هل قال القرآن الكريم بموت المسيح ؟
وما هي أدلّة ذلك؟
مقدّمة البحث
لقد بات من المعلوم في كلّ مكان من عالمنا المعاصر أنّ فئة (اليهود) والصهيونيّة منهم خاصّة يشكّلون مصدر الشرّ والإفساد منذ أن كانوا في مصر وبعد أن رحلوا عنها وإلى يومنا هذا.ففي مصر كانت ظواهر عنصريّتهم غالبةً على حياتهم وتمثّل ذلك في حميّة موسى عليه السلام لليهوديّ وقتله الرجل المصريّ.وإنّ هذه الحقيقة التي كانت تجلّت للمسؤولين المصرييّن في ذلك الحين كانت قد أخافت أولي الأمر منهم ولسكنى هؤلاء الإسرائيلييّن الذين كانوا من نسل يعقوب قريبا من قصر ملك مصر الذي كان جدّه قد اقتطع يوسف عليه السلام وأبويه وإخوانه أرضاً في زاويةٍ من أرض قصره الكبير، وحسبما روى هذه الحقيقة الإصحاحات 45/46/47 من سفر التّكوين من (العهد القديم).فهؤلاء الإسرائيليّون قد تناسلوا في أرض (ساسان) التي أسكنهم فيها ملك مصر وقريباً من قصره وأصبحوا في عهد من حكموا من بعده يشكّلون إثنا عشر سبطاً محتفظين بقوميّتهم ومتعصّبين لها وقد أشعروا المسؤولين المصرييّن في تلك الحقبة من الزمان أنّهم عادوا يشكّلون لعصبيّتهم تلك خطراً داهما على النظام المصريّ من جرّاء ظاهرة العنصريّة التي كانت تبدو في جميع تصرّفاتهم لذلك عمد المسؤولون المصريّون في ذاك التاريخ إلى تشغيلهم في أعمال السخرة والحدّ من تناسلهم وانقلبوا من جرّاء ذلك إلى طبقة عبيد ومع ذلك لم يتنازلوا عن عنصريّتهم وهم عبيدٌ للمصرييّن.فلمّا أخرجهم موسى من مصر أخرجهم كانت عقولهم قد أصبحت عقول عبيد لذلك لم يعرفوا طعماً للحرّية التي أتتهم بغتةً على طبق من فضّةٍ على أيدي النبيّ موسى عليه السلام وهذه الحقيقة جعلتهم لا يعرفون لتلك النعمة من قيمة لذلك فأذاقوا النبيّ موسى الأمرّين بعد خروجهم من مصر على أيديه عليه السلام وكما هو معروف من تاريخهم نفسه.فلم يلتزموا معه بشيء ممّا أمرتهم به تعاليم السماء .ودام حالهم كذلك بعد أن اغتصبوا أرضاً من فلسطين العربيّة.علماً بأنّ اللّه عز وجلّ قد بعث من بينهم أنبياء مصلحين بغرض إصلاحهم وتقويم سلوكهم اليوميّ، لكنّهم ما استفادوا من ذلك كلّه وقتلوا عددا من أولئك الأنبياء الذين أرسلهم اللّه تعالى لإصلاح أحوالهم.إلى أن انتهى الأمر بهم إلى أن بعث اللّه تعالى المسيح عيسى ابن مريم لإعادة الوجه الحقيقيّ لتعاليم موسى عليه السلام ولقوله نفسه في الإنجيل (ما جئت لأنقض الناموس ولكن لأكمل ) وكان من سوء حظّ المسيح أنّه لم يكن في فلسطين أيام بعثته في فلسطين من أولئك اليهود غير سبطين من أسباط بني إسرائيل هما الكتبة والفرّيسيون ممّن سمح لهم حاكم العراق بالعودة إلى فلسطين بعد سبيهم منها بمائة عام وحسبما تروي تواريخهم هذه الحقيقة الواردة في العهدين القديم والجديد. علماً بأنّ عقول وأفكار الكتبة والفريسّيين المشار إليهم كانوا في قمّة الجمود الفكريّ والتفسّخ الأخلاقيّ والانحراف عن تعاليم موسى عليه السلام. لذلك كانوا يشكّلون كابوساً مخيفاً في المجتمع اليهوديّ في ذاك الحين .
والمهمّ في الأمر هو أنّ هؤلاء الكتبة والفريسسين ما إن فوجئوا ببعثة المسيح الناصريّ إلاّ وكفروا به وبرسالته المبعوث من أجل تأديتها فاضطهدوه وكادوا له عند الحاكم بيلاطس النبطي الروماني ودفعوه ليعاقب المسيح عيسى ابن مريم وعلى اعتباره يخرّب في تعاليم دينهم الموروثة مطالبين الحاكم الرومانيّ أن يصلب المسيح وليثبتوا من خلال موت المسيح على خشبة الصليب أنّ المسيح كذّاب فيما ادّعاه لاعتقادهم أنّ النبيّ الكاذب يُقتل (سفر التثنية: الإصحاح 18/18) . علما بأنّ فلسطين كانت تشكّل في تلك الفترة من الزمان ولاية من ولايات امبراطوريّة روما الوثنيّة.لكنّ بيلاطس أدرك مكرهم الذي مكروه ضدّ هذا البار المسيح فمكر بيلاطس هو بدوره ودبّر طريقاً لإنقاذ المسيح من ذاك المصير الرهيب الذي كان ينتظره إن هو استجاب لمطالب اليهود.وحقّق ذاك التدبير الذي اتّخذه بيلاطس حفظ المسيح من العاقبة التي كانت تنتظره نتيجة لشرور اليهود. فحقّق (بيلاطس) ما دبّره وأنقذ المسيح عيسى ابن مريم من الموت على خشبة الصليب. وإثر حادثة الصليب هاجر المسيح عليه السلام من فلسطين وليكمل أداء رسالة ربّه وليبشّر بقيّة أسباط اليهود الذين كانوا مسبيّين خارج أرض فلسطين وموزّعين في أقطار عدّة منها: العراق وفارس وأفغانستان والهند وكشمير خاصّة. وكنت قد أجريت دراسة موضوعيّة دوّنتها في مؤلّف نشرته بعنوان (هل مات المسيح على الصليب؟) وقد بيّنت فيه حقائق مُجريات أمور تلك الأحداث التي مرّ منها السيّد المسيح عليه السلام وقد استقيت معلومات دراستي الموضوعيّة تلك من الأناجيل الأربعة الحاليّة المعتمدة نفسها من مختلف كنائس المسيحيّة في العالم.وقد أثبتّ في الكتاب المذكور أنّ المسيح ابن مريم وأمّه قد هاجرا بعد حادثة الصليب من فلسطين متخفّيين وبقصد البحث عن بقيّة أسباط بني إسرائيل في المهجر ووصلا آخر المطاف منطقة كشمير وماتا هناك ولقد أعطيت القارئ عنوان قبريهما للتحقّق ممّا أجريته من بحث ودراسة موضوعيّة في الكتاب المشار إليه.
لكنّ هذا الذي كنت قد قمت به لا يكفي في نظري ويظلّ ناقصاً ما لم أقم بإثبات وبالدليل القاطع بأنّ هذا القرآن المجيد الذي أنزله اللّه تعالى على محمّد رسول اللّه (ص) من بعد زمن بعثة عيسى بما يقارب ستّة قرون زمنيّة ومصداقا لبشارة المسيح الناصريّ نفسه الوارد في إنجيل (يوحنّا) 16/12: (إنّ لي أموراً كثيرةً أيضا لأقولَ لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن وأمّا متى جاء ذاك "روح الحقّ" فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ لأنّه لا يتكلّم من نفسه بل كلّ ما يسمع يتكلّم به ويخبركم بأمورٍ آتية.) وتصديقاً للبشارة المذكورة في إنجيل (يوحنّا) السالفة الذكر فقد ورد قول اللّه تعالى في الآية السادسة من سورة الصفّ (... ومبشّراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمهُ أحمد فلمّا جاءهم بالبيّنات قالوا هذا سحرٌ مبين) . أقول : ما لم أثبت بالدليل القاطع من معطيات آيات هذا القرآن المجيد أنّ اللّه تعالى قد أخبرنا فيها بأنّ المسيح عيسى ابن مريم قد مات قبل زمن نزول هذا الكتاب العزيز وبصورة قاطعةٍ وحاسمة لهذا الموضوع فإنّ بحثي الذي أجريته في مؤلّف (هل مات المسيح على الصليب ؟) يضلّ ناقصاً ومحتاجاً إلى هذا البحث الذي يكمله.خصوصاً وأنّ المفسّرين المسلمين القدماء كان قد التبس عليهم هذا الموضوع موضوع موت المسيح ووفاته ففسّروا الآيات القرآنيّة وهم تحت وطأة التأثّر بأفكار أهل الكتاب وكما سأثبت هذه الحقيقة في حينه.
وبناء عليه فقد خصّصت هذا الكتاب ليكمل مضمونه مضمون مؤلّفي الذي أشرت إليه وهو (هل مات المسيح على الصليب؟) وليهب القارئ الكريم ثقةً بما تضمّنه هذان الكتابان من حقائق تاريخيّة وإنجيليّة وقرآنيّة ولعلّي أكون بهذا الجهد الذي بذلته قد خلّصت عقول كثيرٍ من الناس ممّا التبس عليهم موضوع حيات المسيح أو وفاته.علماً بأنّي باحث ولا أقصد تجريح شعور أيّ إنسان يختلف معي في الرأي.بل أترك فرصة للحوار لكلّ من يريد محاورتي في هذا الموضوع كتابيّا أو على الهواء مباشرة واللّه من وراء القصد. وهو تعالى الهادي إلى سواء السبيل وإليه المصير.
وهنا رأيت من واجبي أن أعطي القارئ الكريم فكرة عن منهجي في هذا البحث الجديد الذي التزمت به إلى آخر الطريق.فأنا أعود إلى النصوص سواء من القرآن الكريم وسواء من العهدين القديم والحديث.وأفسّر النصوص بمنهجيّة وأصول.فالقرآن المجيد أنزله ربّنا عز وجلّ بلسان عربيّ مبين لذلك كان من أصول فهم آياته العودة إلى كتب اللّغة العربيّة لفهم ما ورد في الآية من كلمات وصيغٍ بلاغيّة.فإن كان مضمون الآية يتعلّق بحادثة تاريخيّة فمن الضروريّ مراجعة ما بين أيدينا من مراجع على هذا الطريق.وإنّ هذه المنهجيّة دفعتني في بادئ الأمر للتحقيق في دلالات كلمة (الوفاة) وذلك في معاجم اللّغة المعروفة.ومن منطلق أنّ كتابي هذا يبحث موضوع حيات المسيح ووفاته.كذلك دفعتني منهجيّتي في البحث إلى استعراض تاريخ عقيدة (الصعود) التي يعتنقها إخواننا من المسيحيين بما يتعلّق بمصير المسيح عليه السلام.وإضافة إلى هذا مناقشة تلك النصوص التاريخيّة المستقاة من الأناجيل الأربعة الحاضرة (متّى ، مرقس ، لوقا ويوحنّا) وأعرضت عن إنجيل (برنابا) لإعراض المسيحيين عنه وعدم اعترافهم به مرجعا.وقد أخذت هنا بعين الاعتبار جغرافيّة المنطقة والأسناد النقليّة ومعطيات التاريخ.
وبعد أن فرغت من ذلك كلّه بحثت مفهوم كلمتي (السماء) و (الإله) وكما كانت تدور في أذهان الناس أيّام بعثة المسيح الناصري عليه السلام.ومن منطلق أنّ مفاهيم الكلمات تتطوّر على مرّ الأيام. فالمفهوم لكلمة (سماء) في الزمن الغابر وقبل أن تأتي هذه الاكتشافات العلميّة المعاصرة كان مختلفاً كثيراً عن مفهوم كلمة (سماء) في أيّامنا هذه. كذلك الحال بالنسبة لمفهوم كلمة (إله) قديما وحديثا.وإنّ كلمات النصوص الإنجيلية التي هي بين أيدينا وردت أصلاً تحمل المفاهيم القديمة ولا تحمل المفاهيم الحديثة لكلمتي (سماء وإله).لذلك فإنّ من واجب الباحث مراعاة هذه الحقيقة.
فلمّا فرغت من بيان ذلك كلّه توجّهت قبل التفاسير الإسلاميّة القديمة وقمت باقتباس كلّ ما ورد فيها من تفاسير متعلّقة بالآيات التي تكلّمت عن مصير المسيح الناصريّ عليه السلام.وخاصّة منها تفسير ابن كثير وتفسير العلامة الفخر الرازي رحمهما اللّه تعالى وهما التفسيران المعتمدان لدى أغلبية المسلمين.ولم أمرّ على ما ورد في التفاسير القديمة من نصوص مرورا عابراً بل ناقشت تلك النصوص أيضاً ونبّهت إلى الخطأ والصواب ومن وجهة نظري الشخصيّة.
ويعد ذلك كلّه لخّصت للقارئ الكريم ما خرجنا به من استنتاجات أخذناها من تلك النصوص التفسيرية القديمة وبما يتعلّق بحيات المسيح ووفاته.ومن ثمّ التفتّ إلى كتاب اللّه القرآن المجيد فأعطيت القارئ الكريم فكرة ولو ملخّصة عن كلمة (اللّه) الواردة فيه ليتمكّن هذا القارئ من معرفة البون الواسع ما بين مفهوم هذه الكلمة (اللّه) وكما أفادنا به كتاب اللّه العزيز ليتمكّن هذا القارئ من الموازنة بنفسه ما بين المفهوم القديم والمفهوم الحديث لهذه الكلمة (اللّه).
ومن ثمّ وبعد بيان هذه الحقائق جميعها قمت بتفسير الآية 157 من سورة النساء وعلى ضوء ما توصّلنا إليه من خلال ما أجريناه من بحوث أشرت إليها .ففسّرت الآية المشار إليها بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.وكنت لا أفسّر شيئاً من هذه الآية الكريمة إلاّ بعد الرجوع إلى ما ورد في الأناجيل الأربعة من حقائق تاريخيّة ومن باب أنّ اللّه عز وجلّ قد أورد هذه الآية الكريمة ليفصل ما بين ما توارثه اليهود من معتقدات خاطئة لا أساس لها ووفقاً لمعطيات كتبهم نفسها.وما بين ما توارثه المسيحيّون من معتقدات خاطئة هي أيضا ولا أساس لها ووفقا لمعطيات كتبهم نفسها.
وقد خرجت هنا نتيجة لهذه الدراسة الموضوعيّة التي أجريتها في هذا المؤلّف ومن خلال عمليّة تدبّر الآيات القرآنيّة بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره قد خرجت بنتيجة خالفت معتقدات جميع فرق المسلمين المعاصرين أيضاً.إذ ثبت لي أنّ القرآن الكريم هو بدوره يقول بموت المسيح جسديّاً وأنّ الذي ارتفع إلى اللّه تعالى فهو روح المسيح وليس جسده الترابيّ.ومن منطلق أنّ اللّه تعالى الذي رفع المسيح إليه (ليس كمثله شيء) ومن طبيعة غير مادّية ولا يجوز حصر وجوده تعالى في السماء. علما بأنّ اللّه تعالى يرفع إليه أرواح جميع الذين أصبحوا في عالمنا المادّي من مقرّبيه.وأمّا الجسد فهو من هذا التراب وإلى التراب يعود.وأمّا أرواح المفسدين الأشرار فلا ترتفع إلى اللّه تعالى بل تقذفها ملائكة اللّه تعالى في مكان سحيق هو المعبّر عنه بكلمة (جهنّم) ليتطهّر هذا الجهنّميّ من آثامه وليعود عبداً صالحاً ليرفعه اللّه تعالى إليه.
سليم الجابي
كلمة (الوفاة) ودلالتها لغويّاً:
بما أنّ بحثي هذا يدور حول موضوع وفاة المسيح عيسى ابن مريم من ضمن آيات القرآن الكريم فقد كان لزاماً عليّ القيام بدراسة لغويّة حول دلالة كلمة (الوفاة).خصوصاً وأنّ عالماً مشهوراً في قطرنا العربيّ السوريّ قد أعطى هذه الكلمة معنى غير مقصود في آي الذكر الحكيم إمّا عن جهالة وإمّا بقصد تضليل كلّ من يتقصّى حقيقة وفاة المسيح من آيات هذا القرآن المجيد.
ذلك أنّ العالم المشهور المشار إليه قد كتب في مؤلّفه (كبرى اليقينيّات الكونيّة) وعلى صفحة 329 الطبعة الثامنة :
"وأكثر ما يتعلّقون به في هذا الصدد كلمة متوفّيك من قوله تعالى: (إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرُك من الذين كفروا..) آل عمران 55 –ظنّاً منهم بأنّ متوفّيك مرادفة لمُميتُك.ولم يقُل أحدٌ من علماء اللّغة ذلك.بل التوفّي معناه أخذ الشيء وقبضه تماماً ومرادفة الاستيفاء نقول: استوفيت حقّي وتوفّيتُهُ أي قبضته كاملاً.أمّا الإماتة التي هي أخذ الروح فهي نوعٌ من أنواع التّوفّي الذي يشملها وغيرها..) "
وتلاحظ يا عزيزي القارئ من خلال ما نقلته لك ورود النقاط التالية:
أولا-إنّ فضيلته أنكر أن تكون كلمة (متوفّيك) مرادفة لكلمة (مميتك).
ثانيا-أنّ فضيلته أنكر أيضاً أن يوجد عالم لغويٌّ قد أعطى كلمة (متوفّيك) معنى مميتك.
ثالثاً-وأنّ فضيلته قد ذهب إلى أنّ كلمة (متوفّيك) مرادفة لكلمة (الاستيفاء).حيث تقول: استوفيتُ حقّي وتوفّيته أي قبضته كاملا.
رابعا-واعتبر فضيلته (الإماتة) التي هي أخذ الروح نوعاً من أنواع التوفّي .
وهنا كان عليك يا عزيزي القارئ أن تتأكّد من صحّة هذه النقاط الأربعة التي اشتمل عليها ما كتبه فضيلة العالم المشار إليه.ومن منطلق أنّ عوام الناس يأخذون ما يقرؤونه في كتب علمائهم على أنّها حقائق تستحقّ الاتّباع.ولذلك أبيّن حقيقة كلّ نقطة من هذه النقاط الأربعة فأقول:
1-لقد أنكر فضيلته أن يكون قد وُجد عالمٌ لغويٌّ قد أعطى كلمة (متوفّيك) معنى (مميتُك).وإنّ ادّعاءه المذكور يخالف الحقيقة.فالمعلوم هو أنّ معجم (لسان العرب) هو من أوسع معاجم اللّغة العربيّة انتشاراً وشُهرة وقد تُرجم من جرّاء ذلك إلى اللّغة الأجنبيّة أيضاً.فإن أنت قمت بمراجعة هذه الكلمة (متوفّيك) في معجم لسان العرب المشار إليه تلاحظ بأنّه صرّح وقال:
"إذا كان الفاعل في فعل التوفّي هو اللّه جلّ جلاله وكان المفعول ذي روح -أي إنسان – فلا يكون في هذه الحالة من معنى لكلمة (متوفّيك) إلاّ الإماتة وقبض الروح."
وتتساءل يا عزيزي القارئ بعد أن أطلعتك على هذه الحقيقة:هل أنّ فضيلة العالم المشار إليه لم يراجع معجم (لسان العرب) ؟فإن كان قد ادّعى ادّعاءه الذي أوردناه هكذا ارتجالاً ومن دون مراجعة معاجم اللّغة فلمَ بدرت عنه هذه الذلّة ؟ أعن قصدٍ منه أو عن غير قصد ؟ وكم أضلّ من الناس ممن يعتقدون بسعة علمه وبتقواه ؟
2-وأتناول كلمة (الإماتة) التي اعتبرها فضيلته تعني أخذ الروح ونوعاً من أنواع التوفّي.فقد ورد في معجم (محيط المحيط) المأخوذ من معطيات عدّة معاجم وخاصّة منها معجم (المحيط) قال: مات الحيوان وغيره يموت موتا "من باب نصر وعلم وضرب" فيقال في الفرق مات الإنسان ونفقت الدابّة وتنبّل البعير.ومات يصلح في كلّ ذي روح من الإنسان والحيوان والنبات..والأموات جمع (ميّت) مثل بيت وأبيات.قال اللّه تعالى أمواتاً وأحياء.والإماتة مصدر أمات.والموت يعني عدم الحياة.
فمن خلال ما فهمناه من دلالة كلمة (الإماتة) عدت تُدرك يا عزيزي القارئ بأنّ كلمة (مات) غير مختصّةٍ بالإنسان وحده من دون سائر الكائنات الحيّة.فإن استعملت هذه الكلمة للإنسان تستعملها لتفيد معنى (عدم وفقدان الحياة) وعليه فإنّ هذه الكلمة لا تدلّ على استيفاء اللّه تعالى روح الإنسان خاصّة.وهذه حقيقة نتبيّنها من خلال استعمالات الآيات القرآنيّة لهذه الكلمة وبمعنى فقدان الحياة.فعيسى عليه السلام حين قال: (والسلام عليّ يوم وُلدت ويوم أموت ويوم أُبعثُ حيّا) قصد من قوله (ويوم أموت) أي يوم أفقد الحياة وهذا المعنى يقابل دخول هذه الحياة من خلال ولادته.ثمّ إنّ قول اللّه تعالى في الآية 80 من سورة المؤمنون: (وهو الذي يُحيي ويميت وله اختلاف اللّيل والنهار أفلا تعقلون) فقد أورد تعالى فعل (يميت) مقابل فعل (يحيي) أيضاً أي أنّ بيد اللّه تعالى أن يوجد الحياة في شيء من الأشياء أو يفقد هذا الشيء حياته.وعليه فليست الإماتة نوعاً من أنواع التوفّي وعلى حسب ما ذكره فضيلة مؤلّف (كبرى اليقينيّات الكونيّة).
3-واعلم يا عزيزي القارئ أيضاً بأنّ فضيلة العالم المشار إليه حين اعتبر كلمة (التوفّي) مرادفةً لكلمة (الاستيفاء) فقد أخطأ خطأ فاحشاًُ .ذلك أنّ كلمة (التوفّي) لا ترادف كلمة (الاستيفاء). فكلمة (التوفّي) اختصّت بمعنى أخذ روح الإنسان من جسده وهو معنى لا يمتّ إلى المادّة بصلة من الصلات.على حين أنّ لفظ(الاستيفاء) اختصّ بمعنى مادّي محض.فأنت حين تقول: وفّى أو أوفى فلانٌ فلاناً حقّه توفيةً فمعناه أنّ فلانا قد (استوفى) حقّه من فلان (استيفاء).هذا وإنّ فعل (وفّى) مطاوعٌ لفعل توفّى حقّه.والوافي اسم فاعل مؤنّثه الوافية والوفاء مصدر.وقد أورد اللّه تعالى هذا المعنى المادّي لكلمة (لإستيفاء) في أكثر من خمسة عشر آيةٍ كريمة.ففي الآية 15 من سورة هود قال اللّه تعالى:
(مَن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها..).وقال تعالى في الآية 281 من سورة البقرة (ثمّ توفّى كلّ نفسٍ ما كسبت وهم لا يُظلمون.).وفي الآية الثانية من سورة المطفّفين قال تعالى (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون).
وعليه فإنّ كلمة (الاستيفاء) تتعلّق بالأشياء المادّية ولا علاقة لها بالمعنى الروحيّ لفعل (التوفّي).فأنت حين تقول: توفّى اللّه تعالى فلاناً فمعناه أنّ اللّه تعالى قبض روح هذا الإنسان.ومن باب أنّ المتوفّي هو اللّه عز وجلّ وأنّ المتوفّى هو إنسان ذو روح ووفق ما ذكره مؤلّف معجم (لسان العرب) الشائع صيته والمعروف.وأيّده في هذا المعنى معجم (محيط المحيط) الذي أضاف قوله: قيل مرّ ببعضهم جنازة أحد الناس فسأل أحدهم: مَن المتوفّي إشارة إلى الميّت فقيل له: اللّه تعالى ويراد به تعالى أنّه هو القابض روح هذا الميّت.وقد أورد اللّه تعالى فعل (التوفّي) فقط بمعنى قبض الروح في الآية 42 من سورة الزمر حين قال: (اللّه يتوفّى الأنفُس حين موتها والتي لم تمُت في منامها فيمسكُ التي قضى عليها الموت ويُرسلُ الأخرى إلى أجلٍ مسمّى إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون.).
إنّ هذه الآية الكريمة قد نصّت على حالتين اثنتين يمرّ منهما كلّ إنسان وهما حالة النوم وحالة الموت.فحالة الموت وعلى حسب ما بيّنته من قبل هي حالة فقدان الحياة من هذا الجسم الترابيّ.والحالة الثانية هي حالة النوم الذي يكون فيها جسم الإنسان ما يزال ينبض بالحياة.ولقد نبّه اللّه عز وجلّ أذهاننا إلى أنّه جلّ شأنه هو المتصرّف بأنفسنا في كلتا الحالتين المذكورتين : حالة النوم وحالة الموت.كما نبّه اللّه تعالى أذهاننا في الوقت نفسه إلى أنّ جسد الإنسان حين يفقد حيويّته ويصبح جثّةً هامدةً يكون جلّ شأنه قد توفّى روح هذا الميّت وأمسكها بحيث لا تعود باقيةً فيه.وأمّا في حالة النوم التي ما يزال جسد الإنسان فيها يعمل ولم يفقد حياته فإنّ اللّه تعالى يُرسل نفس هذا الإنسان إلى أجلٍ مسمّى فلا يتوفّاها ولا يقبضها.وبذلك يكون اللّه تعالى قد خصّ فعل (التوفّي) بقبض روح الإنسان مجرّداً عن قبض جسده الترابي.فحين خاطب اللّه تعالى عيسى ابن مريم في الآية 55 من سورة آل عمران وقال: (إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ..) فقد قصد من قوله (متوفّيك) واستناداً إلى المعنى الآنف الذكر أنّه تعالى وعده أن يعصمه من القتل صلباً ووعده أن يقبض روحه بصورة اعتياديّة طبيعيّة فيميته موتا طبيعيّاً بعيداً عن القتل أو الصلب أو عن أيّة وسيلة معاقبة من نوع آخر.كذلك فإنّ اللّه عز وجلّ قد أورد فعل (التوفّي) بمعنى (قبض الروح) حين أمر في الآية 15 من سورة النساء وقال (فأمسكوهنّ في البيوت حتّى يتوفّاهنّ الموت..) أي حتّى يفقدوا حياتهنّ ويمسك اللّه تعالى بالتالي بأرواحهنّ .
وخلاصة ما علّقت به على ما ورد في مؤلّف (كبرى اليقينيّات الكونيّة) هو أنّ هذا العالم الفاضل قد تجنّب الحقيقة فيما كتبه وأضلّ بذلك جبلاّ كثيراً من أتباعه ومن قُرّاء مؤلّفه المذكور فلم يكتب ما كتبه بعد تحقيقٍ لغويٍّ وعلى شاكلة ما قمت به في تحقيقي الآنف الذكر.ولذلك فإنّ ما قمت به قد يساعد القارئ الكريم على الإحاطة بدلالات الآيات القرآنيّة التي سأستدلّ بها في الوقت المناسب تدليلاً على موت المسيح عيسى ابن مريم وبصريح العبارات.وبذلك أكون بالتالي قد أبطلت ما تركه كتاب (كبرى اليقينيّات الكونيّة) من مفعول سيّئ في عقول وأذهان ناشئة قطرنا العربيّ السوريّ المتطلّع إلى الوصول إلى الحقيقة على مختلف صعُد الحياة.
وعليه وبعد أن وضّحت للقارئ الكريم بأنّ فعل التوفّي لا يعني إلاّ الموت وفقدان الحياة في حال أنّ المتوفّي هو اللّه تعالى وأنّ المتوفّى إنسان ذي روح.بالإضافة إلى أنّ فعل (مات) معناه فقد الحياة سواء أكان هذا الميت إنسانٌ أو حيوان.وما دمت قد خصّصت مؤلّفي هذا لإثبات أنّ القرآن الكريم يقول بموت المسيح ابن مريم قبل بعثة محمّد (ص) وخلّوه ودحض عقيدة رفعه بجسده الترابيّ إلى السماء فقد كان من المناسب أن أخصّص فصلاً خاصّاً أطلِع من خلاله القارئ الكريم على تاريخ هذه العقيدة الباطلة ليستأنس بما سأطلعه عليه من معلومات تتعلّق بتاريخ هذه العقيدة وليساعده ذلك ليحصل له وضوح رؤية في هذا الموضوع.ومن منطلق أنّي لا أقصد التّجريح بأصحاب هذه العقيدة الباطلة ولكن أقوم بما أقوم به لخدمة الحقّ والحقيقة ليس إلاّ واللّه شاهد على ما أقول.
تاريخ عقيدة (رفع) المسيح إلى السماء
فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ هذه العقيدة (عقيدة رفع المسيح إلى السماء) يعود تاريخها إلى ما قبل ألف وتسعمائة عام على وجه التّقريب.ولا تعود إلى زمن حياة المسيح عيسى ابن مريم يوم كان موجوداً في وطنه (فلسطين) وعرضت له حادثة الصليب وكان مبعوثاً رسولا إلى بني إسرائيل.
وقد تعجب يا عزيزي القارئ من هذا الطرح وتطالبني بالدليل القاطع على ما أعلنته وادّعيته وتقول لي إنك حذفت من تاريخ هذه العقيدة ما يقارب مائة عام،فعلى أيّ أساسٍ تقول ذلك ؟ فأجيبك بأنّك محقٌّ جدّاً في مطالبتك هذه وعلى اعتبار أنّك فوجئت بهذا الادّعاء المخالف للموروث بين أتباع هذه العقيدة ويخالف معلومات المفسّرين المسلمين القدماء أيضاً،لذلك أدلي إليك بدليلٍ استقيته من الأناجيل نفسها ومن خلال هذه الدراسة الموضوعيّة.
فمن المعلوم أنّ الباحث الحياديّ يحترم ما اعتمده أصحاب العقيدة من بيّنات.وإنّ إخواننا المسيحييّن قد اعتمدوا أربعة أناجيل معروفة يقدّسونها هي أناجيل(متّى ولوقا ومرقس ويوحنّا).وقد كانت هذه الأناجيل مترجمة إلى العربيّة بلغةٍ شبه حرفيّة ومطبوعة لكن (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة)-ص ب 747 –11 بيروت لبنان-قد قامت بإعادة ترجمة هذه الأناجيل الأربعة مشكورة وبصياغة مسبوكة بصورة جيّدة ومبوّبة وبمدخلٍ لكلّ إنجيل من الأناجيل الأربعة فأعطت هذه الأناجيل مكانتها التي تستحقّها وإنّ هذه المداخل استوحتها من الترجمة الفرنسيّة المسكونيّة للكتاب المقدّس.بيّنت بواسطتها مُجريات تواريخ نشأة كلّ إنجيل من هذه الأناجيل الأربعة فبيّنت بأنّ إطلاق مصطلح (العهد الجديد) الذي ضمّ الأناجيل الأربعة ورسائل القدّيسين قد تحقّق ليس في القرون الأولى من كتابتها ، بل كانت تلك الأسفار وقبل اختراع الطباعة المعاصرة عبارة عن نصوصٍ مخطوطةٍ (وقد نُسخت ثمّ نسخت مراراً ومن غير انقطاع أمكنها أن تجتاز نحو أربعة عشر قرنا من التاريخ الحافل بالأحداث التي مضت بين تأليفها من جهة وضبطها على وجه شبه ثابت عند اختراع الطباعة من جهة أخرى.)-مدخل إلى العهد الجديد صفحة 7 – وقد نبّه هؤلاء المشكورين أذهاننا على -صفحة 8 – إلى أنّه (فليس هناك قبل أوّل القرن الثاني أيّ شهادة تثبت أنّ هذه النصوص كانت تُعدّ أسفاراً مقدّسة لها من الشأن ما للكتاب المقدّس.ولا يظهر شأن الأناجيل طوال هذه المدّة ظهوراً واضحاً كما يظهر شأن رسائل بولس....ومهما يكن من أمر فليس هناك قبل السنة 140 أيّ شهادة تثبت أنّ الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيليّة المكتوبة،ولا يُذكر أنّ لمؤلََّفٍ من تلك المؤلَّفات صفة ما يُلزِم.فلم يظهر إلاّ في النصف الثاني من القرن الثاني شهادات ازدادت وضوحاً على مرّ الزمن بأنّ هناك مجموعة من الأناجيل وأنّ لها صفة ما يُلزِم، وقد جرى الاعتراف بتلك الصفة على نحوٍ تدرّجيّ.وابتدأ نحو السنة 150 عهد حاسم لتكوين قانون العهد الجديد.وكان الشهيد "يُستينُس" أوّل مَن ذكر أنّ المسيحيين يقرؤون الأناجيل في اجتماعات الأحد وأنّهم يعدّونها مؤلّفات الرسل "أو أقلّه مؤلّفات أشخاص يتّصلون بالرسل صلةً وثيقة" وأنّهم وهم يستعملونها يولونها منزلةً كمنزلة الكتاب المقدّس ....فيمكن القول أنّ الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة 170 بمقام الأدب القانوني ،وإن لم تُستعمل تلك اللّفظة حتى ذلك الحين.).
وخلاصة ما نقلناه ينحصر في الأمور التالية:
أولا-أنّ هذه الأناجيل التي هي بين أيدينا كانت مدوّنة في مخطوطات وظلّ الناسخون ينسخونها جيلا بعد جيل إلى أن اكتشفت الطباعة الحديثة وقد مرّت بأحداث قبل أن تُضبط على صورتها الحاليّة.
ثانياً-وأنّه قد مضى أكثر من مائة عام بعد زمن بعثة المسيح الناصريّ لم تُعط هذه الأناجيل المخطوطة صفة قداسة بقدر ما لها من قداسة في أيّامنا هذه.علما بأنّه لا توجد في حوزة الكنائس الحاضرة أيّة شهادة (تثبت أنّ الناس عرفوا قبل سنة 140 ميلاديّة أنّ هناك مجموعة من النصوص الإنجيليّة المكتوبة
فلم يظهر إلاّ في النصف الثاني من القرن الثاني شهادات ازدادت وضوحاً على مرّ الزمن بأنّ هناك مجموعة من الأناجيل وأنّ لها صفة ما يُلزم).
