كافرا إلا وتتحرّك عاطفة هذا الخالق نحو هذا العبد إن هو استجار به تعالى ودعاه ليغيثه فيما هو محتاج إليه.وهذه حقيقة أشار اللّه تعالى إليها حين قال في الآية 62 من سورة النمل وهو يلفت نظر عباده إلى مظاهر عطفه ورأفته عليهم فهو تعالى قال (أمّن يُجيب المضطرّ إذا دعاه ويكسف السوء ويجعلُكم خُلفاء الأرض أ إله مع اللّه قليلا ما تذكّرون.).وقال بعدها أيضا (أمّن يهديكم في ظلمات البرّ والبحر ومن يرسلُ الرياح بشرا بين يدي رحمته أ إله مع اللّه تعالى اللّه عمّا يُشركون.). فمن خلال هاتين الآيتين يكون قد اتّضح للقارئ الكريم حقيقة أنّ اللّه تعالى الذي يمثّل العاطفة المجسّمة يستجيب دعاء العبد المضطرّ وبغضّ النظر عمّا يتطلّبه استجابة دعائه من شروط.فهو تعالى يستجيب لمجرّد أن ينفعل هذا الداعي انفعالا حقيقيّا وتنمحي نفسه في عمليّة بكاء ودعاء بين يديه .
وعلى كلّ حال فإنّ على هذا العبد المؤمن أن يتفحّص
موضوع ما أراد الابتهال من أجله ولينظر مدى قرب أو بُعد هذا الموضوع الذي قام يدعو من أجل الحصول عليه أن ينظر مدى قربه وبعده عن الطلب الذي علّمتنا سورة الفاتحة الدعاء من أجل الحصول عليه.فإن هو أقدم بعد ذلك على الدعاء فليحاول قبل ذلك أن يُكثر من الاستغفار والتوبة والحمد والتسبيح والصلاة على محمّد المصطفى (ص) ما استطاع إلى ذلك سبيلا.ومن ثم يقدم على الابتهال وطلب ما أراد طلبه من ربّه ولكن مقرونا ببكاء شديد وانفعال واضح المعالم.
استجابة الدعاء وارتباطه بنوعيّته
وبعد أن أحطنا علماً بأنّ موضوع الدعاء يتراوح بين طلب ما
علّمنا دعاء سورة الفاتحة الدعاء من أجل الحصول عليه وما بين الدعاء لتحقيق أبسط حوائجنا الشخصيّة.كان من المناسب أن أعود بالقارئ الكريم إلى آيات الذكر الحكيم التي ربطت استجابة الدعاء بنوعيّة الشيء الذي قام هذا العبد المؤمن يدعو من أجل الحصول عليه.إذ توجد آيات كثيرة قد تبسّطت في شرح عناصر هذا الموضوع ولقد أوردها اللّه تعالى وهي تحدّد هذا الذي ذكرته.ومن باب أنّ من خصوصيّات هذا القرآن الكريم أنّه لا يورد جميع عناصر الموضوع الواحد في سورة واحدة.بل يوزّع عناصر الموضوع الواحد على أكثر من سورة وبما يلائم تسلسل آيات تلك السورة الوارد فيها هذا العنصر المراد ذكره فيها.
فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه تعالى قد أمر هذا الإنسان وهو يهدّده أيضا وذلك في الآية 60 من سورة المؤمن (غافر) التي ورد فيها قوله تعالى: (وقال ربّكم ادعوني أستجب لكم إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين.).فاعلم بأنّ هذه الآية الكريمة وردت مصاغة صياغة بلاغيّة دستوريّة عامّة الدلالات وغير مخصّصة ولذلك فقد عاد هذا الأمر الإلهيّ الذي تضمّنته هذه الآية الكريمة والذي يأمر الإنسان بالدعاء والابتهال بين يدي ربّه عز وجلّ من أجل أن يقضي ربّه له حوائجه المعضلة،أقول إنّ هذا الأمر الإلهيّ قد دخل في نطاق العبادات المفروضة على هذا الإنسان وعلى المؤمنين بصورة خاصّة.فلا ينبغي أن تفهم يا عزيزي القارئ من مضمون هذه الآية الكريمة بأنّ الدعاء جائزٌ وحسب في جميع الأحوال.وبدليل أنّه إن تعرّض هذا المؤمن لمصيبة من المصائب فقد نهاه ربّه أن يجلس في تلك المناسبة للدعاء بين يدي ربّه من أجل رفعها عنه بل وأمره ربّه عوضا عن ذلك أن يصبر ويرضى بتلك المصيبة وذلك حسبما ورد في الآيات /155/156/157 من سورة البقرة التي قال اللّه تعالى فيها: (ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين.الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون.أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة قفوأولئك هم المهتدون.).وقد أورد إشارة (وقف) بعد هذا الأمر الإلهيّ. لماذا ؟ من أجل أن يتمهّل ويتبصّر مضمونه وليدرك بأنّ الدعاء وإن كان قد دخل في العبادات فإنّه محرّم في تلك المناسبات.
وعليه فإنّ هذا التوجيه الذي وجهتنا به هذه الآيات الكريمة قد أفادنا بعنصر جديد يُكمل مضمون الأمر الإلهي الذي تضمّنته الآية 60 من سورة المؤمن والذي أمر بالدعاء كعبادة.وهذا العنصر الجديد يعني بأنّ نزول المصائب على هذا الإنسان والتي قد تكون من قبيل ابتلائه فيها قد تخفي وراءها تقدير إلهيّ مبرم بحقّه فلا ينبغي الاعتراض عليها فهي تتضمّن الابتلاء المشار إليه. لذلك كان من واجب العبد المؤمن ألاّ يميل في تلك الأحوال التي تنزل فيه تلك المصائب إلى الدعاء والابتهال بين يدي ربّه عزّ وجلّ بل إنّ من واجبه أن يتحصّن بالصبر على ما ابتلاه ربّه وأن يتأدّب مع ربّه جلّ شأنه وأن يقول في تلك الأحوال ووفقا لمضمون هذه الآيات : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون.
وحين نزيد التدقيق في كتاب اللّه العزيز نعثر على عنصر ثالثٍ لموضوع الأمر بالدعاء كعبادة وذلك العنصر نعثر عليه في الآيتين 45/ 46 من سورة هود الوارد فيهما قوله تعالى حكاية عمّا حدث لنبيّه نوح عليه السلام فهو تعالى قال هناك: (ونادى نوحٌ ربّه فقال ربّ إنّ ابني من أهلي وإنّ وعدك الحقُّ وأنت أحكم الحاكمين.قال يا نوح إنّه ليس من أهلك إنّه عملٌ غير صالحٌ فلا تسألن ما ليس لك به علم إنّي أعظُكَ أن تكون من الجاهلين.) . فقد تضمّنت هذه الآيات الكريمة عنصرا ثالثا من عناصر موضوع الأمر بالدعاء كعبادة.فاللّه تعالى قد نبّه ذهن هذا العبد المؤمن هنا في هذه الآيات الكريمة نبّهه ليتمهّل قبل أن يُقدم على أيّ دعاء وليتحقّق من عدم مخالفة مضمون دعائه لأيّ أمر إلهيٍّ آخر وليتيقّن من عدم مخالفة مضمون هذا الدعاء لمضمون أيّ تعليم من تعاليم ربّه عز وجلّ.
وبنفس هذا الأسلوب من البحث والتدقيق فيما تضمّنته آيات هذا الكتاب العزيز من عناصر موضوع الدعاء فإنّنا نعثر على عنصر رابع من عناصر التعبّد بالدعاء.وهذا العنصر الرابع تضمّنته الآيتان 40/41 من سورة الأنعام لقول اللّه تعالى فيهما: (قل أ رأيتكم إن آتاكم عذاب اللّه أو أتتكم الساعة أغير اللّه تدعون إن كنتم صادقين.بل إيّاه تدعون فيكشفُ ما تدعون إليه إن شاء وتنسونَ ما تُشركون.).فهذا العنصر الرابع من موضوع الدعاء والوارد في هاتين الآيتين الكريمتين يُعلن اللّه تعالى من خلاله وبكلّ صراحة أنّه ليس بضروريّ أن يستجيب اللّه عز وجلّ لكلّ دعاء ولكلّ ابتهال أتى من جانب عباده.بل يصرّح اللّه عز وجلّ في هاتين الآيتين أنّه تعالى يستجيب لدعاء من يشاء من عباده وليس بشرط أن يستجيب جميع الدعوات.وبألفاظ أخرى فإنّ واسع علم اللّه تعالى هو الذي يقرّر موضوع الاستجابة أو عدمها.وأنّ اللّه تعالى غير ملزم باستجابة كلّ دعاء.لأنّه يحدث أنّ هذا العبد الذي وقف يدعو قد يجهل بأنّ استجابة دعائه قد تكون في غير صالحه في تلك الأحوال.
كذلك فإن نحن دقّقنا أزيد في كتاب اللّه العزيز نعثر على عنصر خامس من عناصر هذا الموضوع الذي هو الدعاء. وهذا العنصر الخامس يعدّ في نظري من أهمّ هذه العناصر التي ذكرناها جميعها.وقد أورده اللّه تعالى ضمن ما أورده جلّ شأنه من آيات تتعلّق بفريضة الصوم.وكانت الغاية من ذلك تعويد هذا العبد المؤمن ليُكثر في أيّام الصوم من الدعاء.وقد اشتمل هذا العنصر الخامس على شروط استجابة الدعاء أيضا.وقد تضمّنت هذا العنصر الخامس الآية 186 من سورة البقرة التي قال تعالى فيها (وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلّهم يرشدون.) . وتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى اختصر في هذه الآية الكريمة شروط استجابة الدعاء بصياغة بلاغيّة معجزة أيضا ونحاول الآن تدبّرها: فالملاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه تعالى قد استهلّ هذه الآية الكريمة بقوله (وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني) فهو تعالى أورد هنا ظرف الزمان (إذا) كما أورد فعل (سألك عبادي عنّي) وإنّ هذا الأسلوب في الطرح لابدّ وأن يكون مشتملا على عدّة أسرار كامنة فيه ومن واجبنا بيانها وتوضيحها:
أوّلا_ أقول: ما دام اللّه تعالى قد أتى بظرف (إذا) الذي يفيد الزمان المستقبل فقد كانت الحكمة منه أن ينبّه تعالى أذهاننا من خلاله إلى أنّه تعالى وإن كان يتكلّم بشكل عام إلاّ أنّه يشير بكلامه هذا إلى زمان قادم بالتّخصيص ، وإلا فلو كان تعالى لا يقصد ما ذكرته فلكان قد أتى بحرف (إن) عوضا عن (إذا) في هذا المقام.وعليه كان من واجبنا تقصّي الزمان المقصود من وراء إتيانه تعالى بحرف (إذا) في الفقرة المذكورة.
ثانيا- والملاحظ ثانيا هو أنّ اللّه تعالى أورد فعل (سألك) في هذه الفقرة الأولى من هذه الآية الكريمة وهذا الفعل يفرض علينا أن نعرف ونحدّد معنى فعل (سأل) في هذا المقام.فهل أنّه ورد بمعنى الاستفسار أم أنّه ورد بمعنى آخر سواه. ذلك أنّ السؤال قد يقصد به أكثر من معنى.فقد يرد فعل (سأل) للاستفسار وقد يكون موجّها إلى تلميذ بقصد امتحان هذا السائل إيّاه في موضوع من المواضيع. ومادام لا يوجد في هذا المقام محلّ للامتحان فهذه قرينة دالّة على أنّ فعل (سأل) قد ورد هنا ويراد به الاستفسار.بمعنى أنّ اللّه جلّ شأنه راح يخاطب نبيّه الكريم محمّدا (ص) وهو ينبّهه إلى أنّه سيأتي زمان على أمّته يعود الناس في ذاك الزمان يدعون ربّهم فلا تُجاب لهم أدعيتهم.وتضطرّهم هذه الحقيقة ليستفسروا عن سبب ذلك.وعليه فإنّ اقتران ظرف (إذا) في هذه الفقرة بفعل (سألك) يكون قد حدث للإشارة إلى أهل هذا الزمان القادم الذي يُخبر اللّه تعالى عنه،والمتعلّق بحال المسلمين المعاصرين.وعليه فلا يُعقل أن يقول اللّه تعالى (إذا سألك عبادي عنّي) ويخلو قوله تعالى من الإشارة إلى المسلمين المعاصرين الذين يحجّون بالملايين إلى بيت اللّه الحرام فيدعون ربّهم في الحجّ جماعة وبأصوات مرتفعة ولا يُلاحظ المرء بعد تلك الأدعية كلّها ظهور أيةّ آثار إيجابيّة تحدّثنا عن استجابة اللّه تعالى لأدعية هؤلاء الحجيج ؟
ثالثا - وثالث هذه الأسرار تتجلّى من خلال أنّ اللّه جلّ شأنه قد راح يخاطب من خلال قوله تعالى (عبادي عنّي) يخاطب الذين يتظاهرون من هؤلاء المسلمين ويعتبرون أنفسهم من عباد اللّه المقرّبين أولئك الذين يخضعون له ويتذلّلون بين يديه ويلتزمون بالعمل على تعاليم شريعته ويوحّدونه ومن ثمّ فلا يتلمّسون استجابة أدعيتهم من جانب ربّهم لذلك فهم يستفسرون عن حقيقة ما يحدث.فقد راح اللّه تعالى يخاطب هؤلاء بالذات ويقول لهم: (إنّي قريب) أي أنّه جلّ شأنه قد أورد هنا كلمة (قريب) التي تستعمل ضدّ كلمة (بعيد).وكانت الغاية من ذلك تنبيه أذهان هؤلاء إلى أنّ عدم استجابة أدعيتهم التي يدعون بها لا تتعلّق بكون اللّه تعالى (بعيد) عنهم ولذلك فلا يسمع أدعيتهم. ولكنّ سبب عدم استجابة اللّه تعالى لأدعيتهم هو لجهل هؤلاء المسلمين المتأخّرين بحقيقة الدعاء وبالشروط التي تجعل أدعيتهم أدعيةً لا تُجاب عند اللّه جلّ شأنه ولا تكون مقبولة لديه .
فهذه حقائق ثلاثة قد أشارت إليها هذه الفقرة الأولى التي قال اللّه تعالى فيها: (وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني) وهكذا وبعد أن أشار اللّه تعالى إلى هذه الدلالات الخفيّة فقد قال (أجيبُ دعوة الداعي إذا دعاني). أي أنّ العبد المؤمن الذي أحاط علما بحقيقة الدعاء وبشروط قبول دعائه عند ربّه عز وجلّ لابدّ أن يتلقّى استجابته تعالى لهذا الدعاء الذي يدعو به.
ولاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى لم يكتف بقوله المذكور الذي تضمّن جميع ما فهمناه منه.بل إنّه تعالى قد أتى بفاء الاستئناف ثانية وراح يُعدّد شروط استجابة أدعية العباد المؤمنين الصادقين في إيمانهم والعالمين بحقيقة الدعاء وبشروط قبوله واستجابته. وعليه فلننظر يا عزيزي وندقّق فيما اشترطه تعالى من شروط تتعلّق بالدعاء المستجاب ؟
أقول: ما أعظم وما أجمل هذه الصياغة البلاغيّة التي صاغ اللّه تعالى من خلالها شروط استجابة الدعاء فهو تعالى قال : (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلّهم يرشدون.) وهذه الشروط هي:
أولا-فالشرط الأوّل عبّر عنه قول ربّنا عز وجلّ (فليستجيبوا لي).وما دام تعالى وحسبما لاحظناه يا عزيزي القارئ من قبل من أنّه تعالى يخاطب في هذه الآية المسلمين بصورة عامّة ومسلمي آخر الزمان بصورة خاصّة أولئك المسلمين الذين لا تجاب أدعيتهم بالرغم من كثرة أعدادهم وكثرة أدعيتهم ضدّ أعداء الإسلام وأعدائهم.فإنّ اللّه تعالى أتى في هذه الفقرة الثانية بفاء الاستئناف وقال (فليستجيبوا لي) وإنّ مضمون قوله تعالى هذا يتضمّن دلالة غير ما يتبادر من هذا القول للوهلة الأولى.وهذا من باب أنّ فعل (فليستجيبوا) اشتقّ من جاوبه وأجاب سؤاله وحاوره وما دام هذا الفعل قد اقترن هنا بصلة اللام،فأنت حين تقول استجاب فلان لفلان فمعناه أنّه ردّ له الجواب.وعليه فإنّ فعل (فليستجيبوا) هو أخصّ دلالة من دلالة فعل أجاب.ذلك لأنّنا إذا أخذنا بمعنى (ردّ له الجواب) يتنافى وموضوع هذه الآية الكريمة التي لا يدور موضوعها حول سؤال وجواب بل يدور حول معنى الاستفسار.وعليه فموضوع الآية يدور حول أنّ اللّه تعالى قد طالب هؤلاء المسلمين بشيء ولم يستجيبوا لطلبه الذي طلبه منهم اللّه جلّ شأنه.وعليه كان من واجبنا أن نعرف حقيقة الأمر المقصود في هذا المقام ؟
والذي أراه هو أنّ اللّه تعالى قد أشار بهذا الأسلوب من الصياغة البلاغيّة إلى حال مسلمي آخر الزمان يوم يظهر فيهم المهديّ المعهود من أجل إصلاح أحوالهم فهم يكذّبونه ولا يقبلونه مع أنّ ربّهم اشترط عليهم الإيمان به ليستجيب أدعيتهم إن هم استجابوا لأمر ربّهم وآمنوا بهذا المهديّ المعهود ونصروه وأيّدوه ومن أجل أن يتمّ هذا المبعوث مهمّته التي بعثه اللّه تعالى من أجل القيام بها ولتحقيقها.وهو معنى ما كان ليخطر ببالي ولا ببال أيّ مفسّر قديم لولا أنّي أفسّر هذه الآية الكريمة بمنهجيّة القرآن وبأصول تفسيره.وعليه فكان لزاما علينا أن نفهم من خلال ما ذكرناه من معاني بأنّ قول اللّه تعالى : (فليستجيبوا لي) أنّه قول تضمّن شرطاً أساسيّا من شروط استجابة اللّه تعالى للعبد المؤمن دعاءه في هذا الزمان بصورة خاصّة.
وقد أضاف اللّه تعالى وقال بعد ذلك (وليؤمنوا بي لعلّهم يرشدون.) وقد يتبادر لذهن القارئ من فعل الأمر (وليؤمنوا بي) هنا بأنّ اللّه تعالى يُطالب هذا الدّاعي أن يؤمن باللّه أوّلا ليستجيب دعاءه.مع أنّ هذا المعنى المتبادر لذهن القارئ هو غير صحيح.ذلك لأنّ اللّه عز وجلّ يتكلّم في سباق هذه الفقرة وسياقها عن عبادة الصوم وبالتالي يخاطب من خلالها المؤمنين باللّه عز وجلّ،ولا يخاطب الناس بصورة عامّة.وإنّ هذه الحقيقة تشكّل قرينة تمنع الأخذ بهذا المعنى المتبادر هنا لذهن قارئ هذا الأمر الإلهي (وليؤمنوا بي).وعليه يكون قوله تعالى (وليؤمنوا بي) معناه بأنّ على هؤلاء الداعين المسلمين في آخر الزمان أن يدعوا ربّهم وهم على يقين بأنّ اللّه تعالى قريب منهم يسمع تضرّعاتهم ولكنّه لا يجيب ولا يتقبّل تضرّعاتهم هذه لجهلهم بحقيقة الدّعاء ولابتعادهم عن الأخذ بالشروط التي اشترطتها عليهم تعاليم هذا الدين الحنيف في كتاب اللّه العزيز في هذا المجال.وأمّا قوله تعالى (لعلّهم يرشدون) فإنّ فعل (يرشدون) اشتقّ من قولك رشد الفتى ومعناه بلغ سنّ الرشد واشتقّ من قولك رشد المؤمن أي اهتدى.وأمّا فعل استرشد فمعناه طلب الرّشد والهداية (محيط المحيط).وعليه فإن فعل (يرشدون) المحذوف الجار والمجرور منه في هذا المقام يعني بأنّ المسلم الذي يؤمن بالمهديّ عند ظهوره فإنّه يهتدي بعد ذلك إلى حقيقة الدعاء وإلى شروط قبوليّة الدعاء وإلى نوعيّة الدعاء المطلوب.وعلى هذا الأساس من الدلالات تعود هذه الآية الكريمة قد اشترطت على العبد المؤمن الشروط التالية لتجاب أدعيته وهي :
أولا- فالشرط الأوّل لاستجابة أدعية العبد المؤمن أن يعمد هذا المسلم
الذي عاصر إمام آخر الزمان إلى الإيمان به وإلى تجديد إيمانه باللّه تعالى وبقدراته بعد مبايعته على يديه ويكون بذلك قد استجاب للّه عز وجلّ.وهذا هو معنى قوله تعالى (فليستجيبوا لي) الذي قدّمه جلّ شأنه على قوله تعالى (وليؤمنوا بي) من أجل الدلالة على ضرورة تجديد بيعة هذا المسلم على أيدي إمام الزمان الذي بعثه اللّه تعالى لإحياء الإسلام ولإصلاح حال المسلمين.
ثانيا- والشرط الثاني الذي اشترطه اللّه تعالى ليستجيب أدعية العبد المؤمن إن هو قد رفع يديه بالدعاء بين يدي ربّه عز وجلّ تضمّنه قوله تعالى (وليؤمنوا بي) بمعنى إيمانهم بوجود اللّه تعالى القريب منهم والذي يجيب الدعاء وهي دلالة (فإنّي قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني).وهو الموضوع الذي استهلّ تعالى به هذه الآية الكريمة.فقوله تعالى (وليؤمنوا بي) ليس معناه هنا ما يتبادر منه لذهن القارئ.بل هو أعمق من ذلك بكثير.والمراد منه الإيمان بيقين وليس الإيمان السطحيّ المجرّد عن هذا اليقين بقدرات اللّه عز وجلّ.
وعلى هذه الصورة يكون هذان الشرطان قد شكّلا الأساس
والأرضيّة لاستجابة أدعية المؤمن في زماننا المعاصر وبتوفّرهما يستجيب اللّه تعالى أدعية المؤمنين الذين يبتهلون إلى ربّهم ويدعونه ويسألونه معونته في كلّ مكان.وهي حقيقةٌ أشار تعالى إليها حين أنهى هذه الآية الكريمة وقال (لعلّهم يرشدون.) .فما هو معنى قوله تعالى (لعلّهم يرشدون) ؟
ألا إنّ حرف (لعلّ) من قوله تعالى (لعلّهم) هو أحد الحروف المشبّهة بالفعل.والمشهور من عملها أنّها تنصب الاسم وترفع الخبر.وقال في الكلّيات: كلّ ما في القرآن من (لعلّ) فهي للتّعليل،إلا (لعلّكم تخلدون) فإنّها للتّشبيه وهو معنى انفرد به صاحب الكلّيات. (محيط المحيط)
ثمّ إنّ فعل (يرشدون) من رشد بمعنى اهتدى.وبذلك يكون اللّه تعالى قد علّل سبب عدم استجابته تعالى أدعية مسلمي آخر الزمان ونبّه في الوقت نفسه إلى أنّهم إذا استوفوا هذين الشرطين الرئيسييّن سالفي الذكر في أدعيتهم فإنّهم يكونون قد اهتدوا إلى اللّه القريب من عبده المؤمن والذي يستجيب له أدعيته وليثبت له أنّه لم يتركه ضعيفا.وأنّه لم يكن ليعبأ به لولا اعتقاد هذا العبد بوجود اللّه ربّه وبقدراته ودعاؤه وابتهاله باضطراب شديد بين يديه عز وجلّ .