ثالثاً-وأنّ الشهيد "يُستينُس" كان أوّ من ذكر أنّ المسيحيين يقرؤون الأناجيل في اجتماع الأحد وأنّهم ينزلون هذه الأناجيل منزلة الكتاب المقدّس.
فهذه الحقائق الثلاثة أمدّتنا بها هذه النصوص التي استقيناها من خلال هذا الإنجاز الذي أنجزته (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) مشكورة على مساعيها التي وفّرت علينا كباحثين كثيراً من الجهد الذي تطلّبه الوصول إلى هذه الحقائق الثلاثة المُعترف بها من جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة.
وبذلك أكون قد قدّمت من خلال ما أتيت على بيانه دليلا على مصداقيّة أنّ تاريخ عقيدة (رفع المسيح إلى السماء) والواردة في إنجيلين فقط هما (مرقس ولوقا) أنّ تاريخ هذه العقيدة لا يعود إلى فترة ما بعد حادثة الصلب بل إنّ هذه العقيدة قد نشأت بعد حادثة الصلب بما يقارب بمائة عام مضت على غياب المسيح عليه السلام عن وطنه فلسطين وبواسطة هذين الكاتبين الذين كتبا إنجيلي (مرقس ولوقا).وإلاّ فلو كانت عقيدة (رفع المسيح إلى السماء) عقيدةً أصيلةً وعامّة الذيوع والانتشار بين أتباع المسيح في تلك الفترة من الزمان لكانت الأناجيل الأربعة جميعها قد تعرّضت لذكر أنّ المسيح أصعد بعد حادثة الصلب إلى السماء.
فهذه حقيقة توصّلنا إليها من خلال ما اقتبسناه من نصوصٍ آنفة الذكر أوردتها المداخل إلى الأناجيل الأربعة.وعليه فلم تكن عقيدة (صعود المسيح إلى السماء) عقيدةً أساسيّة لدى المسيحيين الذين تواجدوا في القرن الأوّل من ميلاد المسيح عليه السلام.ولا كان بين أيدي أتباع المسيح شيئا مخطوطا يقرؤونه ومن منظار أنّ له صفة القداسة.بل كان أتباع المسيح عليه السلام خلال القرن الأول من حادثة الصلب يروون ذكريات ما قاله المسيح وما فعله وما حدث له بطريق الرواية وبطريق السماع ليس إلاّ.لهذا كان من البديهي جدّا أن تكون عقيدة رفع المسيح إلى السماء عامّة الانتشار بين أتباع المسيح ومرويّة ومتداولة على مدى القرن الأوّل للميلاد. وبالتالي فقد كان من البديهي جدّا ومن الضروري أن ترد هذه العقيدة في الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى الكنائس المسيحيّة الحاضرة جميعها وليس في إنجيلين فقط.لكنّ إهمال إنجيلي (متّى ويوحنّا) ذكر صعود المسيح إلى السماء يؤكدّ أنّ هنالك (سرّ) وراء هذه الظاهرة ينبغي اكتشافه.فلا يُعقل أن ينصّ إنجيلان فقط على عقيدة الصعود ويسكت إنجيلان في الوقت نفسه عن ذكر عقيدة الصعود هذه إن كانت عقيدة صحيحة وأساسيّة. هذا وإنّي سأثبت فيما بعد بأنّ فقرات صعود المسيح إلى السماء ليست أصيلة في إنجيلي (مرقس ولوقا) ولكنّ فقراتها دخيلة وقد أضيفت على الإنجيلين المذكورين فيما بعد وبشهادات من مشاهير النقّاد المسيحيين أنفسهم.
وقد يعترض معترض هنا ويقول: يظلّ دليلك هذا ناقصاً إلى أن تثبت أنّ هذه الأناجيل الأربعة لم تُكتب في حياة المسيح الناصريّ نفسه بل كتبها مؤلّفوها بعد زمن بعثة وغياب المسيح بمدّة تقرب من مائة عام.وأعترف بصحّة هذا الاعتراض والمطالبة لذلك سأحاول إثبات ذلك من تلك المقدّمات التي قدّمت بها (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) نفسها لكلّ إنجيل من هذه الأناجيل الأربعة، فأقول:
إنّ عقيدة (رفع المسيح إلى السماء) قد أوحى بها إنجيلان فقط من بين هذه الأناجيل الأربعة وهما _إنجيل لوقا وإنجيل مرقس- أمّا الإنجيلان الآخران فلم يرد فيهما أنّ المسيح قد رُفع أخيراً إلى السماء.فلو أنّ عقيدة رفع المسيح إلى السماء كانت عقيدة أصيلة في نفوس مسيحييّ تلك الفترة من الزمان لكانت الأناجيل الأربعة قد أتت على ذكرها يقيناً.وعلى اعتبارها حدثاً أخيراً من أهمّ أحداث حيات المسيح الناصريّ ولكون هذا الحدث ولّد عقيدةً دينيّة أيضاً.وسآتي على بحث هذه الناحية بعد الفراغ من إطلاع القارئ الكريم على ما تضمّنته المقدّمتين اللّتين قدّمت بها جمعيات (الكتاب المقدّس المتّحدة) لإنجيلي (لوقا ومرقس) اللّذين أوردا عقيدة (رفع المسيح إلى السماء).
تاريخ إنجيل لوقا:
وسأقتطف للقارئ الكريم نُتفاً حرفيّةً من المدخل إلى (إنجيل لوقا) وبقلم أهله.فقد كتبوا في المدخل إلى إنجيل لوقا على الصفحة 179 وتحت عنوان(مقدّمة كتاب لوقا الأوّل)يقولون:
(إنجيل لوقا هو الإنجيل الوحيد الذي له مقدّمة مثل كثيرٍ من المؤلّفات اليونانيّة في تلك الأيّام.وهذه المقدّمة موجّهة إلى رجل اسمه تاوفيلس يبدو أنّه امرؤ ذو شأن....وهكذا عرّف لوقا نفسه على طريقة المؤرّخين كما أنّه اتّبع عاداتهم في تلك الأيّام.)
كما كتبوا تحت عنوان-بعض الشواهد على أصل الإنجيل الثالث (لوقا)-وتوضيحاً لتاريخ تأليف هذا الإنجيل (إنجيل لوقا) وذلك على الصفحة 184 قالوا:
(لا يمكن الجزم في أصل هذا الإنجيل دون البحث فيما ورد في كتاب أعمال الرسل وهو يرتبط به ارتباطاً وثيقاً.فلا بدّ هنا من الاقتصار على جميع الموارد التي نجدها في كتاب لوقا الأوّل.إنّ النقّاد كثيراً ما يعتمدون في تحديد زمن تأليف هذا الكتاب على المكان الذي يحتلّه لخراب أورشليم وعلى كيفيّة انفصال ذلك الحدث عن النظرة الأخيرة التي يربطه بها متّى ومرقس.يبدو أنّ لوقا قد عاصر حصار المدينة وخرابها وعرف كيف قامت بهما جيوش طيطس سنة 70 م –راجع 19/43 –44 و21/20 و24 –فيكون الإنجيل لاحقاً لهذا التاريخ.فالنقّاد غالباً ما يحدّدون تأليفه بين السنة 80 و90 ، ومنهم من يجعلون له تاريخاً أقدم.).
ونستنتج ممّا اقتبسناه الأمور التالية:
أولا- أنّ (إنجيل لوقا) هو عبارة عن كتاب ألّفه (لوقا) بصورة شخصيّة وأراد إهداءه إلى رجل ذو شأن ولذلك تأتي منزلته في الكنيسة ممّا تضمّنه من معلومات وأقوال منسوبة إلى المسيح الناصري.وأنّ كاتب هذا الإنجيل كتبه على نمط ما تعارف عليه الكُتّاب اليونانيّون في زمنه.
ثانياً-وأنّ (لوقا) قد عاصر حصار أورشليم وخرابها على أيدي جيوش طيطس سنة سبعون ميلاديّة ولذلك اعتبر النقّاد والباحثون أنّ إنجيل لوقا قد كتبه مؤلّفه في زمن لا حقٍ للتاريخ المشار إليه.
ثالثاً-ويروي هذا النصّ أنّ النقّاد والباحثين غالباً ما يحدّدون زمن تأليف (إنجيل لوقا) بين السنتين
80م و 90م .وإنّ هذا التاريخ يؤكّد مصداقيّة ما ذهبت إليه عندما بيّنت أنّ (عقيدة رفع المسيح إلى السماء) تعود إلى زمن أتى بعد غياب المسيح الناصري بقرن من الزمان.وإلاّ فلو كانت هذه العقيدة أساسيّة لدى تلاميذ المسيح لورد ذكرها في الأناجيل الأربعة المعروفة وليس في إنجيلين فقط هما (إنجيل لوقا وإنجيل مرقس) .
تاريخ (إنجيل مرقس)
وأتوجّه الآن لأقدّم للقارئ العزيز نُتفاً حرفيّة أقتبستها من المدخل الذي قدّمت به (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) لإنجيل (مرقس) وبقلم أهله.فقد أوردوا تحت عنوان – أصل الكتاب-وعلى الصفحة 123 فقالوا :
(منذ نحو السنة 150 م أثبت (بابياس) مطران (هيرابولس)،نسبة الإنجيل الثاني لمرقس،"لسان حال" بطرس في رومة.وكانوا يقولون أن الكتاب أُلّف في رومة بعد وفاة بطرس (مقدّمة الردّ على مرقيون في القرن الثاني ،ايريناوس) أو قبل وفاة بطرس (اقليمنضس الاسكندري).أمّا مرقس فكانوا يعتقدون أنّه يوحنا مرقس المولود في أورشليم (رسل 12/12) ورفيق بولس وبرنابا (رسل 12/25 و13/5 و13 و15/37 – 39 وقول 4/10) ثمّ رفيق بطرس في "بابل" أي رومة على الأرجح وفقاً لما ورد في 1 بط 5/3 .ويكاد أن يكون إجماع على أنّ الكتاب أُلّف في رومة بعد اضطهاد نيرون السنة 64م وقد تدلّ على ذلك بعض الألفاظ اللاتينيّة في صيغة يونانيّة وبعض التركيبات اللاتينيّة.ويقدّر أنّ الكتاب موجّه إلى غير اليهود في خارج فلسطين....ولمّا كان مرقس ينبئ بخراب الهيكل من غير أن يلمّح تلميحاً واضحاً إلى النحو الذي جرت عليه الأحداث ، فما من شيء يحول دون القول إنّ الإنجيل الثاني –إنجيل مرقس- أُلّفَ بين السنة 65 والسنة 70 م.)
وبما أنّ (إنجيل مرقس) هذا قد اختُتمَ بخاتمة لم ترد في (إنجيل متّى) ولا في (إنجيل يوحنّا) فلم تفُت هذه الملاحظة على (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) ولذا فقد كتبوا على الصفحة 124من المدخل إلى (إنجيل مرقس) ما يلي :
(وهناك سؤال لم يلق جواباً:كيف كانت خاتمة الكتاب ؟ -وقصدوا ما ورد فيها من زيادة على الأناجيل الأخرى- من المسلّم به على العموم أنّ الخاتمة كما هي الآن (16/9 -20)-أي الممتدّة من الجملة التاسعة إلى الجملة 20 الأخيرة من الإصحاح السادس عشر-قد أضيفت لتخفيف ما في نهاية كتاب من توقّف فجائي في الآية 8 – أي في الجملة التي سبقت الجمل الأخيرة المشار إليها- ولكنّنا لن نعرف أبداً هل فُقدت خاتمة الكتاب الأصليّة أم هل رأى مرقس أنّ الإشارة إلى تقليد التراثيّات في الجليل في الآية لا تكفي لاختتام روايته.).
وبالإمكان تلخيص ما اقتبسته للقارئ الكريم آنفا في النقاط التالية:
أولا-نصّت هذه المقتبسات على أنّ المطران (بابياس) هو أوّل من نسب هذا الإنجيل الثاني (إنجيل مرقس) إلى (مرقس) الذي كان "لسان حال"بطرس في رومة وذلك بتاريخ 150 م .وأنّهم اختلفوا هل أنّ (إنجيل مرقس) أُلّف في رومة بعد وفاة بطرس أو قبل وفاته ؟
ثانيا-وقد تعارفت الكنائس على أنّ (إنجيل مرقس) قد تمّ تأليفه ما بين سنة 65 م وما بين سنة 70 م
ثالثاً-كذلك شكّوا في أنّ الإصحاح الأخير من (إنجيل مرقس) لربّما أضيف لتخفيف التوقّف الفجائي الذي نتج عن مضمون الجملة الثامنة من الإصحاح المذكور.
وهكذا أكون قد لبّيت طلبك يا عزيزي القارئ وأثبتّ من مُعطيات مداخل الأناجيل التي وضعتها (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) بأنّ هذين الإنجيلين (مرقس ولوقا) لم يكتبهما حواريّوا المسيح الناصريّ ولكن كتبهما مؤمنون به من بعد زمن غيابه عن وطنه بأقلّ من قرنٍ من الزمان بقليل.وأنّ مسيحيي تلك الفترة من الزمان لم تكن تتداول هذه الأناجيل الأربعة ولا كانت تعطيها مقدار القداسة التي يعطيها أتباع المسيح الناصريّ في زماننا الحاضر.بل كان المسيحيّون ينظرون إلى هذه الأناجيل في القرنين الأوّليين الميلادييّن على أنّها مؤلّفات جمعت أخبار تحرّكات المسيح وأقواله ومواعظه وعلى حسب ما أفادتنا به هذه المداخل التي أنجزتها (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) والتي استحقّت شكرنا الجزيل.
مناقشة موضوعيّة للنصوص الإنجيليّة
وبعد أن فرغت من إلقاء الضوء على تواريخ كتابة إنجيلي (مرقس ولوقا) المقدّسين فسأورد للقارئ الكريم ما أورده كلّ إنجيل منهما من نصوصٍ ولّدت لدى إخواننا المسيحيين عقيدة (رفع المسيح الناصري إلى السماء).
مناقشة ما أورده (إنجيل مرقس):
وأبدأ من إنجيل (مرقس) فلقد أورد كاتبه في الإصحاح الأخير منه ما نصّه:
(وتراءى آخر الأمر للأحد عشر أنفسهم وهم على الطعام فوبّخهم بعدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنّهم لم يصدّقوا الذين شاهدوه بعد ما قام.وقال لهم:" اذهبوا إلى العالم كلّه وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين.فمن آمن واعتمد يخلُص ومن لم يؤمن يُحكمْ عليه.والذين يؤمنون تصحبهم هذه الآيات : فباسمي يطردون الشياطين ويتكلّمون بلغاتٍ لا يعرفونها ويمسكون الحيّات بأيديهم وإن شربوا شرابا قاتلاً لا يؤذيهم ويضعون أيديهم على المرضى فيتعافون".وبعدما كلّمهم الربّ يسوّع رُفعَ إلى السماء وجلس عن يمين اللّه.فذهب أولئك يبشّرون في كلّ مكان والرّب يعملُ معهم ويؤيّدُ كلِمتَه بما يصحبُها من الآيات.) .وأبدأ بمناقشة هذا النصّ أوّلا بدافعٍ من الشكّ في صحّةمضمونه وكونه مضافاً وليس من أصل إنجيل مرقس.هذا الشكّ الذي زرعه المدخل إلى هذا الإنجيل في نفوسنا والذي نشأ من قول (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) تحت عنوان (أصل الكتاب) وبكلّ صراحة وإخلاصٍ فيما قدّموا به لهذا الإنجيل وقالوا: (وهناك سؤالا لم يلق جواباً: كيف كانت خاتمة الكتاب ؟ من المسلّم به على العموم أنّ الخاتمة كما هي الآن –16/9-20- قد أضيفت لتخفيف ما في نهاية كتاب من توقّفٍ فجائيّ في الآية 8 ).
أمّا بسبب الدافع الأوّل فأنا أتّفق مع الذين شكّوا في مصداقيّة هذا النصّ الأخير لتناقضه مع ما نصّ عليه الإنجيل المذكور نفسه فيما يتعلّق بحدود رسالة المسيح الناصريّ ودائرة مهمّته السماويّة وهو ضرورة قيامه بتبليغ شعب بني إسرائيل وحدهم من دون بقيّة شعوب المنطقة التي كانت تسكن في فلسطين.ومن هذه النصوص التي حدّدت دائرة عمل المسيح الناصري والواردة في هذه الأناجيل:
أوّلا ما ورد في الإصحاح السابع 24-30 قوله:
(ثمّ قام – يسّوع- من هناك ومضى إلى تُخوم صور وصيدا.ودخل بيتا ً وهو يريد أن لا يعلمَ به أحد.فما أمكنه أن يُخفي أمره.وما أن سمعت به امرأة كان في ابنتها روح نجسٌ حتّى أسرعت إليه وارتمت على قدميه وسألته أن يُخرجَ الشيطان من ابنتها.وكانت هذه المرأة غير يهوديّة ومن أصلٍ سوريٍّ فينيقيّ.فأجابها يسّوع: "دعي البنين أوّلا يشبعون فلا يجوز أن يؤخذ خبز البنين ويُرمى للكلاب".فقالت المرأة: "يا سيّدي حتّى الكلاب تأكل تحت المائدة من فُتات البنين".فقال لها اذهبي من أجلِ قولك هذا خرج الشيطان من ابنتك".فرجعت المرأة إلى بيتها فوجدت ابنتها على السرير والشيطان خرج منها.).
إذ يستنبط من معطيات هذه الحادثة المنصوص عليها آنفاً أنّ رسالة المسيح الناصريّ كانت رسالة قوميّة ضيقة منحصرة في معالجة شؤون بني إسرائيل وحدهم من دون غيرهم من الأمم.ولم تكن رسالة المسيح الناصريّ ذات صبغة عالميّة كما يروّج لها التبشير المسيحيّ المعاصر بل كانت رسالته ذات طابع قوميّ ومصطبغة بصبغةٍ عنصريّةٍ حسبما أفاد هذا النصّ المذكور الذي شبّه الأمم غير اليهود (بالكلاب الجائعة).فلو كانت رسالة المسيح الناصريّ عالميّة الصبغة فكان أحرى به أن يستجيب لتضرّع المرأة (غير اليهوديّة ومن أصلٍ سوريٍّ فينيقيّ) ومهما كانت الأسباب.
ثانياً: وإنّ ما يؤكّد أنّ رسالة المسيح كانت قوميّة غير عالميّة،هو ما ورد في الإصحاح (10/5) من إنجيل متّى: (هؤلاء الإثنا عشر أرسلهم يسّوع وأوصاهم قائلاً:إلى طريق أممٍ لا تمضوا وإلى مدينةٍ للسامرييّن لا تدخلوا.بل اذهبوا بالحريّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة.) فلو كانت رسالة المسيح الناصريّ ذات صبغة عالميّة لكان قد أحجم عن قوله (وإلى مدينة للسامرييّن لا تدخلوا) .
ثالثاً-كذلك فإنّ ما يؤكّد أنّ رسالة يسوع الناصري كانت قوميّة ومحصورة في بني إسرائيل هو أنّه ورد في (إنجيل متّى) 5/16 –20 قول المسيح عليه السلام:
(فليُضئ نوركم هكذا قُدّام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات.لا تظنّوا أنّي جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء.ما جئت لأنقض بل لأُكمِل.فإنّي الحقّ أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ من الناموس حتّى يكون الكلّ.فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصّغرى وعلّم الإنسان هكذا يُدعى أصغرَ في ملكوت السماوات.وأمّا مَن عملَ وعلّمَ فهذا يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات.فإنّي أقول لكم إن لم يزد برُّكم على الكتبة والفرّيسيين لن تدخلوا ملكوت السماوات.)
فألفاظ هذا النصّ ركّزت على الأمور التالية: 1- أنّ المسيح كان يعطي العمل على تعاليم موسى أهمّية قصوى. 2- وأنّ المسيح كان نبيّا قوميّاً بعثه ربّه ليُصلح ما أفسده بنوا إسرائيل وبذلك يكمل رسالة موسى صاحب الشريعة. 3-وأنّ المسيح طالب أتباعه أن يلتزموا بالعمل على تعاليم شريعة موسى بصورة هي أعظم وأكبر من التزام سبطي الكتبة والفرّيسيين بتلك التعاليم.
رابعاً- ثمّ إنّه لو كانت رسالة المسيح الناصريّ عالميّة الصبغة لكان قد خاطب الناس جميعاً في جميع مواعظه في سنوات وجوده بينهم من جهة ، ولكان ناقش عقائد غير اليهود من أتباع بقيّة الديانات السماويّة المنتشرة في العالم ومقدّما الحجج والبراهين على ما ادّعاه.فهذا هو الفرق بين رسالة المسيح القوميّة ورسالة محمّد (ص) العالميّة الصبغة فمحمّد رسول اللّه (ص) كان يخاطب الناس قاطبةً من جهة ويناقش عقائد مختلف الطوائف الدينيّة من جهة أخرى.لكنّ المسيح الناصريّ لم يفعل ذلك بل كان يقول: (لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة) وعليه فلا يعقل بل لا يحقّ له أن يقول عند فراقه لقومه اليهود وعلى حسب ما زعمه كاتب إنجيل متّى: (فاذهبوا وتلمذوا جميعَ الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به) متّى 28/19 و20 – فالباحث العاقل الحياديّ إذا قارن ما بين أقوال المسيح الناصري التي أوردتها له آنفا وما بين هذا النصّ الأخير من إنجيل متّى يتراءى له وجود تناقض رهيب مابينهما ويرفض الأقوال اللاحقة.
والمهمّ في الأمر هو أنّ الباحثين والمفسّرين المسيحييّن أنفسهم قد شكّكوا قديما فيما ورد في الإصحاح الأخير من إنجيل مرقس قوله (فذهب أولئك يبشّرون في كلّ مكان) خصوصا وأنّ هذا الكلام يتنافى والواقع التاريخيّ فلم يغادر أحدٌ من تلاميذ المسيح حدود الإمبراطوريّة الرومانيّة ليقوم بالتبشير بيسّوع الناصريّ ولذلك يكون المراد منه التبشير في كلّ مكان وُجد فيه اليهود.
وليس هذا وحسب بل إنّ مشاهير المفسّرين المسيحيين أمثال (ج.ر.د ميلو) قد شكّك في صحّة الفقرة القائلة: (وبعدما كلّمهم الربّ يسّوع رُفعَ إلى السماء وجلس عن يمين اللّه) ومن المناسب أن أنقل للقارئ الكريم بعض ما كتبه المفسّر المسيحيّ المذكور بقلمه وباللّغة الإنكليزيّة وأحاول بعد ذلك ترجمته إلى لغتنا العربيّة بتصرّف. قال :
( Internal evidence points definitely to the conclusion that the last twelve verses are not by ST:Mark.for (1) The true conclusion certainly contained a Galilean appearance (M. XVI. 7;and XIV : 28), and this does not. (2) The style is that of a bare catalogue of facts and quite unlike ST. Mark`s usual wealth of graphic detail. (3) The section contains numerous words and expressions never used by ST. Mark. (4)Mark XVI: 9 makes an abrupt fresh start and is not continuous with the preceding narrative. (5) Mary Magdalane is spoken of (XVI : 9.) as if she had not been mentioned before, although she has just been attuded to twice (XV: 47 ; XVI :1.).
يقول هذا العالم المسيحي المحترم في هذا النصّ بأنّ الإثنتي عشرة جملة الأخيرة التي خُتم بها إنجيل مرقس تشهد ضمنيّاً وبصورة يقينيّة على أنّها جمل مضافة وليست من أصل الإنجيل المذكور ويقدّم حضرته لإثبات ما ادّعاه خمسة أدلّة ضمنيّة تشهد على صحّة ما ذهب إليه.وهذه الأدلّة هي:
أولا-ينبّه إلى أننا إذا دقّقنا في الإصحاح السابق لهذا الإصحاح الأخير (16/17 و14/28) فقد قال مرقس هناك (ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل.وقل لتلاميذه ولبطرس أنّه يسبقكم إلى الجليل.) على حين أنّ هذا الإصحاح الأخير أهمل ذكر ذهاب المسيح إلى الجليل ولم يذكر شيئاً يتعلّق بذهابه إلى الجليل.فلو كان هذا الإصحاح الأخير من أصل إنجيل مرقس لكان قد تعرّض لذكر انتقال المسيح إلى الجليل ولذكر ما جرى معه فيه هناك .
ثانياً-كما نبّه إلى أنّ أسلوب تعبير هذا الإصحاح الأخير الذي ختم به إنجيل مرقس يخالف أسلوب تعبير مرقس نفسه حين يسرد الوقائع التي جرت للمسيح وكما يراه هذا المدقّق الناقد. فالإصحاح الأخير يبدو وكأنّه مجرّد سردٍ لقائمة من الوقائع وخلافا للأسلوب الذي اتّبعه مرقس حين كان يروي أحداث تلك الفترة من الزمان.
ثالثاً- وبالإضافة إلى ذلك فهذا المفسّر المسيحي المحترم ينبّه أيضا إلى أنّ هذا الإصحاح الأخير مليء بعبارات وكلمات لم يوردها مرقس نفسه في إنجيله من قبل فعبارات هذا النصّ الأخير تخالف تلك العبارات والكلمات الواردة في إنجيل مرقس.
رابعاً-كما ينبّه إلى أننا إذا قمنا بتدقيق وتفحّص العبارات الثمانية التي ابتدأ بها هذا الإصحاح الأخير من إنجيل مرقس وتدقيق العبارة التاسعة منه خاصّة نلاحظ انقطاعاً في تسلسل الأفكار هناك.فعلى حين بيّنت الفقرات الثمانية الأولى بالتّفصيل ما قامت به مريم المجدليّة ومريم أمّ يعقوب وسالومة صباح الأحد قبل المجيء إلى القبر فإنّ هذه الفقرة التاسعة الأخيرة أتت بمعنى منقطعٍ عن ذلك حيث ورد هناك (قام يسّوع فجر الأحد فتراءى أولا لمريم المجدليّة) وأهملت هذه العبارات ذكر من كان مع مريم المجدليّة من النساء كمريم أم يعقوب وسالومة.الأمر الذي يبيّن حدوث انقطاع في التسلسل الموضوعي الأمر الذي يعني بأنّ هذا النصّ الأخير الذي تمثّله العبارة التاسعة هو نصٌّ مضافٌ وليس من أصل إنجيل مرقس.
خامساً-وينبّه من وجهة خامسة إلى أنّ نصّ الفقرة الأولى التاسعة وهي (قام يسّوع فجرَ الأحد فتراءى أوّلاً لمريم المجدليّة تلك التي أخرج منها سبعة شياطين)قد أتى بشرحٍ مكرّرٍ لأمرٍ كان قد ورد مرّتين من قبل: مرّةً في الفقرة السابعة والأربعين من الإصحاح الخامس. ومرّةً في الفقرة الأولى من الإصحاح السادس عشر.
وعلى هذه الصورة فإنّ هذا العالم الفاضل المسيحيّ (ج.ر.د ميلو) يكون قد دلّنا على خمسة أدلّة ضمنيّة استقاها كمحقّقٍ من ضمن ألفاظ وعبارات الإصحاح السادس عشر الأخير من إنجيل مرقس وتدلّ على أنّ تلك الألفاظ والعبارات الواردة في الإصحاح المشار إليه ليست عبارات وألفاظ من أصل إنجيل مرقس بل هي مضافةٌ عليه.وهي العبارات التي ورد فيها القول: (وبعدما كلّمهم الربّ يسّوع رُفِعَ إلى السماء وجلس عن يمين اللّه).
ولمّا كان المرء قد يتساءل عن مدى صحّة هذا النقد الموضوعيّ الذي أورده العالم المسيحيّ المذكور.فقد أجاب نفس هذا العالم الفاضل على هذا السؤال وقال:
(The words [and carried up into heaven] are a latter interpolation , for a few ancient authorities omit these words.
أي أنّ هذا العالم الفاضل قد أراد من نقده هذا بأنّ الفقرة (وأُصعِدَ إلى السماء) هي موضوعة دخيلة ومن الحواشي المتأخّرة المضافة على إنجيل مرقص وحجّته في ذلك أنّ بعض الثقاة الأقدمين لم يوردوا أمثال هذه الألفاظ والعبارات في مؤلّفاتهم بل كانت مؤلّفاتهم خاليةً منها.
أقول: ما دام المسيحيّون المعاصرون قد استقرّوا على اعتبار هذه الجملة الأخيرة (وبعدما كلّمهم الربّ يسّوع رُفِعَ إلى السماء وجلس عن يمين اللّه) من أصل (إنجيل مرقس) ومعرضين عن تقبّل هذا النقد الموضوعي الذي أورده المفسّر المسيحي الذي نقلنا أقواله من قبل وفي وقتٍ جاءت فيه (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) بمقدّمة قالت فيها: (وهناك سؤال لم يلق جواباً: كيف كانت خاتمة الكتاب؟ من المسلّم به على العموم أنّ الخاتمة كما هي الآن –16/9-20- قد أضيفت لتخفيف ما في نهاية كتابٍ حادث فيه توقّفٌ فجائيٌّ في الآية الثامنة .ولكننّا لن نعرف أبداً هل فُقدت خاتمة الكتاب الأصليّة أم هل رأى مرقس أنّ الإشارة إلى تقليد التراثيّات في الجليل في الآية لا تكفي لاختتام روايته.) بالإضافة إلى أنّ هذه الجمعيّات المسيحيّة المحترمة فقد ذيّلت مقدّمتها بحاشية رقم (8) أسفل النصّ قالت فيها (المخطوطات غير ثابتة فيما يتعلّق بخاتمة إنجيل مرقس هذه الآيات 9-20).
فأنا كباحث محقّقٍ ومؤمن بنبوّة يسّوع الناصريّ عليه السلام وقد طالعت النقد الموضوعي الذي نقد به هذا المفسّر المسيحيّ الجليل هذا الإصحاح الأخير من إنجيل مرقس بما نقده به وطالعت هذه المقدّمة التي كتبتها (جمعيّات الكتاب المقدّس المسيحيّة المتّحدة) والحاشية التي وضعتها تحت رقم 8 فإنّ الاهتمام بجميع ملاحظات ونقد هؤلاء يهمّني كثيراً كما يهمّني كلّ ما يُنسب إلى شخص المسيح عليه السلام من أقوال لذلك أجد نفسي محقّاً حين أتدخّل هنا وأقدّم رأيي الوسط والشخصيّ ما بين هذا الموروث الحاضر وما بين المشكوك في أمره من قبل بعض المفسّرين المسيحييّن الأفاضل القدماء.وإنّ رأيي الوسط الذي أتقدّم به لا يطعن بتلك الشكوك من جهة ولا يطعن في هذا الموروث الذي استقرّوا عليه من جهة أخرى.إنّما يعطي الفقرة التاسعة عشرة من الإصحاح السادس عشر المعنى الذي أراده القدّيس مرقس حين عبّر عمّا في ضميره بمحاورة الأشخاص الذين وجدوا في زمن المسيح عليه السلام.ولم يعبّر عمّا في ضميره باصطلاحات وتعابير زماننا الحاضر والتي كانت تختلف مع المحاورات الكلاميّة الرائجة في هذا الزمان.
فما هو هذا الحلّ الوسط الذي أردت عرضه على المفكّرين الأفاضل المعاصرين من إخواننا المسيحييّن ؟ هذا الحلّ تولّد في ذهني من جرّاء مطالعتي مرارا وتكرارا لمضامين الأناجيل المطبوعة والتي هي بين أيدينا. فقد لفت نظري ورود عبارات كثيرة يقول فيها يسوع الناصري (لأنّي لم أصعد بعد إلى أبي) ويقول (وقولي لهم إنّي أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) فهذه محاورات تكرّر ذكرها في هذه الأناجيل الأربعة وقد صيغت هذه المحاورات حسب المحاورات التي كان دارجا استعمالها في عصر بعثة المسيح عليه السلام ولم يكن يُقصد بها بحال من الأحوال إلاّ معنى الموت وصعود الروح إلى السماء.فالصعود إلى الإله يكون بعد موت الإنسان إذ أنّ روحه هي التي تصعد إلى اللّه وأمّا هذا الجسد الترابي فيعود إلى التراب الذي نشأ منه.
وعليه واستناداً إلى هذه المحاورة المشار إليها والتي راج استعمالها على لسان المسيح الناصري فقد كان من المحتمل جدّا أن يكون القدّيس مرقس قد كتب عباراته الأخيرة بنفس صيغة تلك المحاورة التي كانت دارجة على ألسن المسيح وأتباعه وقال (وبعدما كلّمهم الربّ يسّوع رُفعَ إلى السماء وجلس عن يمين اللّه.) فإن لم يكن هذا هو ما قصده بالفعل من كلامه هذا فمن أين كان يحقّ له أن يقول (وجلس عن يمين اللّه) والقدّيس مرقس لم يعاصر زمن المسيح ولا شاهد يسّوع وهو يجلس عن يمين اللّه أصلاً.ولا روى إنجيلا متّى ويوحنّا هذه المعلومة غير المقبولة عقلا ومنطقا.وهل أراد مرقس بقوله هذه أنّ خالق هذا الكون كلّه هو صغير الحجم إلى درجة يتمكّن معها بشر أمثال يسّوع الناصريّ من الجلوس بجانبه عزّ وجلّ ؟ وهل أنّ كيان اللّه تعالى كان مركّبا من مادّة في تلك الأيّام كمادّة جسم يسّوع الناصري ابن الإنسان وباعتراف نصوص الأناجيل نفسها ؟ وهل أنّ اللّه تعالى كان قد اتّخذ حيّزا مكانيا ليجلس عليه آنذاك وأنّ المكان المشار إليه موجود الآن في هذه السماء التي تراها الأعين في زماننا الحاضر هذه السماء التي عادت مكتشفة من علماء أوروبّة المسيحيّة والتي وجدت خالية من وجود مثل هذه الادّعاءات التي وردت في هذا الإصحاح الأخير من إنجيل مرقس؟ لذلك أرى شخصيّا أنّ مرقس قد أورد ما أورده في الفقرة الأخيرة من إنجيله بمعنى موافق لمحاورات ذاك الزمان ولم يقصد من ألفاظه ما نفهمه منها الآن. وعليه فإنّ قول المسيح الذي أورده مرقس في آخر إنجيله وعن لسان يسوع الناصري (إنّي أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) يعني بألفاظ أخرى أنّ المسيح قد استعمل جملة (إني أصعد إلى أبي) في هذا النص بالمعنى الذي كان يكرّره دوما والذي كان يشير به إلى صعود روحه إلى اللّه وليس جسده إشعاراً بأنّه رسول اللّه تعالى وأنّه من المقرّبين إلى اللّه جلّ شأنه ولم يورد المسيح كلامه هذا بمعناه المادّي.