ونخلص من جميع ما ذكرناه إلى أنّنا قد أحطنا علما حتّى الآن بالأسباب التي تقف حجر عثرة في طريق استجابة اللّه تعالى لأدعية الداعين.مع أنّ اللّه تعالى هو الذي كشف عن وجهه على عباده منذ القِدم وأمرهم وقال (ادعون أستجب لكم) وأعطى من خلال أمره هذا موضوع (الدعاء) منزلة عبادة من العبادات المفروضة على المؤمنين.وإنّ المؤمن الذي لا ينظر إلى (الدعاء) على أنّه عبادة مفروضة يغفل عن هذا المعنى الذي تضمّنه هذا الأمر الإلهيّ (ادعون أستجب لكم) ودليلي على مصداقيّة كون (الدعاء) عبادة هو قول اللّه تعالى من جانب آخر (ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم ..) أي لولا دعاؤكم فإنّ اللّه تعالى لا يقيم لكم وزنا ولا يدافع عنكم ولا يدخلكم في زمر المؤمنين.
كذلك أحطنا علما بأنّ (الدعاء) وبصورة عامّة لا ينبغي أن يخالف المشيئة الإلهيّة والمصلحة العامّة للّه مالك السماوات والأرض.ومن منطلق أنّ الذات الإلهيّة تمثّل الحقّ والخير المطلق.وإنّ الدعاء الذي يخالف هذا المنطلق يتنافى مع ما للذّات الإلهيّة من أسماء حسنى .فإن استُجيب هذا الدعاء المخالف للمشيئة الإلهيّة يضرّ بهذا العبد يقينا.
وأضرب للقارئ العزيز أمثلة بسيطة من واقع مجتمعه الذي يعيش فيه،وذلك لتساعده هذه الأمثلة على فهم ما بيّنته له آنفا.فليحاول أن يدقّق هذا القارئ في علاقة الأمّ بأولادها،وفيما يربطها بهم من عاطفة طبيعيّة،ولينظر كيف أنّ هذا الابن حين يلحّ على أمّه أن تناوله قطعة جمرٍ من كومة من الجمر كانت أمامه وقد أعجبه شعاعها وبريقها،فهل تناول هذه الأمّ ابنها قطعة جمرٍ أن أنّها تُبعده عنها وعن أذاها ؟أو ليفرض هذا القارئ أنّ هذا الابن طلب من أمّه أن تُمسِك بأفعى سامّة مرّت من أمامهما،وقد أغراه لونها وتخطيط جسدها،فهل تستجيب هذه الأمّ لطلب هذا الابن حينئذ مهما ألحّ هذا الابن عليها في طلبه الذي طلبه منها،ومهما ذرف من دموع بين يديها ؟
فهذا مثال بسيط يوضّح لك يا عزيزي القارئ حقيقة الدّعاء المستجاب.فأنت لا يكفي أن تتعبّد اللّه تعالى بالدعاء وبالابتهال إليه وتنتظر أن يستجيب اللّه تعالى دعاءك الذي دعوت به.بل إنّ من واجبك أن تدعو اللّه تعالى وأن تتضرّع بين يديه ببكاء وإلحاح، شرط أن تدعو بدعاء يتنافى وعلم اللّه تعالى ومشيئته عزّ وجلّ.تلك المشيئة التي فرضت علينا أن نتعبّد ربّنا بهذه الوسيلة التي هي (الدعاء) وهي الوسيلة التي تشكّل في نظر المؤمن أحد الأسباب المعروفة التي فوّض اللّه خالقها لها ما نعلمه من خاصّيتها، وفي وقتٍ يقدر هذا الخالق سحب تفويضه منها وسلبها خاصّيتها. ومن باب أنّ اللّه تعالى قادر على إبطال مفعول جميع ما فوّضه لهذه الأسباب من خواص.فهذا هو حال الأدعية التي إن كانت تضرّ بصاحبها أو كانت تخالف ما اشترطه اللّه تعالى من شروط ليجيبها،فإنّ تلك الأدعية تذهب هباء ولا تُجاب.بسبب أنّ اللّه جلّ شأنه يُبطل خواص تلك الأدعية وتذهب بالتالي هباء.
فلسفة الدعاء
ومادمنا يا عزيزي القارئ قد أحطنا علما حتى الآن بمفهوم الدّعاء وبحقيقة خواص الأسباب والمسبّبات، وبعلاقة الدّعاء بالأقدار وبآليّة الدّعاء وبالنّظام الكوني المادّي المماثل لنظام الدعاء الروحيّ وبالشروط اللازمة لصحّة الدعاء واستجابته من اللّه عز وجلّ.أقول: بعد أن تفهّمنا الدّرس الذي لقّنتنا إيّاه فاتحة الكتاب وآدابها فقد عاد بإمكاننا الإحاطة بالفلسفة التي قام على أساس منها موضوع الدعاء.فما هي الفلسفة التي قامت عليها فريضة الدعاء ؟ وما هي تلك الآية الكريمة التي لخّصت لنا الفلسفة التي قامت عليها وسيلة الدعاء ؟
وأجيب وأقول: أجل هناك الآية الأخيرة من سورة الفرقان فقد لخّص لنا اللّه عز وجلّ من خلال مضمونها الفلسفة التي قامت عليها هذه الوسيلة التي هي وسيلة الدعاء.ولا نتوصّلُ إلى حقيقة هذه الفلسفة إلاّ بعد أن نتدبّر تلك الآية المشار إليها بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.فما هي هذه الآية المقصودة ؟ فالآية المقصودة يا عزيزي القارئ هي الآية التي أنهى بها اللّه العزيز سورة الفرقان والتي قال تعالى فيها (قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم فقد كذّبتم فسوف يكون لزاما.).
وقبل أن نقوم بتدبّر هذه الآية الأخيرة من سورة الفرقان بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره من الأجدر أن نحاول أوّلا إلقاء نظرة سريعة على مضمون سورة الفرقان هذه،ليفيدنا هذا فيما نحن مقدمون عليه ولنطّلع على سباق هذه الآية الأخيرة المذكورة.فلقد افتتح اللّه تعالى سورة الفرقان بقوله تعالى (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا.الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتّخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا.) . فقوله تعالى (تبارك الذي نزّل الفرقان) قد نبّه أذهاننا يا عزيزي القارئ إلى أنّ هذا الفرقان العظيم كان ثمرة من ثمار فيضان بركات الذات الإلهيّة وتفاعلاتها التي تملك هذه السماوات والأرض، والتي خلق اللّه تعالى كلّ شيء فيها فقدّره تقديرا.وقد راح اللّه تعالى يطلعنا في هذه السورة على مظاهر فيضان بركاته القدسيّة إلى أن راح ومن خلال الآيات 61-76 يُعلن عن آخر مظاهر ذاك الفيضان الإلهيّ وبركاته المقدّسة وهي التي تجلّت في حُلية تنزيل تعاليم هذا الفرقان العظيم.هذا الفرقان الذي قدّر اللّه تعالى أن تثمر تعاليمه فئةً مؤمنة من عباد الرّحمان.أن تثمر فئة مؤمنة وصفهم اللّه عز وجلّ في هذه السورة وقال (.. الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.والذين يبيتون لربّهم سُجّدا وقياما..) وبعد أن عدّد اللّه تعالى ما ستتّصف به هذه الفئة المؤمنة القادمة ببركات فيضان الذات الإلهيّة،فقد لفت أنظارنا إلى ما أعدهّ اللّه تعالى لهذه الفئة المؤمنة التي تحلت بتلك الصفات التي عدّدها من قبل وقال وهو يوضّح ذلك (أولئك يُجزون الغُرفةَ بما صبروا ويُلقّون فيها تحيّةً وسلاما. خالدين فيها حسُنت مُستقرّا ومُقاما.).فلمّا فرغ اللّه تعالى من بيان هذا الذي أتيت على ذكره كلّه لم يشأ اللّه عز وجلّ أن يُنهي هذه السورة هكذا وبدون ذكر وبيان فلسفة جميع ما يحدث بعد نزول الفرقان،بل شاء تعالى أن يأتي هنا في هذه الآية الأخيرة على بيان تلك الفلسفة التي تشكّل محور جميع تعاليم الفرقان العظيم. فاختصر جلّ شأنه تلك الفلسفة وقال (قل ما يعبأ بكُم ربّي لولا دعاؤكم فقد كذّبتم فسوف يكون لزاما.) وبعد أن نبّهتك إلى هذه الحقيقة التي أفادنا بها سباقها الموضوعيّ،تعال معي الآن يا عزيزي القارئ لنتدبّر مضمون
هذه الآية الأخيرة من سورة الفرقان وذلك بمنهجيّة القرآن الكريم وبأصول تفسيره.وهنا قد تتساءل في حديث نفسك: وما أدراك أنّ هذه الآية الأخيرة قد تضمّنت فلسفة الدعاء ؟ فأجيب وأقول: أدركت ذلك من جهتين: فالجهة الأولى تجلّت في أنّ اللّه تعالى حين راح يُعطي القارئ فكرة عمّا ستتّصف به هذه الفئة المؤمنة التي ستنجبها تعاليم هذا القرآن المجيد فقد وصفهم هناك وقال (والذين يبيتون لربّهم سجّدا وقياما.والذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم إنّ عذابها كان غراما.إنّها ساءت مستقرّا ومقاما.) ويُختصر هذا الوصف بأنّ تلك الفئة المؤمنة المبشّر عن ظهورها ملتزمة بصلواتها وبدعائها بين يدي ربّها دعاءً موافقا لمشيئة اللّه تعالى المقدّسة. لذلك كان من الضروريّ جدّا بيان فلسفة الدعاء الذي تتضمّنه تلك الصلوات وتلك الأدعية في هذا المقام.وذلك ليكون أفراد هذه الفئة المؤمنة على علم به.وأمّا الجهة الثانية التي دفعتني لأنظر إلى هذه الآية الأخيرة هذه النظرة وهي أنّ مضمونها قد اشتمل على فلسفة الدعاء،هو بسبب أنّ اللّه عز وجلّ قد استهلّ هذه الآية الأخيرة بفعل الأمر (قل) ومعنى هذا افعل: أن بلّغ يا من يصله قولنا هذا بأنّ أفراد هذه الفئة من المؤمنين (الذين يبيتون لربّهم سجّدا وقياما) يكونون في حقيقة الأمر قد استوفوا حقيقة فلسفة هذا الدعاء الذي يدعون به بين يدي ربّهم الذي اصطفاهم وهداهم لحمل رسالته إلى العالم كلّه. وقد انتبهنا إلى هذه الحقيقة وذلك من خلال هذه النقلة التي نقلنا إيّاها جلّ شأنه حين استهلّ هذه الآية بفعل الأمر (قُل) بعد أن عدّد تلك الصفات التي ستتحلّى بها فئة المؤمنين بتعاليم هذا الفرقان العظيم، وبعد أن بشّرهم مقدّما بمصيرهم العظيم. وبناء عليه فبعد أن قال تعالى بحقّ هؤلاء (والّذين يبيتون لربّهم سُجّدا وقياما.). فقد انتقل تعالى هذه النقلة النوعيّة. فأتى بفعل الأمر (قل) بمعنى بلّغ ،ولا يكون هذا قد حدث عبثاً بل حدث استدراكا كيلا يظنّ أفراد هذه الفئة المؤمنة أنّهم قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه باجتهادهم الشخصيّ بل ليدركوا ويوقنوا بأنّهم قد بلغوا ذاك المقام الذي بشّرهم به ربّهم لتعبّدهم اللّه ربّهم عز وجلّ (سجّدا ووقياما).وليعلموا بأنّ جميع هذا الذي حدث إنّما حدث نتيجة لثمرات فيضان بركات الذات الإلهيّة المقدّسة.هذا الفيضان الذي تمحور حول فلسفة بركات هذه الوسيلة التعبّدية التي هي هذا (الدعاء) المطلوب من المؤمنين.فهذه هي الحكمة من فعل الأمر (قل) هذا الذي استهلّ اللّه تعالى به هذه الآية الكريمة الأخيرة من سورة الفرقان.والآن، وبعد أن أجبت على هذا السؤال الذي خطر ببالك يا عزيزي القارئ ، لنتدبّر هذه الآية الأخيرة من سورة الفرقان بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.وليس بما فسّرها القدماء الذين لم يكونوا على علم بهذه المنهجيّة ولا بأصول تفسير آيات هذا القرآن المعجز العظيم.
فالذي تلاحظه يا عزيزي القارئ هو أنّ اللّه تعالى قد أتى بدايةً بحرف (ما) الحرفيّة هنا وقال (قل ما يعبأُ بكم ربّي) وقد تعرّفنا إلى أنّ (ما) هذه هي ما الحرفيّة وذلك لدخولها على جملة (يعبأ بكم) الفعليّة والتي أفادت بذلك معنى الحال مع انتفاء القرينة.وأمّا إدخال (ما) على فعل (يعبأ بكم ربّي) هذا الفعل الذي اشتقّ من قولك عبّا الجيش ومعناه جهّزه أو قولك ما عبأ بالجيش ومعناه ما بالى بهذا الجيش ولم يحضّره (محيط المحيط). فإدخال حرف (ما) هذا على فعل (يعبأ) كان ليفيد أنّه سبحانه وتعالى في الوقت الذي هو أخبر عن ظهور هذه الفئة المؤمنة،فإنه جلّ شأنه شاء أن يقرن ذلك ببيان فلسفة هذه الوسيلة التعبّديّة التي أنجزتها بركات الذات المقدّسة.هذه التي تدور حول وسيلة الاتّصال باللّه جلّ شأنه، وهي الوسيلة التي قرّر اللّه عز وجلّ إيجادها ووضعها موضع التنفيذ ليستعين بها جميع من يؤمن بوجود اللّه تعالى صاحب الأسماء الحسنى. وعليه فإنّ قول اللّه تعالى هنا آخر سورة الفرقان ، (قل ما يعبأ بكم لولا دعاؤكم) يعني بأنّ اللّه تعالى وقد أنزل هذا الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا.فقد شاء أن تظهر بواسطة تعاليمه تلك الفئة المؤمنة التي عدّد صفاتها في هذه السورة الفرقان.وكان من الضروريّ جدّا تجهيز هذه الفئة المؤمنة المشار إليها بوسيلة الدعاء هذه التي تساعد أفراد هذه الفئة المؤمنة على تحقيق المقصد من وجودها.وفي ذلك الإشارة ومن خلال قوله تعالى (لولا دعاؤكم) إلى أنّه لولا أن جعلنا جميع ما فرضناه من فروض عبادة على هذه الفئة المؤمنة تدور حول الدعاء وفلسفته التي هي وسيلة اتّصال ما بين هذه الجماعة المؤمنة وما بين اللّه تعالى الذي قدّر قيامها وهي متّصفةً بهذه الصفات التي عدّدها.فلا تستطيع الوصول إلى ما ستصل إليه.ومن باب أنّ حرف (لولا) هو حرف امتناع لامتناع بمعنى أنّ كلّ واحد من جماعة المؤمنين الذي لا يعتمد في جميع عباداته المفروضة عليه وفي جميع أحواله على هذه الوسيلة التي هي (الدعاء) فإنّ اللّه تعالى لا يبالي به ولا يجهّزه بوسيلة ارتقائه الروحيّة، ولا يجعل تبنّيه تعاليم هذا الفرقان مجديا له في حياته إلاّ إذا تعبّد بوسيلة الدعاء وكان ممّن وصفهم بأنّهم سيدعون ربّهم سجّدا وقياما. وإلا فإنّهم يحمّلون أنفسهم أعباء أداء جميع فرائض التّعبّد بدون جدوى ولمجرّد التّعب والنّصب في هذه الحياة الدنيا.
وعلى هذه الصورة يكون اللّه تعالى من خلال مُعطيات هذه الآية الأخيرة قد أفصح عن (فلسفة الدعاء) الذي ارتكزت عليه جميع ما جاء به الإسلام من فرائض ليتعبّد المؤمن بها ربّه عز وجلّ.وهذه حقيقة بإمكانك أن تلاحظها يا عزيزي القارئ في أنّ الصّلاة الإسلاميّة قد قامت على الأدعية والأذكار. وأنّ صوم شهر رمضان المبارك أصبح لهذا الصائم مدرسة روحيّة من جرّاء أنّه يكثر في أيام صيامه من الدعاء والابتهال على أعتاب ربّه عز وجلّ وقيامه ليله ساجدا بكيّا. وأنّ فريضة الحجّ تؤدّى خلال أيّام الحجّ في جوٍّ مفعمٍ بالأدعية والأذكار.وبهذه المناسبة تذكّر يا عزيزي القارئ كيف أنّ محمّدا المصطفى (ص) بالرّغم من جهوده التي كان يبذلها طوال نهاره لتبليغ رسالة ربّه عز وجلّ. فإنّه كان يقوم طوال ليله واقفا بين يدي ربّه يدعوه باكيا على أعتابه ليكتُب له النجاح في مسعاه.وإلى جانب أنّ رسول اللّه (ص) كان يحثّ صحابته في الوقت نفسه ليواظبوا على صلاة التهجّد المخصّصة للدّعاء ولنيل المقام المحمود عند اللّه جلّ وعلا.وبألفاظ أخرى فلولا دعاء محمّد المصطفى (ص) طوال أيّام أدائه مهام رسالة ربّه عز وجلّ على تلك الحال التي نعرفها، فأنّى كان لأمّة أمّية متناحرة أن تتّحد على يديه وتحت راية الإسلام ؟ فلم تحدث تلك الوحدة لمجرّد طرح شعارات قوميّة وكما يحدث في هذه الأيّام ، بل حدثت تلك الوحدة الإعجازية كنتيجة حتميّة لقبول اللّه تعالى، وهو الذي بعث محمّدا بالحقّ،قبوله جميع أدعية رسوله
الكريم وابتهالاته التي بذلها بين يديه عز وجلّ بوسيلة السجود والدعاء على أعتاب ربّه عز وجلّ.فهذه هي فلسفة هذه الوسيلة التعبّديّة التي استعملت لها لغتنا العربيّة كلمة (دعاء).والتي بدونها يذهب كلّ ما يبذله الإنسان من جهد وعمل في هذه الدنيا هباء.
وبكلمة مختصرة أقول: الكلّ يعرف بأنّ محمّدا بن عبد اللّه اليتيم الأمّي ما كان يملك في حقيقة أمره عدّة وعتادا ولا ظهيرا إلاّ خالقه الذي رعاه وهو يتيم الوالدين.بمعنى أنّ محمّدا (ص) كان يملك شيئا أعظم من تلك الأشياء جميعها، لكونه كان يملك وسيلة (الدعاء) بين يدي ربّه عز وجلّ .هذه الوسيلة التي فتحها اللّه تعالى عليه من أجل أن يسمع بكاءه وتضرّعاته المتواصلة، لينصره وليؤيّده وليكتب له الغلبة على أعدائه.ذلك أنّ الرسول (ص) نفسه كان مشمولا بما نصّت عليه هذه الآية الأخيرة من سورة الفرقان. وبدليل عدم ورود اسم المخاطب المقصود في فعل الأمر (قل) الذي افتتح اللّه تعالى به هذه الآية الكريمة.
وعليه فإنّ كلّ عبد مؤمن يحيط علما بفلسفة الدعاء هذه ويتبنّاها في حياته اليوميّة،فإنّ هذا العبد المؤمن يصبح من الذين أشار إليهم وعد اللّه تعالى الوارد قبل هذه الآية الأخيرة وهو (أولئك يُجزون الغُرفة بما صبروا ويُلقَّون فيها تحيّةً وسلاما.خالدين فيها حَسُنت مُستقرّاً ومُقاما.).وهو الوعد الذي تضمّنته تلك الآية التي سبقت هذه الآية التي تضمّنت فلسفة الدعاء هذه. هذا الإله الذي آمنّا بوجوده وبقدراته التي لا تحدّها حدود ولا يصل إليها خيال.مهما حاول الإنسان أن يجهد عقله وتفكيره ولو حاول ذلك ليلا ونهارا.
حقيقة الدعاء
ألا إنّ جميع ما بيّنته وتكلّمت عنه حتّى الآن كنت أوجّه كلامي فيه إلى هذا العبد المؤمن الذي آمن باللّه وبملائكته وبكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه من اللّه تعالى.وهي الإيمانيّات المعروفة التي فرضها القرآن الكريم وعدّدها في الآيات العشرين الأوائل من سورة البقرة.فأنا خاطبت المؤمن بهذه الإيمانيّات لتساعد هذه البيّنات هذا المؤمن ليتأهّل وليكون مقبولا عند اللّه تعالى،وذلك من خلال فهم صحيح لمعتقداته.وأمّا من حيث حياته اليوميّة فقد طالبه ربّه بأداء عبادات الصلاة والصيام والحجّ من استطاع إليه سبيلا وأن يبذل ممّا أنعم اللّه تعالى عليه من أموال منقولة وغير منقولة بمقدار.وأمّا من حيث صفاته التي ينبغي أن يتّصف ويُعرفَ بها بين الناس فأن يحاول هذا العبد المؤمن أن يجذب في نفسه ما عرفه من أسماء اللّه الحسنى وليصبح مثالا أرضيّا يعكس في نفسه صفات هذا المثل الأعلى وهذا العقل المطلق الذي خلق من لدنه هذه السماوات والأرض وما بينهما. ولئلاّ ينكبّ هذا العبد المؤمن على الأسباب المادّية،وينظر إليها نظرة غيره من الناس الذين لم يهتدوا إلى هذا السبيل الذي هداه ربّه إليه.بل وأن يضيف إلى معرفته إلى هذه الأسباب المادّية أن يضيف تعرّفه إلى سببٍ روحيّ يتعبّد به ربّه جلّ شأنه وهو سببٌ تجهل أكثريّة الناس حقيقته. وإنّ هذه الوسيلة الروحيّة التعبّديّة تتجلّى في أن يجعل هذا العبد المؤمن الدعاء والابتهال بين يدي ربّه هو وسيلته العظمى في كلّ ما يفعله ويُقدم عليه.وهي الوسيلة التي شكّلت محور جميع ما فرضه ربّه عليه من عبادات في كتابه القرآن العظيم.