مناقشة ما أورده إنجيل لوقا
وأنتقل إلى مناقشة ما ورد في إنجيل لوقا فقد أنهى لوقا إنجيله بالفقرات التالية:
(وها أنا أُرسلُ إليكم مَوعد أبي.فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبسوا قوّةً من الأعالي وأخرجهم – يقصد حوارييّه - خارجاً إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم.وفيما هو يباركهم انفردَ عنهم وأُصعِدَ إلى السماء.فسجدوا له ورَجعوا إلى أورشليم بفرَحٍ عظيم.وكانوا كلّ حينٍ في الهيكل يسبّحون ويباركون اللّه.آمين.) الإصحاح 24/49-53
فهذه هي الترجمة الحرفيّة القديمة لهذا النص العائد إلى إنجيل لوقا والمطبوعة قديماً. وأما الترجمة الحديثة التي قامت بها (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) في لبنان مشكورة بدلا من الترجمة الحرفيّة القديمة فقد كتبوا في هذه الترجمة الحديثة بدلا ممّا أوردته من الترجمة القديمة ما يلي:
(وإنّي أُرسلُ إليكم ما وعد به أبي.فامكثوا أنتم في المدينة إلى أن تُلبسوا قوّةً من العُلى.ثمّ خرج بهم إلى القرب من بيت عَنيا ورفع يديه فباركهم.وبينما هو يباركهم انفصل عنهم ورُفِعَ إلى السماء.فسجدوا له ثمّ رَجعوا إلى أورشليم وهم في فرحٍ عظيم.وكانوا يلازمون الهيكل يباركون اللّه.) .
فلمّا قارنت ما بين هاتين الترجمتين المذكورتين فقد لاحظت حدوث فروقٍ ما بين هاتين الترجمتين سالفتي الذكر وهذه الفروق هي:
1- إنّهم استبدلوا في الترجمة الحديثة عبارة (موعد أبي) بعبارة (ما وعد به أبي).وبحاشية 30 (هذا إنباء بالعنصرة.راجع رسل 1/8 و2/33).ففي أعمال الرسل 1/8 (ولكنّ الروح القدس ينزل عليكم).فقد قصدوا من كلمة (العنصرة) نزول الروح القدس على تلاميذ يسّوع الناصري.
2- وقد استبدلوا عبارة (وفيما هو يباركهم انفردَ عنهم أُصعِدَ إلى السماء) بعبارة (وبينما هو يباركهم انفصل عنهم ورُفِع إلى السماء).فكلمة انفرد عنهم هذه التي كانت واردة في الترجمة الحرفيّة القديمة تعني لغويّا (اعتزل وتنحّى).أمّا كلمة انفصل عنهم الواردة في الترجمة الحديثة فمعناها لغويّا (باينهم) أي هجرهم وتركهم وابتعد عنهم.(محيط المحيط) وبغضّ النظر عن الفرق ما بين دلالتي هاتين الكلمتين (انفرد) أو (انفصل) فإنّ هاتين الكلمتين تفيدان كلاهما معنى تنحّي يسّوع وابتعاده عن تلاميذه قبل رفعه المزعوم إلى السماء.لذلك كان من واجب الناقد المحقّق أن يستفسر ويسأل هنا: لماذا تنحّى أو انفصل يسوع الناصري عن تلاميذه قبل رفعه إلى السماء وكم من الأمتار ابتعد وهل كان من العسير على الذي رفعه أن يرفعه وهو واقف بين تلاميذه ؟ فهذه أسئلة لم ترد أجوبتها بقلم أحد من النقّاد ولا أجاب عنها القدّيس لوقا.
3- كما استبدلوا جملة (وكانوا كلّ حينٍ في الهيكل يسبّحون ويباركون اللّه.آمين) بجملة (وكانوا يلازمون الهيكل يباركون اللّه) فقط.ففي العربيّة لا يُقال:فلان باركَ اللّه.بل يقال بارك اللّه في فلان.لذا فلا أدري ماذا قصدوا هنا بقولهم:يباركون اللّه !
4- والذي يهمّنا معرفته هنا هو أنّ يسّوع كان قد أوصى تلاميذه وحسبما ورد في الترجمة الحرفيّة وقال : (فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبسوا قوّةً من الأعالي.) على حين أنّه ورد في هذه الترجمة المعدّلة قول يسوع الناصري (فامكثوا أنتم في المدينة إلى أن تُلبسوا قوّةً من العُلى.) . فلا أدري كيف يُعقل أن يكون تلاميذ يسّوع المسيح قد رافقوه وبإيمان قويٍّ بكلّ ما كان قد أتى به بل وكانو يعملون على تعاليمه أيضا ومع ذلك فلم يُليسوا في تلك السنوات من مرافقتهم إيّاه (قوّةً من العلى) أو (قوّة من الأعالي) في حياته ؟ ومت داموا قد أمضوا تلك السنوات على تلك الحال فكيف يُلبسون قوّة من (العلى) أو (الأعالي) بعد (صعود) يسّوع ومفارقته لهم ؟ وهل كان من واجبهم وفقا لهذا النصّ المذكور أن يظلّوا ماكثين في مدينة أورشليم بانتظار أن تأتي (قوّة من العُلى) أو (قوّة من الأعالي) لتلبِسهم ؟ أو لتحلّ فيهم ؟ فهذه تساؤلات من الضروري الإجابة عنها بجواب منطقيّ ومعقول.
وبعد أن أوردت هذه الملاحظات الأربعة التي أوردتها آنفا أعود لمناقشة الفقرة الواردة في الترجمة الحرفيّة القديمة وهي : (وبينما هو يباركهم انفرد عنهم وأُصعِدَ إلى السماء.) ومناقشة فقرة الترجمة الحديثة وهي : (وبينما هو يباركهم انفصل عنهم ورُفِعَ إلى السماء.).وعلى اعتبار أنّ كلمة (انفرد عنهم) تعني اعتزل وتنحّى عنهم. وأنّ كلمة (انفصل عنهم) تعني أنّه باينهم أي هجرهم وتركهم وابتعد عنهم.
فالباحث المدقّق في هذه الفقرة المترجمة تارة حرفيا (انفرد عنهم) وتارة بتصرّف حديث (انفصل عنهم) فالباحث يلفت نظره أنّ يسّوع المسيح لم يرتفع إلى السماء وهو واقف أو جالس بين تلاميذه.بل ارتفع إلى السماء بعد أن (انفرد) أو (انفصل) عن تلاميذه وبعد أن تنحّى عنهم وابتعد إلى مكان مجهول لم يرد ذكره في هذا النصّ .
ولذلك يسأل هذا الباحث ويقول: إنّ عمليّة رفع يسّوع الناصري وصعوده إلى السماء هو مُعجزةٌ في حدّ ذاتها إن هي قد حدثت حقيقة.ولا تحتاج إن هي قد حدثت أن يبتعد يسّوع عن تلاميذه ويتنحّى عنهم شبراً واحداً كان ولا أن يبتعد بمقدار رمية حجر.بل لو كانت هذه العمليّة وأقصد عمليّة رفع يسّوع الناصريّ قد حدثت وهو جالس بين تلاميذه ومن دون تنحّيته جانباً لكانت عمليّة رفعه هذه أشدّ وقعاً في نفوس أولئك التلاميذ المتوجّهين بأنظارهم إليه يقينا.وعليه كان من واجب الباحث المحقّق أن يسأل هذا السؤال الذي طرح نفسه بنفسه هنا ويقول: ما السبب الذي دفع هذا الذي جاء ليرفع المسيح إلى السماء إلى أن يطلب من يسّوع الناصريّ أن يتنحّى عن تلاميذه وليبتعد عنهم مسافة ولو كانت هذه المسافة طويلة أو كانت قصيرة ؟ وما هي الحكمة من هذا التنحّي إن وقع حقّاً ؟ وهل كان يعجز الذي رفعه إلى السماء أن يرفعه وهو جالس وسط تلاميذه ؟ فهذا سؤالٌ يدعو لمناقشة هذه المسألة مناقشة منطقيّة وعقلانيّة وهو بحاجةٍ إلى جوابٍ مقنعٍ.خصوصا وأنّه كان بإمكان القديس لوقا كاتب هذا النصّ المشار إليه نفسه أن يكتب ويقول: (إنّ يسّوع أُصعِدَ إلى السماء من بين تلاميذه).فلمَ كتب القدّيس لوقا وقال عن يسّوع أنّه (تنحّى) وركّز كلامه على عمليّة تنحّي المسيح عن تلاميذه هذا خصوصاً وأنّ لوقا المذكور لم يعايش زمن يسّوع ولا شاهد ما جرى وكتب ما كتبه استنادا إلى مجرّد الرواية الشفهيّة التي وصلته والتي تقبّلها على مجرّد السماع ؟
ثمّ إنّ الباحث يزداد إصراراً على مناقشة هذا الموضوع لوجود علماء فاضلين مسيحيين كان هذا النصّ بالذات قد لفت أنظارهم وقالوا بأنّ هذا النصّ الأخير من إنجيل لوقا موضوع دخيلٌ وليس هو من أصل إنجيل لوقا وقد أُدمجَ فيه تكميلا للنقص الحاصل فيه.وهي الحقيقة التي أوردتها من قبل بقلم كاتبها ومرفقةً بترجمته أيضا.وفي كلّ الأحوال يستحيل أن يفعل القديس لوقا ما فعله أو أن فعل الذي دمج هذه الجمل الأخيرة إلاّ أن يكون قد سمع ممّن رووا له هذه الحادثة شيئاً اضطرّه ليقول تنحّى عن تلاميذه وأُصعد إلى السماء وجلس عن يمين اللّه.
ثمّ إنّ قوله (تنحّى عن تلاميذه وأُصعِد إلى السماءَ) من دون ذكر وسيلة صعوده يؤكّد أهمّية وضرورة مناقشة هذه المسألة الواردة في هذا النصّ والتحقيق في أمر حقيقة تنحّي المسيح ووسيلة رفعه المذكورة . فما هي وسائلنا المتوفّرة لفعل ذلك ؟
وعندي أنّ لدينا وسائل ثلاثة لمناقشة هذا الموضوع:
فالوسيلة الأولى هي وسيلة جغرافيّة.نرجع فيها إلى جغرافيّة المنطقة التي وقع فيها هذا الحدث الذي نصّ عليه ما أورده منه إنجيل ملوقا.
والوسيلة الثانية نقليّه.ندقّق فيها فيما ورد من صيغ وكلمات.والتدقيق في الروايات التي أوردتها الأناجيل الأربعة.والعودة إلى رسائل الحوارييّن لعلّه قد ورد فيها ما يفيد في هذا المجال.
والوسيلة الثالثة تاريخيّة.نعود فيها إلى ما نعثر عليه في كتب المؤرخين ما يفيد في هذا الموضوع.وأبدأ من (الوسيلة الجغرافيّة) فأرجع فيها إلى ما نعرفه جغرافيّاً عن جبل الجليل والموقع المشار إليه فيه.
1-الوسيلة الجغرافيّة
إنّ جبل الجليل في فلسطين معروف وأشهر من علمٍ على رأسه نار.وقد علمت من بعض ساكنيه أنّ الضباب يلفّ جزءً كبيرا من هذا الجبل شتاء في بعض الأحايين حتّى لا يعود المارّ يرى شيئاً ممّا هو كائن حوله لذلك يوصون السوّاق بالحذر أيّام الضباب درء لحوادث المرور على طرقاته.هذا وإنّ (بيت عنيا) الذي كان يسّوع مجتمعاً فيها قبل (الصعود) المشار إليه تقع في الطرف الشرقيّ الجنوبي من (أورشليم) وفي منتصف الطريق إلى (بيت لحم) وكما هو ظاهر من المخطّط التصويري (لفلسطين في العهد الجديد)المنشور داخل (المدخل إلى الكتاب المقدّس) أي أن (بيت عنيا) تقع في المنطقة التي يكثر فيها الضباب شتاء هناك. وهذه الحقيقة تدفعنا للبحث عن مرجعٍ من داخل كتب (العهد الجديد) التي يثبت منها كون (بيت عنيا) يلفّها الضباب شتاء.ذلك خشية أن تكون المتغيّرات المناخيّة قد تبدّلت على مرّ الأيّام.
-الوسيلة النقليّة
وقلنا إنّ هناك وسيلة نقليّة بإمكاننا أن نستقي معلوماتها من معطيات (رسائل أعمال الرسل) الواردة في (العهد الجديد). فقد تفيدنا تلك المعطيات في مجال إلقاء الضوء على موضوع (تنحّي) يسوع الناصري عن تلاميذه وموضوع (رفعه) إلى السماء.فإن نحن عُدنا نبحث في (رسائل أعمال الرسل) وكما هو وارد في هذه الترجمة الجديدة التي قامت بها (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) مشكورةً ، وراجعنا الإصحاح الأوّل وتحت عنوان (الصعود) نلاحظ بأنّه قد ورد فيها هناك وذلك في الآية التاسعة قول بولس :
" ولمّا قال ذلك رُفع بمرأى منهم" ثمّ حجبه غمامٌ عن أبصارهم" .وبينما عيونهم شاخصةٌ إلى السماء
وهو ذاهب، إذا رجلان قد مثَلا لهم في ثيابٍ بيض وقالا: أيّها الجليليّون ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء فيسّوع هذا الذي رُفعَ عنكم إلى السماء سيأتي كما رأيتموه ذاهباً إلى السماء"
فمن خلال هذا النصّ ، ومن خلال قول بولس الرسول نفسه نلاحظ أنّه قال: ( ثّم حجبه غمامٌ عن أبصارهم) وتدلّ ألفاظ بولس هذه على أنّ الوقت ، وقت حادثة الصعود ، كان شتاء وأنّ (الغمام) وهو الضباب كان يلفّ تلك المنطقة بالذات وقت الحادثة التي ذكرها إنجيل (لوقا) في الإصحاح الأخير منه والتي حدثت في قرية بيت عنيا.وإنّ هذه المعلومة تصدّق ما ذكرناه حين تكلمّنا عن الوسيلة الجغرافيّة وقلنا هناك بأنّ الضباب الكثيف يلفّ قطاعا كبيرا من جبل الجليل خلال فصل الشتاء في فلسطين وكما يحدث في أيّامنا هذه أيضا.وهذا دليل نقليٌّ عثرنا عليه من صلب سفر (أعمال الرسل) الترجمة الجديدة يؤكّد تلك الحقيقة التي ذكرناها.
وأنقل للقارئ الكريم نفس هذا النصّ الآنف الذكر والذي نقلناه عن الترجمة الحديثة أنقله للقارئ الكريم على حسَبِ ما ورد في الترجمة القديمة وفي الآية 9 :
" ولمّا قال هذا ارتفع وهم ينظرون. وأخذته سحابةٌ عن أعينهم. وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلقٌ إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس أبيض وقالا أيّها الرجال الجليليّون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء.إنّ يسّوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء.حينئذ رجعوا إلى أورشليم من الجبل الذي يدعى جبل الزيتون الذي هو بالقرب من أورشليم على سفر سبت."
ففي هذه الترجمة القديمة ورد (وأخذته سحابةٌ عن أعينهم) بينما في الترجمة الجديدة ورد (ثمّ حجبه غمامٌ عن أبصارهم). والذي أردت إثباته من كلا الترجمتين هو أنه لم يحصل أن شاهد أحد من تلاميذ المسيح شخص المسيح وهو يصعد إلى السماء بل إنّ الوارد في هذين النصّين من الترجمتين: تارةً (وأخذته سحابة عن أعينهم) وتارة (ثمّ حجبه غمام عن أبصارهم).أمّا أنّه صعد ووصل إلى السماء وهم يشاهدونه فهذا الأمرلم يحدث إطلاقا.وبألفاظ أخرى فإنّ وقت حدوث تلك الواقعة كان شتاءً وفي الشتاء يغلب أن يلفّ الضباب جبل الزيتون و(بيت عنيا) التي كان يسوع مجتمعا بتلاميذه فيها وتنحّى عن تلاميذه هناك ليُرفعَ.وارتفع قليلا (وحجبته سحابة عن أعينهم) كلّ ذلك لا يفيد بأنّ يسوع الناصريّ (صعد) إلى السماء بل يفيد أنّه صعد إلى مكان ما في المنطقة الجبليّة التي كان فيها في بيت عنيا من جبل الجليل أقول: صعد ليوهم الذين يشاهدونه أنّه (صاعد) فلمّا حجبه الغمام عن أعين تلاميذه وكان المسيح يقصد ما قام به وأوهم الحاضرين أنّه يصعد في الغمام.لكنّه انطلق من هناك إلى جهة يجهلها تلاميذه وهاجر بعد ذلك إلى خارج فلسطين ليبشّر خراف (الحظيرة الثانية) من اليهود المسبييّن وقد عمد المسيح عليه السلام إلى هذه الخدعة لئلاّ يترك أثراً يساعد أحداً على الدلالة عليه وعلى هجرته من هناك من بيت عنيا.خصوصا وأنّ أحد تلاميذه وهو يهوذا الاسخريوطي كان قد خانه من أجل دراهم قليلة وسلّمه إلى اليهود فقبضوا عليه.وهذا في نظري هو سرّ قول كاتب الإنجيل:أنّ يسوع الناصري لم يرفع وهو واقف بين تلاميذه.بل رُفع بعد أن تنحّى عنهم جانباً.وإلاّ لو كان قد رُفع بمعجزة فما كانت هناك من حاجة تدعو المسيح أن يتنحّى عن تلاميذه بل كان قد رُفع وهو واقفٌ بين تلاميذه.
3-الوسيلة التاريخيّة
وهنا قد تسألني يا عزيزي القارئ وتقول: ما الذي خطر لك حتّى فكّرت بالوسيلة التاريخيّة لمعرفة سرّ (تنحّي) يسّوع المسيح عليه السلام عن تلاميذه قبل (الصعود) وهو الذي زُعمَ في الترجمة القديمة من أنّه رُفعَ إلى السماء (وحجبه غمامٌ عن أبصارهم) أو ما قيل (وأخذته سحابة عن أعينهم) وفقاً للترجمة الجديدة ؟
وأجيبك وأقول: ألم تُطالع يا عزيزي القارئ مؤلّفي الذي عنوانه (هل مات المسيح على الصليب) ؟ فإن أنت كنت قد طالعته فلابدّ وأنك تكون قد طالعت الفصل الثالث من الباب الرابع وعنوانه (مصير المسيح بعد حادثة الصلب وأدلّته) فقد أوردت هناك فيه ما نقلته من قول المسيح الناصريّ في الإصحاح العاشر من (إنجيل يوحنّا) الذي أشار إلى مصيره الذي يتعلّق بما سيصير إليه بعد نجاته من الموت على الصليب.ولكي أعود بذاكرتك إلى ما ذكرته هناك أنقل لك هنا مجدّداً قول المسيح الناصريّ الذي يشير إلى ما سيجري له بعد خلاصه من الموت على الصليب وذلك لأدخل الاطمئنان إلى فؤادك.
فيسّوع الناصريّ قال في الإصحاح العاشر من إنجيل يوحنّا وابتداءً من الآية الحادية عشرة وانتهاءً بالآية الثامنة عشرة قال في الترجمة القديمة ما نصّه:
" أنا هو الرّاعي الصالح.والرّاعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف.وأمّا الذي هو أجيرٌ وليس راعياً الّذي ليست الخراف له فيرى الذئب مقبلاً يترك الخراف ويهرب.فيخطف الذّئب الخراف ويبدّدها والأجير يهربُ لأنّه أجير ولا يبالي بالخراف.أمّا أنا فإنّي الرّاعي الصالح وأعرفُ خاصّتي ،وخاصّتي تعرفني.كما أنّ الآبَ يعرفني وأنا أعرفُ الآبَ وأنا أضع نفسي عن الخراف.ولي خرافٌ أُخَر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاًفتسمعُ صوتي وتكونُ رعيّةٌ واحدةٌ وراعٍ واحدٌ.لهذا يحبّني الأبُ لأنّي أضعُ نفسي لآخذها أيضاً.ليس أحدٌ يأخذها منّي بل أضعها أنا من ذاتي.لي سلطانٌ أن أضعها ولي سلطانٌ أن آخُذَها أيضاً هذه الوصيّة قَبِلتُها من أبي. "
وقال المسيح الناصري في الترجمة الحديثة،قال:
" أنا الرّاعي الصالح والرّاعي الصالح يبذلُ نفسه في سبيل الخراف.وأمّا الأجير وهو ليس براعٍ وليست الخراف له فإذا رأى الذّئبَ مقبلاً ترك الخرافَ وهرَب فيخطفُ الذّئبُ الخرافَ ويبدّدُها.وذلك لأنّه أجيرٌ لا يُبالي بالخراف.أنا الراعي الصالحُ أعرفُ خرافي وخرافي تعرفُني كما أنّ أبي يعرِفني وأنا أعرفُ أبي وأبذِلُ نفسي في سبيل الخراف.ولي خرافٌ أخرى ليست من هذه الحظيرة فتلك أيضاً لا بُدَّ لي أن أقودها وستصغي إلى صوتي فيكون هناك رعيّةٌ واحدةٌ وراعٍ واحد.إنّ الآبَ يحبُّني لأنّي أبذِلُ نفسي لأنالها (ثانية)ً ما من أحدٍ ينتزعها منّي ولكنّي أبذلها برضاي.فلي أن أبذِلَها ولي أن أنالها (ثانية)ً وهذا الأمرُ تلقّيتُهُ من أبي. "
فأنت تلاحظ يا عزيزي القارئ بعض الاختلاف في المضمون ما بين الترجمتين.وبما أنّي لست بصدد بيان هذا الاختلاف في هذا المقام. فأكتفي بأن ألفت نظرك إلى أنّ الترجمتين اجتمعتا على تثبيت قول يسّوع الناصريّ في الترجمة القديمة: (ولي خرافٌ أُخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمعُ صوتي وتكون رعيّةٌ واحدةٌ وراعٍ واحدٍ) . فيسّوع الناصريّ قال في الترجمة الجديدة: (ولي خرافٌ أخرى ليست من هذه الحظيرة فتلك أيضا لا بدّ لي أن أقودها وستصغي إلى صوتي فيكون هناك رعيّةٌ واحدةٌ وراعٍ واحدٍ).
فكلمة (خراف) كان يسّوع المسيح يستعيرها ليعبّر بها عن أفراد بني إسرائيل الضالّين عن
سبيل تعاليم موسى عليه السلام.ويصدّق بذلك نبوءةً عن بعثته للقيام بتجديد الدين القومي لليهود والقائلة (لأنّ منكَ يخرجُ مُدبّرٌ يرعى شعبي إسرائيل)-ترجمة قديمة 2/6-وأمّا في الترجمة الحديثة (فمنك يخرجُ الوالي الذي يرعى شعبي إسرائيل).وبغضّ النظر عن الفرق الطفيف ما بين الترجمتين فإنّ كلمة (يرعى) استُعيرت للتعبيرِ بها عن (الرّاعي) الذي يرعى الخراف.ولذلك لاحظنا يسّوع المسيح يوصي تلاميذه الإثنا عشر وهو يقول في الترجمة القديمة : (إلى طريق أممٍ لا تمضوا ، وإلى مدينةٍ للسامرييّن لا تدخلوا ،بل اذهبوا بالحريّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة) -10/5-6 -.ويقول في الترجمة الحديثة: (لا تسلكوا طريقاً إلى الوثنييّن ، ولا تدخلوا مدينةً للسامريّين ، يل اذهبوا إلى الخراف الضالّة من بيت إسرائيل.).وبغضّ النظر عن الفرق الطفيف ما بين الترجمتين فألفاظ هذين النصّين تؤكّد بأنّ رسالة يسّوع الناصريّ كانت محصورة (بالخراف الضالّة من بيت إسرائيل) ووفقاً لألفاظ هذين النصّين المذكورين اللّذين يصدّقان النبوءة المشار إليها آنفاً.إذ أنّ النبوءة تؤكّد خروج (مدبّر أو والي) من بني إسرائيل أنفسهم ليرعى خراف بيت إسرائيل الضالّة.وإنّ كلمة (ليرعى) يقابلها كلمة (المخلّص) الواردة في 1/21 والتي تُنبئ في الترجمتين القديمة والحديثة (لأنّه هو الذي يخلّصُ شعبه من خطاياهم) فبنوا إسرائيل هم شعب يسّوع الناصريّ المبعوث ليرعاهم ويخلّصهم ممّا ارتكبوه من خطايا وانحرافات أبعدتهم عن طريق تعاليم موسى عليه السلام.وليس ليخلّصهم من أثر الخطيئة التي صدرت عن آدم وحوّاء . فالمسيح الناصري ووفق النبوءة المذكورة هو نبيٌّ قوميٌّ وإنّ هذه النبوءة المذكورة لم تشر إلى أنّ المسيح الناصري سيكون (مخلّصا العالم من خطاياهم).وعليه فيسّوع الناصري لم يكن نبيّا مبعوثا إلى العالم كلّه ومخلّصا له إنّما كان يسوع الناصري ووفق لما اقتبسناه من : 1ً- من وصاياه 2ً- ومن مواقفه 3ً- ومن معطيات النبوءة التي نقلناها 4ً- ومن حديث يسوع المسيح في إنجيل يوحنّا عن مصيره بعد حادثة الصلب من أنّ له (حظيرة أخرى غير حظيرة فلسطين). أقول بل كان يسوع الناصري (نبيّا قوميّا) ووفق هذه الأمور الأربعة المقتبسة والمشار إليها.
وأتوقّف هنا عن هذا الاسترسال في الحديث من جانبي وأعود بك يا عزيزي القارئ إلى ما قاله يسّوع الناصريّ في إنجيل يوحنّا بشأن ما سيحدث له بعد نجاته من محاولة إماتته على الصليب.فمن خلال ما أوردته لك من قوله عليه السلام في الإصحاح العاشر 11-18 من إنجيل يوحنّا تلاحظ أنّه قد قال في الترجمة القديمة حصراً (ولي خرافٌ أُخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعيّةٌ واحدةٌ وراع واحد) وأنّه قد قال في الترجمة الحديثة (ولي خرافٌ أخرى ليست من هذه الحظيرة فتلك أيضاً لا بدّ لي أن أقودها وستصغي إلى صوتي فيكون هناك رعيّةٌ واحدةٌ وراعٍ واحد).
ونستنتج من معطيات هذا القول الذي صرّح به يسّوع الناصريّ والوارد في كلا الترجمتين من إنجيل (يوحنّا) نستنتج الأمور التالية:
أوّلا-نستنتج بأنّ اليهود كانوا زمن بعثة المسيح الناصري منقسمين إلى حظيرتين: الحظيرة الأولى كانت موجودة في فلسطين وهي الحظيرة التي بعث اللّه تعالى فيها المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام.والحظيرة الثانية كانت خارج فلسطين وإشارة إلى المناطق والأقطار التي انتشر فيها اليهود بعد أن سباهم (بختنصّر) ملك العراق آنذاك من داخل فلسطين وإلى العراق ومن ثمّ انتشروا خارج العراق في فارس وأفغانستان وغيرها من البلدان.
ثانياً- ونستنتج من النصّ المذكور الوارد في إنجيل يوحنّا بأنّ إطار دعوة يسّوع الناصريّ لم تكن محصورة في تبليغ اليهود الموجودين في فلسطين وحسب.بل كانت أعمّ من ذلك وأشمل وتشمل جميع اليهود المسبييّن والمنتشرين في الأقطار الأجنبيّة خارج فلسطين. فهي تشمل أيضا تلك الأسباط اليهوديّة الذين كانوا مسبييّن وسباهم ملك العراق (بختنصّر) ولم يعودوا إلى فلسطين بعد ذلك بل ظلّوا منتشرين خارجها هنا وهناك وكما هو معلوم تاريخيّا.
ثالثا- ونستنتج أيضا من النصّ المشار إليه أنّ خراف حظيرة اليهود التي كانت خارج إسرائيل كانت تنتظر هي أيضا بعثة المسيح وحسب النبوءة التي أوردناها سابقا وكانت تنتظر أن يهاجر المسيح من فلسطين فيسيح عبر الأقطار التي كانوا فيها ليسمعهم صوته ويبلّغهم ما جاء به من بشارة أيضاً.
رابعا- ونستنتج أخيرا بأن من مهمَات يسّوع الناصريّ التبليغيّة أن يبلّغ جميع هؤلاء اليهود المسبييّن
أينما كانوا وأن يظلّ يسيح في الأرض طلبا للقائهم إلى أن تثمر مساعيه ما أورده إنجيل يوحنّا من قول منسوب إلى المسيح وهو (رعيّة واحدةٌ وراعٍ واحد).
فهذه الأمور الأربعة قد تضمّنها هذا النصّ الوارد في إنجيل يوحنّا وقد وردت على لسان يسّوع الناصريّ نفسه في الإنجيل المذكور . وعليه فإننّا نكون قد توصّلنا إلى هذه الحقائق التاريخيّة الأربعة من خلال قول يسوع الناصري الوارد في إنجيل (يوحنّا) والذي نقلناه من قبل وهو أنّ من واجبه وبعد خلاصه من حادثة الصّلب أن يهاجر من فلسطين ليتقصّى أثر بقيّة أسباط بيت إسرائيل الضالّة وليبشّرهم على شاكلة ما بشّر به اليهود الذين كانوا في أورشليم وما جاورها.وعليه فقد فتح قول يسّوع الناصريّ الذي أسلفناه باباً تجاهلته مختلف الكنائس المسيحيّة في العالم وعتّموا عليه،وكأنّه غير وارد في هذا الإنجيل الرابع ، إنجيل يوحنّا ، والمعترف به من جميع الكنائس في العالم.فقد تجاهلوا ورود هذا النصّ الوارد في إنجيل يوحنّا وعتّموا عليه لكنّهم ما استطاعوا حذفه وفي وقت يتعلّق فيه هذا النصّ بالأحوال التي ستحدث للمسيح بعد نجاته من حادثة الصلب وبما يتعلّق بهجرة المسيح عليه السلام من فلسطين إلى الأقطار التي انتشرت فيها بقيّة أسباط إسرائيل.علماً بأنّ من الثابت تاريخيّا والثابت إنجيليّا أنهّ عندما بعث اللّه تعالى يسوع الناصري ليرعى خراف بيت إسرائيل الضالّة لم يكن في فلسطين في زمنه من أسباط اليهود إلاّ سبطان عادا من العراق وهما الكتبة والفرّيسيّون الذين عادوا بعد أن سمح بعودتهما خليفة ملك العراق وهو ابنه الذي كان قد اعتلى العرش بعد مماته وكما هو ثابتٌ من أسفار العهد القديم.
فهذه الحقيقة هي التي دفعتني للأخذ بهذه الوسيلة التاريخيّة التي ثبت منها أنّ القسم الأخير من
إنجيلي (مرقس ولوقا) مضافين وليسا من أصل هذين الإنجيلين.وإلاّ فلو أخذنا بصحّة معطيات ما أنهى به إنجيلا مرقس ولوقا إصحاحاتهما وخلافا لما ذهب إلى ذلك عددٌ من أفاضل المحقّقين المسيحييّن القدماء الذين اقتبست للقارئ بعضا من أقوال أحدهم فيما سبق من البيان وقمت بترجمته أيضا.لو أخذنا بصحّة معلوماتهما من أنّ المسيح (أُصعِد إلى السماء) بعد حادثة الصلب.لنتج عن ذلك أموراً تطعن في الأطراف التالية:
أوّلا- تطعن في صحّة هذا النصّ الذي نقلناه من إنجيل يوحنا والذي قال المسيح فيه (ولي خرافٌ أخرى ليست من هذه الحظيرة فتلك أيضا لا بدّ لي أن أقودها وستصغي إلى صوتي فيمون هناك رعيّة واحدةٌ وراع واحد). أفلا تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ هذا النصّ قد تضمّن عدّة تأكيدات على ما اشتمل عليه من أقوال منسوبة إلى المسيح عليه السلام ؟
فالتأكيد الأول تضمّنه قول المسيح في هذا النصّ المذكور بأنّ له (خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة) التي بعثه ربّه عز وجلّ في أرجائها وهي فلسطين.هذا القول الدالّ على وجود أسباطٍ يهوديّة مسبيّة خارج فلسطين في تلك الأيّام.وهي حقيقة تاريخيّة أثبتّها في مؤلّف (هل مات المسيح على الصليب ) ومن خلال معطيات الكتب التاريخيّة للأقطار التي هاجر المسيح عليه السلام إليها.
والتأكيد الثاني نستنتجه من قول المسيح في النصّ المذكور بحقّ حظيرة الخراف التي هي خارج فلسطين قوله (فتلك أيضا لابدّ لي أن أقودها) فهذا القول فيه تأكيد واضح على أنّ المسيح كان مكلّفا بالانتقال من فلسطين بعد نجاته من محاولة اليهود من الكتبة والفرّيسيين الذي عاصروه محاولتهم إماتته على الصليب ليثبتوا من طرفهم كذب نبوّته وكما أسلفناه من قبل.أقول كان مكلّفا بالهجرة من فلسطين بعد نجاته من حادثة الصلب لتبشير خراف (الحظيرة الثانية) الموجودين خارج فلسطين.
والتأكيد الثالث الوارد في النصّ المذكور هو قول المسيح فيه (وستصغي إلى صوتي) فالمسيح قد أشار من خلال قوله هذا إلى أنّ تلك الخراف الضالّة من اليهود والذين يشكّلون (الحظيرة الثانية) من اليهود سيصل إليهم ويسمعهم صوته أي صوت دعوته علما بأنّ المسيح قد استعمل في قوله هذا سين التسويف الدالة على المستقبل من جهة والتي أكّد من خلالها من جهة ثانية بأنّ يهود (الحظيرة الثانية) الذين هم خارج فلسطين سيهاجر وسيصل إليهم وسيبشّرهم بما كلّفه به ربّه عز وجلّ وسيؤمنون برسالته على وضعها الطبيعيّ وعلى حقيقتها وليس على الشكل الذي شوّهها بولس الرسول والذي قلب حقيقتها التوحيديّة إلى صورة شرك اتضّحت معالمه في عصرنا الحاضر وكان قد تأثّر به كاتبا إنجيل مرقس ولوقا يقينا بسب أنّ رسائل بولس الرسول هي التي كانت واسعة الانتشار في تلك الحقبة من الزمان وكما هو ثابت تاريخيّا وإنجيليّا.
والتأكيد الرابع الوارد في النصّ المذكور والمقتبس من إنجيل يوحنّا هو قول المسيح فيه في الفقرة الأخيرة منه قوله (فيكون هناك رعيّة واحدةٌ وراعٍ واحد).فظرف المكان (هناك) الوارد في هذه الفقرة الأخيرة يستعمل في مقابل ظرف المكان (هنا) والدالّ على فلسطين التي بعث اللّه تعالى فيها المسيح الذي كان قد وعد ببعثته فيها لرعاية خراف بيت إسرائيل الضالّة.ثمّ إنّ قول المسيح في هذه الفقرة الأخيرة وهو أنّه يكون هناك (رعيّة واحدة وراع واحد) يؤكّد بأنّ خراف بيت إسرائيل الضالّة الموجودة في الأقطار التي انتشروا فيها سيؤمنون برسالة المسيح الناصريّ ولن يتعاملوا معه بالشكل الذي تعامل به معه (الكتبة والفرّيسيون) في فلسطين أولئك اليهود المتحجّرة أدمغتهم والذين سعوا لدى الحاكم الروماني (بيلاطس) ليميتوا المسيح على الصليب ودبرّ الحاكم المذكور نجاته من بين أيديهم وكما بيّنت ذلك في مؤلّفي (هل مات المسيح على الصليب ؟) الذي أثبتّ فيه وبالأدلّة التاريخيّة القاطعة التي تثبت عدم موت المسيح على الصليب وعدم صعوده إلى السماء وأنّه عاش أكثر من مائة عام وتوفّى اللّه عز وجل المسيح ابن مريم عليه السلام بعد أن أكمل أداء رسالته ودفِنَ في منطقة بنجاب الشرقيّة من الهند وإنّ قبره موجود هناك ومنحوتٌ عليه اسمه أيضا وهو (يوز آصف) أي يسّوع المسيح.فقول المسيح (تكون رعيّة واحدة وراع واحد) يعني بألفاظ أخرى بأنّ جميع اليهود خارج فلسطين سيؤمنون بالمسيح ولا يحدث بينهم أيّ اختلاف.ولا تتشكّل هناك فرقة يهوديّة وفرقة مسيحيّة كما حدث في فلسطين وما جاورها.وإنّ جميع ما يريد القارئ الاستفسار عنه يجده في المؤلّف المذكور.
فيا قارئي العزيز فكّر في نفسك ففي حال وجود هذه التأكيدات الأربعة في النصّ الوارد في إنجيل يوحنّا هل عاد بإمكانك أن تؤمن بصحّة هذه الزيادات المضافة على إنجيلي (مرقس ولوقا) والمخالفتين لهذا النصّ الوارد في إنجيل يوحنّا والواضح الدلالات والذي ينصّ على أنّ يسوع المسيح سينجو من الموت على الصليب ويهاجر بعد ذلك إلى خارج فلسطين لتتحقّق مضامين هذه التأكيدات الأربعة سالفة الذكر ؟
وإنّي لأعجب أنّه بالرّغم من تقديم جميع هذه الدلائل والبيّنات أن تقف الكنائس الحاضرة موقف المتجاهل لهذه الحقائق البيّنة وهذه الدلائل وحقائقها ولا يسعى رجال الكنائس للسفر إلى منطقة القبر المشار إليه ليتحقّقوا من مصداقيّة ما حقّقناه وذكرناه.ويكتفون بالاعتقاد بصعود المسيح إلى السماء والجلوس عن يمين اللّه وخلافا لاجتهادات مفسّريهم القدماء.وفي وقت حدث فيه أنّ علماء المسيحيّة المعاصرين أنفسهم قد تحقّق على أيديهم اكتشاف الفضاء الخارجي ولم يعثروا فيه على أيّ أثرٍ للّه المزعوم الذي يعبدونه والذي يجلس عن يمينه يسّوع الناصريّ ومع ذلك فقد ظلّوا يلههم أمل عودته من السماء إلى الأرض على أجنحة الملائكة في يوم من الأيّام ، هم ومن اعتقد عقيدتهم من المسلمين أيضاً ؟
وعلى هذه الصورة أكون قد بيّنت للقارئ العزيز تاريخ عقيدة صعود المسيح إلى السماء هذه العقيدة التي تتنافى مع قول المسيح الناصري عليه السلام نفسه الذي أجاب على اليهود وقال (لا ينزل من السماء إلاّ من صعد إلى السماء).وها أنّي أثبتّ لأخواني المسيحييّن بأنّ المسيح الناصري لم يصعد إلى السماء بعد حادثة الصلب بل هاجر ليبشّر خراف بني إسرائل الضالّين والذين كانوا في الحظيرة الأخرى من اليهود المسبييّن خارج فلسطين والذين كانوا منتشرين ما بين العراق وفارس وأفغانستان وكشمير في الهند.علما بأنَّنا نحترم إخواننا المسيحييّن ونحترم ما يعتقدونه ونتمنّى لهم كلّ خيرٍ إذ أننّا أبناء وطنٍ واحد وإن اختلفنا في هذه النظرة إلى تاريخ نبيٍّ كرّمه القرآن الكريم ودافع عنه بعقل ومنطق وبمعطيات تاريخ.
وقبل أن أنتقل لبحث كيفيّة انتقال هذه العقيدة إلى المفسّرين المسلمين القدماء تغمّدهم
اللّه تعالى بواسع رحمته أرى من المناسب أن ألقي الضوء على دلالة كلمة (سماء) وكما كان الناس يفهمونه من دلالة هذه الكلمة وخاصّة منهم أتباع المسيح نفسه زمن تأليف هذه الأناجيل وأبيّن دلالة كلمة (إله) أيضا كما كان يفهمه منها أولئك الذين كتبوا هذه الأناجيل.ومن باب أنّ الكلمات تختلف دلالاتها واستعمالاتها على مرور الزمان.
1-مفهوم كلمة (إله) في العهد القديم:
من المعلوم أنّ إخواننا المسيحييّن يعتقدون بالعهد القديم الذي يشتمل على ما جمعه اليهود من أسفار بهذا الاسم.كما يعتقدون بالعهد الجديد الذي يجمع الأناجيل وأعمال الرسل.ونقرأ المدخل إلى سفر التكوين من العهد القديم والذي كتبته (جمعيّا الكتاب المقدّس المتّحدة فالمدخل إلى العهد القديم ابتدأ بالقول: (يروي لنا سفر التكوين وهو أول أسفار العهد القديم كيف نشأ العالم وكيف بدأ عمل اللّه في البشرية ..) صفحة 64 وأمّا في بداية الصفحة 65 فيقول:
(يُقسَم سفر التكوين عادة قسمين:قسماً أولا (تكوين 1-11 ) يبحث في موضوع أوائل البشريّة في الكون الذي خلقه اللّه.) وعليه فمن واجبنا الرجوع إلى سفر التكوين من الآية الأولى إلى الآية الحادية عشرة.وبرجوعنا إليه نلاحظ أنّهم عنونوه بألفاظ (نشأة العالم والبشرية آ-خلق العالم وزلّة الإنسان).ونبدأ بقراءة الإصحاح الأوّل فقد استُهلّ بالقول: (في البدء خلق اللّه السماوات والأرض وكانت الأرض خاوية خالية وعلى وجه الغمر ظلام وروح اللّه يرفرف على وجه المياه.وقال اللّه "ليكن نور"فكان نور...)واستمرّ كاتب سفر التكوين يكتب أدوار خلق اللّه كلّ شيء إلى أن بدأ الإصحاح الثاني بالقول: (وهكذا أُكملت السماوات والأرض وجميع قوّاتها.وانتهى اللّه في اليوم السابع من عمله الذي عمله واستراح في اليوم السابع من كلّ عمله الذي عمله وبارك اللّه اليوم السابع وقدّسه لأنّه فيه استراح من كلّ عمله خالقا.تلك هي نشأة السماوات والأرض حين خُلِقت.).فمن هذا تدرك يا عزيزي القارئ بأنّ الاستراحة الأسبوعيّة الشائعة عند أهل الكتاب هي مجرّد إحياء لذكرى استراحة اللّه من عمليّة خلقه هذه السماوات والأرض.وهذه المعلومة التي حصلنا عليها حتى الآن أفادتنا بالمعلومات التالية:
أوّلا -أنّ للّه روح رفرفت فوق الماء.
ثانياً- وأنّ الله بمفهوم العهد القديم مسّه التعب من عمليّة خلقه السماوات والأرض لذلك استراح من جهدٍ متواصلٍ دام أسبوع.
وننتقل إلى ما ورد في الإصحاح الثاني لنحيط علما كيف خلق اللّه هذا الإنسان.فابتداء هذا الإصحاح المذكور من الآية السابعة حيث قال الكاتب (وجبل الربّ الإله الإنسان ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمَةَ حياة فصار الإنسان نفساً حيّة.وغرس الربّ الإله جنّةً في عدن شرقا وجعل هناك الإنسانَ الذي جبله.)
-2/7-8- .وقد أورد الكاتب ابتداء من 20إلى 25 كيف خلق اللّه المرأة قال: (فأطلق الإنسان أسماء على جميع البهائم وطيور السماء وجميع وحوش الحقول.وأما الإنسان فلم يجد لنفسه عونا يُناسبه.فأوقع الربّ الإله سباتا عميقا على الإنسان فنام.فأخذ إحدى أضلاعه وسدّ مكانها بلحم وبنى الربّ الضّلع التي أخذها من الإنسان امرأة فأتى بها الإنسان .فقال الإنسان:"هذه المرّة هي عظم من عظامي ولحمٌ من لحمي هذه تسمّى امرأة لأنّها من امرئ أُخذت."ولذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويلزم امرأته فيصيران جسداً واحدا.وكانا كلاهما عريانين الإنسان وامرأته وهما لا يخجلان.).
فمن خلال هذه المعلومات نضيف إلى مفهوم (اللّه) في العهد القديم مفهوماً ثالثا-وهو أنّ كيان الإله في مفهوم العهد القديم كان كيانا محدود الحجم. وعليه فقد أضاف الكاتب يحدّثنا عمّا فعله الإله المشار إليه قال : جلس فنحت تمثالاً ونفخ في أنف هذا التمثال نسمة حياة فصار التمثال الذي هو على شكل إنسان نفساً حيّة.رابعاً-وأضاف الكاتب معلومة رابعة وهو أنّ الإله المشار إليه أنام الإنسان ونزع من أضلاعه ضلعا ولا ندري كيف ضخّمه ونحته إلى أن أصبح امرأة لهذا الإنسان.وأضاف أخيرا وقال بحقّ آدم وحوّاء الذي خلقهما الإله المذكور (وكانا كلاهما عريانين الإنسان وامرأته وهما لا يخجلان.).
ومن ثمّ أورد الكاتب قصّة الحيّة وإغواءها امرأة الرجل فكتب يقول ابتداء من الآية السابعة من الإصحاح الثالث وحتّى الآية 13: (فانفتحت أعينهما فعرفا أنّهما عُريانان.فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر.فسمعا وقعَ خُطى الربّ الإله وهو يتمشّى في الجنّة عند نسيم النهار فاختبأ الإنسان وامرأته من وجه الربّ الإله فيما بين أشجار الجنّة.فنادى الربّ الإله الإنسان وقال له: "أين أنت ؟" قال: "إنّي سمعتُ وقعَ خُطاك في الجنّة فخِفت لأنّي عُريان فاختبأت"."قال: فمن أعلمك أنّك عُريان ؟ هل أكلت من الشجرة التي أمرتك ألاّ تأكلَ منها ؟" فقال الإنسان: "المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت".فقال الربّ الإله للمرأة: "ماذا فعَلتِ؟" فقالت المرأة: "الحيّة أغوتني فأكلت").
ونستنبط يا عزيزي القارئ معلومات أخرى عن مفهوم ما كانوا يسمّونه (الربّ الإله) وهي: خامساً-ومعلومة خامسة وهي أنّ للربّ الإله في مفهوم (العهد القديم) أرجلاً ويتمشّى في الجنّة. سادساً-ومعلومة سادسة وهي أنّ (الربّ الإله) في مفهوم (العهد القديم) لا يعلم الغيب ولا يعلم سرائر القلوب بدليل أنّه لم يدر شيئاً مما فعله الإنسان وامرأته في الجنّة.
وأكتفي بما استنبطناه من هذه المعلومات الستّ حول مفهوم (الربّ الإله) في (العهد القديم) الذي يعتقد به أهل الكتاب يهودا كانوا أو مسيحييّن زمن تأليف الأناجيل الأربعة المعروفة.وأنتقل إلى استنباط مفهوم كلمة (السماء) في (العهد القديم) المشار إليه ليساعدنا ذلك على إدراك المراد من قول (إنجيل مرقس) بحقّ المسيح الناصري: (وأُصعد إلى السماء وجلس عن يمين اللّه.) .
2- مفهوم كلمة (سماء) في العهد القديم:
وكما بحثنا في سفر التكوين عن مفهوم كلمة (الله) نعود نبحث فيه عن مفهوم كلمة (سماء).فقد ورد في 1/1 منه (في البدء خلق اللّه السماوات والأرض وكانت الأرض خالية).وفي نفس الإصحاح الأوّل 1/6 (وقال اللّه "ليكُن جَلَد في وسط المياه وليكن فاصلا بين مياه ومياه" ) وتحت هذه الآية حاشية ورد فيها (كان جَلَدُ السماء الظاهر عند الساميين الأولين عبارة عن قبّة متينة تحبس المياه المجتمعة فوقها ومن كواها سيسيل الطوفان.).وتأكيدا لمضمون هذه الحاشية ورد في 1/7(وصنَع اللّه الجَلَد وفصل بين المياه التي تحت الجَلَد والمياه التي فوق الجَلَد وسمّى اللّه الجَلَد سماء).وفي 1/9 (وقال اللّه "لتتجمّع ِالمياه التي تحت السماء في مكان واحد ولْيظهرِ اليُبس".فكان كذلك.وسمّى اللّه اليبسَ أرضا). وفي 1/14-18 (وقال اللّه "لِتكن نيّراتٌ في جَلَدِ السماء لتفصلَ بين النهار واللّيل وتكونَ علاماتٍ للمواسم والأيّام والسنين وتكونَ نيِّراتٍ في جَلَد السماء لِتضيء على الأرض".فكان كذلك.فصنع اللّه النيّرين العظيمين النيّر الأكبر لحُكم النهار والنبّرَ الأصغر لحكم اللّيل والكواكب وجعلها اللّه في جَلَد السماء لِتضيء على الأرض لِتحكمَ على النهار واللّيل وتفصِلَ بين النور والظلام.ورأى اللّه أنّ ذلك حَسَن.). وفي 1/20-21 (وقال اللّه: "لِتعِجَّ المياه عجّا من ذوات أنفُسٍ حيّة ولتكُن طيورٌ تطير فوق الأرض على وجه جَلَدِ السماء".فخلق اللّه الحيتان العظام وكلّ متحرّكٍ من كلّ ذي نفس حيّة عجّت به المياه بحسَب أصنافه وكلّ طائرٍ ذي جناح بحسب أصنافه.ورأى اللّه أنّ ذلك حسن).وفي أوّل آية من الإصحاح الثاني ورد (وهكذا اُكمِلت السماوات والأرض وجميعُ قوّاتها ) وتحت كلمة (قوّاتها) حاشية ورد فيها (المراد بهذه الكلمة الكائنات الموجودة على الأرض والكواكب المنثورة في السماء).
فإن أنت تدبّرت يا عزيزي القارئ ما اقتبسته لك ممّا ورد في (سفر التكوين) من اقتباسات تصل معي إلى أنّ مفهوم كلمة (سماء) في أذهان الذين كتبوا أسفار (العهد القديم) و(العهد الجديد) عبارة عن هذه القبّة الزرقاء التي تراها عين الإنسان فوقنا ومرصّعة بالكواكب والشمس والقمر وهي التي كان (الربّ الإله) الذي خلق الإنسان وغيره يعيش فوق هذه القبّة السماويّة ويتّصف بالصفات التي توصّلنا إليها من خلال الاقتباسات السابقة.ولذلك كان من الطبيعيّ جدّاً أن يقول كاتب (إنجيل مرقس) في الجمل الأخيرة منه: (ثمّ إنّ الربّ بعدما كلّمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين اللّه).ذلك أنّ (اللّه) في ذهن القديس (مرقس) والذي كان يؤمن بالعهد القديم هو عبارة عن كيان ترفرف روحه حيثما شاء أن يذهب أو يطير ومسكنه فوق هذه القبّة السماويّة ولذلك تصورّ (مرقس) أنّ يسوع الناصري ارتفع فوق القبّة السماويّة وجلس حيث يجلس (الربّ الإله) وعن يمينه بصورة خاصّة بداعي منزلته عنده.وإنّ هذا التصوّر الذي بثّه (العهد القديم) في أذهان الناس قد أثّر على تفكير المفسّرين المسلمين من بعدُ والذين لم يكن الفضاء قد اكتشفت حقيقته في زمانهم فتقبّلت
عقولهم ما كان قد وصلهم من روايات متناقضة حول مصير المسيح عليه السلام. وبالتالي فقد فسّروا آيات هذا القرآن المعجز والمتعلّقة بالمسيح على ضوء ما وصلهم من تلك الروايات ومن دون تدبّر آيات هذا القرآن الكريم حقّ تدبُّرها. وهذه الحقيقة تجرّنا إلى ضرورة بيان ما فسّر به المفسّرون المسلمون القدماء الآيات المتعلّقة بحادثة الصلب وهي الآيات 157/158 من سورة النساء التي قال اللّه تعالى فيها وبصياغة بلاغيّة معجزة: (وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى أبن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علم إلا اتّباع الظنّ وما قتلوه يقينا. بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزا حكيما.).وعليه أنتقل لأبحث تأثّر كلّ مفسّرٍ من أولئك المفسّرين المسلمين القدماء بروايات (صعود المسيح إلى السماء) على حدة وبمفهوم (السماء) الذي أورده (العهد القديم) خصوصا وأنّ مفهوم كلمة (السماء) لم يكن قد طرأ عليه كبير تغيير بعد نزول القرآن الكريم وحسب المعطيات العلميّة التي رافقت نزوله وإن تغيّر مفهوم (اللّه) عز وجل في أذهانهم.واستنادا إلى ما بيّناه أنقل للقارئ ما ورد في التفاسير القديمة ومتأثّراً بتلك المفاهيم.
المفسّرون القدماء وتأثّرهم بعقيدة (الصعود)
ولا تعجب يا عزيزي القارئ إذا أوردت لك نصوصا من التفاسير القديمة وقد أوردها كاتبوها وهم متأثرون بمفاهيم (العهد القديم) التي أوردناها.نصوصا ممّا كتبه المفسّرون القدماء الذين كانوا لم يتخلّصوا بعد من تلك المفاهيم القديمة لكلمتي (إله وسماء).وقد كتبوا ما كتبوه في وقت كانت آيات القرآن الكريم قد أنزلت بلسان عربيٍّ مبين ومصاغة بصياغة بلاغيّة معجزة يتبادر للذهن منها غير ما أريد منها من دلالات.
واعلم يا عزيزي القارئ بأنّي سأثبت لك هذه الحقيقة التي بيّنتها وأشرت إليها من داخل معطيات هذه التفاسير القديمة التي هي اليوم متداولة بين أيدي المسلمين.وقبل إجراء هذه العمليّة فإنّي سأورد للقارئ الكريم ما ورد في تفسيرين مشهورين هما تفسير ابن كثيرٍ المؤلّف من أربعة أجزاء ومن التفسير الكبير لمؤلّفه الفخر الرازي والمؤلّف من (32) مجلّداً.
تفسير ابن كثير وعقيدة الصعود
فمن المعلوم تاريخيّا هو أن بعثة المسيح عيسى ابن مريم قد حدثت قبل بعثة محمّدٍ (ص) بما يقارب ستّة قرون من الزمان.فإذا أضفنا إلى تلك الفترة الزمنيّة المشار إليها أنّ مؤلّف تفسير ابن كثير قد مات سنة 774 هجري فمعنى ذلك أنّ كاتب هذا التفسير قد كتبه بعد مضي ما يقارب أربعة عشر قرن من الزمان.وإذا علمنا أنّ الطباعة لم تكن قد اختُرعت إلاّ بعد زمن تأليف تفسير ابن كثير. أي أنّ الأناجيل والأسفار التابعة لها لم تكن مطبوعةً في حياة مؤلّف تفسير ابن كثير ليتمكّن ابن كثير رحمه اللّه من مطالعتها لذلك فإنّ هذا المفسرّ سيورد في تفسيره وبما يتعلّق بالمسيح وأخباره ما يكون قد وصله من روايات تتضمّن أخبار المسيح وما حدث له ولا يورد ابن كثير في تفسيره معلومات مقتبسة من نصوص مطبوعة ومتداولة وكما هو حالنا في هذه الأيّام.ذلك أنّ ما استند إليه ابن كثير فيما كتبه وفسّره إنما كان مجرّد روايات وصلته على السماع منها الصحيح ومنها المبالغ فيه ومنها المفترى المدسوس.فإن هو فسّر هذه الآيات الثلاث استناداً إلى هذه الأنواع الثلاثة من الروايات التي وصلته يكون قد ثبت ما قلته من قبل من أنّ هذا المفسّر كان واقعا تحت تأثير عقيدة (الصعود) التي كان يعتقدها إخواننا المسيحيّون.
فمن هذه الزاوية ننطلق يا عزيزي القارئ لنطالع ما كتبه ابن كثير وهو يفسّر هذه الآيات الثلاث 157 /158/159 من سورة النساء واللّواتي قال اللّه تعالى فيهنّ: (وقولهم إنّ قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسولَ اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولكنْ شُبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظنّ وما قتلوه يقينا.بل رفعه اللّه إليهِ وكان اللّه عزيزاً حكيما.وإنْ من أهلِ الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا).
فلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ هذه الآيات قد وردت وهي خاليةٌ من تفاصيل ما حدث للمسيح ابن مريم عليه السلام في حياته من أحداث.فإن لاحظت أنّ ابن كثير رحمه اللّه قد راح يتحدّث إليك في تفسيره عن تفاصيل ما حدث للمسيح ابن مريم عليه السلام وفي وقت ما كانت الأناجيل في زمنه مطبوعة بعد ولا متداولة فمعنى ذلك أنّ ابن كثير كان قد أعطى أذنه للروايات المتناقلة عن أحوال المسيح عن طريق أتباعه.فتلك الروايات كانت هي كلّ ما لديه من وثائق تاريخيّة.وعليه فإنّي سأقتطف من تفسيره ما استعان ابن كثير به من روايات متداولة وصلته بعد قرابة ألف وأربعمائة عام وعلى حالة يرثى لها، فلماذا ؟ من أجل أن يقوم ابن كثير رحمه اللّه بعمليّة تفسير كلام اللّه العربيّ المبين والمصاغ صياغة بلاغيّة تحدّى بها الإنس والجان.
فابن كثير رحمه اللّه أورد يقول:
"وقولهم (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه) أي هذا الذي يدّعي لنفسه هذا المنصب قتلناه،وهذا منهم من باب التهكّم والاستهزاء كقول المشركين (يا أيّها الذي نزل عليه الذكر إنّك لمجنون) وكان من خبر اليهود عليهم لعائن اللّه وسُخطه وغضبه وعقابه أنّه لمّا بعث اللّه عيسى بالبيّنات والهدى حسدوه على ما آتاه اللّه تعالى من النبوّة والمعجزات الباهرات التي كان يُبرئ بها الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن اللّه ويصوّر من الطين طائراً ثمّ ينفخ فيه فيكون طائراً يشاهد طيرانه بإذن اللّه عز وجلّ إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه اللّه بها وأجراها على يديه،ومع هذا كذّبوه وسعوا في إيذائه بكلّ ما أمكنهم حتى جعل نبيّ اللّه عيسى عليه السلام لا يساكنهم في بلدةٍ واحدةٍ بل يُكثر السياحة هو وأمّه عليهما السلام.ثمّ لم يُقنعهم ذلك حتّى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب وكان يقال لأهل ملّته اليونان وأنهوا إليه أنّ في بيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلّهم ويفسد على الملك رعاياه.فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالمقدس أن يحتاط على هذا المذكور وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه ويكفّ أذاه عن الناس.فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك وذهب هو وطائفةٌ من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر وقيل سبعة عشر نفراً وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت،فحصروه هناك.فلمّا أحسّ بهم وأنّه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم قال لأصحابه أيّكم يُلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنّة.فانتدب
لذلك شابّ منهم فكأنّه استصغره عن ذلك فأعادها ثانية وثالثة وكلّ ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب.فقال: أنت هو وألقى اللّه عليه شبَه عيسى حتّى كأنّه هو.وفُتحت روزنّة من سقف البيت وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم فرُفعَ إلى السماء وهو كذلك كما قال اللّه تعالى (إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ) الآية.فلمّا رُفِعَ خرج أولئك النفر.فلمّا رأى أولئك ذلك الشاب ظنّوا أنّه عيسى فأخذوه في اللّيل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه.وأظهر اليهود أنّهم سعوا في صلبه وتبجّحوا في ذلك.وسلّم لهم طوائف من النصارى ذلك لجهلهم وقلّة عقلهم ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنّهم شاهدوا رفعه.وأمّا الباقون فإنّهم ظنّوا كما ظنّ اليهود أنّ المصلوب هو المسيح بن مريم حتّى ذكروا أنّ مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت.ويقال إنّه خاطبها والله أعلم.وهذا كلّه من امتحان اللّه عباده لما له في ذلك من الحكمة البالغة. " .
وبعد أن نقلت للقارئ الكريم هذا الذي فسّر به ابن كثير قوله تعالى (إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه) والذي اشتمل على صفحتين فلاحظ معي يا عزيزي القارئ الملاحظات التالية:
أوّلا- أتلاحظ كيف أنّ هذا المفسّر لم يتدبّر هذه الآية الكريمة بمنهجيّةٍ ولا بأصول ولا تساءل عن حكمة أنّ اللّه عز وجلّ قد جمع في قوله هذا بين أمورٍ ثلاثة ٍوهي: 1- أنّه تعالى أورد اسم (المسيح) معرّفا بالألف والّلام. 2- وأنّه أضاف الاسم المشهور للمسيح وهو (عيسى ابن مريم). 3- كما أضاف كلمتي (رسول اللّه) وهل يُعقل أن يجمع اللّه تعالى بين هذه الأمور الثلاثة من دون أن يكون وراء جمعها حكمة معيّنة ؟
ثانياً-ثمّ أتلاحظ كيف أنّ هذا المفسّر لم يتفكّر لماذا أورد تعالى ادّعاء اليهود (إنّا قتلنا) على حين أنّه كان ينبغي القول (إنّا صلبنا) لاعتقاد اليهود والنصارى أنّ المسيح لم يُقتل بل مات على الصليب الذي علّقوه عليه مع لصّين محكومين بالإعدام صلبا.-إنجيل متّى 27/38 -.
ثالثاً- وألم تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف ترك هذا المفسّر تدبّر هذه الآية الكريمة وراح يسرد ما جرى للمسيح على أيدي اليهود من خلال روايات كان يقول خلالها (وقيل ..وقيل) بمعنى أنّه كان يسرد تلك القصّة ليس استنادا إلى أوراق من الأناجيل بين يديه روت له تلك القصّة بل كان يرويها بناء على ما سمعه من روايات متضادّة وتتنافى ما ورد في الأناجيل المطبوعة في زماننا.ثمّ إنّه رحمه اللّه كان يروي قصّة ما حدث للمسيح حين قدموا لاعتقاله استناداً إلى روايةٍ هي أشبه بالخرافة وبعيدة عن الحقيقة المرويّة في الأناجيل الحاضرة.فأورد موضوع رفع المسيح إلى السماء وقال: (وألقى اللّه عليه شبه عيسى – أي على الشاب الذي تبرّع بذلك- حتّى كأنّه هو ، وفُتِحت روزنّة من سقف البيت – أي فُتحت ثغرةٌ في سقف البيت بقدرة قادر- وأخذت عيسى عليه السلام سنةٌ من النوم فرُفعَ إلى السماء وهو كذلك..) . وقد أورد هذه التفصيلات بدون تقديم أيّ دليلٍ أو سندٍ من مرجع موثوق يثبت مصداقيّتها.وهل يفعل مثل هذا الفعل مفسّر عالم يكتب بأسلوبٍ علميّ متّزن ؟
رابعاً- ثمّ ألم تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنهى ابن كثير رحمه اللّه هذا النصّ الذي نقلته لك من تفسيره وقال: (حتّى ذكروا أنّ مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت ويقال إنّه خاطبها واللّه أعلم.) فصوّر بكلامه هذا أنّ أمّ المسيح الصدّيقة لم يُطلعها ربّها على مُجريات ما جرى لابنها المسيح عليه السلام لذلك جلست تبكي تحت المصلوب المزعوم الذي كان قد زعم ابن كثير أنّ اللّه تعالى ألقى عليه شبه المسيح.ولم يكتف هذا المفسّر بهذا الافتراء على اللّه تعالى وبما لا يليق بفعل اللّه عز وجلّ وحكمته.وأضاف وقال (ويقال إنّه خاطبها واللّه أعلم) وأثبت من خلال قوله هذا أنّه اعتمد روايات غير موثوقٍ بها أيضا ؟
وعلى هذه الصورة أكون قد أثبتّ لك يا عزيزي القارئ ومن خلال ما نقلته لك من تفسير ابن كثير رحمه اللّه ومن خلال هذه الملاحظات التي لفتّ نظرك إليها أنّ ابن كثير رحمه اللّه قد فسّر الآية سالفة الذكر على ضوء روايات غير موثّقة وزاعماً بأنّ اللّه تعالى شاء تهريب نبيّه من عمليّة اعتقال الجنود إيّاه فألقى شبهه على شابّ فتى وفتح ثُغرةً في سقف الغرفة وألقى عليه النوم وأصعده إلى السماء ويكون اللّه تعالى من خلال هذا الفعل الذي فعله والذي زعمه ابن كثير قد ألغى بذلك تكليفه الذي كلّف به المسيح ابن مريم وهو أن يصبح رسولا إلى أسباط بني إسرائيل جميعهم وفعل ذلك خوفاً عليه .ولكن إلى أين رفعه وهل أنّ للّه حيّزٌ في السماء المرفوعة فهذه التساؤلات لا نعثر على أجوبة مقنعة تؤكّد مصداقيّتها في تفسير ابن كثير المذكور.
فمن هذا تكون قد أدركت يا عزيزي القارئ صحّة ما كنت قد أخبرتك به وهو أنّ ابن كثير رحمه اللّه ما كان يتدبّر آيات الكتاب العزيز بمنهجيّة ولا بأصول تفسير.بل كان يفسّر هذه الآية سالفة الذكر بما وصله من روايات لا سند لها ومتقبّلا إيّاها بالرّغم من تناقضها ومخالفتها للمعقول.وعليه فإنّ ابن كثير رحمه اللّه كان واقعاً حين تفسيره للآية المذكورة تحت تأثير عقيدة (صعود المسيح إلى السماء) التي تناقلها أصحابها قبل الإسلام وبعده بدون أساسٍ يسندها وعلى حسب ما بيّنته من قبل وتحت عنوان (تاريخ عقيدة الصعود).والمؤسف هو أنّ إخواننا المسيحييّن وبعد مطالعتهم ما ورد في تفسير ابن كثير يحقّ لهم ألاّ يقيموا له وزناً وهو على هذا المستوى غير العلميّ وغير المقنع عقليّا.إذ أنّ كلّ من يطالع الأناجيل الحاضرة المعتمدة يلاحظ بأنّ معطياتها تخالف جميع ما أورده ابن كثير في تفسيره من معلومات حتّى ولا يوجد فيها أيّة مرجعيّة تقول بأنّ اللّه تعالى ألقى على يهوذا الإسخريوطي أو على أحدٍ غيره شبَه المسيح الناصري. ولا قالت هذه الأناجيل بأنّ سقف الغرفة التي كان المسيح جالسا فيها قد فتحت فيها ثُغرةٌ وأُصعد منها المسيح إلى السماء وهو نائم وعلى حسب ما ذكره ابن كثير في تفسيره.وعلى هذه الصورة فإنّ كلّ مفكّر باحث إذا راجع تفسير ابن كثير يسخر ممّا ورد فيه من روايات لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة من الصلات فهو يرفضه ولا يأخذ بما ورد فيه معلومات عند الحوار.