وإنّ القارئ العزيز الذي يتابع جميع ما ذكرته له حتّى اللّحظة وكان قد طالع ما في كتاب اللّه العزيز من سور وآيات كريمة بإمعان وتدبّر ،يعود هذا القارئ مضطرّا ليسألني في هذا المقام سؤالا جوهريّا لفتت نظره إليه الآية 14 من سورة الرعد التي قال اللّه تعالى فيها (لهُ دعوة الحقّ،والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلاّ كباسط كفّيه إلى الماء ليبلُغ فاهُ وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال.) فيسألني ويقول: ألا تلاحظ كيف أنّ اللّه تعالى قد جزم في هذه الآية الكريمة وقال بأنّ جميع أدعية الكافرين لا تُجاب عنده سبحانه وتعالى وهي تذهب في ضلال،وفي وقت قد يكون فيه هذا الكافر الداعي لم يطّلع على تعاليم الإسلام من جهة ويكون من الوجهة العمليّة صالحا في مجتمعه الذي يعيش فيه. فهل أنّ من العدل أن يجزم اللّه تعالى بحقّ هذا الكافر هذا الجزم ويقول: (وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال) ؟
وأجيبك يا عزيزي القارئ على سؤالك هذا الذي سألتني إيّاه، فأقول: إنّك ركّزت في سؤالك هذا على ما تبادر لذهنك من مضمون هذه الآية الكريمة التي أوردتها آنفا.لكنّك لو أنّك أحطت علما حقيقيّا بمضمون هذه الآية الكريمة وبمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره، لربّما كنت تتراجع عن سؤالك المذكور.لذلك أحاول بداية تدبّر هذه الآية الكريمة بالمنهاج الذي أتيت على ذكره.
فاعلم يا عزيزي القارئ أنّ الكاتب والأديب العربيّ لا يستهلّ كلامه عادةً بجارّ ومجرور، على حين أنّك لاحظت بأنّ اللّه تعالى قد استهلّ هذه الآية الكريمة بالجار والمجرور (له) وقال (له دعوة الحقّ) فلماذا فعل ذلك وخالف تلك القاعدة وقدّم هذا الجار والمجرور ؟ وأبيّن لك ما وراء تلك الخطوة من حقيقة وأقول: ألا إنّ اللّه تعالى قد قدّم هذا الجار والمجرور من منطلق أنّه جلّ شأنه كان قد استهلّ سورة الرعد بأحرف المقطّعات (المر) تلك الأحرف التي تعني (أنا اللّه أعلم وأرى) ومن باب أنّها أحرف اختزال لتلك الكلمات وحسبما وضّحت ذلك في مؤلّفي (فنّ الاختزال في القرآن الكريم). أضف إلى ذلك أنّ اللّه تعالى لم يعلن هذا الادّعاء من دون تقديم أدلّة مصداقيّته.ولذلك فإنّه تعالى كان يقدّم الأدلّة الدامغة في هذه السورة والتي أوردها جلّ شأنه لتثبت للّه تعالى اتّصافه بهاتين الصفتين (العلم والرؤية).فمن جملة ما قدّمه جلّ شأنه من تلك الدلائل لإثبات مصداقيّة كونه يعلم ويرى كلّ شيء في هذا الوجود ، هو هذا الدليل الذي تضمّنته هذه الآية الكريمة 14 من سورة الرعد، والتي فهمت أنت منها غير ما تضمّنته، ولذلك فقد رحت تسألني هذا السؤال المتعلّق بقوله تعالى (وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال). وعليه فإنّ اللّه تعالى حين استهلّ هذه الآية وقال (له دعوة الحقّ) يكون في الحقيقة قد طرح من خلال قوله هذا ادّعاءً هو بحاجة إلى دليلٍ يثبت مصداقيّة أنّ (له دعوة الحقّ) بمعنى أنّ الدعوة الثابتة المنتجة هي ذاك الدعاء الذي يتضرّع به صاحبه بين يدي اللّه المتّصف بالعلم والرؤية ويضيع الدعاء الموجّه إلى المحروم من العلم والرؤية.هذا المعنى من باب أنّ كلمة (دعوة) مصدر دعا والمرّة منه (الدعاء).وأنّ كلمة (الحقّ) قد وردت هنا بمعنى الأمر المقضيّ (محيط المحيط).وأنّ اللام في (له) تفيد معنى الصيرورة والمآل. فهو تعالى أتى بلام الصيرورة والتي تسمىّ لام العاقبة أو لام المآل. فأدخلها على ضمير الشأن (هو) الذي يشير إلى الذات الإلهيّة المقدّسة المتّصفة بالأسماء الحُسنى وصفتي (العلم والرؤية خاصّة وقال (له) وليصبح معنى هذا الجار والمجرور أنّ (دعوة الحقّ) تصير إليه يقينا ولا تضيع عنده. وأنّهه تعالى يستجيب ما اشتملت عليه الأدعية من طلب من جانب عباده.
وعليه فإنّ قول اللّه تعالى (له دعوة الحقّ) معناه أنّ الدعاء المقضي المستجاب ينحصر في الأدعية الموجّهة إلى الذات الإلهيّة المقدّسة صاحبة الأسماء الحسنى والذي يعلم ويرى.وأما الأدعية التي لا تستوفي هذا الشرط فلا تُجاب تلك الأدعية وتذهب في الهواء هباء.فهذا هو ما أريد من هذا الطرح الذي طرحه اللّه سبحانه وتعالى من خلال قوله هنا (له دعوة الحقّ).وهو طرح كما يبدو لناظرك يا عزيزي القارئ وبهذا الفهم وهذا المعنى الذي ذكرته لك هو طرح ادّعاء لم يتبادر معناه لذهنك لأوّل وهلة من تلاوتك هذه الكلمات (له دعوة الحقّ).وبما أنّ كلّ ادّعاء هو بحاجة في إثباته إلى دليل.فإنّ اللّه عز وجلّ قد حاول تقديم الدّليل على مصداقيّة ما ادّعاه من خلال قوله (له دعوة الحقّ)بعد هذا الادّعاء مباشرة ووفق أصول ومنهجيّة تفسير آيات هذا القرآن الكريم ولذلك قال بعد ذلك (والّذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسطِ كفّيه إلى الماء ليبلُغ فاه وما هو ببالغه).فما هو معنى هذا الكلام الإلهيّ ؟ أقول: إنّ اللّه تعالى قد أتى في الفقرة الأولى من هذه الآية الكريمة بواو العطف ليعطف مضمون هذا الدليل على ذاك الادّعاء وقال (والذين يدعون من دونه) بمعنى أنّ الكفّار الذين يدعون وهم يعبدون من دون اللّه تعالى آلهة مصطنعة مزعومة ومنتظرين أن تستجيب تلك الآلهة المزعومة لأدعيتهم.فإنّ تلك الآلهة المصطنعة المزعومة (لا يستجيبون لهم بشيء) أي أنّ هؤلاء الكفّار مهما دعوا وابتهلوا بين يدي هذه الآلهة المزعومة التي اصطنعها هؤلاء الكفّار فإنّ هذه الآلهة المزعومة لا تقدر على الاستجابة لأدعيتهم ولا تملك علما وسمعا ليساعدها على الاستجابة لأدعية هؤلاء الكفّار بشيء . ومن ثمّ أورد اللّه تعالى بعد ذلك حرف (إلاّ) وقال (إلا كباسط كفّيه إلى الماء ليبلُغ فاه وما هو ببالغه).فالذي يتبادر لذهن القارئ من هذه الفقرة الثانية هو أنّ اللّه تعالى قد أتى بحرف (إلا) هنا بمعنى الاستثناء ، والحقيقة هي أنّ اللّه تعالى قد أتى بحرف (إلا) هذه ليس بمعنى الاستثناء، ولكن بمنزلة الواو العاطفة. وذلك من منطلق أنّه تعالى قد راح يشبّه حال هؤلاء الكفّار بتشبيه بليغ من صلب الواقع الذي يحيونه ويشاهده جميع الناس.وذلك توضيحا لمصداقيّة قوله تعالى (لا يستجيبون لهم بشيء). وعليه فلم يأت اللّه تعالى هنا بحرف (إلا) للاستثناء.وإلا فلو أنّه كان قد أتى تعالى بهذا الحرف ليدلّ على الاستثناء، لكان قد تناقض مع قوله تعالى الذي سبق أن قاله وهو (لا يستجيبون لهم بشيء).وهو القول الذي لا يحتمل أيّ استثناء.وتجد يا عزيزي القارئ مثالا لاستعمال القرآن الكريم لحرف (إلا) بمعنى العطف المذكور والمشار إليه وذلك من خلال قوله تعالى (لئلا يكون للناس عليهم حجّة إلا الذين ظلموا منهم) أي لئلاّ يكون للناس عليهم حجّة ولا للذين ظلموا منهم (محيط المحيط).
وبعد أن أوصلتك يا عزيزي القارئ إلى هذا الحدّ من البيان لنتدبّر هذا التشبيه البليغ الذي تضمّنه قوله تعالى (إلا كباسط كفّيه إلى الماء وما هو ببالغه) وهو التشبيه البليغ النابع من واقع هذه الحياة الدنيا أيضا.ففي الفقرة الأولى من هذا التشبيه وهو قوله تعالى (إلا كباسط كفّيه إلى الماء) فإنّ اللّه جلّ شأنه أتى بكاف التشبيه أوّلا إشعارا لنا بأنّه تعالى يقوم بعمليّة تشبيه حال هؤلاء الكفّار الذين يتوجّهون بأدعيتهم إلى آلهتهم المصطنعة ولا يتوجّهون إلى اللّه صاحب الأسماء الحسنى.فراح تعالى يشبّههم بالذي يقف على شاطئ نهر أو على شاطئ إناء مملوء بالماء وهو عطشان، ويريد أن يشرب ليطفئ ظمأه. فبدلا من أن يغرف هذا الشخص بكأسه من الماء ليشرب، راح يبسط كفّيه نحو الماء عوضا عن ذلك ويدعو الماء ليخرج هذا الماء من إنائه من تلقاء نفسه ليصل إلى فاه هذا الذي أراد أن يشرب من هذا الماء. وهنا يقول اللّه تعالى وهو يخاطب عقولنا: فهل يُعقل أن يستجيب هذا الماء المخلوق الذي لا حياة فيه لمقصد معيّن حدّده له هذا الكافر الذي يدعوه إليه ؟ وبهذا الأسلوب من هذا التشبيه البليغ الذي قدّمه، يكون تعالى قد شبّه هذا العطشان بالإنسان الواقع في مشكلة وراح يطلب ما أراد طلبه من هذا الذي اتّخذه معبودا له لا يعلم ولا يسمع ومن دون اللّه تعالى صاحب الأسماء الحسنى والذي يعلم ويرى.ومن جهة ثانية فقد شبّه اللّه تعالى بسط هذا العطشان كفّيه إلى الماء، بالمؤمن الذي يقف يدعو ربّه وهو يبسط يديه نحو السماء ليطلب عون ربّه عز وجلّ وبذلك يكون قد تعالى قد أتى بالعنصر الثاني من هذا التشبيه البليغ.ومن جهة ثالثة فقد شبّه اللّه تعالى حال هذه الآلهة المصطنعة بالماء المخلوق الذي لا يعلم ولا يرى،وعلى أنها آلهة مصنوعة بأيدي هؤلاء المشركين أنفسهم.وأنّ هذه الآلهة المصطنعة هي في حقيقة أمرها مجرّد مخلوقات سواء أكانت من حجر أو من تمر أو من غيره من الأشياء.والمعلوم هو أنّ المخلوق تكون له خصائصه ومن تلك أنّه لا يقدر على أن يتجاوز تلك الخصائص التي منحها الخالق إيّاه.وبهذا يكون اللّه تعالى قد شبّه حال الكفّار بتشبيه بليغ حقّا وقد استوفى من خلال هذا التشبيه البليغ العناصر الثلاثة المطلوبة.
ولاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّه ما إن فرغ اللّه جلّ شأنه من تقديم هذا الدليل على مصداقيّة ما ادّعاه. ومن خلال تقديمه هذا التشبيه البليغ الذي شبّه به حال هؤلاء الذين يدعون وهم غير مؤمنين باللّه صاحب الأسماء الحسنى.فقد خرج اللّه تعالى من خلاله بنتيجة يقينيّة فخصّص تعالى لبيان هذه النتيجة التي توصّل إليها،أقول قد خصّص هذه الفقرة الأخيرة التي قال فيها (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال.). هذا القول الذي وضّح حقيقة مضمون هذا الدليل الذي قدّمه اللّه تعالى والذي كان المقصد منه بيان حقيقة ولم تكن الغاية منه ظلم هؤلاء الكافرين ولا كان يريد الجزم بحقّهم ما لا يكون عدلا.
وعلى هذه الصورة فلا يكون اللّه تعالى يا عزيزي السائل قد ظلم الكافرين من خلال قوله تعالى (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) بل ويكون اللّه تعالى قد أتى من خلال قوله هذا على بيان حقيقة يقينيّة وواقعيّة مستمدّة من واقع ما يعتقده غير المؤمنين .فإن أنت فهمت يا عزيزي القارئ هذه الفقرة الأخيرة خلافا لما بيّنته لك لا تكون قد أحطت علماً بدلالاتها إحاطة علميّة وحقيقيةّ.وإنّ هذا التشبيه الذي شبّه اللّه تعالى به غير المؤمنين تشابهه أمثلة كثيرة تتعامل معها أنت يوميا.ً وعلى سبيل المثال فإن أنت نظرت إلى ورقة بيضاء من الورقات مزخرفة واعتقدت بأنّها ورقة نقديّة.فإنّك ستحزن وتتألّم كثيرا حين يردّك البائع ويسخر منك ويخبرك بأنّ هذه الورقة التي تعطيه إيّاها إنّما هي مجرّد ورقة غير نقديّة.من هنا تدرك يا عزيزي القارئ بأنّ الإنسان الذي يمنح شخصا ما منزلة أرفع ممّا هي له فإنّه يُحرم من الاستفادة من الشخص الذي حاول الاستفادة منه.وهكذا فإنّ الآية المذكورة من سورة الرعد تكون قد نبّهت أذهاننا إلى أنّ البسملة التي علّمها القرآن الكريم أتباعه قد علّمهم إيّاها لتذهب أذهانهم عندما يقولون (بسم اللّه الرحمن الرحيم) أن تذهب إلى وجود الذات الإلهيّة المقدّسة التي لها هذه الأسماء الحسنى الواردة في كتاب اللّه القرآن العظيم.وليس أن تذهب أذهانهم إلى الّلات والعزّى أو إلى المسيح ابن مريم أو إلى أيّة جهة أخرى. بل أن تذهب أذهانهم إلى اللّه الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم.وليقرّوا في الوقت نفسه بأنّ هذا الذي آمنوا به ويعبدونه إنّما هو المحرّك الأوّل والأخير في
هذا الوجود.فهذه هي إجابتي على ما سألتني عنه آنفا.
وعلى كلّ حال فإنّ اللّه جلّ شأنه يكون من خلال هذه الآية 14 من سورة الرعد قد وضّح لك يا عزيزي القارئ (حقيقة الدعاء) وبصياغة بلاغيّة معجزة وبتشبيه بليغ أيضا.وبذلك تكون يا عزيزي القارئ قد أحطت علما بفلسفة الدعاء من جهة، وبحقيقة الدعاء من جهة ثانية، ومن خلال آيتين فقط وردت الآية الأولى منهما آخر آية من آيات سورة الفرقان، وبما يتّفق مع تسلسل آياتها الموضوعيّ. ووردت الآية الثانية منهما في سورة الرعد وبما يتّفق مع تسلسل آياتها الموضوعي أيضا.وهذا كلّه يا عزيزي إعجاز بإعجاز قد تضمّنه هذا القرآن المجيد.ألا وإنّ هذا الفهم الذي طرحناه يا عزيزي القارئ حول فلسفة الدعاء وحقيقته واستنادا إلى كلام اللّه عز وجلّ.قد شكّل حقيقة توقظ هذا العبد المؤمن من كلّ غفلة واقع فيها، ليصحو وليحاول أن يحيط علما بما تجلّى به ربّه عز وجلّ على عالمه الدنيويّ من أسماء حسنى.فإن أنت أحطت علما بهذه الصفات التي اتّصف بها ربّنا عز وجلّ كان من واجبك ألاّ تدعو ربّك بعد اليوم إلا من خلال مخاطبتك إيّاه من خلال أسمائه الحسنى ومن ثمّ تتضرّع إليه بما تريد أن تتضرّع إليه من خلال تلك الصفات الإلهيّة.وهذا من منطلق أنّك قد أحطت علما بمضمون قول اللّه تعالى (له دعوة الحق) وأنّ كلّ خللٍ يخلّ بهذه المعادلة القرآنيّة، قد يؤدّي بدعائك إلى حرمانك من بركات ما قمت تدعو من أجله. ولا تعود تحظى بالتالي باستجابة دعائك عند اللّه عز وجلّ.لكنّك إذا أحطت علما يا عزيزي القارئ بسرّ موضوع الدعاء وعُدت تدعو وأنت مراعٍ لأصول الدعاء وأنت عالم بحقيقته الذي شرحتها هذه الآية التي نحن بصددها،فإنّك تحظى حينئذ باستجابات أدعيتك وتتراكم بعدها لديك تجارب روحيّة بسبب تلك الإجابات. وفي تلك الحالة تولّد عندك تلك التجارب الروحيّة جاذبيّة تجذبك نحو ذكر اللّه تعالى وإلى التضرّع بين يدي ربّك كلّ حين ، وتقوّي هذه الجاذبيّة،في نفسك في الوقت نفسه محبّتك لربّك وتجذب بالتالي محبّة ربّك إليك.وتصبح بالتالي مستجاب الدعوات عند اللّه صاحب الأسماء الحسنى ومالك هذه السماوات والأرض ومالك أنفسنا جميعا.
وعلى هذه الصورة فإنّ تجارب المؤمن الروحيّة التي تتراكم في ذهنه وفي صدره من خلال تعامله مع ربّه جلّ شأنه يبادله ربّه في مقابلها بمحبّة أكثر من محبّته ورضوان.وعليه فقد عاد من واجب هذا المؤمن أن يُدرك بأنّ الشرك باللّه تعالى وبمختلف أنواعه يقف حاجزا على الدوام ما بين الإنسان وما بين تعرّفه على ربّه الحقيقي. ويحرم هذا الإنسان المشرك في الوقت نفسه من بركات عقيدة التوحيد التي جاءت بها تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف لذا أقول باختصار شديد: إنّ مضمون دعاء الإنسان المشرك ومنكر وجود اللّه الواحد الأحد لا تصل إلى اللّه صاحب الأسماء الحسنى، ولكنّها تضلّ وتذهب إلى عنوان آخر غير عنوان هذا الإله الحقيقي الذي خلق هذه السماوات والأرض. ولذلك فإنّ أدعية هذه الشرائح من الناس لا تُجاب عند اللّه سبحانه وتعالى.وهذا هو معنى قول اللّه تعالى الوارد في هذه الآية الكريمة (وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال.) وعلى هذه الصورة يكون مضمون هذه الآية قد وضّح للقارئ حقيقة الدّعاء.
فاتحة الكتاب وأصول الدعاء وقبل أن أسرد لك يا عزيزي القارئ ما تجلّى اللّه به من أسماء حسنى في عالمنا الدنيويّ، ووفق ما أطلعنا عليه آي الذكر الحكيم.كان من واجبي أن أُلفِتَ نظرك إلى أصل عظيم من أصول الدعاء علّمتنا إيّاه آيات سورة الفاتحة ومن خلال ترتيب آياتها.وإنّ حقيقة هذا الأصل أطلعنا عليه ما وصلنا من حديث محمّد المصطفى (ص) الذي أورده النسائيّ في (كتاب الافتتاح فضل فاتحة الكتاب). فقد ورد عن أبيّ بن كعب: (قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما أنزل اللّه في التوراة ولا في الإنجيل مثل أمّ القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولِعبدي ما سأل.).فقوله (ص) (ولعبدي ما سأل) قد أخبرنا عن أهمّ فضائل الدعاء بدعاء فاتحة الكتاب وبمراعاة ما تضمّنته من أصول دعاء. أي أنّ كلّ آية من آيات سورة الفاتحة علّمتنا أصلا من تلك الأصول. فالمقصود ممّا أورده هذا الحديث الشريف من فضيلة لسورة الفاتحة هو ضرورة تقيّد الداعي فيما يدعو به، بترتيب أصول هذا الدعاء الذي رُتّبت عليها آيات سورة الفاتحة.فما هو هذا الأصل وذاك الترتيب؟
أقول: إن نحن انطلقنا من أنّ (بسم اللّه الرحمن الرحيم) تعدّ
جزء من سورة الفاتحة،فإنّ هذه البسملة تكون قد هدتنا إلى أوّل شيء ينبغي أن نراعيه عند الدعاء.وهو أنّه يتوجّه المؤمن للدعاء ،فمن واجبه أن يدعو بما لا يتنافى ودلالات صفتي اللّه (الرحمان الرحيم).بل أن يفيض دعاؤه بالخير هذا الخير الذي جلّته آية البسملة، وما تبعها من تعاليم خير أنزلها اللّه جلّ شأنه في كتابه العزيز.وعليه فإنّ كلّ من يدعو بين يدي ربّه ليعينه ربّه على سرقة شيء من الأشياء أو يدعو بدعاء سوء على أحد الناس، وأمثالها من الأدعية، يكون قد خالف معطيات هذه الخطوة الأولى من خطوات الدعاء المستجاب.هذه الخطوة التي علّمتنا إيّاها البسملة التي افتُتحت بها فاتحة هذا القرآن العظيم.
والناحية الثانية فقد علّمتنا إيّاها الآية الأولى من فاتحة الكتاب وهي قوله تعالى (الحمد للّه ربّ العالمين).وإنّ هذا الحمد الذي تلهج به ألسنتنا بين يدي ربّنا عز وجلّ،والذي يشمل جميع ما في هذا الكون من عوالم،فقد علّمنا أن نوسّع حدود دائرة ما نطلبه من ربّنا عز وجلّ وعلى صورة يعود يشمل دعاؤنا جميع عباد اللّه تعالى وبما لا يضرّهم بشيء والمقصد من ذلك أن يعترف هذا الداعي،وبصورة عمليّة، بأنّه ينظر إلى جميع ما خلقه ربّ العالمين نظرة احترام، وتدليلا من جانبه على أنّ هذا الربّ الخالق العظيم يستحقّ من جانبنا كلّ حمد وثناء وتقديس من
خلال ما أبدعه في هذا الكون من آيات تأخذ بالألباب.