ثمّ إنّ القارئ يلاحظ فيما فسّر به ابن كثير قوله تعالى (ولكن شُبّه لهم)كيف أنّ ابن كثير رحمه اللّه قد أثبت من خلال تفسيره هذا الشطر من الآية أنّه رحمه اللّه كان ضعيفا في علوم اللّغة العربيّة نفسها.إذ أنّ من المعلوم لدى علماء اللّغة هو أنّ العرب أوجدوا (الضمير) ليحلّ محلّ الاسم في حال غيابه عن النص الذي يشيرُ إليه هذا الضمير ودفعاً لتكرار الاسم نفسه في نفس الكلام.وعليه فإنّ الضمير لا تجوز إعادته أصلا إلى اسمٍ غائبٍ عن النصّ .فإن نحن دققنا النظر في نصّ الآية 157 المذكورة والتي نحن بصددها فلا نعثر فيه على اسمٍ آخر غير اسم المسيح عليه السلام.لكننا نلاحظ هنا في تفسير ابن كثير لهذه الآية الكريمة أنّه أعاد ضمير (شُبّه) إلى إنسانٍ غائب عن النصّ وغير وارد فيه وبذلك يكون ابن كثير قد خالف قواعد اللّغة العربيّة. فالضمائر وجدت لتحلّ محلّ الأسماء الواردة في النصوص.فكيف أجاز رحمه اللّه لنفسه وهو يقوم بتفسير كلام اللّه عز وجلّ إعادة ضمير (شُبّه) إلى شخصٍ لم يرد ذكره في نصّ هذه الآية الكريمة ؟
وقد أضاف ابن كثير يفسّر الشقّ الثالث من الآية المذكورة فكتب يقول:
" ولهذا قال (وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظنّ)يعني بذلك من ادّعى أنّه قتله من اليهود ومن سلّمه إليهم من جهّال النصارى كلهم في شكّ من ذلك وحيرة وضلال وسعر ولهذا قال: (وما قتلوه يقينا) أي وما قتلوه متيقّنين أنّه هو بل شاكّين متوهّمين (بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزا) أي منيع الجناب لا يرام جنابه ولا يُضام من لاذ ببابه (حكيما) أي في جميع ما يقدّره ويقضيه من الأمور التي يخلقها وله الحكمة البالغة والحجّة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم. قال ابن أبي حاتم حدّثنا أحمد بن سنان حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: لمّا أراد اللّه أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين يعني فخرج عليهم من عينٍ في البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إنّ منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرّة بعد أن آمن بي قال:ثمّ قال أيّكم يُلقى عليه شبهي فيُقتلُ مكاني ويكون معي في درجتي.فقام شابّ من أحدثهم سنّا. فقال له:اجلس. ثمّ أعاد عليهم فقام ذلك الشابّ فقال:اجلس. ثمّ أعاد عليهم فقام الشابّ فقال:أنا.فقال: هو أنت ذاك.فألقي عليه شبه عيسى ، ورُفعَ عيسى من روزنّة في البيت إلى السماء.قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثمّ صلبوه فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرّة بعد أن آمن به.وافترقوا ثلاث فرق فقالت فرقة كان اللّه فينا ما شاء ثمّ صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبيّة وقالت فرقة كان فينا ابن اللّه ما شاء ثمّ رفعه اللّه إليه وهؤلاء النسطوريّة وقالت فرقة كان فينا عبد اللّه ورسوله ما شاء اللّه ثمّ رفعه اللّه إليه وهؤلاء المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتّى بعث اللّه محمّدا (ص) وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه وكذا ذكره غير واحد من السلف أنّه قال لهم أيّكم يُلقى عليه شبهي فيُقتل مكاني وهو رفيقي في الجنّة.
وقال ابن جرير: حدّثنا ابن حميد حدثنا يعقوب القمي عن هرون بن عنترة عن وهب بن منبّه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحوارييّن في بيت فأحاطوا بهم فلمّا دخلوا عليه صوّرهم اللّه عز وجلّ كلّهم على صورة عيسى فقالوا لهم: سحرتمونا لِيبرُزنَّ لنا عيسى أو لنقتلنّكم جميعا.فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنّة ؟فقال رجل منهم أنا فخرج إليهم وقال أنا عيسى وقد صوّره اللّه على صورة عيسى فأخذوه فقتلوه وصلبوه فمن ثمّ شبّه لهم فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وظنّت النصارى مثل ذلك أنّه عيسى ورفع اللّه عيسى من يومه ذلك، وهذا سياق غريب جدّا".)
فتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أن ابن كثير رحمه اللّه أهمل هنا أيضا تدبّر هذا الشقّ
الثالث من هذه الآية الكريمة وراح يفسّرها بما وصله من روايات قيل وقال ،بروايات تخالف نصوص الأناجيل المعاصرة وتتناقض معها. وعاد بعد ذلك فقال برفع المسيح إلى السماء.وضارباً بمعطيات آي الذكر الحكيم عرض الحائط.كيف لا وإنّك يا عزيزي القارئ لو تصفّحت الآية 157 المذكورة والتي بعدها لا تعثر فيهما على كلمة (السماء) بل إنّ كلّ ما استهلّ اللّه تعالى به هذه الآية الثانية أنّه قال: (بل رفعه اللّه إليه..) ولم يقل سبحانه أنّه رفع المسيح إلى السماء وبذلك يكون القرآن المجيد قد خالف ما أورده كاتب إنجيل (مرقس) وكاتب إنجيل (لوقا) الذين أتيا بكلمة (السماء) فصوّرا وكأنّ اللّه تعالى قابعٌ في ركن من أركان هذا الفضاء من حولنا.وخالف ما أورده ابن كثير في التفسير الذي أوردناه.علما بأنّ القرآن المجيد تكلّم عن الذات الإلهيّة وقال (ليس كمثله شيء)-شورى 11 - هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد وضّح القرآن الكريم بأنّ الذات الإلهيّة هي خارج هذا الكون لقوله تعالى في الآية الرابعة من سورة المعارج (تعرج الملائكة والرّوح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.) وفي اللّغة كلّ ما علاك فهو سماؤك.
وتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ ابن كثير رحمه اللّه وحكاية عمّا فعل اليهود بعيسى عليه السلام قال في رواية: (فأخذوا الشبه فقتلوه ثمّ صلبوه فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرّة بعد أن آمن به) وقال في رواية أخرى: (فأخذوه فقتلوه وصلبوه فمن ثمّ شُبّه لهم فظنّوا أنّهم قد قتلوا عيسى وظنّت النصارى مثل ذلك أنّه عيسى ورفع اللّه عيسى من يومه ذاك وهذا سياق غريب جدّا).فابن كثير رحمه اللّه نقل هاتين الروايتين المتناقضتين وأمثالهما من الروايات المختلقة من دون مناقشتها موضوعيّا ومن دون البحث عن أسنادها إن وُجدت وفي وقتٍ راقته هذه الروايات بسبب أنّه فهم من قول اللّه تعالى (بل رفعه اللّه إليه) أنّ هذا الكلام الإلهيّ يعني أنّ اللّه تعالى قد رفع عيسى (من روزنّة من غرفة إلى السماء) مع خلوّ كلام اللّه تعالى من كلمة (السماء).
ويا عزيزي القارئ فقد أورد ابن كثير رخمه اللّه بعد جميع ما ذكرته لك العديد من الروايات التي تتنافى والحادثة التاريخيّة التي عرضت للمسيح الناصريّ في حياته. ولا أرى من حاجة لسردها جميعها. لأنّها روايات أدنى من مستوى الروايات التي أوردها ابن كثير في تفسيره حتى الآن.وفكّر في نفسك يا عزيزي القارئ وتأمّل: هل يجوز تفسير آيات هذا القرآن المجيد الذي تحدّى اللّه تعالى به الجنّ والإنس على ضوء روايات من هذا القبيل ؟وبعيداً عن تدبّر آيات هذا القرآن العظيم بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره ؟ وعليه فما أبعد معطيات تفسير ابن كثير عن الحقائق التي تنتج عن المحاكمات العقليّة والعودة إلى المراجع التاريخيّة. فالضعيف من الوجهة اللّغويّة والمتأثّر بالروايات المدسوسة لا يصحّ الأخذ بما يورده من تفسير لآيات هذا القرآن المجيد وعلى حسب ما بيّنته وأثبتّه لك يا عزيزي القارئ فيما بيّنته آنفا.لذلك أكتفي بهذا القدر من الاقتباس الذي اقتبسته لك ممّا ورد في تفسير ابن كثير رحمه اللّه وألتفت إلى ما ورد في التفسير الكبير للعلامة الفخر الرازي رحمه اللّه.
تفسير الفخر الرازي وعقيدة الصعود
وأنتقل لأقتبس بك يا عزيزي القارئ إلى ما كتبه العلاّمة الفخر الرازي رحمه اللّه في تفسيره
الكبير في المجلّد السادس منه وهو يفسّر نفس الشطر من الآية الكريمة 157 من سورة النساء (وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه) .فهو كتب يقول:
" وهذا يدلّ على كفرٍ عظيم منهم لأنّهم قالوا فعلنا ذلك، وهذا يدلّ على أنّهم كانوا راغبين في قتله مجتهدين في ذلك فلا شكّ أنّ هذا القدر كفرٌ عظيم.فإن قيل: اليهود كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمّونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا: إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه ؟ والجواب عنه من وجهين: الأوّل: إنّهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون (إنّ رسولكم الذي أُرسل إليكم لمجنون) وكقول كفّار قريش لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلم :
(يا أيّها الذي نزّل عليه الذكر إنّك لمجنون). والثاني: أنّه يجوز أن يضع اللّه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عليه السلام عمّا كانوا يذكرونه به.")
فلا بدّ وأنك لاحظت يا عزيزي القارئ في البداية اختلاف أسلوب العلاّمة الفخر الرازي في التفسير عن أسلوب ابن كثير في التفسير.فعلى حين أنّ ابن كثير رحمه اللّه كان يعتمد في تفسيره الآيات القرآنيّة على مجرّد روايات وأحاديث وصلته مؤلّفة من قيل وقال، ومن دون أن يحاكم تلك الروايات والأحاديث ويناقشها بصورة موضوعيّة . فإنّ العلاّمة الفخر الرازي رحمه اللّه فقد كان يورد اعتراضات أهل زمانه ويناقشها على قدر علمه وعلى قدر ما أوتي من فهم.
فالفخر الرازي أورد هنا فيما نقلناه عنه اعتراضاً مهمّا وخلاصته أنّه من غير المعقول أنّ يكون اليهود الذي كفروا بالمسيح الناصري وشتموه وحاولوا قتله أن يقولوا (قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه) وهي الفقرة الواردة في هذه الآية الكريمة ولو على سبيل الاستهزاء.والأصل المعقول أن يتعرّضوا لذكرهم قتل المسيح مقرونا بالتحقير والسباب.وإنّ اعتراضه هذا هو اعتراض موضوعيٌّ مهمّ وجوهريّ.لكنّ الجواب الذي أجاب به العلامة رحمه اللّه على ما اعترض عليه كان إجابة قاصرة وفي نظري أنّ قولهم (رسول اللّه) أرادوا به الاستهزاء بادّعاء المسيح أنّه رسول اللّه يعدما تمكّنوا على حدّ زعمهم من قتله.أي أنّهم أشاروا من خلال هاتين الكلمتين (رسول اللّه) الإشارة إلى السبب الذي دفع اليهود لقتل المسيح ومحاولة قتل كلّ من كان يقوم من بينهم ويدّعي أنّه نبيّ ورسول وفي وقت يكون فيه كاذباً في دعواه. وتصديقاً لهذا الرأي الذي أبديته هنا أنقل للقارئ الكريم نصوصاً ثلاثة من العهد القديم تؤكّد ما ذهبت إليه :أحد تلك النصوص طبع ما قبل عام 1870م ، وثاني تلك النصوص مطبوع ما بعد تاريخ 1870 م .وثالث تلك النصوص تضمّنته هذه الترجمة الحديثة المطبوعة في لبنان بجهود (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) ص.ب. 747-11 بيروت ، لبنان ومشكورة من جانبنا.
فالطبعة الأولى والثانية كانتا ترجمة حرفيّة للأناجيل الأربعة واختلفتا في كلمة واحدة في مجال موضوعنا هذا فأفرغتا النصّ من مضمونه.إذ أنّه كان قد ورد في الترجمة الحرفيّة المطبوعة ما بعد عام 1870م بشأن النبيّ الكاذب الذي يدّعي أنّه رسول اللّه ورد ما يلي:
" وأمّا النبيّ الذي يُطغي فيتكلّمُ باسمي كلاماً لم أوصه أن يتكلّم به أو الذي يتكلّم باسم آلهةٍ أُخرى فيموتُ ذلك النبيّ.وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلّم به الربّ . فما تكلّم به النبيّ باسم الربّ ولم يحدُث ولم يصِر فهو الكلام الذي لم يتكلّم به الربّ بل بطغيانٍ تكلّم به النبيّ فلا تخَف منه." – سفر التثنية الإصحاح 18 (20 – 22)
وأمّا في الطبعة التي قبلها أي ما قبل عام 1870م ففي تلك الترجمة الحرفيّة كان قد ورد بدلا من جملة (فيموت ذلك النبيّ) كان ورد فيها (فيُقتل ذلك النبيّ).ولا شكّ أنّ هناك فرق كبير ما بين دلالة كلمة (فيموت) وما بين دلالة كلمة (فيُقتل) وهو فرق ما بين السماء والأرض.أمّا لماذا كان قد حدث هذا التّحريف في هذا الجملة بالذات، فلا سبيل للكلام عنه والتعرّض إليه في هذا المقام.ويكفيني القول بأنّ الترجمة القديمة الأولى والتي كانت مطبوعة قبل عام 1870م كانت هي الأصحّ وتتّفق مع مُعطيات آي الذكر الحكيم الذي تكلّم بشأن محمّد سيّد رسل اللّه أجمعين وقال (ولَو تقوّلَ علينا بعضَ الأقاويل.لأخذنا منه باليمين.ثمّ لقطعنا منه الوتين.فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين.وإنّه لتذكرةٌ للمتّقين.) سورة الحاقّة 44-48 – ولذلك وعد اللّه عز وجلّ نبيّه محمّداً بن عبد اللّه (ص) الصادق الأمين وقال في الآية 67 من سورة المائدة: (واللّه يعصمكَ من الناس) بمعنى أنّك نبيّ صادق فلا يستطيع اليهود أن يقتلوك ليختبروا صدق رسالتك.وكان مضمون هذه الآية الكريمة يشير في حقيقته إلى هذا النصّ الوارد في سفر التثنية 18/21 والذي أعادت (جمعيّا الكنائس المتّحدة) ترجمته بتصرّف وقد ترجموا بدلا من كلمة (يموت) كلمة (يُقتل) وبذلك طهّروا هذه الجملة المشار إليها من التحريف الذي كان قد حدث فيها في الطبعة التي قبلها.
وهنا تسألني يا عزيزي القارئ أن أورد لك ما ورد في الترجمة الحديثة فأستجيب لك وأنقل لك ترجمتهم الحديثة وهي:
"ولكن أيّ نبيٍّ اعتدّ بنفسه فقال باسمي قولا لم آمُره أن يقولهُ أو تكلّم باسم آلهة أخرى فليقتل ذلك النبيّ.فإن قُلت في قلبك: كيف نعرفُ القول الذي لم يقُله الربّ ؟ فإن تكلّم النبيّ باسم الربّ ولم يتمّ كلامه ولم يحدث فذلك الكلام لم يتكلّم به الربّ ، بل للاعتداد بنفسه تكلّم به النبيّ فلا تَهاَبُه. " - سفر التثنية الإصحاح 18 (20-22)
أ فلاحظت يا عزيزي القارئ كيف أنّ أصحاب الترجمة الحديثة كانوا أمناء في ترجمتهم وقد أوردوا عوضاً عمّا كان واردا في الترجمة الحرفيّة المطبوعة ما بعد عام 1870م (فيموت ذلك النبيّ) فقد ترجموا الأصل المترجم عنه بأمانة وهو (فليُقتل ذلك النبيّ) وبذلك عادوا إلى ترجمة ما قبل تاريخ عام 1870م ؟ وإنّه لا يسعني هنا إلاّ أن أمتدح هذه الأمانة في الترجمة التي صدرت عن هؤلاء.
والمهمّ في الأمر يا عزيزي القارئ هو أنّ العلاّمة الفخر الرازي رحمه اللّه لم ينتبه إلى ما انتبهنا إليه بسبب أنّ (العهد القديم) لم يكن مطبوعاً في زمانه.وهو من هذه الجهة كان معذورا.وإلاّ فلا نشكّ في منزلته بشكلٍ من الأشكال.وإنّ الذي يتدبّر آي الذكر الحكيم يلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ قد سنّ قانونا عبّر عنه في الآية 21 من سورة الأنعام بقوله (ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذباً أو كذّب بآياته إنّه لا يُفلحُ الظالمون) وهذا القانون القرآني ورد مصدّقاً مضمون هذا النصّ التوراتي الذي نقلناه.ولذلك فإننّا نستدلُّ دوماً عند حوارنا مع أهل الكتاب ولإثبات صدق نبوّة محمّد رسول اللّه (ص) بنفس مضمون هذا النصّ الوارد في سفر التثنية 18/21 الذي كنّا أوردناه آنفا والذي صدّقته هذه الترجمة الحديثة للعهد القديم.فلقد عاش محمّد (ص) قرابة ثلاث وعشرين سنة أكمل خلالها تبليغ رسالة ربّه عز وجلّ إلى الناس . وقد توفّاه ربّه وفاة طبيعيّة فلم يفلح اليهود في تآمرهم على قتله بالرّغم من محاولاتهم المتكرّرة وكما هو معروف وإن كانوا قد أفلحوا في تحريض زعماء قريش على تكذيبه ومحاربته.فلماذا أقدم اليهود يومئذٍ على ما فعلوه إلاّ أن يكونوا مدفوعين بدافع هذا النصّ من سفر التثنية المذكور (فليُقتل ذلك النبي) وهو النصّ الذي دفع اليهود لقتل عددٍ من النبيّين من قبل ومنهم محاولتهم قتل المسيح الناصريّ نفسه عليه السلام ؟
وأعود إلى تفسير الفخر الرازي من جديد لأنقل للقارئ الكريم ما فسّر به هذا العلاّمة الفخر الرازي رحمه اللّه قوله تعالى (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّهَ لهم) ، قال:
" واعلم أنّه تعالى لمّا حكى عن اليهود أنّهم زعموا أنّهم قتلوا عيسى عليه السلام ، فاللّه تعالى كذّبهم في هذه الدعوى وقال (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّهَ لهم) وفي الآية سؤالان:
(السؤال الأوّل) قوله (شبّه) مسند إلى ماذا ؟ إن جعلته مسندا إلى المسيح فهو مشبّه به وليس بمشبّه ، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجرِ له ذكر.والجواب يأتي من وجهين: الأوّل أنّه مسندٌ إلى الجار والمجرور وهو كقولك:خُيّل إليه.كأنّه قيل:ولكن وقع لهم الشبه.الثاني أن يُسند إلى ضمير المقتول لأنّ قوله (وما قتلوه) يدلّ على أنّه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكوراً بهذا الطريق ، فحسُنَ إسناد (شُبّه) إليه.
(السؤال الثاني)انّه إن جاز أن يُقال: إنّ اللّه تعالى يلقي شبَهَ إنسان على إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة.فإنّا إذا رأينا زيداً فلعلّه ليس بزيد ولكنّه ألقي شبه زيد عليه. وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك موثوقاً به،وأيضا يفضي إلى القدح في التواتر ،لأنّ خبر التواتر إنما يفيد العلم بشرط انتهائه في الآخرة إلى المحسوس.فإذا جوّزنا حصول مثل هذه الشبهة في المحسوسات توّجه الطعن في التواتر، وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع.وليس لمجيب أن يجيب عنه بأنّ ذلك مختصّ بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنّا نقول: لو صحّ ما ذكرتم فذاك إنّما يُعرف بالدليل والبرهان ،فمن لم يعلم ذلك الدليل وذلك البرهان وجب أن لا يقطع بشيءٍ من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة.وأيضا ففي زماننا إن انسدّت المعجزات فطريق الكرامات مفتوح وحينئذ يعود الاحتمال المذكور في جميع الأزمنة:وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر وإنّ الطعن فيه يوجب الطعن في نبوّة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.فهذا فرع يوجب الطعن في الأصول فكان مردوداً.والجواب: اختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوها، الأوّل: قال كثير من المتكلّمين إنّ اليهود لمّا قصدوا قتله رفعه اللّه تعالى إلى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم فأخذوا إنسانا وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس أنّه المسيح.والناس ما كانوا يعرفون المسيح إلا بالاسم لأنّه كان قليل المخالطة للناس.وبهذا الطريق زال السؤال.لا يقال: إنّ النصارى ينقلون عن أسلافهم أنّهم شاهدوه مقتولاً ، لأنّا نقول: إنّ تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتّفاقهم على الكذب.(والطريق الثاني) أنّه تعالى ألقى شبههُ على إنسانٍ آخر ثمّ فيه وجوه ، الأوّل:أنّ اليهود لمّا علموا أنّه حاضرٌ في البيت الفلاني مع أصحابه أمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له طيطايوس أن يدخل على عيسى عليه السلام ويُخرجه ليقتله.فلمّا دخل عليه أخرج اللّه عيسى عليه السلام من سقف البيت وألقى على ذلك الرّجل شَبَهَ عيسى فظنّوه هو فصلبوه وقتلوه. الثاني وكلوا بعيسى رجلا يحرسه وصعد عيسى عليه السلام في الجبل ورُفع إلى السماء وألقى اللّه شبهه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست بعيسى. الثالث:أنّ اليهود لمّا همّوا بأخذه وكان مع عيسى عشرة من أصحابه فقال لهم: من يشتري الجنّة بأن يُلقى عليه شبهي ؟ فقال واحد منهم أنا ، فألقى اللّه شبه عيسى عليه فأخرج وقُتِل ، ورفع اللّه عيسى عليه السلام. الرابع كان رجلٌ يُدعى أنّه من أصحاب عيسى عليه السلام وكان منافقاً فذهب إلى اليهود ودلّهم عليه.فلمّا دخل مع اليهود لأخذه ألقى اللّه تعالى شبهه عليه فقُتِل وصُلِب.وهذه الوجوه متعارضة متدافعة واللّه أعلم بحقائق الأمور. " ).
فهذا هو ما فسّر به الفخر الرازي رحمه اللّه قوله تعالى (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّهَ لهم) وتعليقي على ما نقلته للقارئ الكريم من تفسير العلاّمة الفخر الرازي رحمه اللّه هو أنّه صرّح أوّلاً بأنّ هذا الشطر من الآية (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم) قد ورد بصدد تكذيب ما ادّعاه اليهود.ومن ثمّ فقد طرح رحمه اللّه سؤالين.تساءل في الأوّل منه عن مرجع ضمير (شبّه) وانتبه إلى أنّه إذا أعاده إلى المسيح نفسه يصبح المعنى (خُيّل إليهم) أنّه مقتول. لكنّه تذكّر ما لديه من روايات ذهبت إلى أنّه شُبّه غير المسيح على صورته فقتلوه.وإنّ تذكّره تلك الروايات المضلّلة دفعته رحمه اللّه ليضيف ويقول (إن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر ذكره).وبذلك يكون رحمه اللّه تعالى يدري بالقاعدة اللّغويّة وهي أنّ الضمائر وجدت لتحلّ محل الأسماء.ولا يجوز إعادة ضميرٍ إلى اسم غائب عن النصّ..وقد أثبت العلامة الرازي رحمه اللّه من خلال هذه المحاكمة التي أجراها ضلوعه في اللّغة العربيّة, فالضمائر وجدت لتحلّ محلّ الأسماء.
والذي يُكبرُ هذا العلاّمة في أعيننا يا عزيزي القارئ هو أنّه ذهب في السؤال الثاني الذي طرحه إلى أنّه إن أجزنا وقبلنا فكرة أن يُلقى شبه إنسان على إنسان آخر فإننا نفتح بذلك باب السفسطة ولا يعود للتواتر بعد ذلك من منزلة ولا لجميع الشرائع أيضاً.وبذلك نفى وبصورة لا شعوريّةٍ هذا المعنى الذي يعتقده عامّة المسلمين في عصرنا من أنّ اللّه تعالى ألقى شبه المسيح على الذي جاء ليسلّم المسيح إلى أيدي اليهود وأنّ اللّه تعالى رفع المسيح إلى السماء.لكنّ محاولة الفخر الرازي الأخيرة التي استند فيها للأخذ بمعطيات الروايات التي كانت بين يديه فلم يكن موفّقاً فيها.فروايات قيل وقال المضلّلة لا تعدّ في نظر الباحث المحقّق سنداً حقيقيّا ومرجعا بشكل من الأشكال.
ولنأت الآن إلى ما فسّر به الفخر الرازي رحمه اللّه بقيّة هذه الآية الكريمة. وهو قوله تعالى (وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه مالهم به من علم إلاّ اتّباع الظنّ وما قتلوه يقيناً.) فالعلامة الرازي قال:
(" فيه مسألتان : (المسألة الأولى) اعلم أنّ في قوله (وإنّ الذين اختلفوا فيه) قولين ، الأوّل: أنّهم هم النصارى وذلك لأنّهم بأسرهم متّفقون على أنّ اليهود قتلوه.إلاّ أنّ كبار فرق النصارى ثلاثة:
النسطوريّة والملكانيّة واليعقوبيّة.أمّا النسطوريّة فقد زعموا أنّ المسيح صُلِب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته.وأكثر الحكماء يرون ما يقرب من هذا القول.قالوا:لأنّه ثبت أنّ الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو إمّا جسمٌ شريف منسابٌ في هذا البدن ، وإمّا جوهر روحاني مجرّد في ذاته وهو مدبّر في هذا البدن ، فالقتل ورد على هذا الهيكل وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى عليه السلام فالقتل ما ورد عليه، لا يقال:فكلّ إنسان كذلك فما الوجه لهذا التخصيص ؟ لأنّا نقول: إنّ نفسه كانت قدسيّة علويّة سماويّة شديدة الإشراق بالأنوار الإلهيّة عظيمة القرب من أرواح الملائكة.والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألّمها بسبب القتل وتخريب البدن.ثمّ إنّها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلّص إلى فسحة السماوات وأنوار عالم الجلال فيعظم بهجتها وسعادتها هناك.ومعلوم أنّ هذه الأحوال غير حاصلة لكلّ الناس بل هي غير حاصلة من مبدأ خلقة آدم عليه السلام إلى قيام القيامة إلا لأشخاص قليلين .فهذا هو الفائدة في تخصيص عيسى عليه السلام بهذه الحالة.
وأمّا الملكانيّة فقالوا:القتل والصلب وصلا إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة .
وقالت اليعقوبيّة: القتل والصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولّد من جوهرين.فهذا هو شرح مذاهب النصارى في هذا الباب وهو المراد من قوله (وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه.).
(والقول الثاني): أن المراد بالذين اختلفوا هم اليهود،وفيه وجهان: الأول أنّهم لمّا قتلوا الشخص المشبّه به كان الشبه قد ألقى على وجهه ولم يُلق عليه شبه جسد عيسى عليه السلام.فلما قتلوه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.الثاني: قال السدي إنّ اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت،فدخل عليه رجلٌ من اليهود ليخرجه ويقتله.فألقى اللّه شبه عيسى عليه ورفع إلى السماء. فأخذوا ذلك الرجل وقتلوه على أنّه عيسى عليه السلام ثم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان صاحبنا فأين عيسى ؟فذلك اختلافهم فيه.
(المسألة الثانية): احتجّ نفاة القياس بهذه الآية وقالوا: العمل بالقياس اتّباع الظنّ ، واتّباع الظنّ مذموم في كتاب اللّه بدليل أنّه إنّما ذكره في معرض الذم.ألا ترى أنّه تعالى وصف اليهود والنصارى ههنا في معرض الذم ّبهذا فقال (مالهم به من علم إلاّ اتّباع الظنّ)وقال في سورة الأنعام في مذمّة الكفّار (إن يتّبعون إلا الظنّ وإن هم إلا يخرصون) وقال في آية أخرى (وإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا) وكل ذلك يدلّ على أنّ اتّباع الظنّ مذموم.والجواب: لا نسلّم أنّ العمل بالقياس اتبّاع الظنّ،فإنّ الدليل القاطع لما دلّ على العمل بالقياس كان الحكم المستفاد من القياس معلوما لا مظنونا،وهذا الكلام له غور وفيه بحث." ).
وتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ العلامة الرازي رحمه اللّه تناول هذا الشطر من الآية وهو (وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه ماله به من علم إلا اتّباع الظنّ) أقول تناول قوله تعالى : (وإنّ الذين اختلفوا فيه) بالتفسير فطرح رأيين شائعين:الأوّل أنّ النصارى اتفقوا على أنّ اليهود قتلوا
المسيح لكنّ كبار رجال فرقهم وحصر تلك الفرق في ثلاث (النسطوريّة والملكانيّة واليعقوبيّة) أنّهم اختلفوا فيما بينهم في كيفيّة حدوث قتل المسيح وقد شرح رأي كلّ فرقة من الفرق التي ذكرها. ومن ثمّ أورد تفسيراً آخر فسّر من خلاله معنى (اختلفوا فيه) استنادا إلى روايات قيل وقال المتناقضة التي كان ابن كثير رحمه اللّه قد تبنّاها وفي وقت كانت لا تُعدُّ فيه سندا ولا مرجعاً لتفسير كلام اللّه عز وجل.وأثبت الرازي من خلال أقواله هذه أنّه كان متأثّراً بالروايات التي تحمل أفكاراً نُشرت بمفاهيم العهد القديم التي كانت منتشرة أيّام كتبوا هذه الأناجيل.
ومن ثمّ أورد العلامة الرازي بقيّة الآية المذكورة الوارد فيها قول اللّه تعالى (وما قتلوه يقيناً) فقال: (" واعلم أنّ هذا اللّفظ يحتمل وجهين: أحدهما يقين عدم القتل. والآخر يقين عدم الفعل.فعلى التقدير الأوّل يكون المعنى: أنّه تعالى أخبر أنّهم شاكّون في أنّه هل قتلوه أم لا، ثمّ أخبر محمّداً بأنّ اليقين حاصل بأنّهم ما قتلوه.وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنّهم شاكّون في أنّه هل قتلوه ؟ثمّ أكّد ذلك بأنّهم قتلوا ذلك الشخص الذي قتلوه لا على يقين أنّه عيسى عليه السلام،بل حينما قتلوه كانوا شاكّين في أنّه هل هو عيسى أم لا .والاحتمال الأول أولى لأنّه تعالى قال بعده (بل رفعه اللّه إليه) وهذا الكلام إنّما يصحّ إذا تقدّم القطع واليقين بعدم القتل. " )
فتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ العلامة الرازي رحمه اللّه قد أصاب في بيانه الرأي الأوّل وأخطأ في بيانه الرأي الثاني.واعترف بخطأ الوجه الثاني حين قال أخيراً (والاحتمال الأوّل أولى لأنّه تعالى قال بعده (بل رفعه اللّه إليه) وهذا الكلام إنّما يصحّ إذا تقدّم القطع واليقين بعدم القتل.) .
لكنّي أختلف معه في هذا التعليل الذي علّل به خطأه المذكور من جهتين:
أما من الجهة الأولى فلا يجوز إعادة ضمير (قتلوه) إلى (شبّه لهم) إذ أنّ جميع ضمائر هذه الآية الكريمة تعود إلى اسم المسيح ابن مريم نفسه وحسب ومن باب أنّ الضمائر وُجدت لتحلّ مكان هذا الاسم المذكور.خصوصاً وأنّ الرازي نفسه سبق أن قال: إنّه إن سلّمنا بإمكان إلقاء شبه إنسانٍ على إنسان آخر ندخل في باب السفسطة ونقدح حينئذ بالتواتر وجميع الشرائع والملكيّة وغيره.وعليه فقد كان عليه أن يرفض الوجه الثاني من هذا الباب.
وأمّا من الجهة الثانية: فإنّ استدلاله على صحّة الوجه الأوّل كان غير صحيح فهو قال (الاحتمال الأول أولى لأنّه تعالى قال بعده (بل رفعه اللّه إليه). فاستناده إلى قوله تعالى (بل رفعه اللّه إليه) ليس في محلّه وكان أن يستند إلى معلومة الضمائر ومحلّها من الأسماء وللأسباب التالية :
1- فلو أنّ جملة (بل رفعه اللّه إليه) كانت قد وردت لتكمل مضمون هذه الآية الكريمة فلم يكن هناك من داعي ليفصلها اللّه عز وجلّ عنها ويجعلها آيةً مستقلّةً بحدّ ذاتها.
2- وما دامت هذه الجملة آية مستقلّة فلا ينبغي لنا أن نأخذ لحرف الإضراب (بل) معنى إبطال ما قبلها بدليل ما بعدها.خصوصاً وأنّ لحرف (بل) ستّة استعمالات وكما هو وارد في معاجم اللّغة.
3- إنّ العلامة الرازي رحمه اللّه لم يفطن إلى الحقيقة التي ذكرتها آنفاً ولذلك أخذ لحرف (بل) معنى إبطال ما قبلها بدليل ما بعدها وكأنّ هاتين الآيتين الكريمتين آية واحدة. أجل لقد أورد اللّه تعالى هذا المعنى ضمن قوله تعالى في الآية 70 من سورة المؤمنون (أم يقولون به جنّة بل جاءهم بالحقّ وأكثرهم للحقّ كارهون) لوجود حرف (بل) داخل هذه الآية وليس أوّل آية ثانية وردت بعدها.
4- والقاعدة اللّغويّة أنّه إذا ورد بعد حرف (بل) جملة فيكون معنى (بل) حينئذٍ الانتقال من غرض إلى غرض. ومثال ذلك قول اللّه تعالى في الآية 14 من سورة الأعلى (قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلّى بل تؤثرون الحياة الدنيا) . وهذا هو حال حرف (بل) الوارد في هذه الآية الثانية فلقد قال اللّه تعالى (بل رفعه اللّه إليه) وإنّ قوله (رفعه اللّه إليه) هو جملة على شكل قوله تعالى (بل تؤثرون الحياة الدنيا) لذلك فإنّ حرف (بل) هنا في قوله تعالى (بل رفعه اللّه إليه) يعني أنّه حرف ابتداء وهو دالّ على الانتقال من غرض إلى آخر. وليس هو بحرف إضراب يبطل ما قبله بدليل ما بعده هذا المعنى الذي أخذ به الرازي رحمه اللّه في هذه الآية الكريمة.أي أنّه رحمه اللّه قد أخطأ بهذا الاستدلال ليس عن جهل من طرفه ولكن بتأثير ما وصله من روايات (قيل وقال) تلك التي أغفلته عن هذا التحقيق الذي أوردته آنفا.وثبت بالتالي أنّ العلامة الفخر الرازي رحمه اللّه وعلى شاكلة ابن كثير رحمه اللّه كان هو أيضاً يفسّر الآيات أحيانا بتأثير الروايات المختلفة والمدسوسة والمتناقضة ولعدم وجود أناجيل مطبوعة بين يديه.