والشيء الثالث الذي ينبغي توفّره في دعاء هذا المؤمن،قد علّمنا إيّاه ما اشتملت عليه الآية الثالثة من فاتحة الكتاب وهو قوله تعالى (الرحمن الرحيم).فصفة الرحمان اقتضت أن يكون دعاؤنا لا يتنافى وعطاء صفة اللّه الرحمان.تلك الصفة التي أبدعت كلّ شيء من دون أيّ مقابل من تلك الأشياء وتلك المخلوقات التي أبدعها اللّه الرحمان.كذلك وينبغي أن يتلوّن دعاء هذا المؤمن الداعي بين يدي ربّه عز وجلّ بلون صفة اللّه الرحيم ؟ فيدعو اللّه الرّحيم أن يهدي جميع عباده،وأن يعفو عنهم ويصفح عمّا ارتكبوه من مخالفات وعصيان لأوامره عز وجلّ بالإضافة إلى أنّ صفة (الرحيم) هذه تعني عطاء للعبد أكثر من استحقاقه وعطاء مقترنا بالرحمة والرأفة أيضا.وعليه فإنّ صفة الرّحيم هذه تطالب هذا المؤمن الداعي أن يدعو لكلّ من أحسن إليه بعطاء فوق استحقاقه على ما أحسنه إليه.وليثبت هذا الداعي من خلال دعائه هذا بأنّه قد تخلّق بصفتي ربّه (الرحمن الرحيم).
والشيء الرابع الذي ينبغي أن يراعيه الدعاء، علّمتنا إيّاه الآية الرابعة من آيات فاتحة الكتاب وهي (مالك يوم الدين).وقد حثّنا مضمون هذه الآية الرابعة على الاعتقاد الجازم بأنّ لجميع ما نأخذ به ونعمل عليه من أسبابٍ مادّية وغير مادّية متوفّرة في هذا الكون المادّي فإنّ لجميع هذه الأفعال نتائجها اليقينيّة: سواء أكانت هذه الأفعال مادّية كانت أو كانت أفعال روحيّة، كالصلاة وغيرها من العبادات. فإنّ جميع هذه الأفعال تترك آثارا غير مرئيّة في نفس هذا الإنسان. وتشكّل هذه الآثار نتيجة تراكمها في نهاية المطاف الأساس الذي يتألّف منه عذاب نار جهنّم الذي سيصير إليها هذا الآثم العاصي.أو تتشكّل من تلك الآثار جنّة هذا المؤمن الذي أمضى حياته الدنيويّة في عبادة ربّه عز وجلّ وإطاعته وخدمة دينه.لذلك فإنّ هذه الآية (مالك يوم الدين) تكون قد علّمتنا أن ندأب على التّوبة وعلى الاستغفار بين يدي ربّنا عز وجلّ في كلّ آن من حياتنا وقبل أن نطلب منه ما نتضرّع بين يديه من أجله،ولنجذب بذلك عطف ورأفة اللّه ربّنا (مالك يوم الدين) الذي يملكنا في هذه الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة أيضا. وأن نسعى أن نكون ونحن ندعو أن نكون متسامحين مع من كان لنا عندهم حقوقا .
وأمّا الشيء الخامس الذي ينبغي أن نتقيّد به حين الدعاء علّمتنا إيّاه الآية الخامسة (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) فقد علّمتنا هذه الآية الخامسة من آيات سورة الفاتحة أن نحذر الشرك بجميع أنواعه في اعتقاداتنا، وفي حياتنا العمليّة، ولنصبح من الذين يدعون بين يدي ربّهم ويبتهلون وهم يوحّدونه ولا يشركون به أحدا، ولتصل أدعيتنا من جرّاء ذلك إليه سبحانه وتعالى،ولنكون من المقبولين عنده جلّ شأنه، ولتكون أدعيتنا أدعية مستجابة عندهسبحانه.وهذا من باب أنّ حقيقة الدعاء قد عبّر عنها قول ربّنا الذي تدبّرناه من قبل وهو (له دعوة الحقّ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلاّ كباسط كفّيه إلى الماء وما هو ببالغه) .وهذا هو السبب في أنّ الآيات الأوائل من آيات سورة الفاتحة كانت مصاغة بصيغة الغائب.وأمّا هذه الآية (إياك نعبد وإيّاك نستعين)فقد وردت مصاغة بصيغة المخاطب الحاضر وقصد بهذه الصيغة من الخطاب،مخاطبة الذات الإلهيّة مباشرة تلك الذات التي اتّصفت بجميع تلك الأسماء الحسنى التي أوردها القرآن الكريم والتي هي في أذهاننا وفي أعماق أفئدتنا والتي هي المستعان في جميع أحوالنا.
وقد علّمنا دعاء (اهدنا الصراط المستقيم) سادس شيء ينبغي أن نتقيّد به حين الدّعاء.وهو أن نكون في حياتنا مبتعدين عن كلّ وسيط يحاول التوسّط بيننا وبين ربّنا عز وجل.ّ فننبذ الرهبانيّة وننبذ جميع تلك الوسائط التي يزعم المشركون أنّها تقرّبهم من اللّه زُلفى.وأن نختصر جميع هذه المسافات ونخاطب ربّنا مباشرة وكأننّا نراه، ومن منطلق اعتقادنا بأنّ اللّه جلّ شأنه يرانا يقينا ويسمع دعاءنا، وإن كنّا لا نراه بأعيننا هذه.وإنّ هذه الخطوة السادسة التي دفعتنا إليها هذه الآية السادسة كان الغرض منها دفعنا لنتوكّل على اللّه تعالى ولنتجنّب التوكّل على الأسباب،ولئلا نهاب أحدا من دون اللّه عز وجلّ. وإن سألنا فلا نسأل فضل أحد من الناس إلا فضل ربّنا وعطاءه وإحسانه.وأن يكون أسمى ما ندعو للحصول عليه هو أن يهدينا اللّه جلّ شأنه إلى ما دلتّ عليه الآية الأخيرة من آيات سورة الفاتحة وهو دعاء (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين.آمين).ومن واجب هذا المؤمن الذي يبتهل ويدعو بين يدي ربّه ألاّ يتقيّد بهذه الأمور وحدها التي علّمتنا إيّاها آيات سورة الفاتحة.بل وإنّ من واجبه أن يلتزم خلال ذلك كلّه بوقوف متأدّب بين يدي ربّه حين الدعاء، أو بقعود أو بسجود متأدّبٍ أيضا، وشبيه بحالة التأدّب التي تقتضيها منه فريضة الصلاة التي هي في الأصل شكل متميّزٌ من أشكال الدعاء بين يدي خالقنا عز وجلّ.فريضة الصلاة التي لا تصحّ بدون الدعاء فيها بدعاء فاتحة الكتاب.
وأنت يا عزيزي القارئ ما إن تحيط علما بهذه الأصول الستّة التي علّمتنا إيّاها أدعية آيات سورة فاتحة الكتاب.يعود من واجبك أن تتذكّر هنا أصلا للدّعاء أوردته قصّة أبيك آدم عليه السلام. فتتذكّر في كيف أخطأ آدم وعصى ربّه، فلمّا أطلعه اللّه ربّه على خطئه هو ومن كان قد آمن معه، أن تتذكر الخطوة التي أقدم عليها آدم وزوجه وهي الخطوة التي ذكرتها الآية 23 من سورة الأعراف،وهي (قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وقف وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين).وآخذا بنظرك ورود إشارة الوقف (قف) بعد قولهما (ربّنا ظلمنا أنفسنا) ؟ هذه الإشارة التي طلبت منك أن تتمهّل وتفكّر فيما ينبغي أن تفعله بعد أن تخطئ وتظلم نفسك.وأنّ من واجبك أن تتضرّع بين يدي ربّك ليعلّمك دعاءً يزيل منك ما لحقك من آثار خطئك. وأن تقول كما قال آدم ومن كان معه: (وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين ).وتوقن في الوقت نفسه بأنّ دعاء آدم وزوجه قد حمل لك أوّل أصل من أصول الدعاء بين يدي ربّنا عز وجل.ّ فقد علّمنا القرآن هذا الأصل الذي يرجع إلى عهد أوّل أنبياء اللّه وهو آدم عليه السلام، أقول بأنّ هذا الأصل البدائيّ علّمنا أن نحاول جذب فضل اللّه ورحمته علينا حين نظلم أنفسنا ليعلّمنا ربّنا عز وجلّ الدعاء المناسب في تلك اللّحظات من لدنه، وليس أن ندعو بدعاء من تركيب فكرنا واجتهادنا وبذلك نحاول جذب فضل وعطف ربّنا ونحن معتقدين بأنّ اللّه تعالى سيعلّمنا الدعاء المناسب لوضعنا يقينا كما كان قد علّم نبيّه آدم الدعاء المناسب وفي الوقت المناسب وهو (قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين) وكانت نتيجة ذلك أن تاب اللّه تعالى على نبيّه آدم عليه السلام.وعلى هذه الصورة تكون يا عزيزي القارئ قد أحطت علما بسبعة أصول من أصول الدعاء.ستّة منها وردت في سورة الفاتحة والسابعة أوردتها قصّة آدم عليه السلام.ولكلّ منها ضرورة الأخذ به ،
ولكلّ منها محلّه حين التوجّه إلى التضرّع والدعاء منه عز وجل.
مفهوم العبوديّة للّه وعلاقته بالدعاء
وبهذه المناسبة فمن المناسب أن أنبّه ذهن القارئ الكريم إلى حقيقةٍ نبّهنا إليها المفهوم اللّغويّ لكلمة (دعاء) والذي كنّا قد أتينا على ذكره في مستهلّ هذا الكتاب.وتلك الحقيقة هي أنّ من يقوم المؤمن للدّعاء بين يدي ربّه عز وجلّ معترفا ضمنيّا بعبوديّته للّه جلّ اسمه ويكون في الوقت نفسه نافيا عن نفسه أيّة ميّزة يمتاز بها عمّن سواه من البشر. ولذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ القرآن الكريم حين تكلّم عن عيسى ابن مريم عليه السلام ونافيا عنه ما ألصقه أتباعه به من صفة ليست له.فقد أوصاه ربّه من جملة ما أوصاه أن يقول كما ورد في الآية 31 من سورة مريم (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيّا.) فإن نحن أخذنا لكلمة (الصلاة) الواردة هنا معنى الدعاء.نكون قد فهمنا من هذا النصّ بأنّ اللّه تعالى كان قد أوصى نبيّه عيسى أن يلتزم بالدّعاء في جميع أمور حياته وليُثبت اللّه تعالى من وراء أمره المذكور بأنّ المسيح كان إنسانا ضعيفا كبقيّة الناس وعبدا صادقا في عبوديّته لربّه عز وجلّ.فهذه الحقيقة أوردتها آيات القرآن المجيد،وأيّدتها مُعطيات الأناجيل الحاضرة.فإن أنت سألتني يا عزيزي القارئ أن أُثبت لك مصداقيّة ما أتى به هذا النصّ القرآنيّ من ادّعاء بأنّ المسيح ابن مريم لم يكن إلها ولا ابن إله،وأنّ اللّه تعالى كان قد أمر المسيح عيسى ابن مريم أن يثابر على الدعاء ليثبت من خلال ذلك أنّه عبدٌ من عباد اللّه الصالحين،وأنّه كان بريئا من تلك الصفة التي نسبها أتباعه إليه.فإن شئنا إثبات هذه الحقيقة من الأناجيل الحاضرة.أستجيب لرغبتك يا عزيزي القارئ وأدعوك لتراجع معي إنجيل لوقا 9/18 فقد قال كاتبه فيه: (واتّفق أنّه-يعني المسيح الناصري- كان يصلّي في عُزلةٍ والتلاميذ معه..).فمن خلال هذا النصّ تدرك مصداقيّة هذا القرآن الذي نقل عن المسيح قوله (وأمرني بالصّلاة والزكاة ما دمت حيّا).فهذا النصّ بيّن بصراحة أنّ المسيح (كان يصلّي).كذلك أورد إنجيل لوقا 11/1 فروى لنا كاتبه قائلا بحقّ المسيح الناصريّ (وكان يصلّي في بعض الأماكن فلمّا فرغ قال له أحد تلاميذه "يا ربّ علّمنا أن نصلّي كما علّم يوحنّا تلاميذه".فقال لهم "إذا صلّيتم فقولوا أيّها الأب ليُقدّس اسمك ليأت ملكوتك اُرزقنا خُبزنا كفافَ يومنا وأعفنا من خطايانا فإننّا نُعفي نحنُ أيضا كلّ من لنا عليه ولا تُعرِّضنا للتجربة".).وهذا النصّ يؤكّد مصداقيّة (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيّا) فالمسيح (كان يصلّي في بعض الأماكن).وإنّ تلاميذه خاطبوه بعد فراغه من صلاته بقولهم (يا ربّ علّمنا ..) وإنّ هذأ النداء باصطلاح (يا ربّ علّمنا..) معناه يا من تُشرف على تربيتنا.كذلك راجع معي يا عزيزي القارئ إنجيل لوقا 22/31 الذي قال كاتبه فيه (وقال الربّ "سمعان سمعان هو ذا الشيطان قد طلبكم ليُغربلكم كما تُغربلُ الحنطة.ولكنّي دعَوت لك ألاّ تفقدَ إيمانك".)أي أنّ المسيح الربّ الذي يشرف على تربية الذين آمنوا به،عمد إلى الدّعاء من اللّه تعالى ليعصم تلميذه سمعان كيلا يرتدّ بعد إيمانه.وهذا اعتراف من المسيح بخلوّه من صفة الألوهيّة.وإلاّ فلو كان المسيح إلها فما كان ليحتاج إلى الدعاء للغرض المذكور. كذلك ورد في هذا الباب نفسه 22/41 ومن خلال قول كاتبه بحقّ المسيح الناصري (ثمّ ابتعد عنهم مقدار رمية حجَر وجثا يصلّي فيقول"يا أبت إن شئت فاصرف عنّي هذه الكأس..ولكن لا مشيئتي بل مشيئتك".) ومن ثمّ فقد ورد في الآية 44 منه (وأخذه الجهد فأمعن في الصلاة وصار عرقه كقطرات دمٍ متخثّر تتساقط على الأرض ثمّ قام عن الصلاة فرجع إلى تلاميذه فوجدهم نائمين من الحزن.فقال لهم "ما بالكم نائمين ؟ قوموا فصلّوا لئلاّ تقعوا في التجربة.").
فهذه النصوص الإنجيليّة التي نقلتها لك يا عزيزي القارئ تدلّ دلالة واضحة على عبوديّة المسيح ابن مريم للّه تعالى ولا تدلّ على شيء آخر سواها.وهي نصوص وضّحت بأنّ المسيح كان يعمد إلى الدعاء كلّما واجهه خطر من الأخطار،وعلى شاكلة ما يفعله المؤمن التابع لهذا الدين الإسلاميّ يدعو ربّه في جميع أحواله.وإنّ هذه النصوص الإنجيليّة تُعدُّ قرائن قويّة تؤكّد بأنّ المسيح عليه السلام كان عندما يدعو ربّه ويقول (أبانا الذي في السماوات) فإنّه كان يستعمل خطاب (أبانا) بمعناه الروحيّ وليس بمعناه الجسمانيّ المادّي. وإلاّ فلو كان المسيح ابنا حقيقيّا للّه تعالى وأرسله أبوه ليُصلب وليصبح فداء وعلى حسب ما نسمعه من أفواه أتباعه لكان قد تناقض الادّعاء المذكور مع ما نقلناه من تلك الاقتباسات الإنجيليّة والتي وضّحت بأنّ المسيح كان مثابرا على أداء الصلاة والدعاء في جميع أحواله.ويكفي أنّ المسيح حين علّقوه على الصليب وعلى حسب ما أوردته الأناجيل.فقد صاح المسيح وهو على الصليب متألّما ممّا جرى له وقال ((إلهي إلهي لماذا تركتني ؟) فلوكا ن المسيح ابنا للّه تعالى فقد من المنطقيّ أن يدعو ويقول (أبي أبي لماذا تركتني).أمّا دعاؤه بخطاب (إلهي) فقد اعترف من خلاله أنّه كان عبداً صالحا يعبد اللّه الذي لا إله إلا هو.فكلمة الإله اشتقّت من الوله ومعناه المحبّة وإنّ المسلم حين يقول: لا إله إلا اللّه، فهو يعني أنّه لا يوجد في هذا الكون محبوبا حقيقيّا ويستحقّ التأليه والعبادة إلا اللّه خالق السماوات والأرض.وعليه ومن خلال هذه النصوص كلّها وغيرها الواردة في إنجيل متى ولوقا وغيرهما من الأناجيل، أكون قد أثبتُّ لك يا عزيزي القارئ مِصداقيّة هذا النصّ القرآني الذي ورد فيه عن لسان المسيح عليه السلام قوله (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيّا.) وأكون في الوقت نفسه قد أثبتّ لك يا عزيزي بأنّ المسيح ابن مريم عليه السلام كان إنسانا لا يختلف عنك في عبوديّته لله خالقه الذي كان قد بعثه نبيّا.فاللّه عز وجلّ كان قد أوصى المسيح بالصلاة على اعتبار أنّ المسيح عبد من عباد اللّه تعالى.وكمثله فقد أوصانا اللّه تعالى نحن المسلمين بهذه الصلاة الإسلاميّة لكوننا عباد من عباد اللّه تعالى أيضا.وعاد بإمكانك يا عزيزي القارئ القيام من خلال ما أوردته لك آنفا القيام بمقارنة (دعاء سورة الفاتحة) مع الدعاء الذي علّمه المسيح بن مريم لتلاميذه ليدعوا به وهم في صلواتهم: (أيّها الأب ليقدّس اسمك ليأت ملكوتك ارزقنا خبزنا كفاف يومنا واعفنا من خطايانا فإننا نُعفي نحن أيضا كلَّ مَن لنا عليه ولا تُعرّضنا للتجربة.).فقارن يا عزيزي القارئ دعاء سورة الفاتحة مع هذا الدعاء الإنجيليّ ، وليتّضح لك بعد أن تقوم بهذه المقارنة ما بين الدعاء الإنجيليّ الذي يدعو به أتباع المسيح الناصري،وما بين الدعاء القرآنيّ الذي تضمّنته سورة الفاتحة،والذي يدعو به أتباع محمّد
المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم والذين يدعون به في صلواتهم الخمس المفروضة عليهم . ونستنتج من ذلك كلّه أنّ من واجب المؤمن حين يقوم للدعاء أن يتذكّر عبوديّته لله الواحد الأحد.وأن يدعو بكامل التواضع بين يديه سبحانه وتعالى وأن يدعو في حالة من التأدّب أيضا وعلى شاكلة ما يتأدّب العبد بين يدي سيّده. وأن يأتي تأدّبه تأدّب المصلّي حين يقوم لتأدية الصلاة المفروضة عليه.فمن خلال هذا الذي أوردته لك يا عزيزي القارئ أكون قد وضّحت لك صلة موضوع الدعاء بموضوع العبوديّة للّه عزّ وجلّ الذي فرض علينا فريضة الأخذ بوسيلة الدعاء.
الاستغناء في الدعاء عن الوسائط
وبمناسبة ذكر أوّل نبيّ وهو آدم عليه السلام واستغفاره بين يدي ربّه وطلب رحمته به واستجابة ربّه لاستغفاره.أقول لك يا عزيزي القارئ أ فلا لاحظت كيف أنّ الدعاء والابتهال بين يدي اللّه جلّ شأنه إنّما هو عبارة عن تناغم وتحاور ما بين العبد المؤمن وما بين ربّه عز وجل.ّ وأنّ هذا التناغم والتحاور له ثمره الروحيّ، وهو أن ينتظر هذا الداعي تلقّي تجلّي ربّه عليه،واستجابته لدعائه، وتبشيره بما أراد اللّه تعالى تبشير هذا الداعي به بعد تضرّعه بين يديه سبحانه ؟ ثمّ أفلا تذكر كيف أنّي قدّمت لك مثال موقع بدر وما حدث فيه،وكيف أنّ اللّه تعالى استجاب دعاء محمّد المصطفى (ص) باستجابة أعلنها محمّد رسول اللّه صباحا على مسامع من كان معه من أصحابه ؟ فمن خلال هاتين الحقيقتين:استغفار آدم عمّا صدر عنه، واستعانة محمّد المصطفى (ص) في موقع بدر باللّه الذي أرسله رسولا إلى الناس أجمعين.أقول ينبغي أن توقن يا عزيزي القارئ بأنّ دعاءك وأنت مؤمن لا يذهب هباء وهدرا ولكن فإنّ لدعائك ثماره الروحيّة يقينا . وهذه الحقيقة تعني بألفاظ أخرى أنّ من واجبك الاعتقاد باستمرار نزول الوحي غير التشريعيّ في الأمّة الإسلاميّة واعتقادك بعدم انقطاع نزوله.فإن أنت اعتقدت بخلاف ذلك تكون قد قطعت نفسك عن ربّك تلقائيّا، وما عُدت تدري ما يترتّب على دعائك من ثمار. ولا تعود تدري بشكل يقينيّ: هل أجاب اللّه دعاءك أم أنّه ما استجاب. ويعود حالك يشبه حال مسلمي آخر الزمان الذين يعاصرونك والذين يدعون في الحجّ وهم بالملايين ولكن لا ينتظر أحد منهم من طرف اللّه تعالى جواب.لذلك فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ عقيدة بقاء واستمرار نزول الوحي السماوي بعد البعثة المحمّديّة، لا علاقة له بموضوع انقطاع نبوّة التشريع بل إنّ استمرار نزول الوحي السماويّ على الإنسان هو علاقة قدريّة روحيّة تشبه علاقة الأرض بماء السماء.وهي حقيقة كنت أفردت من أجل بيانها وتوضيحها الفصل الثاني والثالث والرابع من مؤلّفي (ماذا تعرف عن عقل الإنسان؟).فبيّنت هناك بأنّ نزول الوحي مرتبط أصلا بوجود هذا الإنسان بشكل مباشر. وأنّ نزول الوحي مرتبط بالنبوّة بشكل غير مباشر.لقول اللّه تعالى في الآية 51 من سورة الشورى (وما كان لبشرٍ أن يكلّمه اللّه إلا وحيا أو من رواء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنّه عليٌّ حكيم.) وتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى لم يربط كلامه المقدّس في مضمون هذه الآية الكريمة،ببعثة أيّ نبيٍّ كان. إنّما ربط اللّه تعالى نزول كلامه المقدّس بوجود البشر مباشرة ليكلّمهم وليُطلعهم على وجوده. وليستجيب أدعيتهم في جميع أطوار حياتهم الدنيويّة.وعليه فإنّ مضمون هذه الآية الكريمة قد وضّح هذه الحقيقة التي ذكرتها لك وبما لا لُبس فيه.وإنّ القائلين بانقطاع نزول الوحي السماويّ ينطلقون في موضوع اعتقادهم بانقطاع الوحي الإلهيّ بعد بعثة محمّد رسول اللّه، ينطلقون من انقطاع النبوّة بعده (ص) ولا ينطلقون من دلالات هذه الآية 51 من سورة الشورى التي فرّقت هذا التّفريق الموضوعي الذي ذكرناه آنفا.فنبوّة التشريع قد انقطعت لكون التشريع الوارد في هذا القرآن الكريم هو آخر شرائع اللّه تعالى المنزلة لإصلاح عباده.وأمّا الوحي غير التشريعيّ فباق في هذه الأمّة الإسلاميّة ، وذلك وفقا لما تضمّنته الآية 51 من سورة الشورى التي أوردناها.
هذا وإنّ المؤمن الذي لم يحط علما بطرق كلام اللّه تعالى مع البشر ووفق مضمون الآية 51 من سورة الشورى وما تضمّنته من حقائق ،فإنّه يستحيل على هذا أن يفهم حقيقة قول اللّه تعالى ووعده الذي وعده لعباده المؤمنين والذي أوردته الآيات 62/63/64 من سورة يونس،وهي قوله تعالى : (ألا إنّ أولياء اللّه لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.الذين آمنوا وكانوا يتّقون.لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات اللّه ذلك الفوز العظيم.).فكلّ من اتّخذ ربّه ولياًّ له فإنّ له البشرى في هذه الحياة الدنيا والآخرة.وليراجع هذا القارئ تلك الفصول الأخيرة من كتاب (ماذا تعرف عن عقل الإنسان) ليتوسّع في فهم موضوع استمرار نزول الوحي الإلهيّ على البشر وبلا انقطاع وبشكلٍ موضوعيّ.وأما هنا فأنا لست بصدد بيان ذلك . وإنّما بصدد تنبيه ذهنك يا عزيزي القارئ إلى حقيقة وهي أنّك إذا أصغيت إلى القائلين بانقطاع نزول الوحي السماوي بجميع أنواعه، فقد عاد من العسير عليك أن تستفيد ممّا وضّحته لك في هذا الكتاب من حقائق وأصول وبيّنات تتعلّق بموضوع الدعاء الذي شكّل هذه الوسيلة التي هي الابتهال والدعاء بين يدي اللّه العزيز الحكيم.وتصبح بالتالي بعد ذلك في ضياع، تتخبّط تخبّط النّاقة العشواء، ولا تعود تدري شيئا حول حقيقة الدّعاء المستجاب، ويعود يتحكّم بك بالتالي شيوخ المسلمين الذين انتحلوا بصورة عمليّة صفة الوسيط بينك وبين ربّك جلّ شأنه،والذين يوجّهونك بتوجيهات ما أنزل اللّه تعالى بها من سلطان. وهكذا أكون قد نبّهتك يا عزيزي القارئ إلى أصل الأصول المتعلّق بالدعاء المستجاب وهو ضرورة الاعتقاد باستمرار نزول وحي السماء.وليعينك ذلك على الدعاء والابتهال بين يدي ربّك وأنت على بيّنة من أنّك تدعو وفق مشيئة ربّك بالشيء الذي دعوته من أجله. ولتعلم بالتالي هل رفض اللّه تعالى دعاءك،أم أنّه تعالى ما استجاب اللّه ربّك لك هذا الدعاء.
الدعاء وأسماء اللّه الحسنى
والآن وبعد الفراغ يا عزيزي القارئ من إطلاعك على
فلسفة الدعاء وحقيقته وعلى أصوله وشروط استجابته،فإنّ إدراكك يا عزيزي حقيقة الدعاء، عاد يقتضي من جانبك أن تطّلع على أسماء اللّه الحسنى، وأن تحيط بدلالاتها علما.ليمكّنك هذا العلم من التضرّع بين يدي اللّه تعالى الذي تصل إليه دعوة الحقّ.وتجنيبا لدعواتك من أن تصير إلى ضلال.لذلك أحاول أن أعطيك فكرة سريعة عمّا أفادنا به هذا القرآن العظيم من بيّنات بهذا الخصوص ،كشفت لنا القناع عمّا اتّصف به ربّنا جل شأنه من أسماء حسنى.هذه الأسماء التي إن نحن أحطنا بدلالاتها علما،يعود بأيدينا ما يساعدنا على الدعاء وعلى الابتهال فنخاطبه وندعوه جلّ شأنه عن طريق أسمائه الحسنى، ونحن موقنين بأنّ أدعيتنا لا تضيع ونثابر على الدعاء متوسّلين إليه ليل نهار. وإنّ عمليّتنا هذه تساعدنا بالتالي على ستر ضعفنا، وستر ما يصدر عنّا من هفوات ضعف وأخطاء تخالف تعاليم ربّنا عز وجلّ وتدخل في باب ارتكاب المعاصي والذّنوب.
وعليه كان من واجبنا أن نتساءل: ما هي أسماء اللّه
الحسنى ؟ وما هي الآيات القرآنيّة التي أطلعتنا على هذه الأسماء؟ وإنّ هذا التساؤل يدفعنا بشكل طبيعيٍّ إلى مراجعة آيات كتاب اللّه العزيز لنتدبّر آياته العظيمة المعجزة العطاء.
فإن نحن دقّقنا يا عزيزي القارئ فيما تضمّنه عطاءات آيات هذا القرآن الكريم وبهذا الدافع ، ندرك بأنّ اللّه تعالى لم يورد جميع أسمائه الحسنى في سورة واحدة على شاكلة ما يفعله الكتّاب والأدباء.بل نلاحظه جلّ شأنه قد وزّع أسماءه الحسنى على مختلف سور القرآن الكريم بخصوصيّة فريدة من تلك الخصوصيّات التي امتاز بها هذا الكتاب السماويّ على غيره من الكتب السماويّة المعروفة،وبما يتّفق مع تسلسل مضامين تلك السور أيضا.ولذلك فسيكون منهجي في تبيان الأسماء الحسنى نابعا ممّا تجلّت به هذه الخصوصيّة القرآنيّة.ومحاولا تقصّي أسماء اللّه الحسنى من كتاب اللّه العزيز بترتيب ورودها في كلّ سورة من سور هذا القرآن العظيم. ولكن لما كان الكلام عن أسماء اللّه الحسنى هو بحاجة إلى كتاب مستقلّ .لذلك فلن أورد للقارئ جميع ما تضمّنه القرآن الكريم من أسماء حسنى.وأكتفي بذكر ما تضمّنته سورتا الحشر والبقرة من تلك الأسماء لاشتمالهما على ثلث الأسماء الحسنى على وجه التّقريب.وأترك بعد ذلك للقارئ مهمّة التعرّف على بقيّة أسماء اللّه الحسنى من خلال مراجعته مؤلّفي (اللّه جلّ جلاله) فهو مفيد على هذا الصعيد.وإن كان لا يفيده إفادة تامّة.ويظلّ بحاجة إلى الرجوع إلى معاجم اللّغة للإحاطة بمعاني ودلالات بقيّة أسماء اللّه الحسنى .
ما ورد في سورة الحشر من أسماء حسنى
وقبل أن أتناول الكلام عمّا ورد من أسماء حسنى في سورة الحشر.كان من واجبي تذكير القارئ العزيز بأنّ مضمون سورة الحشر هذه يشكّل فصلا من فصول السور التابعة في مضامينها لمضمون سورة (ق).تلك السورة التي وضّحت للقارئ عظمة اللّه تعالى، وأخبرت عن عظيم قدراته وعلى حسب ما بيّنت ذلك في (فنّ الاختزال في القرآن الكريم).وبالإمكان مراجعة هذه الحقيقة في الكتاب المشار إليه.
وبعد أن قمت بهذا التّنبيه أقول: اعلم يا عزيزي بأنّ سورة الحشر هذه قد أوردت عددا كثيرا من أسماء اللّه الحسنى ، لعلاقة مضمونها بحال مسلمي آخر الزمان المعاصرين وعلى حسب ما بيّنت ذلك في (فنّ الاختزال في القرآن الكريم). وبإمكان القارئ الرجوع إلى الكتاب المذكور للاطّلاع على تلك الحقيقة المشار إليها.واعلم أيضا بأنّ اللّه تعالى على حين أنّه جلّ شأنه قد أورد في الآية الأولى من آيات هذه السورة صفتيه (العزيز الحكيم) ،فقد أنهى جلّ شأنه آيات هذه السورة بنفس هاتين الصفتين (العزيز الحكيم) المذكورتين.وليُشعر اللّه تعالى هذا الإنسان المؤمن من خلال مقدّمة سورة الحشر تلك ومن خلال آخر آية من آياتها، ليشعره بوجود اللّه سبحانه وأنهّ تعالى هو في حقيقته إله لا يقدر أن يغالبه أحد في هذا الكون، لا في السماوات ولا في الأرض . فإن أعرض الإنسان عن التوكّل عليه والاستعانة بقدراته ومن منطلق أنّه تعالى قد اتّصف بصفة اللّه (العزيز) لا يعود يحصد من خلال مساعيه شيئا.ليس هذا وحسب بل ومن منطلق كون اللّه جلّ شأنه متّصفا بصفة اللّه (الحكيم). هذه الصفة التي تعني بأنّ اللّه تعالى متقن لجميع الأمور الصادرة عنه جلّ شأنه.فهو اللّه الذي يجمع في تصرّفاته ما بين العلم والعمل. ويكون بذلك صاحب الحجّة القاطعة.وعلى هذه الصورة فإنّ أوّل آية من آيات سورة الحشر وآخر آية من آياتها تكونان قد تضمّنتا هاتين الصفتين (العزيز الحكيم).
وأمّا في منتصف سورة الحشر فقد أراد اللّه تعالى غمز جانب المسلمين المعاصرين الذين يعانون من التخلّف والانحطاط. فقدّم اللّه تعالى لهذا الغمز وقال (يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه ولتنظر نفس ما قدّمت لغدٍ واتّقوا اللّه إنّ اللّه خبير بما تعملون.ولا تكونوا كالذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون) فنبّه أذهان هؤلاء إلى أنّ مجرّد الإيمان لا يكفي، بل لابدّ من أن يقترن هذا الإيمان بتقوى اللّه تعالى أمّا إذا فُقدت روح التقوى من أعمال الإنسان المؤمن،يعود كالذي نسي ربّه، فأنساه ربّه نفسه.وبمناسبة بيان هذه الحقيقة فقد أورد اللّه جلّ شأنه صفة ثالثة من أسماء اللّه الحسنى، وهي اتّصافه جلّ شأنه بصفة (خبير) وهذه الصفة تعني أنّ اللّه تعالى ذو خبرة تامّة بكلّ شيء من أشياء هذا العالم ، وأنّه تعالى عارف بكنه الأشياء وحقائقها.لذلك فإنّ الإنسان الذي لا يخشى هذا الإله (الخبير) ولا يتّقيه ولا ينظر إلى ما قدّمت يداه ليوم الحساب، فإنّ هذا العبد يُحسب عند اللّه عز وجلّ من الفاسقين ويندم في نهاية المطاف على ما صدر عنه من أعمال ، وفي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاّ من أتى اللّه بقلب سليم.وبذلك يكون تعالى قد أتى هنا باسم ثالث من أسمائه الحسنى وهو اللّه (الخبير).
ولم يكتف اللّه جلّ شأنه بالإعلان عن هذه الأسماء الثلاثة حتّى الآن .بل إنّه تعالى قد أورد في الآيات الأخيرة من سورة الحشر أربعة عشرة صفة أخرى غير هذه الصفات الثلاثة التي ذكرناها من قبل ومن باب تذكير مسلمي آخر الزمان بها.ومن منطلق كونه تعالى قد خاطبهم من قبل في الآية 19 وقال (ولا تكونوا كالّذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون.).وقد راح اللّه جلّ شأنه يعدّد بعد ذلك لهؤلاء الذين نسوا اللّه ما يتّصف به اللّه تعالى من صفات تخصّ أحوالهم هذه التي وصلوا إليها.لذلك نلاحظه جلّ شأنه وقد قال تعالى في الآية 22 من سورة الحشر هذه (هو اللّه الذي لا إله إلاّ هو عالمُ الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم.هو اللّه الذي لا إله إلاّ هو الملِكُ القدّوس السّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّرُ سبحان اللّه عمّا يُشركون.).وعلى هذه الصورة وبعد أن أعطيت القارئ فكرة عن مناسبة بيان هذه الأسماء الحسنى التي تضّمنتها هاتان الآيتان،أحاول تدبّر معاني ودلالات هذه الصفات المذكورة في هاتين الآيتين المذكورتين.
فالصفة الأولى التي تضمّنتها هاتان الآيتان هي كون اللّه تعالى هو (عالم الغيب). هذه الصفة التي تعني بأنّ اللّه تعالى لا يغيب عن علمه وبصره شيء في هذا الوجود،سواء أكان هذا الشيء قد مضى أو كان هذا الشيء حاضرا أو كان سيأتي في المستقبل.
وأمّا الصفة الثانية التي ذكّر اللّه تعالى بها مسلمي آخر الزمان هنا هي أنّ اللّه تعالى يتّصف بكونه (عالم الشهادة). وإنّ هذه الصفة تعني بأنّ كلّ ما يحدث في هذا الكون من أحداث يشاهدها اللّه تعالى ببصره وببصيرته ولا يغرب منها شيء عن علمه.
وأمّا الصفة الثالثة فهي أنّ اللّه يتّصف بصفة اللّه (الرّحمان) بمعنى أنّ اللّه تعالى هو الذي أبدع كلّ شيء في هذا الوجود ومن دون تلقّي أيّ مقابل من جانب جميع هذه الأشياء المخلوقة التي أبتدعها جلّ شأنه فهو اللّه الذي أعطى كلّ شيء خلَقه.أعطاه ما له من صورة وما له من كيان روحيّ ومادّي ، وما اختصّ به كلّ شيء من صفات.
وأمّا الصفة الرابعة فهي أنّ هذا الإله الرحمن يتّصف أيضا بكونه الإله (الرّحيم) بمعنى أنّ اللّه تعالى الذي أبدع كلّ شيء لم يبدع هذه الأشياء من دون أن يرأف بحالها ويرحمها.وقد تجلّت رأفته ورحمته من خلال كلّ شيء خلقه ،ومن باب اتّصافه بصفة اللّه (الرحيم) الذي يرأف بعباده والذي يعطيهم أكثر ممّا يستحقّونه على ما يعملونه.
وأمّا الصفة الخامسة الواردة في هاتين الآيتين فهي أنّ من صفات اللّه تعالى أنّه هو (الملِكُ) بمعنى أنّ اللّه هو الإله المهيمن على جميع خلقه، إنّما في نطاق ما سنّه جلّ شأنه من قوانين طبيعيّة تنظم أحوال هذا الكون وما فيه.ولذلك فلا يوجد في هذا الكون شيء يخرج عن طاعته. وأمّا الصّفة السادسة فهي أنّ ذات اللّه تعالى تتّصف بكون اللّه تعالى هو (القدّوس) وتعني هذه الصفة بأنّ الذات الإلهيّة مباركة وطاهرة. لذلك يلاحظ المرء بأنّ اللّه تعالى أرسل أنبياءه ورسله الكرام ليقوموا بتزكية المؤمنين من أتباعهم، وليطّهروا هؤلاء المخلوقين من المؤمنين، وليباركوهم وليحدثوا من خلال عمليّتهم تلك تجانساً ما بين هذا الإله (القدّوس) وما بين عباده المؤمنين.
وأمّا الصّفة السابعة ففيها تذكير لهؤلاء المسلمين المعاصرين الذين نسوا اللّه المتّصف بهذه الصفات والذين أنساهم أنفسهم.وهي أنّ اللّه متّصف بصفة (السلام) فهو مصدر السلام في هذا العالم ، ومعلّم مبادئ السلام. وليفيد إطلاعهم على هذه الصفة بأنّ اللّه تعالى سليم من كلّ نقص ومن كلّ عيب، ومن كلّ إمكانيّة فناء وأنّ عليهم أن يتخلّقوا بخلق ربّهم فيصبحوا مصدر نشر السلام في الأرض.لذلك فإنّ اللّه العزيز الذي أنزل هذا القرآن الذي تضمّن جميع هذه التعاليم فهي تسوق فئة المؤمنين به، ليكونوا في نهاية المطاف أهل سلام على وجه هذه الأرض وليس أن يصبحوا أفراد سفّاكي دماء الأبرياء من الناس.بل وليكون هؤلاء العباد المؤمنون مصدر سلام لسواهم من الناس جميعا أيضا.
وأمّا الصفة الثامنة من أسماء اللهّ الحسنى التي أوردتها هاتان الآيتان فهي صفة اللّه (المؤمن) هذه الصفة التي تعني بأنّ اللّه تعالى لا يبعث رسله بمهمّات سامية وبالتالي يدعهم وشأنهم. بل إنّ اللّه تعالى بعدما يبعث كلّ رسول من رسله الكرام فإنّه لكونه من أسمائه الحسنى أنّه (المؤمن) فإنّه لا يدع أحدا في هذا العالم يُظلم على أيدي رسله الكرام في هذه الحياة الدنيا.وفي الوقت نفسه يؤمّن لهم الغلبة والنصر على أعدائهم.
وأمّا الصفة التاسعة التي ذكّر اللّه تعالى بها مسلمي آخر الزمان في هذه الآيات من سورة الحشر فهي كون اللّه تعالى يتّصف بصفة اللّه (المهيمن). هذه الصفة التي تعني بأنّ اللّه تعالى هو الرّقيب على عباده وهو الذي يحفظهم من كلّ ما هو ضارّ بهم قولا وعملا.
وأمّا الصفة العاشرة فهي أنّ اللّه تعالى هو اللّه (الجبّار).وتعني هذه الصفة بأنّ اللّه جلّ شأنه هو الذي يجبُرُ خواطر عباده المؤمنين المستضعفين في الأرض.وهو الذي يمنّ عليهم بفضله وكرمه فيحرّرهم من بين أيدي مستعبديهم،بعد أن يبطش بأعدائهم الذين ظلموهم.
وأمّا الصفة الحادية عشرة فهي أنّ اللّه تعالى يتّصف بصفة اللّه (المتكبّر) بمعنى أنّ ذاته تعالى ذات كبرياء وعظمة.ولذلك فإنّ اللّه على قدر عظيم من رفعة الشأن والشرف.وبالتالي فإنّ هذه الصفة تترك بآثارها على جميع ما يصدر عن اللّه تعالى من أوامر ويقدم عليه من أفعال.وأمّا الصفة الثانية عشرة التي ذكّر اللّه تعالى بها مسلمي آخر الزمان في هذه الآيات من سورة الحشر، فهي أن اللّه تعالى يتّصف بكونه الإله (الخالق) الذي قدّر جميع ما خلق من أشياء هذا العالم المادّي وذلك قبل أن يقطعها ويوجدها.أي أنّ اللّه الخالق هو الذي أبدع كلّ شيء في هذا العالم المادّي ، وهو اللّه (الخالق) الذي ابتكر هذه الأشياء جميعها على غير مثال سابق.
وأمّا الصفة الثالثة عشرة الواردة في هذا الصدد المشار إليه فهي أنّ اللّه تعالى يتّصف بكونه اللّه (البارئ) وهذه الصفة تعني بأنّه جلّ شأنه هو اللّه الذي خلق جميع الناس على اختلاف ألوان بشرتهم وعلى اختلاف ألسنتهم.فبرأهم على ما هم عليه من دون مثال سابق.
وأمّا الصفة الرابعة عشرة التي ذكّر اللّه تعالى بها مسلمي آخر الزمان المعاصرين،فهي أنّ اللّه تعالى يتّصف بصفة اللّه (المصوّر) بمعنى أنّه جلّ شأنه هو الذي جعل لكلّ ما برأه وخلقه من أشياء،قد جعل له صورة وشكلا ورسما معيّنين.ويكون بذلك قد أثبت من خلال فعله هذا كلّه أنّه هو الإله المصوّر الأعظم في هذا الوجود.
وعلى هذه الصورة تكون سورة الحشر هذه قد أطلعتنا على سبعة عشرة صفة من صفات اللّه تعالى التي إن دقّق الإنسان العبد المؤمن نظره فيها وتفحّصها،وتصرّف طوال يومه من منطلق فهمه لمعطياتها وبيقين كامل وهو أنّ ربّه متّصفٌ بهذه الأسماء الحسنى المذكورة في سورة الحشر ، فإنّ هذا المؤمن لا يعود يخشى في اللّه لومة لائم بعد اعتقاده هذا الاعتقاد الجازم، وبكون ربّه عز وجل يحمل هذه الأسماء الحسنى.بل وإنّ هذا المؤمن يعود يحاول صباح مساء أن يسعى للتخلّق بهذه الصفات الإلهيّة أيضا.وإنّ القصد من بيان جميع ما ذكرناه هو كيلا يعود هذا الإنسان جُرما صغيرا في هذا الكون ولا شأن له من حيث حقيقته. بل ليتحوّل هذا الإنسان إلى شيء جديد انطوى فيه العالم الأكبر.
سورة البقرة وما فيها من أسماء حسنى
وأتناول بالذكر سورة البقرة التي ورد فيها من أسماء اللّه الحسنى ما يوازي ما ورد في سورة الحشر من أسماء.علما بأنّ سورة البقرة قد خصّصها اللّه عز وجلّ لمخاطبة أهل الكتاب من يهود ومسيحييّن خاصّة.ومن أجل محاورتهم فيما توارثوه من عقائد ومعتقدات تتنافى مع ما جاء به أنبياؤهم موسى وعيسى خاصّة من عقائد نصّت عليها التوراة والإنجيل.وليحاورهم اللّه تعالى في هذه السورة بأسلوب حوار علميٍّ رفيع المستوى ومفعمٍ بالحججِ والبيّنات.وليُطلع اللّه تعالى أهل الكتاب على ما جاء به هذا القرآن الكريم من أحكام وتعاليم هي أكمل وأعظم ممّا تلقّاه أنبياء بني إسرائيل من تلك الأحكام والتعاليم، وذلك بسبب ما استجدّ من متغيّرات عالميّة.وكان اللّه جلّ شأنه يغتنم المناسبات،وهو يحاور هؤلاء ضمن آيات سورة البقرة،فكان يورد تلك الأحكام وتلك التعاليم التي تخصّ المؤمنين بهذا الدين الحنيف وبما يتناسب مع مضامين أبحاثها.
فعلى أساسٍ من هذا الفهم،فإنّ كلّ باحث يدقّق في آيات سورة البقرة من زاوية إبرازها لأسماء اللّه الحسنى، يلاحظ بأنّ اللّه تعالى قد أضاف في هذه السورة، إلى جانب ما أورده في سورة الحشر من صفات أقول قد أورد من أسمائه الحسنى ما يعادل ما أورده جلّ شأنه في سورة الحشر من تلك الأسماء عددا.فكان اللّه تعالى يورد كلّ اسم من أسمائه الحسنى بما يتناسب موضوعيّا وسياق تسلسل مضامين آيات هذه السورة. وقد حدث هذا بنفس الأسلوب الذي كنّا قد لاحظنا بأنّه جلّ شأنه قد دأب على فعله هناك في سورة الحشر.