5- والدليل على صحّة هذا المعنى الذي أوردته لحرف (بل) وهو الانتقال من غرض إلى آخر والوارد في قوله تعالى (بل رفعه اللّه إليه) هو أنّ ما قبل (بل) وهو جملة (وما قتلوه يقينا) هي صيغة نفيٍ فلو صحّ رأي الرازي رحمه اللّه أنّها حرف إضراب تبطل ما قبلها فكيف كانت ستُبطل هذا النفي (وما قتلوه يقيناً) وهل يصحّ إبطال ما هو باطل ؟
6- وبالإضافة إلى ما ذكرناه وبيّناه فقد كان رأي (الأخفش) المعروف أنّ العرب استعملت الحرف (بل)في قطع كلام واستئناف كلام آخر.
ولنعد إلى ما أورده العلامة الرازي وهو يفسّر الآية الثانية (بل رفعه اللّه إليه) فهو كتب يقول:
( " أما قوله (بل رفعه اللّه إليه) ففيه مسائل:
(المسألة الأولى) قرأ أبو عمرو والكسائي (بل رفعه اللّه إليه) بإدغام اللام في الراء ،والباقون بترك الإدغام ،حجّتهما قرب مخرج اللام من الراء ،والراء أقوى من اللام بحصول التّكرير فيها.ولهذا لم يجز إدغام الراء في اللام لأنّ الأنقص يدغم في الأفضل.وحجّة الباقين أنّ الراء واللام حرفان من كلمتين فالأولى ترك الإدغام.
(المسألة الثانية) المشبّهة احتجّوا بقوله تعالى (بل رفعه اللّه إليه) في إثبات الجهة. والجواب:المراد الرفع إلى موضعٍ لا يجري فيه حكم غير اللّه تعالى كقوله (وإلى اللّه ترجع الأمور) وقال تعالى (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى اللّه ورسوله) وكانت الهجرة في ذلك الوقت إلى المدينة.وقال إبراهيم (إنّي ذاهب إلى ربّي).
(المسألة الثالثة) رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية ،ونظير هذه الآية قوله في آل عمران (إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا) واعلم أنّه تعالى لمّا ذكر عقب ما شرح أنّه وصل إلى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة أنّه رفعه إليه دلّ ذلك على أنّ رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنّة ومن كلّ ما فيها من اللّذات الجسمانيّة. وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانيّة.
ثم قال تعالى (وكان اللّه عزيزا حكيما) والمراد من العزّة كمال القدرة .ومن الحكمة كمال
العلم فنبّه بهذا على أنّ رفع عيسى من الدنيا إلى السماوات وإن كان كالمتعذّر على البشر لكنّه لا تعذُّر فيه بالنسبة إلى قدرتي وإلى حكمتي وهو نظير قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) فإنّ الإسراء وإن كان متعذّراً بالنسبة إلى قدرة محمّد إلا أنّه سهلٌ بالنسبة إلى قدرة الحقّ سبحانه.")
فيا عزيزي القارئ إنّك وبعد ما نقلت لك ما فسّر به الرازي رحمه اللّه الآية (بل رفعه اللّه إليه) فلابدّ وأنّك أدركت صحّة ما اتّهمت به أنا المفسرين القدماء وهو وقوعهم تحت تأثير روايات (قيل وقال) تلك التي أوهمتهم بمعنى (صعود) المسيح إلى السماء ، فها هو الرازي رحمه اللّه وبالرّغم من خلوّ هذه الآية الكريمة (بل رفعه اللّه إليه) من كلمة (سماء) فتلاحظ الرازي وقد قال بصورة لا شعورية وذلك في المسألة الثالثة (رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية) وإنّ هذه الألفاظ نفسها تدلّ ضمنيّا على وقوعه رحمه اللّه تحت تأثير عقيدة (الصعود) المسيحيّة التي نقلَتها إليه روايات (قيل وقال) وإلاّ فما معنى أن ينبري رحمه اللّه ويقول قوله الآنف الذكر؟ هذا القول الذي يعني بألفاظ أخرى هاكم انظروا كيف أننا عثرنا على ما يؤيّد ما وردنا من روايات تقول بصعود المسيح إلى السماء.
فإن أنت كنت اقتنعت معي بأنّ اللّه تعالى قد أورد في هذه الآية الكريمة حرف (بل) بمعنى الانتقال من غرض إلى آخر ولذلك جعل قوله تعالى (بل رفعه اللّه إليه) آيةً مستقلّة.فإن أنت أيقنت بذلك فاعلم أنّ قول اليهود الوارد في الآية 157 قد اشتمل على ادّعاءات ثلاثة:
1- إدّعاء القتل (إنا قتلنا ).
2- تعيين اسم المقتول وهو (المسيح ابن مريم) الذي زعم اليهود أنّهم قتلوه.
3- نفيُ اليهود وبسبب تمكّنهم على حدّ زعمهم من قتل المسيح نفيهم أن يكون المسيح ابن مريم عليه السلام (رسول اللّه) ووفقا لنصّ سفر التثنية 18/20 الذي استندوا إليه في محاولتهم لقتل المسيح.فهم قالوا في هذه الآية الكريمة (رسول اللّه) على سبيل الاستهزاء.وهو المعنى الذي أيّده ابن كثير والفخر الرازي رحمهما اللّه كلاهما أيضا.
ولاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ الآية 157 التي أوردت هذه الادّعاءات الثلاث قد دحضت اثنين من تلك الادّعاءات فقط ومن خلال (وما قتلوه وما صلبوه) وهو نفي القتل ونفي الصلب.ولذلك فقد انتقل اللّه تعالى من ذاك الغرض إلى غرض آخر في هذه الآية الثانية ليردّ على ادّعاء اليهود الثالث الذي ادّعوه من خلال كلمتي (رسول اللّه) وليثبت كون المسيح ابن مريم (رسول اللّه) حقّا.فقدّم اللّه عز وجلّ الدليل على مصداقيّة ذلك من خلال قوله تعالى (بل رفعه اللّه إليه) بمعنى أنّ اللّه تعالى قد جعل المسيح ابن مريم من مقرّبيه.فالرفع إلى اللّه المنزّه وجوده عن المكان لا يعني إلاّ الرفع والتّقريب
وليس أنّ اللّه قابع في السماء وأنّه رفع المسيح إليه فاللّه تعالى قال عن نفسه (ليس كمثله شيء).
المفسّرون القدماء وما تأثّروا به من مفاهيم قديمة
وألخّص لك يا عزيزي القارئ ما أوردته وبيّنته من تأثير حدث على تفكير المفسّرين القدماء رحمهم اللّه حول ما ورد في تفسيري ابن كثير والتفسير الكبير للفخر الرازي رحمهما اللّه تعالى بصورة خاصّة فأقول:
أمّا ما يتعلّق بتفسير ابن كثير فلا حاجة بي لتلخيص شيء ممّا ورد فيه بشأن تأثّره بمسألة (الصعود إلى السماء) التي اعتقدها المسيحيّون خطأ ،هذه العقيدة التي كنت قد بيّنت تاريخ نشوئها من قبل وأثبتّ عدم صحّتها.إذ أنّ ابن كثير لم يتدبّر آيات هذا الكتاب العزيز بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.بل فسّر الآيات بروايات أقلّ مرتبة من القرآن الكريم ومتناقضة وبدون سند لها لذلك أُعرض عن الكلام عن تفسيره إذ لم أجد فيه ما يثير الاهتمام .
لكنّ التفسير الكبير للعلاّمة الفخر الرازي رحمه اللّه وإن كان فاضلا وعالما نحريراً فإنّ تفسيره للآيتين 157/158 من سورة النساء وردت تشوبها الأمور التالية:
أولا- فنحن نلاحظ بأنّ الفخر الرازي رحمه اللّه قد انتبه إلى أنّ قول اليهود (إنّا قتلنا) قد ورد على سبيل الاستهزاء بالمسيح عليه السلام.وهي حقيقة لا نشكّ فيها. لكنّ الفخر الرازي لم ينتبه إلى أنّ آية (بل رفعه اللّه إليه) قد جعلها اللّه تعالى آيةً منفصلةً ومستقلّةً للردّ من خلال مضمونها على الاستهزاء الصادر عن اليهود من خلال قولهم (رسول اللّه) .ولقد أورد اللّه تعالى قوله (بل رفعه اللّه إليه)فيما بعد ضمن آيةٍ مستقلّةٍ وردّ عليه كما سأبيّن ذلك فيما بعد.ولقد علّقت على قول الرازي وبيّنت السبب الذي دفع اليهود للقيام بمحاولة قتل المسيح الناصريّ وذلك بالتنبيه إلى ما ورد في سفر التثنية من (العهد القديم) ذلك النصّ الذي جعلوه ذريعة محاولتهم قتل كلّ مدّعٍ للنبوة ومن دون التحقيق في مصداقيّة ما ادّعاه.
ثانيا- وعندما فسّر العلامة الرازي رحمه اللّه قول اللّه تعالى (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم) فهو انتهى منه إلى أنّ ضمير (شبّه لهم) يعود إلى المسيح عليه السلام وبمعنى (خُيّلَ لهم) أي خُيّل لليهود أنّ المسيح مات على الصليب وأنّهم قد تمكّنوا من قتله وهو عليه.ومع ذلك فقد لاحظنا بأنّ الفخر الرازي رحمه اللّه قد نبّه وقال في الوقت نفسه جازما بأننا إن نحن أعدنا ضمير (شبّه لهم) إلى شخصٍ أُلقي عليه شبه المسيح فإنّ هذا الإرجاع يُدخلنا في باب السفسطة ويقدح في التواتر وعقود الزواج والمواريث وحنى في الشرائع وبذلك يكون قد أبدع رحمه اللّه في هذا البيان الذي طرحه.
ثالثا- وقد علّقت على تفسير الفخر الرازي حين فسّر رحمه اللّه قوله تعالى (وإنّ الذين اختلفوا فيه) أنّه رحمه اللّه استند في ذلك إلى روايات (قيل وقال) المتناقضة ولذلك لم يصل في معناه إلى مرتبة الكمال ولذلك فلا يؤخذ برأيه في هذا المقام.
رابعا- كذلك فإنّ العلامة الرازي رحمه اللّه حين فسّر قوله تعالى (وما قتلوه وما صلبوه) ومنبّهاً إلى وجود رأيين في زمنه. فقد أصاب حين أيّد الرأي الأوّل لكنّه أخطأ فيما بيّنه حول الرأي الثاني. وقد علّقت على ذلك من جهتين هناك: فالجهة الأولى أنّ الضمائر في الآية الكريمة لا تعود إلاّ إلى اسم المسيح الوارد فيها وفقاً للقاعدة العربيّة.ومن الجهة الثانية فقد بيّنت هناك بأنّ حرف (بل) الذي استهلّ اللّه تعالى به الآية الثانية قد ورد بمعنى الانتقال من غرض إلى غرض آخر ولم يرد بمعنى نفي ما قبله بدليل ما بعده.ولم أكتفي بهذا التنبيه بل وأدليت بالأدلّة التي تثبت مصداقيّته.
خامسا- وحين فسّر العلامة الرازي رحمه اللّه قول اللّه تعالى (بل رفعه اللّه إليه) نبّهت هناك إلى عدم انتباه العلامة رحمه اللّه إلى أنّ هذه آية مستقلّة ولا تشكّل جزء من الآية التي قبلها.كما نبّهت إلى حكمة جعلها آية مستقلّة ولنقض ما قام اليهود به من استهزاء في أوّل الآية السابقة حين قالوا (إنّا قتلنا المسيح).وقد نقض اللّه جلّ شأنه ما استهزأ اليهود به في هذه الآية المستقلّة قائلا (بل رفعه اللّه إليه) أي جعله من المقرّبين عنده.فلو كان المسيح كاذبا في نبوّته فما كان له أن يستحقّ هذا التّقريب.
فهذه هي خلاصة ما قمت به من مناقشات لهذين التفسيرين المذكورين.وبما أنّي كنت قد ألقيت ضوء على مفهوم كلمتي (اللّه والسماء) في أذهان الذين كتبوا الأناجيل الأربعة.ذاك المفهوم الذي لم يتغيّر في زمن كتابة هذين التفسيرين المذكورين لكون علم الفلك لم يتقدّم إلى الدرجة التي
هي عليها في أيّامنا هذه فقد بقي عليّ أن اشرح مفهوم اسم الجلالة ( اللّه) هذا الاسم الذي أتى به هذا القرآن الكريم.
مفهوم كلمة (اللّه) في القرآن الكريم:
فلقد علمت يا عزيزي القارئ بأنّ العهدين (القديم والحديث) لم يأتيا بمفهوم لاسم (الإله) كالمفهوم الذي أتى به القرآن الكريم حول اسم الجلالة (اللّه) أو (الربّ الإله).ومن باب أنّ لغة الضاد امتازت عن بقيّة لغات العالم ومنها اللّغات التي ترجموا عنها هذين العهدين المذكورين.أقول امتازت العربيّة باستعمال كلمة (اللّه) تعبيراً عن ذات خالق السماوات والأرض.هذا الاسم الجامد غير المشتق والذي أورده القرآن الكريم ليعبّر به عن الذات الإلهيّة المقدّسة التي تجلّت حين أبدعت هذا العالم المادّي من خلال أكثر من مائة صفة.والتي ستتجلّى بثمانية صفات مضافةٍ إليها يوم البعث الأكبر بدليل قوله تعالى (يوم يحمل عرش ربّك يومئذ ثمانية)-الحاقة 17-.
هذا وإنّ القرآن العظيم قد أهمل الكلام عن ذات اللّه تعالى بصورة متعمّدة لكون الوسائل المعرفيّة المتوفّرة لعقل الإنسان لا تساعده على الإحاطة علماً بماهيّة الذات الإلهيّة المقدّسة ولذلك لاحظناه جل شأنه قد اكتفى بالقول في الآيات 11/12/13 من سورة الشورى (فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنّه بكلّ شيء عليم.). هذا وعلى حين أنّ (العهد القديم) تكلّم عن اللّه وعن أنّ روحه تنفصل عنه وترفرف فوق المياه وغيرها. وأنّه قد جبل بيديه طيناً وصنع من الطين تمثالاً هو تمثال آدم ونفخ في أنفه نسمة حياة فأصبح هذا التمثال المنحوت من طين (آدم) وكأوّل مخلوق. فإنّ القرآن الكريم رفض أن يكون آدم هو أوّل بشر مخلوق وصرّح بأنّ آدم كان نبيا ورسولا وليس هو أوّل بشر.وأنّ البشر كانوا موجودين على سطح الكرة الأرضيّة قبل آدم بملايين السنين.وعليه فإنّ هذا الطرح الذي طرحه (العهد القديم) يتنافى ليس مع مُعطيات القرآن الكريم وحسب بل ويتنافى مع معطيات الحقائق العلميّة التي توفّرت في القرن العشرين .أمّا الطرح القرآني فلا يتناقض مع الحقائق العلميّة خصوصا وأنّه تعالى قال في الآية 17 من سورة نوح ( واللّه أنبتكم من الأرض نباتا).ولذلك اكتفى هذا القرآن العظيم بالقيام بالكشف للقارئ المؤمن عن صفات الذات الإلهيّة المقدّسة.ولم يتعرّض إلى الكلام عن الذات المقدّسة نفسها.
وعلى هذه الصورة فإنّ مفهوم (اللّه) في القرآن الكريم يختلف كثيرا عن مفهوم (الربّ الإله) في (العهد القديم) وكما بيّنت ذلك من قبل.ولولا أن كان المفسّرون القدماء المسلمون واقعين تحت تأثير الروايات المتناقضة لكانوا قد تجنّبوا القول بصعود المسيح إلى السماء بجسده العنصري.ولكانوا قالوا برفعه الروحانيّ وحسب.فالعلامة الرازي رحمه اللّه حين أخذ بما وصله من روايات وقال بصعود المسيح عليه السلام إلى السماء فقد استعمل هناك ألفاظاً دلّت على أنّه وبدافع مفهوم كلمة (اللّه) الوارد صفاته في القرآن المجيد قال في إثبات الجهة التي رُفع المسيح إليها:
" المراد الرفع إلى موضعٍ لا يجري فيه حكمٌ غير اللّه تعالى كقوله (وإلى اللّه ترجع الأمور) وقال
تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى اللّه ورسوله)وكانت الهجرة في ذلك الوقت إلى المدينة وقال إبراهيم (إنّي ذاهب إلى ربّي). "
فهذه الإجابة التي أجاب بها الفخر الرازي إن دلّت على شيء فإنّها تدلّ على أنّ مفهوم كلمة (اللّه) اختلفت في ذهن الفخر الرازي رحمه اللّه عن مفهومها السائد قديما في أذهان أهل الكتاب من أتباع العهدين (القديم والجديد). لذلك نلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ الرازي سلّم من جهة بعقيدة (الصعود) المتأثّر بها من معطيات روايات قيل وقال وعاد مُحرجاً في بيان المكان الذي شاء أن يقول بصعود المسيح إليه بسبب أنّ مفهوم كلمة (اللّه) قد أدخلت تعاليم الإسلام عليها كثيراً من التغيير. فلم يقل أنّه صعد إلى السماء وجلس عن يمين اللّه كما قال إنجيل مرقس بل أجاب بهذه الإجابة التي أوردناها بسبب أنّه عاد يعلم بأنّ اللّه تعالى لا حيّز له ليتواجد فيه لكونه (ليس كمثله شيء) ثمّ إنّه على حين كان مفهوم كلمة (الربّ الإله) في مفهوم العهد القديم ينسب إلى ذات اللّه تعالى أنّه لا يعلم الغيب وبدليل أنّه عندما قدِم (الربّ الإله)إلى الجنّة وهو الذي كان قد نحت آدم من طين ونفخ في أنفه نسمة حياة وسمع آدمُ وقع أقدام (الرب الإله) يتمشّى في الجنّة اختبأ وراء شجرة فنادى الربّ الإله: يا آدم أين أنت ؟ وهذا يعني بألفاظ أخرى أنّ (الربّ الإله) لا يعلم الغيب في مفهوم (العهد القديم).فإنّ القرآن الكريم قد أورد في الآية 18 من سورة الحجرات (إنّ اللّه يعلم غيب السماوات والأرض واللّه بصيرٌ بما تعملون).وقال تعالى في الآية 78 من سورة التوبة: (ألم يعلموا أنّ اللّه يعلم سرّهم ونجواهم وأنّ اللّه علاّم الغيوب).
وأنا حين وضّحت الفرق ما بين مفهوم كلمة (الرب الإله) أو كلمة (اللّه) في أذهان الذين كتبوا الأناجيل الأربعة وما بين مفهومه في أذهان الذين كتبوا هذه التفاسير القديمة ومنهم الفخر الرازي رحمه اللّه، فقد قصدت أن أُشعِرَ المسلم قبل المسيحيّ أن يفكّر في موضوع حقيقة (الرفع إلى اللّه) ألف مرّة وليقلّب الأمر على أوجهه قبل أن يجزم: هل أنّ الرفع كان يشمل المسيح بجسده وروحه أم كان يشمل روح المسيح وحدها وأنّ جسده بقي في هذه الأرض لكون جسده قد خرج من هذه الأرض التي جُبل منها ويعود إليها كما تعود إليها بقيّة أجساد جميع أفراد بني البشر لقول اللّه تعالى في الآية 55 من سورة (طه): (منها خلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نُخرجكم تارةً أخرى) ؟ وفي هذه الحالة لا تكون عمليّة رفع المسيح قد تمّت إلا بعد وفاته وأنّ اللّه تعالى حين ذكر رفع المسيح إليه فقد ذكره ردّاً على سخرية اليهود من ادّعاء المسيح أنّه (رسول اللّه).
والآن وبعد هذا التقديم الذي قدّمت به وهذا البيان الذي بيّنته فقد عاد القارئ الكريم ينتظر
منّي أن أبيّن له ما أفهمه من مضمون هاتين الآيتين الكريمتين 157/158 من سورة النساء بمنهجيّة
القرآن الكريم وأصول تفسيره وليس استناداً إلى (قيل وقال) .
لكنّي أرجو من القارئ العزيز أن يضع في حسابه جميع ما ناقشناه حتّى اللحظة وما توصّلنا إليه من نتائج بعد جميع الذي قمنا به من محاكمات لنصوص الأناجيل ولنصوص تفسيري: ابن كثير والعلامة الفخر الرازي تغمّدهما اللّه تعالى بواسع رحمته.
إذا تدبّرنا الآية 157 ؟
وأبدأ يا عزيزي القارئ بمحاولة تدبّر قول اللّه تعالى في الآية 157 من سورة النساء:ما قبلها من آيات وما بعدها أيضا.فقد قال اللّه تعالى هناك:
(وبكفرهم وقولهم على مريم بُهتانا عظيما.وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه ، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم ، وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه ، ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظنّ وما قتلوه يقينا ً. بل رفعهُ اللّه إليه وكان اللّه عزيزاً حكيما.وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته،ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً.) سورة النساء -156-159 -.
وقبل أن نبدأ بتفسير هذه الآيات الكريمة أعود فأذكّر القارئ العزيز بأهمّ النقاط التي خرجنا بها فيما أسلفناه من بيان ومحاكمات واستنتاجات وعلى سبيل التّذكير ليس إلاّ :
أولا- كنّا قد توصّلنا إلى أنّه حين كتب المفسّرون القدماء رحمهم اللّه تفاسيرهم التي هي بين أيدينا لم تكن الأناجيل الأربعة المعروفة في زماننا هذا مطبوعة ومتداولة بين أيدي أولئك المفسّرين لذلك اعتمدوا على ما وصلهم من روايات (قيل وقال) المتناقضة وكأنّها مرجعٌ موثوق يُرجع إليه.ففسّروا الآيات القرآنيّة على ضوء ما وصلهم من روايات بسبب أنّ المفسّر هو بحاجة لشرح الحدث التاريخي الذي نصّت عليه الآية الكريمة بأسانيد تاريخيّة تتعلّق بتلك الحادثة.وإنّ هذه العمليّة تُعتبر أصلٌ من أصول التفسير.أما وقد أصبحت تلك الأناجيل مطبوعة ومتداولة بين الناس في زماننا الحاضر فقد عادت هي مرجعنا فيما نتدبّره من نصوص قرآنيّة ولا يجوز رفض ما ورد فيها إلاّ بدليلٍ عقلانيّ مقنع أو بدليل من التاريخ.
ثانياً- وقد توصّلنا سابقا إلى أنّ العلامة الفخر الرازي رحمه اللّه قد أقرّ بأنّ اليهود عندما قالوا في هذه الآيات الكريمة (إنا قتلنا) فقد نقل لنا القرآن الكريم قولهم هذا على أنّهم قالوه على سبيل استهزائهم بادّعاء المسيح الناصري أنّه (رسول اللّه) وهي الألفاظ الواردة في هذه الآيات أيضا.ومن باب اعتقادهم بكذبه في موضوع ادّعائه المذكور.فالفخر الرازي أصاب في رأيه هذا .علما بأنّ اليهود قد استندوا فيما قالوه وأقدموا عليه وسخروا منه إلى النصّ الوارد في سفر التثنية 18/20 من (العهد القديم) المطبوع والقائل بأنّ النبيّ الكاذب يُقتل.
ثالثاً- ثمّ إنّ العلامة الفخر الرازي رجّح الرأي القائل بشأن معنى قوله تعالى (ولكن شُبّه لهم)من أنّ معناه أنّه (خُيّل لليهود) أنّ المسيح قد مات صلباً.ورفض الرأي القائل بأنّ شخصا آخر كان قد ألقى اللّه تعالى عليه (شبه المسيح) ومن باب أنّ هذا الرأي الثاني يفتح باب السفسطة ويلقي بأثره على موضوع التواتر المأخوذ به في سنّة محمّد رسول اللّه تعالى فيضعف من منزلته كما يلقي بأثره على عقود الزواج فلا يعود يتيقّن المرء هل أنّ هذا الزوج هو الزوج الأصلي أم هو قد ألقي الشبه عليه.ويُشتبه موضوع الإرث أيضا ويعود المرء يتساءل هل أنّ من يطالب بهذا الإرث هو الوارث الحقيقيّ أم أنّه رجلٌ آخر قد أُلقي عليه شبه الوارث الحقيقي.وعليه فإنّ هذه الملاحظة التي أدلى بها العلامة الفخر الرازي هي من الأهمّية بمكان.فلو أنّ اللّه تعالى كان قد ألقى بشبه المسيح ابن مريم على رجل آخر غيره لكان من نتيجة ذلك حدوث ضجّة في وقته. ذلك أنّ أهل (المشبّه) لابدّ أن يبحثوا عن ابنهم المفقود.على حين أنّ الأناجيل الحاضرة وضّحت مصير (يهوذا الإسخريوطي) الذي وشى بالمسيح وفي وقت كان بعض المفسّرين القدماء زعموا أنّ اللّه تعالى ألقى على يهوذا شبه المسيح.
رابعاً- وينبغي ألاّ ننسى بأنّ العلامة الفخر الرازي رحمه اللّه قد حصر مفهوم رفع المسيح وقال (إلى موضع لا يجري فيه حكمٌ غير حكم اللّه تعالى كقوله (وإلى اللّه ترجع الأمور) وقوله (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى اللّه ورسوله) وقول إبراهيم عليه السلام (إنّي ذاهب إلى ربّي).فلماذا حصر العلامة الرازي (الرفع) بهذا المعنى ؟ الجواب هو أنّ مفهوم كلمة (اللّه) في القرآن الكريم لا تستسيغ أن يكون اللّه تعالى موجوداً فوق هذه القبّة السماويّة وأن يوجد للّه تعالى حيّزٌ مادّيّ في هذه السماء يشبه المكان الذي يجلس الإنسان عليه. وليصعد المسيح وليجلس عن يمينه تعالى حسبما أورد مؤلّف إنجيل مرقس . فالفخر الرازي أوجد هذا الحلّ على أساس المفهوم الإسلاميّ الجديد لكلمة (اللّه) .
خامساً-والذي ينبغي علينا أن نتذكّره قبل تدبّر هذه الآيات الكريمة هو أنّ الضمائر وُجدت في اللّغة العربية وغيرها من لغات العالم لتحلّ محلّ أقرب اسمٍ ورد قبلها دفعا لتكرار هذا الاسم مرارا وتكرارا.وأنّ الضمائر لا يجوز إعادتها إلى اسمٍ خارج عن النصّ الواردة فيه تلك الضمائر.فإن أعيد النصّ إلى اسم غائب عن النّص فكيف سيذهب الذهن إليه ؟ ذلك أنّ هذه الآية الأولى التي سنتدبّرها اشتملت على عشرة ضمائر: اثنان من هذه الضمائر يعودان إلى اليهود الذين قالوا (إنّا قتلنا) وثمانية ضمائر تعود إلى اسم (المسيح ابن مريم) لكون موضوع النفي في هذه الآية الأولى يدور حول شخص المسيح عليه السلام.ومن منطلق أنّ نصّ هذه الآية الكريمة لم يشتمل على اسم ثالث قطعاً. وعليه فإنّ من واجب القارئ الكريم أخذ هذه النقاط الخمس التي أوردناها بعين اعتباره كيلا يورد هذا القارئ اعتراضا أثناء سير تدبّر هذه الآيات الكريمة فيخلّ بتسلسل الأفكار حيث لا ينبغي حدوث ذلك.
التفسير الفصل لهذه الآيات من سورة النساء
فلاحظ يا عزيزي القارئ بداية بأنّ سباق الآيات الواردة آنفا يدلّ على أنّ مضمونها ورد بصدد الكلام عن (أهل الكتاب) واليهود منهم خاصّة وابتداء من الآية 153 وإلى الآية 156 كذلك يدلّ سياق هذه الآيات على ذلك أيضا انتهاء بالآية 161 من سورة النساء.ففي سباق هذه الآيات ذكّر اللّه تعالى ببعض ما كان اليهود قد ارتكبوه من مخالفات لتعاليم نبيّهم موسى عليه السلام ومن جرائم بحقّ من بعثهم اللّه تعالى من بينهم من أنبياء مجدّدين لتعاليم دين موسى . ومن ثم أتى تعالى على ذكر آخر جريمة ارتكبوها وقال: (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما) وقد استهلّ اللّه تعالى هذه الآية الكريمة بواو العطف وبالباء السببيّة ليعي أنّه بسبب كفر اليهود برسالة المسيح عليه السلام الذي ولدته أمّه مريم بدون أن يمسّها زوجها وعلى طريقة انقسام النطفة وتلقيح نفسها بنفسها وكما يحدث في عالم النبات ولتتحقق نبوءة قديمة متعلّقة بموضوع تولّد المسيح على الصورة التي ذكرناها.وبما أنّ ما حدث يدخل في باب الشواذ وليس وفقا للقاعدة المعروفة فقد تعجّل اليهود واتّهموا والدة المسيح السيّدة مريم (بالبهتان العظيم). فما معنى ذلك ؟ تقول: بهت فلانٌ فلانا بُهتانا والمعنى: أنّه قال عليه ما لم يفعله (محيط المحيط). وقد وصف اللّه عز وجلّ بهتان اليهود بصفة (العظيم) أي الكبير.وضدّ الصغير إظهاراً لتسرّع اليهود فيما فعلوه وأقدموا عليه.وهنا كان من واجبنا التأكّد من صحّة هذه المعلومة القرآنيّة وذلك من خلال رجوعنا إلى ما ذكرنه الأناجيل في هذا المجال من أجل أن نتبيّن حقيقة هذا البهتان المشار إليه.
فقد أورد كاتب إنجيل متى في الإصحاح 1/18 –25 ما يلي:
(" أمّا ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا لمّا كانت مريمُ أمّه مخطوبةً ليوسف قبل أن يجتمعا وُجِدت حُبلى من الروح القُدس.فيوسف رَجُلَها إذ كان بارّا ولم يشأ أن يُشهرَها أراد تخليتها سرّا.ولكن فيما هو متفكّرٌ في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حُلُم قائلا: يا يوسفُ بن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتُك.لأنّ الذي حُبِلَ فيها هو من الروح القدس.فستلِدُ ابنا وتدعو اسمه يسّوع.لأنّه يخلّص شعبه من خطاياهم.وهذا كله كان لكي يتمّ ما قيل من الربّ بالنبيّ القائل هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره اللهّ معنا.فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الربّ وأخذ امرأته .ولم يعرفها حتّى ولَدَت ابنها البكر ودعا اسمه يسوع".)
فمن خلال هذا النصّ تتبيّن مصداقيّة ما ذهب إليه القرآن الكريم بشأن موضوع السيدة مريم
التي حبلت بالمسيح من دون أب وولدت مصداق ما بشّر به الملاك خطيبها يوسف بولادته كذلك. وبعد أنّ برّأ القرآن المجيد السيّدة مريم ممّا اتّهمها به اليهود وبما لم تفعله تجنّياً وافتراء. كبُر هذا المولود الذي وضعته السيدة مريم وبعثه اللّه جلّ شأنه نبيّا رسولا مصداق ما كان منبأً عن بعثته هذه.
وقد اقتضى هذا التسلسل الموضوعيّ أن يتعرّض اللّه عز وجلّ لذكر موقف اليهود الذي اتّخذوه من المسيح عليه السلام بعد أن أصبح رسولا فأخبرنا تعالى بأنّ اليهود وبعد أن أحاطوا علما بأنّ هذا المولود الذي ولدته السيدة مريم قد ادّعى أنّه قد بعثه اللّه ربّه رسولا إلى بني إسرائيل فقد بدؤوا يتآمرون على قتله فحاولوا قتله صلباً بدافع ما ورد في سفر التثنية 18/20الذي سبق لي أن أوردت نصّه الذي اقتبسته من ثلاث طبعات (للعهد القديم) المعاصر.وهنا فلقد شاء اللّه عز وجلّ أن يخبر القارئ عن فعل اليهود المشار إليه وليطّهر اللّه تعالى المسيح الناصريّ ممّا ادّعاه اليهود من أنّ يسوع الناصريّ قد ادّعى أنّه (رسول اللّه) افتراء وكذبا وممّا ألصقوه بأمّه من اتّهام بأنّها حبلت بالمسيح حبَلا غير شرعيّ. وقد عبّر اللّه جلّ شأنه عن ذلك كلّه في مستهلّ هذه الآية الكريمة من خلال ما نقله عن اليهود قولهم (إنّا قتلنا المسيح ابن مريم رسول اللّه) .
فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هو ما معنى أن يورد اللّه عز وجل حرف التأكيد (إنّا) مقرونا بفعل (قتلنا) ومنسوبا إلى فعل اليهود وليقول على لسانهم (إنّا قتلنا) فقد كان يكفي أن ينقل عنهم قولهم: (قتلنا) ؟ وإنّ ما أجيب به على هذا السؤال المطروح هو نفس ما أجاب به المفسّرون القدماء رحمهم اللّه.فهم ذهبوا في رأيهم إلى أنّ قول اليهود (إنا قتلنا) ورد مؤكّدا بحرف التأكيد (إنّ) في مجال أنّهم يسخرون بيسوع المسيح وبيقين ومن دون أن يحاكم المفسّرون القدماء هذه الصيغة (إنا قتلنا) على شاكلة ما حاكمتها فهم حاكموها بدافع شعور عفويٍّ من جانبهم لمعطياتها ليس إلاّ.
وعلى كلّ حال فقد اتّفقت مع المفسّرين القدماء في دلالة (إنا قتلنا) والحمد للّه.وإنّ كتاب اللّه العزيز يقدّم لنا مثالا آخر من هذا النوع من الدلالة حين قال تعالى في الآية 49بحقّ الجهنّمي (ذق إنّك أنت العزيز الكريم) أي أنّك أيّها الكافر حين كنت تتفاخر على المؤمنين في الدنيا بكونك عزيزا كريما فذق الآن في جهنّم نتائج هذا الادعاء فاللّه تعالى هو (العزيز الرّحيم).
ومن ثمّ أكمل اللّه تعالى ما أراد بيانه فنفى ادّعاء اليهود المزعوم وبأسلوب موضوعي وقال:
(وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّهَ لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه ما لهم به من علم إلاّ اتّباع الظنّ وما قتلوه يقيناً.).