فلقد استهلّ اللّه تعالى سورة البقرة بذكر صفته (العليم) ومختزلة بالأحرف (ألم) التي تعني أنا اللّه أعلم.هذه الصفة التي تعني بأنّ اللّه لا يتكلّم بكلام غير علميّ في هذا القرآن العظيم المنزل على قلب محمّد الرسول الكريم (ص). بل يكون كلام اللّه جلّ شأنه على الدوام متّصفا بالصفة العلميّة. وإنّ هذه الصفة (عليم) تدلّ على أنّه تعالى يورد في هذا القرآن العظيم كلاما مطابقا للواقع. وعلى أساسٍ من إدراكٍ لحقائق الأشياء.سواء أ كانت تلك الأشياء كلّية أو مركّبة.وكان القصد من استهلاله تعالى لسورة البقرة بهذه الصفة (عليم) والواردة وفق قواعد (فنّ الاختزال) اللّغويّ.فقد كان القصد من ذلك تنبيه أذهان الناس جميعا، وخاصّة منهم أهل الكتاب، إلى أنّ جميع التعاليم المنزلة على هذا النبيّ الأمّي في هذا الكتاب العزيز الفرقان، تتّصف في حقيقة أمرها بالصّفة العلميّة.وقد راح اللّه تعالى بعد ذلك يورد من أسمائه الحسنى ما يتناسب مع ما بحثه من مضامين في آيات سورة البقرة.فأورد بعد ذلك صفة اللّه (الهادي) وهي الصفة التي تعني أنّ اللّه تعالى يتقدّمُ على هذا الإنسان ليهديه سواء السبيل.وذلك إشعارا من جانبه تعالى لأهل الكتاب وغيرهم من الناس بأنّهم لن يهتدوا إلى سواء السبيل إلا إذا أصغوا لهذا الصوت السماويّ. ومن ثمّ أورد اللّه تعالى بعد ذلك صفته (التوّاب) هذه الصفة الإلهيّة التي تعني بألفاظ أخرى بأنّ اللّه جلّ شأنه كثير قبول التوبة عن عباده الذين يرجعون إليه ويتوبون عن معاصيهم ويندمون عمّا ارتكبوه من ذنوب وآثام.وقد أورد اللّه تعالى هذه الصفة (التوّاب) ليدفع اللّه تعالى بذلك أهل الكتاب من خلال ذلك ليتوبوا عمّا اقترفوه من آثام وليرجعوا إلى ربّهم وليتقبّلوا هذا الصوت السماويّ وذلك بالإيمان بما أتى به هذا الدين الحنيف من تعاليم.
وقد راح اللّه تعالى بعد ذلك يورد صفات أخرى وبنفس النهج ووفقا للمناسبات.فمن تلك الصفات التي أوردها بعد ذلك صفة اللّه (العظيم) وذلك ليتحسّس أهل الكتاب من خلال دلالة هذه الصفة،ومن أجل أن يُدركوا بأنّ اللّه تعالى هو أعظم مستوى مما أورده بحقّه تعالى سفر التكوين الوارد فيما يسمّونه (العهد القديم) الذي يقدّسه أهل الكتاب.هذا السِفرُ الذي قدّم الخالق على أنّه جبل آدم من تراب ونفخ فيه فأصبح إنسانا. ولينتبه أهل الكتاب إلى أنّ اللّه هو الإله العظيم الذي لا يشابهه في هذا الكون شيء في عظمته من جميع النواحي وبجميع المقاييس.كما أورد اللّه جلّ شأنه بعد ذلك صفته (السميع) وهي الصّفة الدالّة على سماع اللّه تعالى كلّ ما يصدر عن هذا الإنسان من أصوات ومن تأوّهات،ويدرك بالتالي معانيها.وقد كان القصد من بيان هذه الصفة على مقامها إشعار هؤلاء بأنّ اللّه تعالى غير غافل عمّا يخطّطونه ضدّ هذا الدّين وما يدبّرونه من مؤامرات للقضاء على ما جاء به هذا الرسول الكريم.وقد أورد اللّه تعالى بعد ذلك صفته (البصير)هذه الصفة الدالّة على رؤية اللّه تعالى كلّ شيء في هذا الوجود وإحاطته جلّ شأنه علماً بوجود جميع هذه الأشياء.وقصد من بيان هذه الصفة المذكورة هنا لإشعار أهل الكتاب وغيرهم أنّه لا يغرب عن نظر اللّه شيء في هذا الوجود.ولقد أورد اللّه تعالى بعد ذلك صفة أخرى من أسمائه الحسنى وهي اتّصافه سبحانه بصفة (الواسع) هذه الصفة التي تدلّ على أنّ اللّه تعالى كثير العطاء.وبدليل أنّ رزقه قد شمل جميع ما في هذا العالم من مخلوقات.الأمر الدالّ على واسع عطاء اللّه الرزّاق ذو القوّة المتين الذي وسعت رحمته كل شيء في هذا الوجود.كذلك أورد اللّه تعالى صفته (الرؤوف) هذه الصفة التي تعني أنّه جلّ شأنه يرحم عبده بأرقّ الرحمة ويدفع عن العبد الذي رأف به المضارّ ويمنحه السعادة. وكان المقصد من بيان هذه الصفة (الرؤوف) دفع الناس جميعا ليستظلّوا بظلّ هذا الإله الخالق الرؤوف بجميع من خلقهم من الناس وغيرهم من المخلوقات.وقد أورد اللّه تعالى بنفس الأسلوب صفة (الغفور) هذه الصفة التي تعني أنّه تعالى بالرّغم من أنّه يرى معصية عبده فإنّه يستر عليه ما أقدم عليه من معصية ومخالفة لتعاليمه.فيعفو عن هذا العاصي إن هو عاد هذا العبد عن معصيته وتاب.وقد أورد تعالى صفة (الحليم) هذه الصفة التي تشترك مع صفة الغفور في عمليّة ستر المعاصي،وتزيد عليها معنى يتجلّى في عمليّة صفحه تعالى عن هذا العبد العاصي الذي أذنب بين يديه جلّ شأنه.وبألفاظ أخرى فإن اللّه تعالى يأخذ بواسع حلمه أحيانا عبده المذنب فيستر عليه ذنبه ويعفو عنه أيضا.كذلك أورد اللّه تعالى في سورة البقرة صفة عاشرة هي صفة (العليّ) في المقام المناسب لها.وهي هذه الصفة التي تشير إلى ما يتّصف به اللّه عز وجلّ من رفعة وشرف تهيمن على تصرّفاته تجاه عباده.كذلك أورد اللّه تعالى في هذه السورة صفته (الغنيّ) وهي صفة تنفي عن ذات اللّه عز وجلّ جميع أنواع الفقر. وتؤكّد في الوقت نفسه كون اللّه جلّ شأنه غنيّا قويّا في كلّ شيء وليس هو بحاجة إلى معونة ومساعدة أيّ طرف آخر في أيّ شيء من الأشياء.وقد أورد جلّ شأنه صفة (الغنيّ) معرّفة بأداة التّعريف التي تفيد الاستغراق.والتي توحي لكلّ قارئ باستغناء ذات اللّه المقدّسة كلّية عمّن سواه من مخلوقات اللّه جلّ شأنه.كذلك أورد اللّه تعالى في هذه السورة صفته (الحميد) معرّفة أيضا،للدّلالة على أنّ اللّه تعالى كان وما يزال مشكورا وممدوحا من جانب جميع مخلوقاته على جميع ما أنعم عليهم من نعمٍ وعلى الدوام. وكان القصد من بيان هذه الصفة بهذه الصيغة (الحميد) تقديم الدليل القاطع لهؤلاء بأنّ صفته المذكورة لا تتغيّر بتغيّر الأحوال على مرّ الزمان.
وفي الآية 255 من الآيات الأخيرة من سورة البقرة قال اللّه جلّ شأنه: (اللّه لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض مَنْ ذا الذي يشفعُ عنده إلاّ بإذنه يعلمُ ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء وسِعَ كُرسيّه السماوات والأرضَ ولا يؤوده حِفظُهما وهو العليّ العظيم.).فأورد هذه الآية التي سمّاها المسلمون (آية الكرسي) مستهلّةً باسم الجلالة (اللّه).ليُلفتَ أذهان أهل الكتاب إلى قدر ومكانة هذا الإله الحقيقيّ الذي يدعوهم إليه هذا القرآن الكريم.هذا الإله المستحقّ للعبادة من جميع أهل هذه الحياة الدنيويّة.وأتبع اللّه تعالى هذا الاستهلال وما حمله من ادّعاء بتقديم الدّليل على مصداقيّته من خلال قوله تعالى بعد ذلك (لا إله إلاّ هو) وبمعنى أن لا محبوب حقيقيّ سواه.أي أنّ الماء والهواء والغذاء والمال والأولاد والسلطان،لا قيمة لكلّ شيء من هذه الأشياء إلاّ عند الحاجة إليه.أمّا الحاجة إلى هذا المعبود الذي هو (اللّه) فهي دائمة لكون اللّه هو الذي أبدع هذا الكون بما فيه الماء والهواء والمال والأولاد والسلطان.فمن هذه الناحية فلا محبوب حقيقيّ إلا هذا المعبود الحقيقيّ.ولماذا هو محبوب حقيقيٌّ ؟ الجواب هو أنّ (اللّه) هو (الحيّ القيّوم).بمعنى أنّ آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد وغيرهم من النبيين ما عرفوا إله سواه.وبواسطة هذا الإله الحيّ قامت جميع هذه التطوّرات التي حدثت في تاريخ هذا الإنسان.وعليه فإنّ اللّه هو (الحيّ القيّوم).وكيلا يظنّ أهل (العهد القديم) الذين ورد في سفر التكوين منه أنّ اللّه تعب فاستراح في اليوم السابع،كيلا يظنّوا بأنّه جلّ شأنه قد تسهوا عيناه وينام في وقت من الأوقات.فقد أضاف اللّه تعالى في (آية الكرسيّ) وقال (لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم) وقدّم دليل مصداقيّة ذلك وقال (له ما في السماوات والأرض) أي لو كانت تأخذه سَنة ونوم فما كان بإمكانه أن يملك ويدير هذه السماوات والأرض.ولقد قدّم اللّه عز وجلّ دليل ملكيّته للسماوات والأرض من خلال قوله تعالى بعد ذلك (مَن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه).بمعنى أنّ جميع من في السماوات والأرض هم عباد له، وأنّى للعبد أن يشفع لأحدٍ عند مالكه إلاّ بإذن هذا المالك المطلق التّصرّف بما يملكه ؟ وكيلا يظنّ هؤلاء بأنّه قد يكون اللّه قد أوكلَ لإدارة هذه السماوات والأرض نوّابا عنه.فقد نفى أن يكون لمثل هذا الظنّ من حقيقة ووجود وقال (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي يعلم اللّه ما يفعلونه وما فعلوه من قبل.ويعلم ما يفعلونه وما تركوا فعله أيضا.وكيلا يظنّ هؤلاء بأنّه لربّما يوجد من يشارك اللّه تعالى في علمه الواسع المشار إليه.فقد أضاف اللّه جلّ شأنه وقال (ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء).ومن ثمّ اختصر تعالى جميع ما قدّمه من أدلّة،وقال (وسعَ كرسيّه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما) واختتم هذه الآية بقوله تعالى (وهو العليّ العظيم).وعلى هذه الصورة يكون قد أضاف اللّه جلّ شأنه من خلال (آية الكرسيّ) هذه صفتين هما صفتا (الحيّ القيّوم).فما هي دلالة هاتين الصفتين وما هو المقصد منهما أيضا ؟ إنّ صفة اللّه (الحيّ) تعني بأنّ اللّه تعالى لا يأتي عليه موت ولا يأتي عليه زوال.بل إنّه جلّ شأنه هو واهب الحياة أصل،ا وإنّ حياة الأمم ودوام رقيّها وسعادتها مرتبط بوجود هذا الإله الحيّ ارتباطا عضويّا لا ينفصم بشكل من الأشكال.والصفة الكبرى الثانية التي تضمّنتها آية الكرسيّ هي صفة (القيّوم). هذه الصفة التي تعني بأنّه لا يوجد شيء في هذا الوجود يقوم من نفسه وبنفسه، ولكنّ كلّ شيء إنّما يقوم بقدرة اللّه القيّوم.فهو الذي ارتبطت به عمليّة تقدّم الأمم والشعوب بشكل عضويّ أيضا. وعلى هذه الصورة يكون اللّه عز وجلّ ومن خلال سورتي الحشر والبقرة،يكون قد أورد ثلث ما يتّصف به جلّ شأنه من أسماء حسنى تجلّى بواسطتها في عالمنا الدنيويّ المادّي.تلك الأسماء التي يتجاوز عددها أكثر من مائة صفة بخمسة صفات، كنت أتيت على ذكرها في مؤلّفي (اللّه جلّ جلاله) وبإمكان العبد المؤمن مراجعة ما تبقّى من أسماء حسنى هناك في المؤلّف المذكور. فإن شاء مراجعة دلالاتها فبالرّجوع إلى معاجم اللّغة.ويكفي أنّي شرحت لهذا القارئ حتى الآن معاني ودلالات تلك الأسماء الحسنى التي اشتملت عليها سورتا البقرة والحشر.وكان القصد من ذكر ما ورد في سورة البقرة من أسماء حسنى هو تنبيه عقول أهل الكتاب إلى ذلك الإله الحقيقيّ الذي نبّه إليه موسى وعيسى وتناساه أتباعهما مع توالي الأيّام.علماً بأنّ اللّه عز وجلّ قد نبّه عقولنا أيضا إلى أنّه تعالى سيتجلّى يوم الحشر بثمانية صفات جديدة غير هذه الأسماء الحسنى التي عرّفنا عليها كتاب اللّه العزيز.وإنّ هذه الحقيقة وضّحها قول اللّه تعالى في سورة الحاقّة الآية 17 (والمَلكُ على أرجائها ويحملُ عرش ربّك فوقهم يومئذٍ ثمانية.يومئذٍ تُعرضون لا تخفى منكم خافية.) .فعرش اللّه تعالى تحمله أسماؤه الحسنى في الدنيا والآخرة ذلك أنّ كلمة (العرش) وهي بصيغة المصدر،لها أكثر من معنى. فمن معاني العرش: 1- سرير الملك . 2- والعزّ . 3- ومن البيت سقفه. 4- وركن الشيء. 5- والخيمة أو البيت الذي يستظلّ به. 6- والمُلك. 7- ومن القوم رئيسهم المدبّر لأمرهم. 8- وقوام الأمر.وهذا المعنى الثامن الأخير هو المقصود في هذه الآية سالفة الذكر.هذا وإنّ تجلّي أسماء اللّه تعالى المذكورة في هذه الدنيا يشكّل قوام أمرها.ويتجلّى اللّه تعالى يوم البعث الأكبر بثمانية أسماء حسنى جديدة. لتشكّل قوام يوم الحشر المشار إليه.وليس معنى ذلك أنّ جميع أسماء اللّه الحسنى تكون يومئذ قد أصبحت معروفة من قبل عباد اللّه تعالى.كلاّ بل كما أنّه لا تحدّ ذات اللّه المقدّسة وقدراتها حدود،فإنّ أسماء اللّه الحسنى هي أيضا لا تعرف العدد ولا الحدود .وإنه كلّما ترقّىّ الأنبياء والأولياء في العالم الآخر إلى درجات روحيّة جديدة،تتجلّى عليهم ذات اللّه المقدّسة بصفات جديدة تُدهشهم وتأخذ بألبابهم وتزيدهم محبّة وقربا من ربّهم عز وجلّ.وبذلك يتّسع قوام عرش اللّه تعالى يومئذ في أعين أولئك المنعم عليهم والمقرّبين منه عز وجلّ
كراهيّة رفع الصوت حين الدعاء هذا وإنّ هذا القارئ العزيز وبعد أن يوقن بعدم جدوى الدّعاء بأيّ شيء فيه شرك باللّه تعالى الواحد الأحد صاحب هذه الأسماء اللّه الحسنى .فإنّ هذا القارئ يستعرض حينئذ في ذهنه ما يقوم به المسلمون في زماننا.أولئك الذين يرفعون أكفّهم بالدّعاء في كثير من الأحيان متضرّعين إلى اللّه ربّهم بأصوات هي أقرب إلى الصّياح حين يدعونه جلّ شأنه.فيخطر لهذا السائل أن يستفسر منّي عن مدى صحّة هذه الظاهرة المنتشرة بين المسلمين المعاصرين.ويتوق إلى سماع تعليقي على هذا الواقع إن كان لديّ من تعليق عليه.
فأقول: لا تستفسر مني يا عزيزي ولا تسألني في هذا المجال بسبب أنّ اللّه تعالى قد أجاب على استفسارك المذكور. وذلك في الآية 110 من سورة الإسراء حين قال هناك (قلِ ادعوا اللّه أو ادعوا الرّحمان أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافت بها وابتغِ بين ذلك سبيلا.). فاللّه عز وجلّ أورد في هذه الآية الكريمة كلمة (صلاة) حين قال (ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافت بها) ليشير بهذه الكلمة إلى موضوع الدّعاء من جهة ،ومن باب أنّ كلمة (الصلاة) تعني الدّعاء.ومن جهة أخرى فقد أشار تعالى بكلمة الصلاة في الوقت نفسه إلى فريضة الصلاة. لأنّ فريضة الصلاة، بالإضافة إلى ما فيها من حركات، فهي تتضمّن مجموعة من الأدعية والأذكار والقراءات. ولذلك فإنّ هذا النصّ القرآنيّ المذكور يشمل الصلاة أيضا. إلى جانب أنّه يتكلّم عن الدعاء.فاللّه جلّ شأنه قد علّمنا من خلال هذه الآية الكريمة أن نقف بين يدي ربّنا عز وجلّ ندعوه متأدّبين بين يديه تعالى ونحن نخاطبه.لنعبّر بذلك من جانبنا عن اعتقادنا بأنّ اللّه تعالى يسمع ويرى. وأننّا نخاطب مالك السماوات والأرض ومالك أنفسنا. وهل يخاطب الذي يُسمح له بزيارة ملك من الملوك الأرضييّن أن يقف بين يدي هذا الملك يناديه بأعلى صوته وهو يطلب منه ما يريد أن يطلبه منه ؟أم أنّ هذا الزائر لهذا الملك يتأدّب بين يديه ،ويطلب منه ما يريد طلبه منه،من خلال صوت خافت حزين ومتأدّب، إشعارا هذا الملك،مدى شديد حاجته إليه وهو يستعين به على مصيبته ؟ فما دام هذا هو حال الإنسان المحتاج إلى إنسان مثله،فما بالك يا عزيزي القارئ بحال إنسان وقف بين يدي اللّه ملك الملوك والمتّصف بهذه الأسماء الحسنى التي أطلعتنا عليها آيات هذا القرآن العزيز المعطاء ؟ ألا إنّ هذه الآية الكريمة قد علّمتنا من خلال قول ربّنا عز وجلّ (ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافت بها) أقول علّمتنا أن تكون وتيرة صوت دعائنا معتدلا.فلا يكون جهوريّا من جهة، وألاّ يكون خافتا من جهة ثانية.ففعل الأمر (لا تجهر) اشتقّ من قولك جهر فلان بصوته معناه رفعه وأعلاه.وإنّ فعل الأمر (ولا تُخافت بها) اشتُقّ من قولك خفت صوت فلان معناه سكن.ونتيجة لدلالات فعلي الأمرين المذكورين (تجهر وتخافت) ،يكون المقصود من هذه الآية الكريمة أنّ اللّه عز وجلّ قد أمر هذا العبد المؤمن الذي يقوم للدّعاء بين يدي ربّه عز وجلّ، أو يقوم لتأدية فريضة الصلاة،يكون قد أمره ألا يرفع صوته ولا أن يُسكّنه حين يدعو ربّه أو حين يؤدّي صلاته.
ومن ثمّ أتى اللّه عز وجلّ بواو العطف وأضاف يقول (وابتغِ بين ذلك سبيلا.).أي أنّ المسموح به أن يكون صوت هذا الدّاعي أو صوت هذا المصلّي أن لا يصل إلى حدّ رفع الصوت.وأن لا يصل صوت الداعي أو صوت المصلّي إلى حدّ أن يدعو في قلبه ولا أن يحرّك شفتيه.
فمن خلال هذا الذي علّمتنا إيّاه هذه الآية الكريمة عُدتَ تُدرك يا عزيزي القارئ بأنّ حالة التأدّب التي جاءت بها هذه الصلاة الإسلاميّة وهو أن يقوم هذا المصلّي حين أدائه فريضة صلاته يوميّا، أن يقوم بضمّ يديه على صدره،تأدّبا بين يدي ربّه عز وجلّ وليس أن يسبل يديه إلى جانبه كما يفعل الجنديّ بين يدي رئيسه وهو يبدي له كامل استعداده لتلقّي أوامره. فحالة التأدّب التي ذكرتها وهي ضمّ اليدين على الصدر هي حالة وصلتنا عن محمّد رسول اللّه (ص) بالتواتر وجيلا بعد جيلٍ، ومن خلال الأكثريّة المسلمة.وهي حالة تأدّب تستند إلى فهم قرآنيّ وهو أن يقف المصلّي أو الذي يريد أن يبتهل ويدعو بين يدي ربّه عز وجلّ، أن يقف وقفة وقار بين يدي ربّه تعالى وبكلّ احترام، وكأنّه وقف أمام ربّه يسأله العون والرأفة والإحسان والمحبّة والقرب منه.فإن لم يكن يرى ربّه في تلك الحالة، فمن واجبه أن يعتقد بأنّ ربّه يراه يقينا ويُصغي إلى مناجاته كذلك يُصغي إلى طلباته.وعليه فإنّ الذي يقف ليدعو ربّه أو يقف ليصلّي وهو بعيد عن حالة التأدّب، وعن حالة الوقوف بوقار بين يدي ربّه جلّ.يكون شأنه شأن مَن يستهين بذات اللّه المقدّسة التي جاءها مادحا وحامدا وطالبا محبّتها ورضاها كلّ آن وكلّما حلّ به ما يُلجئ هذا الداعي إلى طلب معونته عز وجلّ.
وهنا قد يذهب ذهن بعضهم حين يطّلعون على هذه الموعظة
الآنفة الذكر، قد يذهب ظنّهم إلى أنّ حالة الخشوع والبكاء في الصلاة تتنافى وروح هذا التأدّب الذي حملته هذه الموعظة.لكنّ الحقيقة هي على عكس ذلك تماما.فإنّ الدعاء الحقيقي المستوفي شروطه وإنّ فريضة الصلاة المستوفية شروطها أيضا،تؤدّي بهذا الداعي وبهذا المصلّي ليخشع في تلك الحالة يقينا.وأن يرافق حالة الخشوع تلك نوع من أنواع البكاء الذي لا يعرفه إلاّ المجرّبون.وكيلا نذهب بعيدا فلنراجع ما سبق هذه الآية التي علّمتنا هذا التأدّب من آيات. فنصل إلى أنّ اللّه عز وجلّ قد أجاب على ما تخيّلناه واستنتجناه .فقد قال اللّه جلّ شأنه بحقّ المؤمنين الذين يحيطون علما بالأنباء المتعلّقة بمصير اليهود في آخر الزمان، قال (ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا.).فقوله (ويخرّون للأذقان يبكون) جاء من قولك: خرّ للّه ساجدا معناه انكبّ على الأرض. أي يسقطون على وجوههم تعظيما لأمر اللّه وساجدين يبكون.وإنّ حالة البكاء هذه قد ترافقها دموع تسيل من العيون.وقد يرافق سيلان الدموع إصدار أصوات لوعة وحنين.وعليه يستدلّ من مضمون هذه الآية الكريمة أنّه قد ترد على هذا المصلّي، أو على هذا الذي جلس يدعو ربّه عز وجل، قد ترد عليه حالة خشوع وبكاء بصوت أو بدون صوت.فإن حدث هذا الأمر فإنّه لا يفسد صلاة هذا المصلّي ولا يُفسد دعاءه. وعلى عكس ذلك فإنّ حالة الخشوع والبكاء في الصلاة خلال الدّعاء هو شيء يرضى اللّه تعالى عنه.بل ويشكّل ظاهرة صحّية وغير مكروهة ولا تنقض حالة البكاء تلك صلاة المصلّي ولا تخلّ بشروط الدّعاء، بل قل يا عزيزي
القارئ بأنّها تزيدهما تأثيرا روحيّا.ولا أقول هذا من باب العلم والاجتهاد
ولكن من خلال تجاربي الشخصيّة أيضا.