فإن نحن تدبّرنا هذه الشطر من هذه الآية الكريمة بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره نتساءل أوّلا عن معنى (إنا قتلنا). فقد ورد في معم محيط المحيط: قتله يقتله قتلا معناه أزهق روحه وأماته أي أفقده الحياة.وقتل اللّه الإنسان معناه لعنَه.وفي سورة عبس قال تعالى (قُتل الإنسانُ ما أكفره) أي لُعن الإنسان ما أكفره. (محيط المحيط)
وعليه فإنّ اليهود يكونون قد زعموا حين قالوا (إنّا قتلنا) بأنّهم تمكّنوا من إزهاق روح المسيح ومن إماتته وإفقاده حياته.وقد تصدّى اللّه عز وجلّ لادّعاء اليهود المشار إليه ونقض زعمهم هذا ومن خلال قوله تعالى (وما قتلوه وما صلبوه).
وهنا سؤال آخر: وهو أنهّ ما دام ادّعاء اليهود قد اقتصر على كلمة واحدة وهي (قتلنا) فقد كان من المناسب أن يردّ سبحانه وتعالى على ما زعمه اليهود وينفي ادّعاءهم بكلمة واحدةٍ فقط ويقول (وما قتلوه). لكنناّ نلاحظ بأنّ اللّه تعالى قد أضاف على نفي القتل نفيا آخر وقال (وما صلبوه)فما هو سرّ هذه الإضافة ؟ فهذا سؤال قد غاب عن أذهان المفسّرين القدماء رحمهم اللّه.ولذلك لاحظناهم ينفون القتل والصلب في وقت واحد. وكانوا يقدّمون كلمة (القتل) على كلمة (الصلب) أحيانا. ويقدّمون كلمة (الصلب) على كلمة (القتل) أحيانا أخرى وعن غير وعي منهم وكما ظهر ذلك فيما اقتبسناه من تفاسيرهم .وبإمكان القارئ العودة إلى ما نقلته له من أقوالهم رحمهم اللّه ليتيقّن ممّا ذكرته له .
وللإجابة على هذا السؤال المطروح واستناداً إلى أصول تفسير آي الذكر الحكيم كان من واجبنا العودة إلى ما حدث في تلك الحقبة من الزمان زمن بعثة المسيح الناصري والاطّلاع على ما بين أيدينا من مستندات بشأن تلك الأحداث لمعرفة سبب نفي اللّه تعالى عمليّتي (القتل والصّلب) في هذا المقام من هذه الآية الكريمة ردّا على ادّعاء اليهود الواحد (إنا قتلنا).واختصاراً للوقت والشرح فقد يعلم القارئ الكريم بأنّي كنت ألّفت كتابا عنوانه (هل مات المسيح على الصليب ؟) وتكلّمت فيه عما جرى في تلك الحقبة من الزمان وبتحقيقٍ عمّا جرى فيها من أحداث وقد
أوردت ما أوردته في الكتاب المشار إليه من معلومات من هذه الأناجيل الأربعة المطبوعة في عصرنا والتي هي بين أيدينا اليوم.وبإمكان القارئ مراجعة الكتاب المشار إليه في أيّ وقت يشاء للإطّلاع على ما اشتمل عليه من معلومات .
أقول:لقد تبيّن لي من تلك الأناجيل بأنّه لم تحدث في تلك الآونة من الزمان محاولتان من جانب اليهود لإزهاق روح المسيح وإفقاده حياته وعلى حسب ما فهمه المفسّرون القدماء . بل كان كلّ ما حدث أنّها حدثت محاولة واحدة هي محاولة إماتته على الصليب ومن خلال ضغوطٍ ضغط بها اليهود على الحاكم الروماني (بيلاطس) الذي كان يحكم فلسطين في تلك الأيّام لكون فلسطين كانت ولاية تابعة للإمبراطوريّة الرومانيّة في تلك الأيّام.وقد أثبتّ في مؤلّفي (هل مات المسيح على الصليب ؟) وبأدلّة مستقاة من هذه الأناجيل الأربعة بأنّ كلّ ما استطاع اليهود فعله هو أنّهم تمكّنوا من الضغط على الحاكم (بيلاطس) إلى درجة اضطرّ معها ليعلّق المسيح على الصليب إلى جانب تعليق لصّين كانا محكومين بالإعدام.وقد أثبتّ في الكتاب المذكور أيضا بأنّ تعليق هؤلاء الثلاثة على الصليب قد تحقّق بعد ظهر يوم الجمعة.وأنّه واحتراما لعيد يوم السبت الذي كان عيدا يقدّسه اليهود فقد أنزلوا هؤلاء الثلاثة من فوق الصليب فكسّروا أيدي وأرجل اللّصّين المشار إليهما لأنّ تعليقهما على الصليب لمدّة عدّة ساعات ما كانت تكفي لموتهم.وأمّا المسيح فلم يكسروا منه عظماً واحدا معتبرين أنّه قد مات على الصليب.على حين أنّ من تُغرس في أيديه مسامير على الصليب لا ينزف منه خلال عدة ساعات من الدم ما يساعد على القضاء عليه وإماتته.فلو كان المعلّق على الصليب يموت من جرّاء ذلك فلماذا كسروا أيدي وأرجل اللّصين الذين كانا معه ؟وقد أثبتّ في الكتاب المشار إليه أيضا بأنّ الحاكم (بيلاطس) لم يكن مقتنعاً بصحّة مطالبة اليهود التي طالبوه بها بحقّ يسّوع الناصري وهو أن يصلبه لكونه يخرّب في دينهم ويشكّل خطراً على مملكته.وإنّ عدم اقتناع (بيلاطس) بتلك المطالبة دفعته ليدبّر خطّةَ إنقاذ المسيح من الموت وإيهام اليهود بأنّه استجاب لطلبهم وذلك بتعليق المسيح على الصليب لساعات لا تكفي لموته ويأمر بعدم الإقدام على كسر عظامه ويكلّف مستشاره الخاص بدفنه من حيث الظاهر وكأنّه استجاب لطلبهم .هذا وقد أحدث كتابي (هل مات المسيح على الصليب ؟) وما تضمّنه من معلومات وحقائق استجابة كبيرة لدى الباحثين والمفكّرين.حتّى وأقنع مضمونه بعض إخواننا المسيحييّن من الباحثين عن الحقيقة أيضاً.
والمهمّ هو أنّ ما أوردته من بيان يتعلّق بمحاولة اليهود قتل المسيح انحصر في أنّ اليهود نجحوا في الضغط على الحاكم (بيلاطس) فعلّقوا المسيح على الصليب.لكنّ جهلهم بما خطّط له (بيلاطس) لإنقاذ هذا البار المسيح عليه السلام أعمى بصيرتهم فلم يتابعوا ما حدث للمسيح بعد إنزاله من على الصليب.ولا كيف تحقّق إنقاذه من الموت على الصليب.فذهبوا إلى دورهم وقت غياب شمس يوم الجمعة وهم متخيّلين أنّهم (قتلوا) المسيح وأنّهم أثبتوا كذب كون المسيح (رسول اللّه) ومن باب أنّ تعليم سفر التثنية علّمهم أن يحاولوا قتل كلّ مدّع للنبوّة فإن أفلحوا في ذلك فقد أثبتوا كذبه فيما كان قد ادّعاه.فهذا هو ما حدث بالنسبة لمحاولة اليهود قتل المسيح الناصري فاليهود لم يتأكّدوا من موت المسيح بعد تعليقه على الصليب وتوهّموا أنّهم قتلوه.فهذه هي حقيقة قول اليهود هنا (إنّا قتلنا)
وأما بما يتعلّق بتلاميذ يسّوع المسيح فقد وقعوا في نفس المصيدة التي وقع فيها اليهود.فهم أيضاً توهّموا بأنّ يسوع المسيح قد (مات) على الصليب وما كانوا يعلمون أنّ رجال (بيلاطس) كانوا مأمورين بتخدير يسّوع المسيح وهو على الصليب وذلك من خلال مناداته (أنا عطشان) فسقوه (مخدّراً) مكوّناً من خلّ ومادة صبر ذات طعم فيه مرارة وبواسطة (اسفنجة) موضوعة على رأس قضيب طويل ليشرب هذا المخدّر وليتخدّر وليسدل برأسه على صدره فيظنّ كلّ من ينظر إلى المسيح الذي على الصليب من بعيد أنّ يسوع المسيح قد (مات).
وقد قدّمت في بحثي المشار إليه الأدلّة القاطعة على أنّ الجند كانوا قد أنزلوا المسيح الناصري من فوق الصليب حيّاً ولم يكسروا أرجله بعد ذلك بينما كسروا أرجل اللّصّين المعلّقين إلى جانبه بعد أن أنزلوهما من على الصليب.وقد نبّهت في بحثي المذكور بأنّ الجند لم يعطوا جثّة المسيح لأمّه التي كانت واقفةً إلى جانب الصليب وكما تقضي أعراف القوانين المرعيّة وهذه المعلومات استقيتها من الأناجيل نفسها ،بل أعطوا جثّة يسوع المسيح ليوسف الذي كان مستشاراً للحاكم (بيلاطس) وبالاتّفاق معه.فاستلم يوسف الجثّة من حيث الظاهر فحنّطوه ووضعه في قبر محفور جديد وواسع لم يُدفن فيه أحد من قبل يسوع المسيح وكان بحجم غرفة صغيرة حتّى إذا استيقظ من حالة تخديره دحرج الحجر الذي وضعوه على فوهة القبر ورحل من هناك ليعالج جروحه ولينجو بنفسه من (موت اللّعنة) الذي أرادها له اليهود الذين كفّروه وكذّبوه وسعوا لقتله بواسطة إماتته عل الصليب.
فهذا هو ما حدث في تلك الأيّام فقد قام المسيح بعد استعادة جأشه من أثر المخدّر ودحرج الحجر وخرج بعيدا وظهر لتلاميذه الذين عالجوا له جروح يديه وبواسطة مرهم اشتهر فيما بعد تاريخ حادثة الصلب باسم (مرهم عيسى) وقدّمت الأدلّة القاطعة على مصداقيّة ما ذكرته في الكتاب المذكور ابتداء من الصفحة (157) وحتّى صفحة (161).
وقد أثبت ابتداء من الصفحة (135) وانتهاء بالصفحة (156) المصير الذي انتهى إليه يسوع المسيح بعد شفائه من جروحه وكيف أنّه هاجر من فلسطين وتتبّع آثار أسباط اليهود الذين كانوا مسبيين خارج فلسطين والذين انتشروا في فارس وأفغانستان وكشمير وتوفّاه ربّه هناك وأنّ قبره وقبر أمّه التي رافقته في ترحاله موجودان هناك حتى الآن ولا أدري لماذا يقرأ رجال كهنوت المسيحيّة هذه التحقيقات وهذه الأبحاث ولا يشكّلون لجانا عالميّة تذهب هناك للتثبّت من مصداقيّة هذا البحث الوارد في هذا الكتاب ؟
وعلى هذه الصورة فإنّ هذا البحث الوارد في الكتاب المذكور يثبت للقارئ الكريم بأنّ اليهود لم يتيقّنوا من (موت) المسيح الناصريّ بأنفسهم بل تخيّلوا موته.كذلك فإنّ أتباع المسيح الناصريّ لم يتيقّنوا من (موت) المسيح الناصريّ بأنفسهم بل تخيّلوا موته وظنّوا بعد أن شاهدوه بعد حادثة الصلب أنّه كان ميتا وعادت إليه الحياة ولذلك يلاحظ كلّ من يحضر صلوات الكنائس فإنّ القساوسة يقولون هناك بأنّ المسيح قد (قام من بين الأموات) حقّا.على حين أنّ المسيح الذي قام من مقبرةٍ من مقابر الأموات لم يُدفن في تلك المقبرة ميّتا بك دفنوه حيّا مخدّرا ولم يصبح جثّة هامدة.
وعليه فإنّ قوم اليهود وقوم النصارى قد تخيّلوا جميعهم في تلك الأيّام بأنّ المسيح الناصريّ قد مات على (الصليب) على حين أنّه نزل من فوق (الصليب) حيّاً يرزق ولم ينزل من فوقه (ميتاً) .ومن خلال هذا التحقيق الذي بيّنته وأشرت إليه فقد تبيّن للمؤمن الذي يتدبّر هذه الآية الكريمة ويتساءل هذا السؤال: كيف ورد ادّعاء اليهود (إنا قتلنا) وورد جوابه (وما قتلوه وما صلبوه).فقد أضيف النفي (وما صلبوه) بسبب أنّ اليهود أرادوا من قولهم (إنا قتلنا) أنّهم نجحوا في تعليق المسيح على الصليب وفي عمليّة إماتته على الصليب. وبذلك يكون اليهود قد ادّعوا من خلال ادّعاءهم (إنّا قتلنا) ادّعاءين وليس ادّعاء واحداً: تمكّنهم من تعليق المسيح على الصليب وتمكّنهم من إماتته على الصليب أيضا.ولذلك فقد ورد نفي القتل ونفي الموت على الصليب حين ردّ اللّه تعالى على ما ادّعاه اليهود في قولهم المشار إليه.
وقد سمعت من جانب بعض الناس اعتراضهم بأنّ القول بتعليق المسيح على الصليب هو قول يتنافى وشأن نبيٍّ مثله.وقد تناسى هؤلاء المعترضون ما لاقاه محمّد المصطفى (ص) الذي هو سيّد المسيح وسيّد أمثاله من الأنبياء من مشاقّ ومواجهاتٍ لاقاها من جانب قومه ومن جانب اليهود الذين كانوا يحرّضونهم ضدّه.ففي مكّة كان أعداء الإسلام يرشقونه بالأوساخ ويسبّونه ويشتمونه وقد وضعوا أحشاء جمل مرّة على ظهره وهو ساجد يصلّي في الكعبة المشرّفة حتّى سارع أبو بكر الصدّيق (رض) فرفع عن ظهره تلك الأحشاء. وفي الطائف فقدسلّط أهلها صغارهم ليرشقونه بالحجارة وبالسباب والشتائم حتّى أدموه وهو يقول: اللّهم اهد قومي فإنّهم لا يعلمون. ويوم الهجرة اضطرّوه ليغادر موطنه وليترك ما كان يملكه من متاع ويسارع راكضاً حتى غار ثور. وفي معركة أحُد أوقعوه في حفرة وتهشمت وقتها بعض أسنانه . وغيرها من المشاق والمواجهات التي واجهت سيّد المرسلين أجمعين (ص) وعليه فلا قيمة لاعتراض هؤلاء ولا وزن له في نظر المفكّرين وفي نظر المؤمنين المتّقين والعارفين باللّه عز وجلّ.
هذا وإنّ ما بيّنته للقارئ الكريم من خلال رجوعنا إلى مستندات ما حدث يوم حادثة الصليب من مجريات أمور وإنّ ما توصّلنا إليه من معطياتها من حقائق تعود لتلك الحقبة من الزمان فإنّ تلك الحقائق تفسّر قول اللّه تعالى بعد ذلك : (ولكن شُبّه لهم) ويصبح معناه أنّ اليهود ما قتلوا المسيح ابن مريم ولا تمكّنوا من إماتته على الصليب ولكن (خُيّل إلى اليهود) بأنّهم قتلوا المسيح ابن مريم وأماتوه على الصليب. وبهذا المعنى الذي توصّلنا إليه نكون قد اتّفقنا مع رأي العلاّمة الفخر الرازي رحمه اللّه الذي أخذ لقوله تعالى (ولكن شبّه لهم) من أنّه خُيّل لليهود بأنّ الشخص الذي كان معلّقاً على الصّليب والذي هو يسّوع المسيح قد مات عليه أي أنّه مات على الصليب تخيّلا وظنّا وليس على سبيل اليقين. وأنّ ضمير كلمة (شبّه) يعود إلى (المسيح ابن مريم) وهو الاسم الوحيد المذكور في هذه الآية الكريمة ولا يجوز أن يعود ضمير (شبّه) إلى اسم (يهوذا الاسخريوطي) الذي أخبرتنا الأناجيل أنّه كان قد وشى بالمسيح. والسبب في عدم جواز عودة هذا الضمير إلى (يهوذا) هو عدم وجود هذا الاسم في هذه الآية الكريمة بصريح العبارة.
ومن جهة ثانيةٍ فإن نحن قلنا بإمكانيّة أن يُلقى شبه أحدٍ على أحد فإنّنا ومن خلال هذا الطرح الظنّي نفتح بذلك باب السفسطة وعلى حسب رأي العلامة الفخر الرازي رحمه اللّه نفسه ونطعن حينئذٍ بالتواتر في الأخبار وفي عقود الزواج والمواريث في تلك الحالة إذ لا يعود في تلك الحالة هناك من يقين بأنّ هذا الزوج الميّت هو الزوج الحقيقيّ أو أنّه كان زوجا أُلقي الشبه عليه.
لذلك ننتقل لنتدبّر قول اللّه تعالى بعد ذلك (وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه). وأوّل سؤال يعترضنا حين نتدبّر هذا الشطر من الآية هو تساؤلنا إلى من ير جع ضمير (الذين) الوارد في هذا الشطر من الآية وهو جمع ضمير غائب ؟ ولِمَ لم يأت اللّه عز وجلّ هنا بضمير المفرد الغائب (الذي) بدلاً عنه ؟ وعليه فمن هم أولئك الذين اختلفوا في أمر المسيح ابن مريم وفي أيةّ ناحيةٍ وقع الاختلاف بينهم ؟ فهذا سؤال يطرح نفسه في هذا المقام.
وللإجابة على هذا السؤال يعود من واجبنا أن نعود إلى ما تضمّنته الأناجيل الحاضرة في هذا
المجال.فإن نحن طالعنا إنجيل (يوحنّا) الإصحاح 19/25-37 فهو تكلّم عمّا جرى ليسوع وهو على الصليب وفي ساعاته الأخيرة وقال كاتبه:
(" هناك عند صليب يسّوع وقفت أمّهُ وأخت أمّهِ مريم امرأة قلوبا،ومريم المجدليّة.فرأى يسوع أمّه وإلى جانبها التلميذ الحبيب إليه.فقال لأمّه: أيّتها المرأة هذا ابنُك.ثمّ قال للتلميذ: هذه أمُّك. ومنذ تلك الساعة استقبلها التلميذُ في بيته. وبعد ذلك كان يسّوع يعلَمُ أنّ كلّ شيء قد انتهى،فلكي يتمّ الكتاب قال: أنا عطشان.وكان هناك إناءٌ مملوءٌ خلاّ.فوضعوا إسفنجةً مُبتلّةً بالخلّ على ساق زوفى وأدنوها من فمه.فلمّا تناول يسّوعُ الخلّ قال: تمّ كلّ شيء ثمّ حنى رأسه وأسلمَ الرّوح.وكان ذلك اليوم يومَ التهيئة،فسأل اليهود بيلاطس أن تُكسرَ سوقُ المصلوبين وتُنزل أجسادهم لئلاّ تبقى على الصليب يوم السبت لأنّ ذاك السبت يومٌ مكرّم. فجاء الجنود فكسروا ساقَي الأوّل والآخر اللذين صُلبا معه.أمّا يسّوع فلمّا وصلوا إليه ورأوه قد مات لم يكسروا ساقيه ، لكنّ واحداً من الجنود طعنَه بحربةٍ في جنبه ، فخرج لوقته دمٌ وماء. والذي رأى شَهِدَ ، وشهادتُه صحيحة ، وذاك يعلم أنّه يقول الحقّ لِتؤمنوا أنتُم أيضاً.فقد كان هذا ليتمَّ الكتاب: لن يُكسرَ له عظم.وورد في آيةٍ أخرى من الكتاب: سينظرون إلى من طعنوا.وبعد ذلك جاء يوسف الرامي وكان تلميذا لِيسّوع يُخفي أمره خوفاً من اليهود ، فسأل بيلاطُس أن يأخذَ جثمان يسّوع ، فأذنَ له بيلاطُس.فجاء فأخذ جُثمانه.")
ونستنبط من هذا النصّ الذي نقلناه الأمور التالية:
أولا- أنّ والدة المسيح كانت واقفة بجانب الصليب تشاهد مجريات ما يحدث.وأنّ المسؤولين من الجند لم يسلّموها جثّة ابنها يسّوع مع أنّها كانت هي الأحقّ بتسلّم جثّة ابنها. كما لاحظنا بأنّ المسؤولين قد سلّموا جثّة يسوع المسيح إلى يوسف الراميّ الذي كان مستشارا للحاكم (بيلاطس) وكان تلميذا يكتم إيمانه.وهذه ظاهرة تخطيط تخالف المتعارف عليه في مثل هذه الأحداث.
ثانياً- وقد لاحظنا أيضا بأنّ يسّوع حين أعطى الإشارة وقال (أنا عطشان) لم يسقوه (ماءً زلالا) ليروي عطشه ، بل قدّموا له (إسفنجةً مبتلّةً بالخلّ على ساق زوفى وأدنوها من فمه) فهل يروي الخلُّ العطشَ ؟ وهل يحدث كلّ ذلك مُصادفةً ؟ فإن نحن راجعنا إنجيل (متّى) الإصحاح 27/34 نلاحظ قوله: (أعطوه خلاًّ ممزوجاً بمرارةٍ لِيشرب.ولمّا ذاق لم يُرِد أن يشرب).حدث هذا قبل رفعه على الصليب.علما بأنّ أطبّاء ذاك الزمان كانوا يستعملون الخلّ الممزوج بمرارة وفي زمن المسيح بالذات كمخدّرٍ عند إجراء الجراحة.وهذا يعني بألفاظ أخرى أنّ هناك من كان قد أحضر مخدّر ليخدّر به المسيح وهو على الصليب وليخفّف عنه آلامه حتى إذا صاح المسيح (أنا عطشان) سقوه المخدّر بواسطة (إسفنجة) معلّقة على قصبة طويلة كما هو وارد في هذا النصّ المنقول من إنجيل (يوحنا). ولا شكّ أنّ المسيح بعد أن شرب (المخدّر) المؤلّف من الخلّ والمرارة قد تخدّر وحنى رأسه وبدا للناظرين إليه من بعيد وكأنّه قد (أسلمَ الرّوح).
ثالثا- وأنّ اليهود طلبوا من الحاكم (بيلاطس) أن يكسر أرجل الثلاثة بما فيهم المسيح ابن مريم بعد إنزالهم من على الصليب لكونهم كانوا يعلمون بأنّ تعليق هؤلاء مدّة ساعات قلائل لم تكن كافيةً لموتهم .وهذه الحقيقة تشكّل اعترافاً بأنّ اليهود كانوا ما يزالون يخيّلُ إليهم أنّهم قتلوا المسيح ولكنّهم لم يكونوا قد تيقّنوا بعد من موته.ووفق ما أخبرتنا به الآية القرآنيّة (ولكن شُبّه لهم) أي خُيّل لهم.ولذلك طالبوا الحاكم أن تُكسر سيقان يسوع المسيح.
رابعاً- وقد تبيّنا من النصّ المنقول من إنجيل (يوحنّا) أنّ المسيح لم تُكسر سيقانه بالرغم من أنّ واحدا من العسكر طعنه في جنبه طعنة جرحته وثبت من خلالها أنّ المسيح ما زال حيّا ولم تتوقّف دورته الدمويّة عن الحركة.ومع ذلك فإنّ رئيسه الجند أمر الجنديّ أن يعتقد أنّ المسيح قد مات وألاّ يكسر سيقانه.فلماذا وقف هذا القائد ذاك الموقف المشار إليه ؟ والحقيقة أنّه وقف وقفته المشار إليها تنفيذاً لأوامر تلقّاها من رئيسه (الحاكم بيلاطس) الذي رتّب أسباب إنقاذ المسيح من الموت على الصليب وكما أثبتناه.
خامسا- وإنّ جميع ما نقلناه واستنبطناه من أمور دلّ دلالة قاطعةً على أنها كانت هناك خطّة دبّرها الحاكم (بيلاطس) لإنقاذ المسيح البارّ من ميتة اللّعنة التي سعى اليهود ليلصقوها بيسّوع المسيح الذي كانوا اعتقدوا أنّه كان كاذباً فيما ادّعاه من أنّه (رسول اللّه).وكانت هذه الخطّة المرسومة إلى درجة من السرّية بحيث لم يُحط بها علماً أكثريّة تلاميذ المسيح رجالا ونساء.إلا والدة المسيح التي لم تطالب بتسّلمها جثّة ابنها بدافع اطمئنانها إلى مصيره.الأمر الذي يثبت منه بأنّ المسيحييّن وقتئذ قد خُيّل إليهم بأنّ المسيح قد مات على الصليب على حين أنّه كان حيّا ولم يمت وكان مخدراً و(شبّه لهم) أنّه أسلم روحه.وذلك وفق معطيات قول اللّه تعالى في هذه الآية (ولكن شبّه لهم).وبدلالة النصّ الإنجيليّ.
سادساً- وملاحظة أخيرة ألفت نظر القارئ الكريم إليها تتعلّق بمطالبة اليهود من الحاكم (بيلاطس) إنزال يسّوع وكسر سيقانه ومن معه.فلم تكن تلك المطالبة للتّدليل من جانبهم فقط على أنّهم اعتقدوا بأنّ المسيح لم يمت موتا كاملا.بل بدافعٍ آخر وهو ما ورد في كتابهم سفر التثنية الإصحاح 21/22- 23 وهو ما يلي:
(" وإذا كان على إنسانٍ خطيّةٌ حقُّها الموتُ فقُتِلَ وعلّقته على خشبةٍ فلا تَبِتْ جُثّتهُ على الخشبة بل تدفِنهُ في ذلك اليوم.لأنّ المعلّق (ملعونٌ) من اللّه. فلا تنجّس أرضك التي يعطيك الربُّ إلهُكَ نصيباً ")
فجملة (المعلّق ملعونٌ من اللّه) هو الذي دفع اليهود لِيطالبوا بإنزال جثة يسوع المسيح من فوق الصليب المعلّق عليه كيلا ينجّسوا بوجوده على تلك الحالة أرضهم وليدفنوه في ذاك اليوم أيضاً.
وعلى هذه الصورة نكون قد أثبتنا ، ومن خلال مراجعتنا لمستندات الأناجيل المتعلّقة بما جرى للمسيح ابن مريم بعد إنزاله من فوق الصليب ، نكون قد أثبتنا بأنّ ضمير جمع الغائب (الذين)
الوارد في قوله تعالى (وإنّ الذين اختلفوا فيه )أثبتنا بأنّ هذا الضمير يعود إلى الأمّتين اليهوديّة والمسيحيّة معاً.فهم جميعهم قد (شُبّه لهم) المسيح ابن مريم أنّه مات على الصليب. على حين أنّ الواقع هو أنّه كان مخدّراً وأنّهم قد أنزلوه من فوق الصليب حيّا ودفنوه حيّاً في غرفة نظيفة غير محرومة من الهواء النقيّ الذي يساعد المدفون فيها على التنفّس إن كان حيّا بعد كما كان حال المسيح المخدّر.
هذا ولا يكفي أنّنا بحثنا عن المسند إليه لضمير (الذين) ، بل إنّ فعل (اختلفوا فيه) هو أيضاً يطالبنا بالرجوع إلى مستندات هذه الأناجيل الأربعة لنحيط علماً بنواحي الاختلاف التي وقعت حول مصير المسيح ابن مريم عليه السلام بعد إنزاله من فوق الصليب وهو مخدّر ، الاختلاف الذي وقع ما بين اليهود وما بين أتباع المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام.علما بأنّ حرف الجرّ (في)من قوله تعالى (فيه) قد استعمل بمعنى التعليل.والتقدير (وإنّ الذين اختلفوا من أجله) فكان فتسبّب في انشقاق أنصار المسيح عن مجموعة اليهود.ومثال هذا المعنى ورد في الحديث المرويّ عن محمّد رسول اللّه (ص) الذي قال فيه (دخلت امرأة النار في هرّةٍ حبستها فلا أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض).(معجم محيط المحيط).وعليه كان من واجبنا الرجوع إلى مستندات أهل الكتاب لمعرفة الأمور التي اختلفوا من أجلها والتي فرّقت فيما بينهم وإلى يومنا هذا .
فنحن أثبتنا بأنّ المسيح (شُبّه) لليهود وللمسيحيين أي خُيّل إليهم بأنّه مات على الصليب على حين أثبتنا بأنّ الجنود كانوا قد أنزلوه حيّا ولكن مخدّراًً.ولم يكسروا سيقانه وسلّموه ليوسف فدفنه وهو في تلك الحالة في قبرٍ نظيف وواسع.وقد راح اليهود حينذاك وبعد أن اطمأنوا إلى إنزال المسيح من فوق الصليب وعلى أنّه ميّت فقد عادوا إلى دورهم ليسبتوا فيها ليلة السبت المقدّس عندهم.كما راح تلاميذ المسيح ليفعلوا نفس الشيء لكونهم يهوداً وما زالوا على شريعة موسى عليه السلام والفرق هو أنّهم آمنوا بيسّوع المسيح مخلّصاً لهم ممّا آل إليه حال أمّة موسى من انحرافات عن تعاليمه.
أمّا بما يتعلّق باليهود فإنّهم وبعد عودتهم إلى دورهم فقد تذكّروا بأنّ المسيح كان قد تنبّأ من قبل حادثة الصلب عن هذه الحادثة التي جرت له وأنّه سيحدث له ما حدث للنبي يونس من قبل فهو خرج من بطن الحوت حيّاً يُرزق.وإنّ نصّ النبوءة المشار إليها ورد في إنجيل متّى الإصحاح 16/4 هكذا:
"جيلٌ فاسدٌ فاسقٌ يطلب آية ، ولن تُعطى له سوى آية يونان" فيونان هو النبي يونس الذي ابتلعه الحوت فبقي في جوف الحوت (ثلاثة أيّام وثلاث ليالي) وخرج من بطن الحوت حيّاً.
ولنستمع إلى ما ورد في إنجيل متّى وهو ينقل لنا هذه المعلومة عن اليهود في الإصحاح 27/62-66 قال:
(" وفي الغد الذي بعد الاستعداد اجتمع رؤساء الكهنة والفرّيسيّون إلى (بيلاطس) قائلين: يا سيّد قد تذكّرنا أنّ ذاك المضللّ قال إذ كان حيّاً سأقوم بعد ثلاثة أيّام.فمُر بأن يُحفظَ القبرُ إلى اليوم الثالث ،لئلاّ يأتي تلاميذه فيسرقوه ويقولوا للشعب: قام من بين الأموات فيكون التّضليل الآخر أسوأ من الأوّل. فقال لهم(بيلاطس): عندكم حرسٌ فاذهبوا واحفظوه كما ترون.فذهبوا وحفظوا القبر فختموا الحجر وأقاموا عليه حرَساً. ") .
ولكن كيف ختم اليهود الحجر الذي كان على القبر الذي دفنوا فيه المسيح مخدّراً وما مدى صحّة وضع حرسٍ على القبر؟ فهذا الأمر بالإمكان معرفة حقيقته بعد رجوعنا إلى النصوص الإنجيليّة المتعلّقة بما حدث صباح يوم الأحد.ولذلك كان علينا أن نرجع إلى ما ورد في الأناجيل بهذا الخصوص
فقد ورد في إنجيل (متّى) الإصحاح 28/1-15 ما يلي:
" ولمّا انقضى السبت وطلع فجرُ يوم الأحد جاءت مريم المجدليّة ومريمُ الأخرى تنظُران القبرَ.فإذا زلزالٌ شديدٌ قد حدث.ذلك بأنّ ملاكَ الربّ نزل من السماء وجاء إلى الحجر فدحرجه وجلس عليه وكان منظره كالبرق ولباسهُ أبيض كالثّلج.فارتعد الحرسُ خوفاً منه وصاروا كالأموات.فقال الملاك للمَرأتين: لا تخافا أنتُما.أنا أعلمُ أنّكما تطلبان يسّوع المصلوب.إنّه ليس ههنا فقد قام كما قال.تعاليا فانظُرا الموضع الذي كان قد وُضِعَ فيه.وأسرِعا في الذهاب إلى تلاميذه وقولا لهم: إنّه قام من بين الأموات وها هو ذا يتقدّمكُم إلى الجليل فهناك ترونه فهناك تَرَونه.ها إنّي قد بلّغتكما.فتركتا القبر مُسرعَتين وهما في خوف وفرحٍ عظيم وبادرتا إلى التلاميذ تحملان البشرى.وإذا يسّوع قد جاء للقائهما فقال لهما: السلام عليكما، فتقدّمتا وأمسكتا قدميه ساجدتين له.فقال لهما يسّوع: لا تخافا إذهبا فيلّغا إخوتي أن يمضوا إلى الجليل،فهناك يرونني.وبينما هما ذاهبتان جاء بعض رجال الحرس إلى المدينة وأخبروا عظماء الكهنة بكلّ ما حدثَ .فاجتمعوا هم والشيوخ وبعدما تشاوروا أعطَوا الجنودَ مالاً كثيراً وقالوا لهم: قولوا إنّ تلاميذهُ جاءوا ليلا فسرقوه ونحن نائمون.وإذا بلغَ الخبرُ إلى الحاكم أرضيناه ودفعنا الأذى عنكم.فأخذوا المالَ وفعلوا كما لقّنّاهم ، فانتشرت هذه الرواية بين اليهود إلى اليوم.")
فإن نحن دقّقنا النظر فيما كتبه كاتب إنجيل (متّى) تتبيّن لنا النقاط التالية:
أولا- يتبيّن لنا بأنّ مريم المجدليّة ومريم الأخرى وصلتا القبر فنزل ملاك ودحرج الحجر وجلس عليه وأخبر النسوة وقال بأنّ يسّوع (إنّه ليس ههنا) ودعاهنّ ليتحقّقا بأنفسهنّ من صحّة قوله.لكنّ إنجيل (متّى) لم يخبر هل تحقّقتا من صحّة قول الملاك أم أنّهنّ أسرعتا مباشرة لتبشّرا التلاميذ بالخبر ؟
ثانيا- وأخبرت هذه الرواية بأنّ الحرس اليهودي صعقهم ما حدث أمام أعينهم فلم يحرّكوا ساكنا.
ثالثا- وأنّ هؤلاء الحرس رجعوا بعد ذلك إلى المدينة وأخبروا عظماء الكهنة بكلّ ما حدث.
رابعا- وأنّ عظماء الكهنة رشوا الجنود بمال كثيرٍ ودفعوهم ليذيعوا بين الناس (إنّ تلاميذه جاؤوا ليلا فسرقوه ونحن نائمون) ففعل الجنود ما طلبوا منهم وانتشرت هذه الرواية الكاذبة بين اليهود إلى اليوم.