الدعاء لا يختصّ بحلّ المتاعب وحسب
وقد بظنّ القارئ الكريم من خلال ما بيّناه حتى الآن من بيّنات تتعلّق بموضوع الدعاء والصلاة التي جاءت في رسمٍ مخصوص،قد يظنّ أنّ اللّه تعالى قد جعل هذا الدعاء وسيلة حلّ مشاكل هذا الإنسان وحسب لكنّه في ظنّه هذا لا يكون قد أصاب.فالدعاء هو في حقيقة أمره يشكّل علاجا لكلّ شيء يختصّ بهذا الإنسان.فالمعلوم هو أنّ الإنسان يعيش بين دواعي خاطرتين تخطران في نفسه كلّ آن. فمن تلك الخواطر ما يكون خواطر خير. ومنها ما يكون خواطر شرّ. وذلك لقول اللّه تعالى في الآي من سورة الشمس (ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها.قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها.) واستنادا إلى هذا الإبداع الذي جبلت عليه نفس هذا الإنسان المبتلى في حياته الدنيويّة، فإنّ اللّه تعالى قد أنزل تعاليم الشرائع السماويّة لتساعد هذا الإنسان ليستفيد من خواطر الخير وليدفع عنه شرّ خواطر الشرّ التي تخطر في نفسه كلّما تلفّت يمنة أو يسرة أو شاهد شيئا من الأشياء . فهو جلّ شأنه على حين قال في الآية 36 من سورة الزخرف (ومَن يَعشُ عن ذِكر الرحمن نُقيّض له شيطانا فهو له قرين.) فقد قال تعالى من جهة أخرى. وذلك في الآيتين 200/201 من سورة الأعراف (وإمّا ينزعنّك من الشيطان نزعٌ فاستعِذ باللّه إنّه سميعٌ عليم.إنّ الذين اتّقَوا إذا مسّهم طيفٌ من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون.) . وبألفاظ أخرى فإنّ اللّه تعالى على حين وعظ هذا الإنسان المؤمن أن يتذكّر ربّه عند كلّ خاطرة تخطر له في نفسه. فيحمد ربّه ويستغفره ويستعين به على الاستفادة من خاطرة الخير هذه.فإنّ اللّه تعالى قد وعظ هذا الإنسان المؤمن أيضا أنّه كلّما خطرت له خاطرة شيطانيّةٌ أن يستعيذ باللّه تعالى الذي أبدع هذا الإبداع النفسيّ.أن يستعيذ به وهو متيقّنٌ بأنّ ربّه جلّ شأنه (سميع) يسمع استعاذة هذا المؤمن من خاطرة الشيطان التي مسّته.وأنّ ربّه جلّ شأنه هو (عليم) أيضا يعلم بأنّ هذا العبد المؤمن يعمل على موعظة ربّه حين يستعيذ من خاطرة الشيطان . ولذلك فلابدّ وأن تكون قد لاحظت يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى قد بشّر هذا العبد المؤمن وذلك في الآية الثانية وقال (إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكّروا فإذا هم مّبصرون.).وعليه ومن خلال هذا الذي ذكّرناك به تعود تُدرك يا عزيزي بأنّ الدعاء لا يختصّ بمشاكل هذا الإنسان وحدها وبمعضلاته التي يواجهها في حياته.ولكنّ الدعاء هو في حقيقته دواء
أعدّه اللّه تعالى لهذا الإنسان المؤمن ليتناوله كلّ آن.
وبهذه المناسبة أرى من واجبي أن أشرح لهذا المؤمن دلالة موعظة (الاستعاذة من الشيطان).فقد قال في الكلّيات: العوذ معناه الالتجاء والاستجارة.فمعنى أعوذ باللّه أي ألتجئ إلى رحمة اللّه.وتعني الإلصاق أيضا.حيث يقال أطيب اللّحم عوذه وهو ما أُلصقَ منه بالعظم.وعلى هذا صحّ القول أُلصقُ نفسي بفضل اللّه ورحمته.وفي (محيط المحيط) عاذ باللّه من كذا معناه لاذ باللّه والتجأ واعتصم.والعياذ مصدر ومعناه الملجأ.وأمّا كلمة (الشيطان) فمن فعل شاط ومعناه احترق وهلك.وقد أطلق القرآن الكريم اسم (شيطان) على كلّ شيء كان مآله إلى النار.هذا وإنّ خواطر الشرّ التي تخطر في نفس الإنسان تدخل في هذا المفهوم القرآني.ولذلك درج العرب على تسمية كلّ عات متمرّدٍ من إنس وجنّ أو دابّة اسم (شيطان). (محيط المحيط).وبعد هذا الشرح اللّغويّ نعود إلى قوله تعالى (وإمّا ينزعنّك من الشيطان نزعٌ فاستعِذ باللّه..) ونتساءل عن معنى فعل (ينزعنّك) المشتقّ من نزع الولد إلى أبيه نزوعا معناه أشبهه أو مال إليه بالشبه.ومن نزع فلانٌ الشيء معناه عطّله وأفسده. ونزع فلان الشيء معناه قلعُه.فاستنادا إلى جميع هذه المعاني يكون المقصد من قوله تعالى (وإمّا ينزعنّك من الشيطان نزعٌ) أي أنّه إن حدث أن قلعك خاطر شيطانيّ عن حالة التقوى التي أنت عليها ودعاك إلى معصية اللّه تعالى.أو إن حاول إنسان عات ومتمرّد أن يُفسدك.وهنا جاء اللّه تعالى بفاء الاستئناف وقال (فاستعِذ باللّه) أي أنّه تعالى استأنف وأمر وقال:تذكّر أيّها المؤمن أنّك آمنت بإله لا تحدّ قدراته حدود.فالتجئ إليه واستجر به واعتصم بحبله وادعوه لِيُبعد عنك شرور ذاك الخاطر الشيطانيّ وشرور ذاك الإنسان العاتي المتمرّد الذي حاول أن يُفسدك ويجرّك إلى معصية ربّك عز وجلّ.وهذا المعنى بدليل أنّه تعالى أنهى هذه الآية الكريمة بقوله (إنّه سميع عليم) أي أنّه تعالى يسمع دعاءك هذا ويعلم التجاءك إليه واعتصامك بحبله. لذلك فهو تعالى يبارك استعاذتك به ويستجيب دعاءك ويُبعد عنك شرور هذه الأشياء جميعها.
وانطلاقا من هذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية الكريمة فقد أتى اللّه تعالى بعدها بآية تؤكّد هذه الحقيقة التي بيّناها فأتى جلّ شأنه بحرف التأكيد (إنّ) وقال (إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون.) ويكون قد عبّر اللّه تعالى في هذه الآية الثانية عن نتائج عمليّات خواطر الشرّ وعن محاولات العتاة والمتمرّدين التي يتعرّض لها العباد المؤمنون الأتقياء وذلك من خلال قوله تعالى (إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان).فهو تعالى قال (تذكّروا) وحاذفا مفعول فعل تذكّروا ليصّرف المعنى إلى أكثر من جهة.فما هو معنى فعل (تذكّروا) ؟ فقد ورد في معجم (محيط المحيط) ذكر الشيء حفظه في ذهنه.وتذكّر الشيء معناه ذكره.وللذكر معنيان:أحدهما التلفّظ بالشيء.والثاني إحضاره في الذهن، وبحيث لا يغيب عنه بشكل من الأشكال.ويستعمل ضدّ النسيان.فاستنادا إلى هذه المعاني يكون معنى قوله تعالى (إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا) أنّ العباد المؤمنين الأتقياء يكونون دوما حذرين من أن يمسّهم طائف من الشيطان لذلك ما إن يخطر ببالهم خاطر سوء، أو ما إن يحاول عتاة ومتمرّدون إغواءهم والانتقاص من تقواهم،فإنّ هؤلاء المؤمنين الأتقياء يُحضرون في أذهانهم جميع الآيات التي وعظهم ربّهم من خلالها وعلّمهم كيف يستعيذون من الشيطان ويأمنون شرّه. وبذلك يتذكّرون أنّ وسيلة الدعاء هي الوسيلة الأهمّ على هذا الطريق.كذلك يتذكّرون بأنّ الذي يغرق في ذكر ربّه، ولا يعشُ عن ذكر ربّه، فإنّ الشيطان لا يجد إليه سبيلا.ومن ثمّ أتى تعالى بفاء الاستئناف وقال مستأنفا كلامه (فإذا هم مُبصرون.).فأورد كلمة (مبصرون) محذوفا مفعولها أيضا، وذلك لتصريف معناها إلى عدّة جهات.والمعنى أنّ العباد الأتقياء إن هم عملوا على هذه الموعظة التي تضمّنتها الآية السابقة تتّضح لأعينهم حقائق ما وعظهم به ربّهم في جميع الآيات التي تذكّروها بهذه المناسبة فإذا بهم يعودون مبصرون ومحيطون علما بأنّ ربّهم السميع العليم قد وعظهم مواعظ قد أسّسها على أساس علميّ ولم تكن مواعظ ربّهم مجرّد منهيّات وأوامر لا تمتّ إلى العلم بشيء.وعلى هذه الصورة تكون هاتان الآيتان قد نبّهتنا إلى أنّ الدعاء لا يختصّ بحلّ مشاكلنا وحسب.بل إنّ الدعاء هو وسيلة معالجة كلّ ما يعرض لهذا المؤمن التقيّ في حياته من مشاكل وحاجات وأداء للفرائض وسلوك مع الآخرين.
شرط خذوا زينتكم عند كلّ مسجد
وهنا ينبغي أن تتوقّف طويلا يا عزيزي القارئ عند قول ربّك جلّ شأنه الوارد في الآية 31 من سورة الأعراف ولتمعن نظرك فيه جيّدا وأن لا تأخذ ما يتبادر لذهنك منه. بل أن تتدبّره بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.فلقد قال اللّه عز وجلّ في الآية المشار إليها ومخاطبا بني آدم جميعهم وليس المسلمين خاصّة قال (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد وكلوا واشربوا ولا تُسرفوا إنّه لا يحبّ المسرفين.) فما هو معنى (خذوا زينتكم عند كلّ مسجد) الوارد في هذه الآية الكريمة؟ وإنّي سأتدبّر معك هذه الفقرة لعلاقتها بموضوع الدعاء الذي نبحثه في هذا الكتاب.فنراجع بادئ ذي بدء دلالة فعل (خذوا زينتكم). ففعل الأمر (خذوا) اشتقّ من أخذه ومعناه تناوله.والأخذ هو التناول.وأما كلمة (زينتكم) فالزينة هي ما يتزيّن به الإنسان ظاهرا وباطنا.وأمّا ظرف (عند) فهو اسم لمكان الحضور. نحو جلست عند زيد.وأمّا معناه المجازي تقول عند زيد علم. وتأتي حين دلالة على زمان الحضور. نحو الصبر حين الصدمة الأولى.ولا تقع إلاّ ظرفا.وأمّا كلمة (مسجد) فمن سجد بمعنى خضع وانحنى وتعني انتصب أيضا،وذلك لأنّ هذه الكلمة هي من الأضداد.والسجدة المرّة من السجود.وكلّ موضع يُتعبّد فيه فهو مسجد وموضع للعبادة. والمسجد الحرام الكعبة الشريفة (محيط المحيط) . وبعد أن أحطنا علما يا عزيزي القارئ بدلالات ألفاظ هذه الآية الكريمة.فاستنادا إلى تلك الدلالات فإنّ خطاب هذه الآية موجّهٌ في حقيقته إلى (بني آدم) جميعهم وليس إلى المسلمين خاصّة ونلاحظ من خلال تدبّر اصطلاحات القرآن الكريم بأنّ اللّه تعالى قد قسّم الناس إلى فريقين: فريق بنوا آدم وهم الفريق الأوّل. وهم الذين ابتدأت أوّل حلقة من حلقاتهم ببعثة أوّل نبيٍّ وهو آدم عليه السلام وبذلك فقد سُمّي أتباع كلّ نبيٍّ بعثه اللّه تعالى من بعد آدم ببني آدم لانتساب تعاليم دينهم إلى تعاليم هذا النبيّ الأوّل وهو آدم عليه السلام.وأمّا الفريق الثاني من الناس غير هؤلاء فهم كلّ من اتّبع خطوات أوّل كافر كفر برسالة آدم وعُدّ شيطانا في نظر ربّه بسبب أنّ عاقبته إلى النار.وقد استعمل اللّه تعالى لهؤلاء في بعض المواضع من كتابه العزيز مُصطلح ذرّية الشيطان. وعليه فإنّ اللّه جلّ شأنه الذي علّم جميع المؤمنين من هذا الفريق الأوّل الصلاة والدعاء والابتهال بين يديه عزّ وجلّ.فهو جلّ شأنه يخاطبهم جميعهم في هذه الآية الكريمة وينبّه أذهانهم إلى أنّ صلاتهم وأدعيتهم تشترط عليهم أن يأتوا ربّهم متزيّنين بزينة جميع ما علّمهم إيّاه ربّهم من تعاليم تزكّيهم وتطهّرهم من كلّ رِجس بسبب أنّهم يقفون بين يدي اللّه القدّوس حين يصلّون ويدعون ويسجدون لربّهم خضوعا وانحناء. وبألفاظ أخرى يكون اللّه عز وجلّ قد اشترط لقبول كلّ من يقف بين يديه مبتهلا ومتضرّعا ، اشترط عليه أن يكون تقيّا ومطيعا لتعاليم ربّه ومتخلّقا بما قدر أن يتخلّق به من أسماء ربّه الحسنى.وليس أن يأتي العبد ربّه ليصلّي له وليدعوه وهو في حقيقة أمره ممّن يعصون ربّهم ولا يتّقونه في سلوكهم اليوميّ. وعلى هذه الصورة تكون هذه الآية من سورة الأعراف التي أمر اللّه تعالى من خلال مضمونها (بني آدم) وقصد جميع فئات العباد المؤمنين بوجوده تعالى أن يأخذوا زينتهم عند كلّ مسجد،يكون اللّه تعالى قد اشترط هذا الشرط على المؤمن الذي يصلّي أو يدعو ربّه. وهذا الشرط هو أن يكون هذا المؤمن تقيّا عاملا على تعاليم ربّه عز وجلّ.بمعنى أن يأتي ربّه طاهراً من كلّ دنس بالنظر إلى أنّه راح يقف بين يدي اللّه عز وجلّ قدّوس السماوات والأرض. وذلك لأنّ إحداث هذا التجانس بين العبد وربّه شرط أساسيٌّ في الصلاة والدعاء.وإنّ كلّ من كان عاصيا غير تقيّ فلا يكون مؤهّلا للصلاة والدعاء بين يدي هذا الإله القدّوس صاحب هذه الأسماء الحسنى الوارد ذكرها في كتاب اللّه العزيز.
ولا تستغرب يا عزيزي القارئ هذا الشرط، ولا ينبغي أن
تشكّ في حقيقته وأهمّيته.وتذكّر هنا مثالا ممّا يحدث بين الناس أنفسهم أجمعين.فالملوك والرؤساء لا يستقبلون الذين يعصون أوامرهم ولا يلبّون لهم طلبا. وإنّ الأبناء الذين يعقّون آباءهم لا يعاملهم الآباء بمثل ما يُعاملون به أبناءهم البررة.وعليه فإنّ شرط أخذ الزينة عند كلّ مسجد، وهو الشرط الذي اشترطته هذه الآية سالفة الذكر، هو شرط طبيعيّ جدّا ولا ينبغي أن يستدعي منك يا عزيزي القارئ أيّ استغراب لذلك فإن كنت ترغب أن تكون مستجاب الدعوات عند اللّه العزيز كان من واجبك أن تلتزم بما أتاك دعاء سورة الفاتحة به من أصول للدعاء ، وأن تلتزم في الوقت نفسه بهذا الشرط الأساسيّ الذي اشترطته هذه الآية الكريمة، والتي عبّرت عنه شروط صحّة الصلاة. ومحاولا أن تتّصف بالطهارة والقداسة حين تقف ساجدا بين يدي اللّه القدّوس تدعوه وتصلّي بين يديه عز وجلّ.
وهنا قد تعترض عليّ يا عزيزي القارئ وبحجّة ما ذهب إليه العلاّمة الفخر الرازي رحمه اللّه في تفسيره الكبير حيث قال وهو يفسّر هذه الآية الكريمة (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد..) قال:
("المسألة الثانية: المراد من الزينة لُبسُ الثياب والدليل عليه قوله تعالى (ولا يُبدين زينتهنّ) يعني الثياب.وأيضا فالزينة لا تحصل إلاّ بالستر التامّ للعورات.ولذلك صار التزيّن بأجود الثياب في الجُمعِ والأعياد سُنّة وأيضا أنّه تعالى قال في الآية المتقدّمة (قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا) فبيّن أنّ اللّباس الذي يواري السوأة من قبيل الرياش والزينة.ثمّ إنّه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدّم ذكره في تلك الآية فوجب حمل هذه الزينة على ستر العورة.وأيضا فقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد بالزينة ههنا لبس الثوب الذي يستر العورة.." ).
وأنت حين تحتجُّ عليّ يا عزيزي القارئ بما أورده الفخر الرازي في تفسيره،لا تكون في حقيقة الأمر قد عثرت على حجّة مقبولة، بل هو مجرّد رأيٍ طرحه الرازي في تفسيره، ومن دون أن يعمد إلى تدبّر الآية المذكورة بمنهجيةّ القرآن الكريم وأصول تفسيره. تلك المنهجيّة التي فتحها اللّه عز وجلّ على شخصي الضعيف.ومع ذلك أحاول نقض هذا الرأي المقتبس من التفسير الكبير للفخر الرازي رحمه اللّه تعالى.فأقول:
أوّلا- إنّ رأي الفخر الرازي أنّ المراد من كلمة (الزينة) الواردة في هذه الآية الكريمة هو (لُبس أجود الثياب والتزيّن بها) في الجُمع والأعياد وحجّته رحمه اللّه قوله تعالى في الآية 31 من سورة النور (ولا يُبدين زينتهنّ) وهو رأي ترك أثره على سلوك المسلمين الذين أخذوا برأيه هذا من بعده وإلى أيّامنا هذه.لذلك تلاحظ أنّ كلّ مسلم يتوجّه إلى المسجد الجامع ليصلّي يتزيّن بأحسن ما عنده من ثياب وفي وقت قد يكون فيه هذا المسلم تاجرا محتكرا وغشّاشا.أو يكون موظّفا مرتشيا في دائرته.أو يكون من سواد الناس جاهلا ومقلّدا ومستهترا بأوامر دينه.
فهذا الرأي وهذا الاحتجاج خطأ كلّه.بدليل أنّه رحمه اللّه قد احتجّ على صحّة رأيه باقتطاعه كلمات (ولا يبدين زينتهنّ) من آية طويلة وباستدلال غير صحيح.فاللّه تعالى قال في الآية 31 من سورة النور (وقل للمؤمنات يغضُضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنّ ولا يُبدين زينتهنّ إلا ما ظهر منها وليضربن بخُمرِهنّ على جيوبهنّ ولا يُبدين زينتهنّ إلاّ لبعولتهنّ أو آبائهنّ أو آباء بعولتهنّ أو أبنائهنّ أو أبناء بعولتهنّ أو إخوانهنّ أو بني إخوانهنّ أو بني أخواتهنّ أو نسائهنّ أو ما ملكت أيمانهنّ أو التابعين غيرِ أولي الإربة من الرجالأو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهنّ لِيُعلمَ ما يُخفين من زينتهنّ وتوبوا إلى اللّه جميعا أيّها المؤمنون لعلّكم تُفلحون.)
فإن أنت تدبّرت هذه الآية الكريمة جيّدا تعود تُدركُ بأنّ اللّه تعالى لم يقصد من كلمة (الزينة ) الواردة فيها الثياب خاصّة، بل قصد ما تتزيّن به المرأة من حليّ وغيره وقد شمل هذا المعنى اللّباس المزركش الذي زيّنته المرأة وزخرفته بصورة خاصّة. وظهر منها وهي تمشي خارج دارها.ولم يشمل اللّباس العاديّ الذي لا جاذبيّة فيه.وبدليل قوله تعالى (ولا يُبدين زينتهنّ إلاّ ما ظهر منها) فلباس المرأة العاديّ البسيط لا يشكّل زينة لها ولا يدخل في موضوع هذا النهي الوارد في هذا النصّ الآنف الذكر.وبدليل أنّه ورد في نفس الآية (ولا يُبدين زينتهنّ إلا لبعولتهنّ أو آبائهنّ ...)إلى آخر المذكورين فيها.فلو كان المقصود من هذه الكلمة (زينتهنّ) الثياب خاصّة وليس الحليّ وما تتزيّن به المرأة في دارها، لناقض ذلك المعنى مضمون هذه الفقرة من الآية.فهناك استثنى تعالى وقال (إلاّ ما ظهر منها) وهنا استثنى تعالى وقال (إلاّ لبعولتهنّ) وحاذفا إلاّ ما ظهر منها. وإنّ هذه الآية تضمّنت دليلا آخر ينقض رأي الفخر الرازي المشار إليه حين قال تعالى قبل إنهاء هذه الآية الكريمة (ولا يضربن بأرجلهنّ لِيُلمَ ما يُخفين من زينتهنّ) فلو كان لباس المرأة هو المقصود من كلمة (الزينة) لعسُر علينا فهم قوله تعالى (ما يُخفين من زينتهنّ) وهل كانت المرأة في الجاهليّة تُخفي في أرجلها غير خلخالها؟
فالخلخال هو حليّ، كانت المرأة تلبسه في أرجلها وتتزيّن به، وهذا لا يدخل في معنى اللّباس.
ثانيا – وقد استدلّ الفخر الرازي رحمه اللّه بشطر من الآية 26 من سورة الأعراف (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يُواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات اللّه لعلّهم يذّكرون.)
وهذا الشطر (قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سَوءاتكم وريشا) ومعتبرا أنّ اللّباس الذي يواري السوأة هو من قبيل الرياش والزينة.وهو قد أخطأ في هذا الاستدلال أيضا.
فالملاحظ يا عزيزي القارئ هو أنّ ورود فعل (أنزلنا) بحقّ اللّباس الذي لم يُنزل من السماء، بل التعاليم هي التي أنزلت من السماء فيُعدّ هذا في نظري قرينة لغويّة تحوّل كلمة (لباس) من معناها الحقيقي إلى معناها المجازي. وهو دلالة هذه الكلمة (لباس) هنا على التعاليم الدينيّة المنزلة والتي تُعدّ بمثابة لباس لهذا المؤمن يرتديه ويتزيّن به بين يدي ربّه عز وجل.وهو هذا اللّباس الذي إذا لبسه هذا العبد المؤمن يصونه من غضب اللّه عليه.وبقرينة قوله تعالى أيضا في نفس هذه الآية الكريمة (ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات اللّه لعلّهم يذّكرون.).فقد نبّه اللّه تعالى العبد المؤمن من خلال هذه الفقرة من الآية إلى ضرورة أن يعمل على تعاليم ربّه وهي التعاليم التي هي بمثابة لباس له شرط أن يكون متّصفا بتقوى اللّه تعالى. وليس أن يكون تقليديّا تظاهريّا ثمّ إن كلمة (سوءاتكم) هي جمع سَوءة ومعناها العورة والفاحشة والخلّة القبيحة (محيط المحيط).وعليه فقد نبّه اللّه تعالى من خلال قوله تعالى (قد أنزلنا عليكم لباسا) وبالدلالة المجازيّة لكلمة لباس قد نبّه إلى الغاية من إنزال تعاليم السماء ، وهو أن تعمل هذه التعاليم على صيانة العبد المؤمن وذلك من خلال مساعدته على ستر عوراته وإبعاده عن ارتكاب جميع الفواحش وعن معاشرة أصدقاء السوء.
ثالثا – وممّا قاله الفخر الرازي رحمه اللّه هو أنّه (أجمع المفسّرون على أنّ المراد بالزينة ههنا لبس الثوب الذي يستر العورة).والذي أراه وأثبتّه في مؤلّفاتي هو أنّ مفسّري تلك الحقبة من الزمان كانوا متأثّرين بمعطيات قصّة خلق آدم وحوّاء التي رواها سفر التكوين من العهد القديم.والتي أثبتّ في مؤلّفي (نشوء الإنسان وتطوره) أن تلك القصّة التوراتيّة هي أقرب إلى الأسطورة منها إلى الحقيقة.وأنّها تخالف معطيات العلم الحديث وتختلف عن قصّة القرآن الكريم الذي طرح قصّة آدم على أنّ آدم كان أوّل نبيّ وحاذفا ذكر حوّاء منه وطرح قصّته بما يوافق العلم الحديث. وعليه فالمفسّرون القدماء حين أجمعوا على أنّ المراد بالزينة اللّباس الذي يستر العورة فقد كان ذلك بسبب انطلاقهم في فهم هذه الآية الكريمة على أنّها تشير إلى زمن آدم عليه السلام ليس إلاّ.وإلاّ فلو أنّ المفسّرين القدماء كانوا قد فهموا قصّة آدم القرآنيّة بمعزل عن ذا التأثير وكانوا قد تدبّروا هذه الآية الكريمة بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره، لكانوا مالوا إلى ما طرحته من رأي وأهملوا ما طرحه الفخر الرازي من رأي. فلم يكن المراد في هذه الآية الكريمة من كلمة اللّباس معناها الحقيقي ولكن أريد منها معناها المجازي.وهو إشارتها إلى التعاليم الدينيّة المنزلة وهي المهمّة التي تدور عليها حياة هذا الإنسان المؤمن.
وأخلص من جميع ما ذكرته بما يتعلّق بالشرط الأساسي الذي اشترطه ربّنا عز وجلّ على كلّ من يقوم للصلاة وللدعاء بين يديه تعالى وذلك من خلال قوله (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد...) أقول: فأخلص إلى القول بأنّ هذا المصلّي والداعي ينبغي أن يكون عاملا على جميع أوامر ربّه جلّ شأنه وليس أن يكون عاصيا أوامره ومقصّرا في أداء ما يأمره به دينه الإسلاميّ الحنيف.ينبغي أن يكون مستوفيا شرط التزيّن ظاهراً وهذا يشمل النظافة من الجنابة وأن يكون متوضّئا وأن يكون لابسا لباسا نظيفا.وأن يكون مستوفيا شرط التزيّن باطنا وهذا يعني أن تكون أخلاقه أخلاقا محمودة وأن تكون أعماله لا تتناقض مع معتقداته.
ألا واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ رأي الفخر الرازي وغيره من المفسّرين القدماء قد فتح باب الاهتمام بلبس أنفس الثياب عند القيام للصلاة والدعاء وإهمال هذا الشرط الأساسيّ الذي اشترطه اللّه ربّنا علينا وهو أن نهتمّ بتوفّر هذا الشرط ليساعد ذلك على استجابة اللّه جلّ شأنه لأدعيتنا وعلى قبوله صلواتنا.وهذا هو السبب في أنّ الملايين من مسلمي عصرنا يحجّون ويدعون هناك وتذهب أدعيتهم هباء ولا تجاب.خصوصا وأنّ روح تقوى اللّه تعالى مفقودة على صعيد الأعمال.
الدعاء ومخيّلة المؤمن الذهنيّة
والبحث الأخير الذي ينبغي علينا أن نبحثه ونحيط به علما يا عزيزي القارئ ونحن بصدد الكلام عن موضوع الدّعاء ، هو أن نتكلّم عمّا يتعلّق بمخيّلة المؤمن وتصوّره عندما يقوم للصلاة أو عندما يقوم للدعاء بين يدي ربّه عز وجلّ.وهذه الحقيقة من باب أنّ كلّ فكرة تخطر ببال الإنسان يرافقها عادةً تصوّراً يرد في مخيّلته.فالذي يقود سيّارةً ويريد السفر إلى مكان معيّنٍ يتخيّلُ أوّل ما يتخيّله الطريق الذي يريد أن يسلكه للوصول إلى غايته.وإنّ الشخص الذي يريد أن يشرب كأسا من الماء يجول في مخيّلته مكان الكأس ومكان المصدر الذي سيأخذ منه الماء ومن هذا المنطلق كان من واجبنا أن نولي هذه الحقيقة حقّها من البحث حين نبحث جميع الجوانب الهامّة من موضوع الدعاء . خصوصا وأنّ هذا القرآن المجيد لم يحدّثنا عن ذات اللّه تعالى شيئا ما،بل حدّثنا عن أسمائه الحسنى. والسبب في ذلك أنّ ما آتانا اللّه الخالق إيّاه من قوى بشريّة لا تساعد هذا الإنسان على الإحاطة بذات اللّه تعالى علما . ذلك أنّ اللّه تعالى ليس كمثله شيء في هذا الوجود ليساعدنا على التعرّف على ذاته المقدّسة.ولذلك تظلّ قوانا قاصرة عن تصوّر ذات الله جلّ شأنه ومن هنا كان من واجبك يا عزيزي القارئ أن تضع في حُسبانك بأنّ الذات الإلهيّة المقدّسة لا توجد ضمن هذا الكون المادّي.بل أن تعتقد بأنّ ذات اللّه المقدّسة موجودة خارج هذا الكون المادّي المخلوق ومع ذلك فإن اللّه عز وجلّ لا يغيب عنه شيء ممّا في هذا الكون يقينا وذلك من منطلق أنّ اللّه عز وجلّ يعلم السرّ وأخفى وعلى حسب ما نصّ عليه كتاب اللّه العزيز.بل وأنّه سبحانه وتعالى هو في علمه بنا أقرب إلينا من حبل الوريد.فإن أنت وَعَيت هذه الحقيقة عاد من حقّك أن تطالبني بتقديم ما يثبت هذا الطرح وذاك الادّعاء.وإجابة على طلبك هذا يا عزيزي فسأقدّم لك من جهة مثالاً من واقع هذا الإنسان نفسه ومن جهة ثانية أقدّم لك دليلا من كتاب اللّه العزيز يثبت صحّة ما أطلعتك عليه ، وهو الكتاب الذي لم يفرّط اللّه جلّ شأنه فيه بشيء .
وأبدأ بتقديم المثال المشار إليه، فأستقيه من وجود هذه المركبات الفضائيّة التي عاد الإنسان لا يستغرب وجودها،بل وعادت ألسنة الناس تلهج بذكرها في كلّ مكان من هذا العالم.وهل يوجد في أيّامنا هذه إنسان لم يدر ولم يشاهد إطلاق مركبة فضائيّة على شاشات التلفاز الذي يقتنيه في داره ؟ فإن كان قد شاهد ذلك فقد شاهد إلى جانب ذلك وجود قيادة أرضيّة تقود تلك المركبات الفضائية وتتحكّم في مساراتها وفي إصلاح كلّ عطلٍ يطرأ على أجهزتها،وهي تدور حول هذه الكرة الأرضيّة وعلى بعد مسافات ليست بقليلة عن مركز إطلاقها ومركز قيادتها الأرضيّة ؟ وفي وقتٍ لا توجد فيه ما بين هذه القيادة الأرضيّة وما بين تلك المركبات خطوط سلكيّة مرئيّة ؟ بل إنّ كلّ ما يحدث عند حدوث عطل في المركبة أن تقوم هذه القيادات الأرضيّة بتحريك أزرار في أجهزة القيادة لتتمكّن من إصلاح العطل المذكور فمن هنا تكون يا عزيزي قد أدركت بأنّ تلك القيادات الأرضيّة توجّه وتصلح المركبة الأرضيّة من داخل غرفة قيادتها لها وبواسطة أجهزة مخصّصة لتلك المهمّة وفي وقت تقوم فيه تلك القيادة بمراقبة جميع ما يحدث على أجهزة تلفاز تُشاهد على شاشاتها جميع تحرّكات تلك المركبات الفضائيّة وما يدور فيها من تحرّكات أيضا ؟ علما بأنّ ظاهرة هذا المثال الذي لفتّ نظرك يا قارئي العزيز إليه هي في حقيقة أمرها من صُنع هذا الإنسان المخلوق ، ولا يوجد في هذه الظاهرة شيء ما من حيث تركيبه وعمله خارجا عمّا أبدعه خالق هذا الكون من أشياء.وبناء على معطيات هذا المثال الذي ذكرته لك وأشرت إليه،فقد عاد بإمكان هذا المؤمن الذي وقف بين يدي ربّه عز وجلّ يعبده أو يدعوه ويتضرّع إليه،عاد بإمكانه أن يتصوّر وهو يقوم بتلك الفريضة وجود الذات الإلهيّة المقدّسة خارج هذا الكون المادّي.وتدير هذا الكون من بعيد ومن بعيد جدّا.وأنّ ذات اللّه جلّ شأنه تتحكّم بوجودنا من بعيد ومن بعيد جدّا،وفي وقت فإنّ هذا الخالق جلّ شأنه يعلم سرّنا وأخفى أيضا.
فإن أنت قد أحطت يا عزيزي القارئ علما بإطار هذا المثال الذي قدّمته لك ،مع مراعاة الفارق ما بين حقيقة هذا المثال وما بين حقيقة وجود تلك الذات الإلهيّة المقدّسة وعلاقتها بهذا الكون المادّي المخلوق.تبدأ تطالبني بتقديم الدّليل القرآنيّ القاطع الذي يؤيّد هذا الطرح الذي طرحته آنفا ويثبت منه مصداقيّة وجود عناصر مثيلة لعناصر هذا المثال الذي لم يعُد مستغربا من أي إنسان على سطح هذه الأرض.وعليه كان من الواجب تقديم هذا الدليل القرآنيّ المطلوب.
وأجيب وأقول: أجل إنّ كتاب اللّه العزيز قد تضمّن هذا الدليل القرآنيّ المطلوب،وما عليك يا عزيزي القارئ إلاّ أن تقوم بمراجعة الآيات الأوائل من سورة المعارج والتي قال اللّه تعالى فيها : (سأل سائلٌ بعذاب واقعٍ.للكافرين ليس له دافع . من اللّه ذي المعارج . تعرجُ الملائكة والرّوح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة .فاصبر صبراً جميلا . إنّهم يرونه بعيداً . ونراه قريبا .).فأنت تلاحظ يا عزيزي إن تدبّرت هذه الآيات الكريمة التي أوردناها بأنّ اللّه عزّ وجلّ يذكّر القارئ في هذه الآيات بوجود الزمن وأنّ الزمن قد قُسّمَ إلى سنوات،منها السنوات التي يؤرّخ بها الناس تاريخ الشعوب.ومنها السنوات الضوئيّة التي تُقاس بها المسافات ما بين الكواكب والنجوم.وقد وضّحت هذه الآيات من سورة المعارج قياسا بالمصطلح القرآنيّ لتنقّل ملائكة السماء من المملكة السماويّة وإلى هذه الكرة الأرضيّة لتنفيذ أوامر اللّه عز وجلّ وبإذنه.فقد اصطلحت هذه الآيات مدّة خمسين ألف سنة ليوم واحد من أيّام السنة السماويّة.ومن دون أن تدخل هذه الآيات الكريمة في بيان تفاصيل نوع السنة المذكورة
فإن نحن أعرضنا يا عزيزي القارئ عن الدخول في تفاصيل هذا الرقم الوارد في هذه الآيات الكريمة.حسبنا أن نكتف باستخلاص الدليل القرآني المطلوب،وهو أنّ المملكة السماويّة التي تتوسّطها الذات الإلهيّة المقدّسة،تبعد عن هذه الكرة الأرضيّة بالحساب المذكور أيّاما،وأنّ كلّ يوم من تلك الأيّام المذكورة يشكّل خمسين ألف سنة.ويكفيك أن تكون
هذه الحقيقة التي اشتملت عليها هذه الآيات قد أكّدت لك يا عزيزي القارئ بأنّ الذات الإلهيّة المقدّسة منفصلة عن كوننا المادّي ولا تشكّل جزء منه.وكيف تشكّل الذات الإلهيّة المقدّسة جزء من شيء قد خلقته وأوجدته ؟وهذه حقيقة ينبغي على المؤمن المصلّي أو الذي يدعو ربّه أن يضعها نصب عينيه.وتفرض عليه أن يتخيّل نفسه ووفق المثال الذي قدّمته له من قبل أنّ حال هذا المصلّي شبيه بحال رائد الفضاء وهو في مركبة فضائيّة تدور حول الكرة الأرضيّة فهذا المصلّي أو المتضرّع بين يدي ربّه عز وجلّ يعيش على سطح هذا الكوكب الأرضيّ السابح في هذا الفضاء الكونيّ وتحت مراقبة اللّه صاحب هذه الذات الإلهيّة المقدّسة الخالقة والذي يعلم السرّ وأخفى.فاللّه جلّ شأنه بعيد عن هذا الإنسان هذا البُعد الذي وضّحته هذه الآيات من سورة المعارج.ثمّ إنّ اللّه عز وجلّ ومن جرّاء بُعده عنّا هذا البُعد الشاسع فإنّ أعيننا عاجزة عن رؤيته جلّ شأنه،لكنّ هذا الخالق جلّ شأنه يرانا في الوقت نفسه.فهو تعالى يرانا ويعلم سرّنا وأخفى منه أيضا.وكيف كان بإمكان هذا الإنسان أن يرى الذات الإلهيّة المقدّسة بهذه الحواس التي يملكها والمحدودة العطاء ؟ فنحن لا نرى في ظلمة اللّيل نجوم السماء إلا وكأنّها مجرّد نقاط ضوئيّة وفي وقت تكون فيه أحجام تلك النجوم أكبر من حجم كرتنا الأرضيّة بألوف المرّات ؟ فما بالك يا عزيزي أن تقدر حواسنا على تجاوز أجواء هذا الفضاء الكوني لترى ما هو موجود وراءه هذا،وقد نبّهتنا آيات الذّكر الحكيم أيضاً بأنّ عروج ملائكة اللّه تعالى ونزولهم إلى هذه الكرة الأرضية لا يُشبه في حقيقته تحرّكات الأجسام المادّية بل هي عبارة عن (تمثّلات) تصدر عن ملائكة السماء ليس إلاّ وفي وقت تبقى تلك الملائكة في المملكة السماويّة ولا تغادرها وهل نسيت يا عزيزي قول ربّنا عز وجلّ في الآيات 16/17 من سورة (مريم) والتي قال اللّه تعالى فيها (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا . فاتّخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشرا سويّا .).فلاحظ قول ربّنا عز وجلّ في هاتين الآيتين (فأرسلنا إليها روحنا) وهو جبريل عليه السلام.ولاحظ قوله تعالى (فتمثّل لها بشراً سويّا.).فالملَك جبريل كان مُرسلا من جانب ربّه عز وجلّ بمهمّة سماويّة ولم ينزل بكيانه الحقيقيّ بتلك المهمّة،بل تمثّل لمريم الصدّيقة (بشرا سويّا) فتدرك يا عزيزي من خلال ذلك بأنّ ملائكة اللّه تعالى تقوم وهي على أمكنتها في المملكة السماويّة بتمثّلات فتتمثّل أحياناً للنّائم في منامه كما تتمثّل أحيانا للإنسان وهو في حالة يقظته بأشكال مختلفة وبما يتناسب مع ما هي مكلّفة به من مهام من جانب اللّه خالقها الذي خلقها على تلك الحال وهي تفعل ما تؤمر به من ذي الجلال والإكرام.وإنّ كلّ ما يهمّنا يا عزيزي القارئ ممّا ذكرته لك من مثال ومن دليل قرآنيّ هو أن تضع هذه الحقيقة التي بيّنتها لك نصب عينيك وأنت تصلّي أو تتضرّع بين يدي ربّك وتدعوه جلّ شأنه فتتصوّر بأنّ اللّه عز وجلّ يراك ويحيط بوجودك علما وبجميع ما تفعله وجميع ما يخطر ببالك أن تفعله بل ويعلم أخفى ممّا ذكرته أيضاً.مع أنّ ذاته المقدسة ومملكته السماويّة بعيدة عن هذه الكرة الأرضيّة المخلوقة بُعداً يفوق خيال الإنسان.وعلى ضوء هذه الحقيقة التي بيّنتها لك يا عزيزي القارئ تعود قادرا على فهم الحديث الشريف المرويّ عن محمّد رسول اللّه (ص) ما مضمونه أن اعبد ربّك وأنت موقن بأنّ ربّك يراك فإن كنت لا تراه فهو يراك يقينا.ولذلك أقول يا عزيزي المصلّي إن أنت وقفت تصلّي أو وقفت بين يدي ربّك تدعوه وتتضرّع إليه، فأنت عاجز عن رؤيته يقيناً.لأنّ اللّه سبحانه وتعالى هو (اللطيف الخبير) ولذلك تعجز عين الإنسان عن رؤيته ومشاهدته بسبب لطافته.لذلك كان عليك أن تصلّي لله تعالى وتدعوه وتسبّحه على تلك الحال من التصوّر والمعرفة ووفق هذا التخيّل الذي أفدتك به علما. وعلى هذه الصورة من هذا التصوّر والتخيّل كان من واجبك يا عزيزي المؤمن أن تقف بين يدي ربّك ليس متخيّلا هذا التخيّل وحسب بل وأن تقف متأدّبا بالآداب التي طالبك ربّك أن تتأدّب بها بين يديه جلّ شأنه.فإذا دعوته ، فإنّ من واجبك أن تدعوه جلّ شأنه بأحد أسمائه الحسنى الذي يتعلّق بالموضوع الذي وقفت تدعوه من أجله.وهذا الأمر يتطلّب من المؤمن أن يحيط علما بأسماء اللّه الحسنى وبدلالاتها ليكون دعاؤه سديدا ولائقا فأنت تقف بين يدي اللّه خالقك الذي تخاطبه وتتضرّع بين يديه عز وجلّ وأنت تتصوّر هذا التصوّر المشار إليه.وعندما تُهي صلاتك أو دعاءك فأنت تخرج من بين يدي ربّك عز وجلّ وليس معنى هذا أنّك بَعُدت بعد ذلك عن اللّه تعالى بل ينبغي أن يلازمك هذا التصوّر في جميع أحوالك. قياما وقعودا وحين اضطجاعك في سريرك لتنام.وإلى هذه الحقيقة أشار قول ربّك عز وجلّ (الذين يذكرون اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم.فإن أنت كنت قد حفظت بعض الأدعية الواردة في كتاب اللّه العزيز،أو المرويّة عن محمّد رسول اللّه (ص) فلا بأس أن تستعين بألفاظ تلك الأدعية في الموقف المشار إليه.وتذكّر بهذه المناسبة أنّ عليك أن تكون في الوقت نفسه متزيّنا بتقوى اللّه تعالى حين الدعاء.وأن لا تتوجّه بالدعاء لنفسك مباشرة حين توجّهك للدعاء.بل حاول جذب عطف ربّك عليك ومحبّته نحوك وذلك بأن تقوم بادئ ذي بدء بالدعاء أوّلا لمحمّد رسول اللّه (ص) أن يأتيه اللّه عز وجلّ الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود الذي وعده به وعلى أكمل وجه.ومن منطلق أنّ اللّه وملائكته يصلّون على النبيّ وعلى حسب ما أورده كتاب اللّه العزيز.ومن ثمّ ادع لصحابة رسول اللّه ولخلفائه رضوان اللّه عليهم ولجميع الذين ساروا على دربه وحملوا رسالة هذا الدين الإسلاميّ الحنيف إلى أقصى الأرض بحوار قائم على الحجّة والبرهان إلى جانب تحليّهم بالأسوة الحسنة،وبعيدا عن العنف وسفك دماء الأبرياء إلا بالحقّ. ومن منطلق اعتقادك بأنّ تعاليم الإسلام هي في الأصل تعاليم ســلام ، وتهدف إلى إقامة الأمن والسلام في جميع أرجاء هذا العالم.وأنّ كلّ من لم يحِط علما بهذه الحقيقة وصدر عنه خلاف ذلك بصورة عمليّة فقد أثبت من خلال عمله هذا وبصورة عمليّة ،جهله المطلق بحقيقة تعاليم الإسلام التي أتى بها هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.ومن ثمّ توجّه إلى ربّك بالدعاء بين يدي ربّك جلّ شأنه بما تريد أن تطلبه منه وبما أنت محتاج إليه.ومن باب أنّ الدعاء هو في حقيقته فريضة عبادة قد عرّفتك من قبل على النصّ القرآنيّ الذي نصّ عليها كما كنت قد عرّفتك على فلسفة الدعاء وحقيقته مدعّما ما بيّنته لك بالنصوص القرآنيّة أيضا.و بكلّ ما فتحه ربّي على شخصي الضعيف من حقائق ومعارف وبيّنات أطلعتك عليها في هذا الكتاب،فحاول التقيّد به في حياتك اليوميّة ، وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين .
ثالث أيّا عيد الفطر عام 1424هجري ســـليم الجابي
حقوق النشر باذن المؤلف على البريد الالكتروني saleem@saleemaljabi.com
عــــودة