ولنراجع الآن ما كتبه إنجيل(مرقس)بهذا الخصوص فهو كتب في الإصحاح 16/1-14يقول:
"ولمّا انقضى السبت اشترت مريم المجدليّة ومريم أمّ يعقوب وسالومة طيباً ليأتين فيطيّبنّه.وعند فجر الأحد جئن إلى القبر وقد طلعت الشمس.وكان يقول بعضهنّ لبعض: مَن يدحرِج لنا الحجر عن باب القبر ؟ فنظرنَ فرأين أنّ الحجر قد دُحرِج وكان كبيراً جدّا.فدخلن القبر فأبصرن شابّا جالساً عن اليمين عليه حلّةٌ بيضاء فارتعبنَ.فقال لهنّ: لا ترتعبن َأنتنّ تطلبن يسوع الناصريّ المصلوب.إنّه قام وليس ههنا.وهذا هو المكان الذي كانوا قد وضعوه فيه.فاذهبن وقُلنَ لتلاميذه ولبطرس: إنّه يتقدّمكم إلى الجليل وهناك ترَونه كما قال لكم. فخرجنَ من القبر وهربنَ لما أخذهنّ من الرّعدة والدهش ولم يقُلن لأحدٍ شيئاً لأنّهنّ كنّ خائفات.قام يسّوع فجر الأحد فتراءى أولا لمريم المجدليّة تلك التي أخرج منها سبعة شياطين.فمضت وأخبرت الذين صحبوه وكانوا في حزنٍ ونحيب.فلمّا سمعوا أنّه حي ٌّوأنّها شاهدته لم يصدّقوا.وتراءى بعد ذلك بهيئة أخرى لاثنين منهم كانا في الطريق ذاهبين إلى الريف فرجعا وأخبرا الآخرين فلم يصدّقوهما أيضاً.وتراءى آخرَ الأمر للأحدَ عشر أنفسهم وهم على الطعام فوبّخهم بعدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنّهم لم يصدّقوا الذين شاهدوه بعدما قام.")
فإن نحن دقّقنا النظر فيما كتبه كاتب إنجيل مرقس تتبيّن لنا النقاط التالية:
أولا- إنّ (مرقس) لم يورد شيئا عن اليهود ولا عن قيام الحرس اليهودي بختم قبر يسوع ولا ذكر انصعاق الحرس من رؤية الملاك ولا ذكر رشوة الكهنة إيّاهم ليشيعوا خبراً بأنّ تلاميذ يسوع سرقوا جثته وأنّ هذه الأكذوبة انتشرت حتى يومنا هذا.ولا ندري سببا دفعه ليبدر عنه هذا الإهمال لذكر هذا الخبر بالرغم من أهمّيته وارتباطه بهذه الواقعة .
ثانيا- وإنّ مرقس أضاف اسم امرأة ثالثة هي سالومة غير اسمي مريم المجدلية ومريم الأخرى بل ووضّح بأنّ تلك النسوة جئن بطيب لتطيّبن به جثّة يسوع ،أضاف هذه الإضافة وأهمل ذكر نزول الملاك ودحرجته الحجر الذي كان على باب القبر حتى وأنّه ذكر أنّهنّ وجدن الحجر قد دُحرج من قبل وصولهن ولا ندري سببا وجيها لهذه التناقضات الواردة ما بين هذين الإنجيلين بشأن ما حدث صبح يوم الأحد إلا أن يكون السبب أنّ تلك الروايات لا تمثّل حقيقة ما جرى يومئذ ووصلت كاتبي هذين الانجيلين مشوّهة ومتناقضة لأنّها وصلتهما بعد أكثر من سبعين عاما حسب تقدير الذين كتبوا المدخل إلى كلّ إنجيل منهما.
ثالثا- وعلى حين أنّ (متّى) ما ذكر أنّهنّ دخلن القبر.فإنّ (مرقس) ذكر أنّهنّ دخلن القبر ووجدن شاباً أخبرهنّ (إنّه قام) وطلب منهنّ إخبار تلاميذ يسوع بذلك وأنّه سيتقدّمهم إلى الجليل.وهذا اختلاف كبير وقع ما بين ما رواه مرقس وما بين ما رواه إنجيل (متّى) .
رابعا- ولا أورد إنجيل (مرقس) أيّ ذكرٍ للزلزلة التي روى أنّها حدثت وقت نزول الملاك من السماء ودحرجته الحجر عن القبر وجلوسه عليه.فلو كان هذا قد حدث كما رواه إنجيل متّى لكانت حافظة الأجيال قد رسّخته في أذهانهم لكونه قد حدث كأعجوبة.بل ذكر (مرقس) أنّ النسوة لما وصلن القبر (فرأين أنّ الحجر قد دُحرج وكان كبيرا جدّا فدخلن القبر).
خامسا- وعلى حين أنّ (متىّ) ذكر أنّ النسوة (فخرجتا سريعا من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتُخبرا تلاميذه).فإنّ (مرقس) يقول بخلاف ذلك وهو (فخرجن من القبر وهربن لِما أخذهنّ من الرعدة والدَهش ولم يقلن لأحدٍ شيئا لأنّهنّ كنّ خائفات.إلى أن ظهر يسوع لمريم المجدليّة (فمضت وأخبرت الذين صحبوه وكانوا في حزن ونحيب فلما سمعوا أنّه حيّ وأنّها شاهدته لم يصدّقوا).والسؤال هنا:لماذا لم يصدّقوا لو كانوا ينتظرون قيامة المسيح من بين الأموات ؟ بل كان
عليهم أن يطيروا فرحا.
فهذه هي بعض أهمّ الاختلافات الواقعة بين إنجيلي (متّى) و(مرقس) في بيانهما لما حدث صباح يوم الأحد بعد حادثة الصلب. علما بأني أعرضت عن ذكر العديد من التناقضات الأخرى التافهة التي وقعت بين ما ورد في كلا الإنجيلين. هذه التي توضّح للباحث ما كان قد حدث من إهمال للحقائق على مرّ الأيّام ومن تضخيمٍ لنواحي أخرى هي أقرب إلى الخيال الشعبيّ الذي يضخّم مثل هذه الوقائع تبعا لنفسيّة الشخص الناقل وهواه.
ولنراجع الآن ما كتبه إنجيل(لوقا) بهذا الخصوص فهو كتب في الإصحاح 24/1-42 وقال:
("ثمّ في أوّل الأسبوع أوّل الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهنّ أناس.فوجدن الحجرَ مدحرجا عن القبر.فدخلن ولم يجدن جسد الربّ يسوع.وفيما هنّ محتارات في ذلك إذا رجلان وقفا بهنّ بثياب برّاقة.وإذ كنّ خائفات ومنكّسات وجوههنّ إلى الأرض قالا لهنّ: لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات.ليس هو ههنا لكنّه قام.اذكرن كيف كلّمكنّ وهو بعد في الجليل قائلا إنّه ينبغي أن يُسلّم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة ويصلبَ وفي اليوم الثالث يقوم.فتذكّرن كلامه.ورجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كلّه.وكانت مريم المجدليّة ويونّا ومريم أم يعقوب والباقيات معهنّ اللواتي قلنَ هذا للرّسل.فتراءى كلامهنّ لهم كالهذيان ولم يصدّقوهنّ.فقام بطرس وركض إلى القبر فانحنى ونظر الأكفان موضوعة وحدها فمضى متعجّبا في نفسه ممّا كان.وإذا اثنان منهم كانا منطلقين في ذلك اليوم إلى قرية بعيدة عن أورشليم ستّين غلوة اسمها عِمواس.وكانا يتكلّمان بعضهما مع بعض عن جميع هذه الحوادث.وفيما هما يتكلّمان ويتحاوران اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما.ولكنْ أُمسِكت أعينهما عن معرفته.فقال لهما ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتهما ماشيان عابسين.فأجاب أحدهما الذي اسمه كليوباس وقال له:هل أنت مُتغرّب وحدك في أورشليم ولم تعلم الأمور التي حدثت فيها في هذه الأيّام.فقال لهما وما هي.فقالا المختصّة بيسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيّا مقتدرا في الفعل والقول أمام اللّه وجميع الشعب.كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحُكّامنا لقضاء الموت وصلبوه.ونحن كنّا نرجو أنّه هو المزمع أن يفدي إسرائيل.ولكن مع هذا كلّه اليوم له ثلاثة أيّام منذ حدث ذلك.بل بعض النساء منّا حيّرتنا إذ كنّ باكرا عند القبر.ولمّا لم يجدن جسده أتين قائلات إنّهنّ رأين منظر ملائكة قالوا إنّه حيّ.ومضى قوم من الذين معنا إلى القبر فوجدوا هكذا كما قالت أيضا النساء وأمّا هو فلم يروه.فقال لهما: أيُّها الغبيّان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلّم به الأنبياء.أما كان ينبغي أنّ المسيح يتألّم بهذا ويدخلُ إلى مجده.ثمّ ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسّر لهما الأمور المختصّة به في جميع الكتب.ثمّ اقتربوا إلى القرية التي كانا منطلقين إليها وهو تظاهر كأنّه مُنطلقٌ إلى مكان أبعد.فألزماه قائلين امكث معنا لأنّه نحو المساء وقد مال النهار.فدخل ليمكث معهما.فلمّا اتّكأ معهما أخذ خبزا وبارك وكسّر وناولهما.فانفتحت أعينهما وعرفاه ثمّ اختفى عنهما.فقال بعضهما لبعض ألم يكن قلبُنا مُلتهبا فينا إذ كان يكلّمنا في الطريق ويوضّح لنا الكتب.فقاما في تلك الساعة ورجعا إلى أورشليم ووجدا الأحد عشر مُجتمعين هم والذين معهم وهم يقولون إنّ الربّ قام بالحقيقة وظهر لسمعان.وأما هما فكانا يُخبران بما حدث في الطريق وكيف عرفاه عند كسر الخبز.وفيما هم يتكلّمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم وقال لهم سلام لكم.فجزعوا وخافوا وظنّوا أنّهم نظروا روحا.فقال لهم ما بالكم مضطربين ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم.انظروا يديّ ورجليّ إني أنا هو.جسّوني وانظروا فإنّ الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي.وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه.وبينما هم غير مصدّقين من الفرح ومتعجّبون قال لهم: أ عندكم ههنا طعام.فناولوه جزء من سمك مشوي وشيئا من شهد عسل.فأخذ وأكل قدّامهم.")
فإن نحن دقّقنا النظر فيما كتبه كاتب إنجيل (لوقا) تتبيّن لنا النقاط التالية:
أولا- فقد كشف هذا النصّ عن حقيقةٍ نطق بها الرجلان اللذان كان اسم أحدهما (عمّاوس) فهما قالا بالحرف الواحد: (يسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيّا مقتدرا في الفعل والقول أمام اللّه وأمام الشعب.).والذي يستفاد من قولهما هذا هو أنّ يسوع الناصري كان (نبيا) ولم يكن (ربّاً) ولا كان (مخلّصاً).وإن وضع أصحاب الترجمة الحديثة حاشية برقم (15) علّقا من خلاله على هذا القول وقالوا (لا يزالون ينظرون إلى يسوع نظرهم إلى "نبي" ).فأسأل هؤلاء الذين وضعوا هذه الحاشية المشار إليها : وكيف يتطوّر النبيّ إلى (ربّ) وإلى (ابن اللّه) ولا يُعرف كذلك من أوّل يوم ؟
ثانيا- ثمّ إنّ ما نقله (لوقا) على لسان "الملكين" يؤكّد ما أوردناه. فالملكان قالا: (إنّه ينبغي أن يسلّم "ابن الإنسان" في أيدي أناس خطاة ويصلب وفي "اليوم الثالث" يقوم.فتذكّرن قوله.).فهذا النص المنسوب إلى ملائكة اللّه وضّح أولا بأنّ يسوع الناصري هو "ابن الإنسان" وليس هو "ابن اللّه".كما وضّح ثانيا بأنّ قيامة المسيح ستحدث في "اليوم الثالث". على حين أنّ الأناجيل تزعم قيامة المسيح بعد يوم ونصف من دفنه.فقد دفنوه بعد غياب شمس يوم الجمعة وبقي طوال يوم السبت ولم يجدوه في القبر صباح يوم الأحد.
ثالثا- وخالف (لوقا) الإنجيلين السابقين (متى ومرقس) في موضوع ذكر من حضر إلى القبر صباح الأحد.فهو أضاف إلى النساء "أناساً كانوا معهن"ّ لقوله: (أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهنّ "أناس" فوجدن الحجر مدحرجا.).والذي لاحظته هو أنّ أصحاب الترجمة الجديدة قد حذفوا جملة (ومعهنّ أناس) ولم يبيّنوا السبب الذي دفعهنّ إلى القيام بعمليّة الحذف هذه على أهمّيتها.
وأكتفي الآن بالتنبيه إلى هذه الأمور الثلاثة لأهمّيتها في نظري وأدع الكلام عن باقي الفروق والتناقضات الكائنة ما بين نصوص هذه الأناجيل الثلاثة والتي أتينا على ذكرها.وننتقل من ذلك لنراجع ما كتبه كاتب إنجيل (يوحنّا) بخصوص ما حدث صباح الأحد.فهو كتب يقول في الإصحاح 20/1-21 ما يلي:
(" وفي يوم الأحد جاءت مريم المجدليّة إلى القبر عند الفجر والظلام لم يزل مخيّما فرأت الحجر قد أُزيل عن القبر.فأسرعت وجاءت إلى سمعان بطرس والتلميذ الآخر الذي أحبّه يسوع وقالت لهما: أخذوا الربّ من القبر ولا نعلم أين وضعوه.فخرج بطرس والتلميذ الآخر وذهبا إلى القبر يسرعان السير معا.ولكنّ التلميذ الآخر سبق بطرس فوصل قبله إلى القبر وانحنى فأبصر اللّفائف ممدودة ولكنّه لم يدخل.ثمّ وصل سمعان بطرس وكان يتبعه فدخل القبر فأبصر اللفائف ممدودة والمنديل الذي كان حول رأسه غير ممدود مع اللفائف بل على شكل طوق خلافا لها وكان كلّ ذلك في مكانه.حينئذ دخل أيضا التلميذ الآخر وقد وصل قبله إلى القبر فرأى وآمن.ذلك بأنّهما لم يكونا قد فهما ما ورد في الكتاب من أنّه يجب أن يقوم من بين الأموات.ثمّ رجع التلميذان إلى بيتهما.أمّا مريم فكانت واقفةً عند مدخل القبر تبكي.فانحنت نحو القبر وهي تبكي فرأت ملاكين في ثياب بيض جالسين حيث وُضعَ جثمان يسوع أحدهما عند الرأس والآخر عند القدمين.فقالا لها:لماذا تبكين أيتها المرأة ؟ فأجابتهما: أخذوا ربّي ولا أدري أين وضعوه.قالت هذا ثمّ التفتت إلى الوراء فرأت يسوع واقفا ولم تعلم أنّه يسّوع.فقال لها يسوع: لماذا تبكين أيتها المرأة وعمّن تبحثين ؟ فظنّت أنّه البستانيّ فقالت له:سيّدي إذا كنت أنت قد ذهبت به فقل لي أين وضعته وأنا آخذه.فقال لها يسوع:مريم ! فالتفتت وقالت له بالعبريّة: ربّوني ! أي يا معلّم.فقال لها يسوع لا تمسكيني إني لم أصعد بعد إلى أبي بل اذهبي إلى اخوتي فقولي لهم إنّي صاعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم.فجاءت مريم المجدليّة وأخبرت التلاميذ بأن قد رأيت الربّ وبأنّه قال لها ذاك الكلام.وفي مساء ذلك اليوم ، يوم الأحد كان التلاميذ في دارٍ أغلقت أبوابها خوفا من اليهود فجاء يسوع ووقف بينهم وقال لهم:السلام عليكم ، قال ذلك وأراهم يديه وجنبه ففرح التلاميذ لمشاهدتهم الربّ.فقال لهم ثانية: السلام عليكم كما أرسلني الآب أُرسلكم أنا أيضا. قال هذا ونفخ فيهم وقال لهم:خذوا الروح القدس.من غفرتم لهم خطاياهم تُغفرُ لهم ومن أمسكتم عليهم الغفران يُمسكُ عليهم.على أنّ توما أحد الإثني عشر ويقال له التوأم لم يكن معهم حين جاء يسوع.فقال له سائر التلاميذ: رأينا الربّ.فقال لهم: إذا لم أُبصر أثر المسمارين في يديه وأضعْ إصبعي في مكان المسمارين ويدي في جنبه لن أومن.وبعد ثمانية أيّام كان التلاميذ في البيت مرّة أخرى وكان توما معهم.فجاء يسوع والأبواب مُغلقة فوقف بينهم وقال: السلام عليكم ! ثمّ قال لتوما:هاتِ إصبعك إلى هنا فانظر يديّ وهات يدك فضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل كن مؤمنا.أجابه توما: ربّي وإلهي ! فقال له يسوع: أ لأنّك رأيتني آمنت ؟ طوبى للذين يؤمنون ولم يروا.وأتى يسوع أمام التلاميذ بآيات أخرى كثيرة لم تُكتب في هذا الكتاب وإنّما كُتبَت هذه لتؤمنوا بأنّ يسوع هو المسيح ابن اللّه ولتكون لكم إذا آمنتم الحياة باسمه".).
فإن نحن دقّقنا النظر فيما كتبه كاتب إنجيل (يوحنّا) نلاحظ الأمور التالية:
أولا- فالذي نلاحظه هو أنّ كاتب هذا الإنجيل أخبر بأنّ مريم المجدليّة قد حضرت وحدها إلى القبر فرأت الحجر قد أزيل عنه فأسرعت وأخبرت بطرس ورفيقه بالأمر ومن دون أن تنظر إلى داخل القبر ومن دون أن ترى ملاكا أو ملاكين ومن دون أن تكون تحمل حنوطا وطيبا.وهذا الأمر يخالف جميع ما رواه كتّاب الأناجيل الثلاثة الأخرى.
ثانيا- وكتب هذا الإنجيل بأنّ بطرس ورفيقه لم يكونا يدريان بعد بأنّ المسيح سيقوم من بين الأموات وحسب (الكتاب) أي حسب ما هو مكتوب عنه.وإنّ هذه المعلومة تتنافى مع المنطق ومع العقل والنقل.فالمسيح كان قد أشار إلى بطرس وقال له (عليك تقوم كنيستي) أي أنّه جعله خليفته من بعده فكيف يكون بطرس على هذه المنزلة في أعين المسيح ولا يكون يدري شيئا عن (قيامته) من بين الأموات هذه العقيدة التي يتفاخر بها المسيحيّون في عصرنا إلا أن يكون بطرس على غير علم بما خطّطه (بيلاطس) من تخطيط لإنقاذ المسيح فخدّره وهو على الصليب وأنزله حيّا مخدّرا ولم يكسر عظامه ودفنه وهو حيّ. علما بأنهّ يجوز أن يُعبّر الإنسان عن عمليّة خروج المسيح من القبر بعد أن صحا يجوز أن يستعمل له عبارة (قام من بين الأموات) ولا تعني هذه الفقرة أنّه كان ميتا.
ثالثا- وأما ما كتبه إنجيل (يوحنا) من أنّ يسوع قال لمريم المجدلية (لا تمسكيني إني لم أصعد بعد إلى أبي بل اذهبي إلى اخوتي فقولي لهم إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) فأقلّ ما يقال فيه أنّه قول غير منطقي للأسباب التالية:
1ً-فلو أنّ يسوع كان في تلك اللحظات روحا لترك مريم المجدليّة تتلمسه لتتأكد من أنّه ما يزال روحا مجرّدا عن الجسد.
2ً-وإن صحّ هذا الخبر بأنّ يسوع كان روحا، فمعنى ذلك أنّه صعد إلى السماء بروحه وليس بجسده. 3ً-وإنّ هذا الخبر يخالف جميع ما ورد في الأناجيل الثلاثة الباقية التي لم نلاحظ أنّها ذكرت هذا الخبر المشار إليه بشكل من الأشكال.
4ً- ثمّ إنّ ما ذكره إنجيل (يوحنا) وغيره من أنّ يسوع كان يحضر والأبواب مغلقة فهذا كلام مبعثه التخيّل والتصوّر من جرّاء أوهام وقع فيها كتّاب الأناجيل بعد أن وصلتهم أخبار حادثة الصلب وقد نقلتها أجيال بطريق السماع ومزجتها بفلفل وبهار كما تقول الأمثال.
وإلى هنا أكتفي بذكر هذه الملاحظات الثلاثة التي أوردتها وأعرض عن ذكر الاختلافات البسيطة التي لوحظ حدوثها ما بين مختلف الروايات الإنجيليّة.وأكتفي بالقول أيضا بأن إنجيلا واحدا ذكر بأنّ اليهود أرسلوا حرسا إلى قبر يسوع فختموه وقاموا عليه وأنّ الحرس صُعقوا حين رأوا ملاك الربّ نازلا وأنّ اليهود رشوهم فيما بعد ليشيعوا بين الناس أنّ تلاميذ يسوع سرقوه.على حين أغفلت بقيّة الأناجيل ذكر الخبر المشار إليه فلو كان لهذا الادّعاء من حقيقة لكانت جميع الأناجيل قد ذكرته.
ويكفينا ومن خلال جميع ما نقلناه ودقّقنا فيه واستنتجناه يكفينا أن نقول وبصراحة تامّة بأنّ اللّه عز وجلّ حين قال في الآية 157 من سورة النساء: (وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍ منه ما لهم به من علم إلاّ اتّباع الظنّ) أنّه تعالى قد أشار من خلال قوله هذا إلى هذه الحقائق التي خرجنا بها بعد مراجعة الأناجيل الأربعة وهذه الحقائق هي:
1ً- أنّ أحدا من أتباع المسيح الناصري لم يشاهده وهو يقوم من بين الأموات بل أسّسوا مقولة (قيامة المسيح) على أساس(اتّباع الظنّ).
2ً-وأنّ أحدا من اليهود لم يتحقّق من موت المسيح على الصليب كما لم يتحقّق من سرقة أتباع المسيح جسد المسيح من قبره.وأنّ قولهم (إنا قتلنا المسيح) إنّما قالوه على أساس اتّباعهم الظنّ في موضوع موت المسيح على الصليب فهم (شُبّه لهم) ذلك بمعنى أنّهم تخيّلوا موته على الصليب.وإنّهم (لفي شكٍّ منه) أي في شكّ من حقيقة هذا الظنّ .وأنّ اليهود (مالهم به من علم إلا اتّباع الظنّ) .
3ً-وأنّ أتباع المسيح كانوا أيضا في شكّ ممّا أشاعوه من أنّ المسيح مات على الصليب وقام من بين الأموات.فهو (شُبّه لهم) وخيّل لهم أنّ المسيح مات على الصليب وقام من بين الأموات.وهم (لفي شكٍّ منه) أي في شكٍّ ممّا اعتقدوه وأشاعوه بين الناس و(مالهم من علم إلا اتّباع الظنّ).
4ً- وما دام قد ثبت حتّى الآن من خلال معطيات الأناجيل الأربعة التي هي بين أيدينا والتي تعتبر المرجع التاريخي لحادثة الصّلب وتوابعها، أقول ما دام قد ثبت بأنّ اليهود قد (شُبّه لهم) المسيح أي خيّل لهم بأنّ المسيح الناصريّ قد قُتل. وأنّ المسيحيين قد (شبّه لهم) المسيح أي خُيّل لهم بأنّ المسيح الناصريّ قد صُلِب ومات على الصليب.ومادام قد ثبت بأنّ اليهود والمسيحيين قد اختلفوا في المصير الذي آل إليه حال المسيح الناصريّ بعد حادثة تعليقه على الصليب وبعد وضعه في قبرٍ متّسع نظيف.فقد ثبتت من خلال ذلك كلّه مصداقيّة قول اللّه عز وجلّ الوارد في خاتمة هذه الآية الكريمة وهو قوله تعالى (وما قتلوه يقينا) والمعنى هو أنّ اليهود ما كانوا متيقّنين من قتل المسيح الناصريّ بواسطة تعليقه على الصليب.وهي حقيقةٌ أوصلنا إليها ربّنا عز وجلّ من خلال قوله من قبل (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه ما لهم به من علم إلا اتّباع الظنّ) .
لكنّ الباحث المدقّق يلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ قد أورد ضمن قوله هذا وعلى لسان اليهود
كلمتين هما (رسول اللّه) فما معنى إضافة هاتين الكلمتين بعد ذكر اسم المسيح في هذا المقام ؟
وأين الإجابة والتعليق في هذه الآية الكريمة على ما تضمّنته هاتان الكلمتان (رسول اللّه) من دلالة استهزاء بالمسيح عليه السلام ؟ فالباحث يسأل هذين السؤالين في هذا المقام يقينا. ولا يجد عليهما في هذه الآية 157 من إجابة بشكل من الأشكال.
وقبل الانتقال للإجابة على هذين السؤالين أرى أن أنبّه القارئ الكريم إلى أهمّ الحقائق التي توصّلنا إليها من خلال تفسيرنا للآية 157وهو التفسير الذي انتهينا من بيانه ، فأقول:
أولا- إنّ هذه الآية الكريمة لم تورد ما أورَدَته من معلومات من قبيل العبث واللّغو ، بل أوردت ما أوردته على أنّها معلومات تاريخيّة قد غابت عن أذهان أهل الكتاب من يهود ومسيحيين وتفيد في الوقت نفسه في موضوع الفصل في جميع ما اختلف حوله اليهود والنصارى من أمور حرفتهم عن مسار الصراط المستقيم الذي جاء به موسى وعيسى عليهما السلام.وعليه فإنّ مضمون هذه الآية 157 وعلى حسب ما فسّرناه وفهمناه منها حتّى الآن يُعتبرُ معجزةً بيانيّةً من حيث صياغتها ومن حيث مضامينها ودلالاتها.
ثانيا- وإنّ النتائج التي ترتّبت على هذا التفسير الذي توصّلنا إليه هي نتائج خطيرة جدّا.فنحن حين توصّلنا إلى أنّ المسيح ابن مريم لم يمُت على الصليب بل نجّاه ربّه العزيز الحكيم من موت (اللعنة) التي دبّرها له اليهود ليثبتوا كذب ادّعائه بأنّه هو المسيح الذي كانوا ينتظرون نزوله من السماء.فقد ترتّب على هذه الحقيقة المكتشفة بأنّ اليهود قد أصبحوا بسبب موقفهم هذا المذكور (كافرين) بالمسيح ومستحقّين أن يُنزِلَ ربُّهم بهم (العذاب) في تلك الفترة من الزمان .والحقّ هو أنّ عذاب اللّه تعالى قد نزل باليهود بعد حادثة الصلب بمدّة قليلة وحسبما ورد في سورة الإسراء .
ثالثا- كذلك فإنّ من نتائج هذا التفسير الذي توصّلنا إليه أننا بهذا الفهم نكون قد أبطلنا عقائد المسيحيين المعاصرين تلك العقائد التي نتجت عن اعتقاد هؤلاء المسيحيين بموت المسيح على الصليب 1ً- فنكون قد أثبتنا من خلال فهم ما جرى للمسيح وهو على الصليب وما بعده من أحداث نكون أثبتنا بطلان عقيدة (قيامة المسيح) من بعد موته المزعوم ودفنه في القبر.وأننّا أثبتنا بأنّ المسيح حين أنزلوه من على الصليب كان مخدّراً ولم يكن ميتا لا حياة فيه بل وكان قلبه ينبض بالحياة بدليل طعنة الجندي في جنبه طعنة جرحته حتى خرج منه فورا (دم وماء) .
2ً- وإنّ النظر إلى المسيح عليه السلام على أنّه كان مخدّرا غير ميّت وهو على الصليب وأنّه كان كذلك عندما أدخلوه إلى القبر. فإنّه يترتّب على هذه الحقيقة التاريخيّة بُطلان عقيدة (الكفّارة) التي يعتقدها المسيحيون في أيّامنا هذه ويقولون بأنّ المسيح مات على الصليب ليصبح كفّارة عنهم. فهذه الحقيقة التاريخيّة التي أثبتناها والمتعلّقة بحادثة الصلب تتّفق مع تاريخ النبوّة والأنبياء.فلو كان هناك نبيّ يستحقّ أن يكون مخلّصاً لكان ذاك النبيّ هو إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء. فمن هو المسيح ابن مريم في مواجهة أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام حتّى يصبح هذا المسيح (مخلّصا) ؟ علما بأني أثبتّ في مؤلّفي (نشوء الانسان وتطوّره) أنّ آدم لم يكن أول مخلوق بشر على سطح هذه الكرة الأرضيّة وإنّما كان أوّل نبيٍّ بعثه ربّه عز وجلّ ليخرج البشر من سكنى الكهوف إلى السكنى خارجها والقيام بتهذيبهم بعدما كانوا يعيشون في الكهوف عيشة قانون الغاب .
3ً- فإذا أضفنا إلى ما توصّلنا إليه من فهم لمضمون هذه الآية الكريمة وهي حقيقة أنّ المسيح قد هاجر من فلسطين بعد نجاته من حادثة الصلب وتتبّع آثار أسباط اليهود لتبليغهم دعوة السماء وأنّه وصل إلى جبل (كشمير) في الهند ومعه والدته وأحد تلاميذه ومات هناك وعلى حسب ما أثبتّ ذلك في كتابي (هل مات المسيح على الصليب ؟) فإنّ هذه الإضافة قد ساعدت على إبطال عقيدة (الصعود) إلى السماء والجلوس على يمين الإله ، تلك العقيدة التي ابتدعها كاتب إنجيل مرقس.فالمسيح ابن مريم لم يصعد إلى السماء بعد أن نجاه اللّه عز وجلّ من حادثة الصلب وحسبما أخبرنا بذلك كتاب اللّه العزيز بل هاجر من فلسطين إلى البلاد التي آوت اليهود المسبييّن ومتتبّعا آثارهم ومات هناك في بلاد المهجر موتا طبيعيّا وعلى حسب ما أخبرنا بذلك كتاب اللّه العزيز أيضا.حين قال في الآيتين (49/50) من سورة المؤمنون (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلّهم يهتدون. وجعلنا ابن مريم وأمّه آية وآويناهما إلى ربوةٍ ذاتِ قرارٍ ومعين.) وقد شرحت هذه الآية الكريمة في كتاب (هل مات المسيح على الصليب) فليرجع القارئ لفهمها هناك.
فهذه الحقائق التي أفرزها لنا فهمنا لمضمون الآية 157 على حقيقته ، ما كنّا لنحصل على تلك الحقائق التاريخيّة لو أنّنا كنّا أخذنا بمعطيات التفاسير القديمة لهذه الآية 157 المذكورة.تلك المعطيات التي تتّفق مع ما ابتدعه كاتب إنجيل مرقس من بدعة غير منطقيّة وهي أنّ المسيح صعد إلى السماء وأنّه ما يزال حيّا في السماء وسينزل لإصلاح العالم في آخر الزمان.وعلى حين أنّ مرقس كتب هذه البدعة في وقت تقول فيه هذه الأناجيل بأنّ المسيح (قال: لم أُرسَل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة.) انجيل متّى 15/24 وقد نهاهم عن تبشير غير اليهود (قائلا: إلى طريق أممٍ لا تمضوا وإلى مدينة للسامرييّن لا تدخلوا.بل اذهبوا بالحريّإلى خراف بيت إسرائيل الضالّة) إنجيل متّى 10/5 أي أنّ المسيح الناصريّ كان رسولا قوميّا ولم يكن المسيح رسولا عالميّا.
إذا تدبّرنا الآية 158 ؟
هذه الآية التي قال اللّه تعالى فيها (بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزا حكيما)
وجوابنا على السؤالين المطروحين آنفا
ويتساءل هذا القارئ الباحث في حديث نفسه بعد أن أحاط علماً بالمفهوم الحقيقي للآية 157 التي أوردناها ، فهو يتساءل في حديث نفسه: وهل يُعقلُ أن يهمل اللّه عز وجلّ بيان هذه الحقيقة التي تتعلّق أصلا بالمقصد الذي قصده اليهود من محاولتهم قتل المسيح عليه السلام فقد كانت محاولتهم هذه ترمي ليثبتوا بأنّ المسيح ابن مريم لم يكن (رسول اللّه) تلك المحاولة القذرة التي دفعتهم إليها الفقرة الواردة في سفر التثنية من الإصحاح 18/ 20 وهي (النبيّ الكاذب يُقتل) وعلى حسب ما بيّنته في موضعه من قبل.تلك الفقرة التي دفعت اليهود ليحاولوا دوما قتل كلّ مدّعي للنبوّة وليكشفوا من خلال نتائج محاولات القتل تلك: أ كان يسّوع الناصري رسولا صادقا في ادّعائه النبوّة أم كان كاذبا فيما ادّعاه ؟ فإن تمكّنوا من قتل يسّوع الناصريّ فقد أثبتوا أنّ ادّعاءه النبوّة كان كذبا وبهتانا. وإن فشلوا في قتله فهو نبيٌّ صادق. وقد لاحظ القارئ الكريم كيف أنّي أثبتّ من خلال بحثي هذا الذي بحثته من معطيات الأناجيل نفسها أنّ اليهود فشلوا فيما حاولوا إثباته. وقد بيّنت بالأدلّة القاطعة كيف أنّ المسيح عليه السلام قد نجى من الموت على الصليب وبعد نجاته من محاولة قتله هاجر وبشّر بقيّة أسباط اليهود الموجودين في المنفى ومات ودفن في سفوح جبل كشمير وقبره موجود.
وعليه ينشأ هنا سؤال عريض وهامّ جدّا يطرحه كلّ باحث مدقّق ويتعلّق بالدليل القرآنيّ الذي يثبت كون المسيح عليه السلام نبيّا مرسلا من قبل اللّه عز وجلّ. فأقول: لقد خصّص اللّه جلّ شأنه آية مستقلّة بعد الآية 157 التي سبق لنا أن تدبّرناها والقصد من ذلك أن يجيب من خلال هذه الآية الثانية على هذا السؤال الذي أشرنا إليه.وهذه الآية الكريمة الجديدة والمستقلّة هي التي قال اللّه تعالى فيها (بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزا حكيماً.) ولنحاول تدبّر هذه الآية بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.وكما فعلنا عند تفسير الآية التي قبلها.
لكنّي أرى أن أعطي القارئ الكريم أوّلا فكرة عن فعل (رفعه) فأبيّن للقارئ دلالات كلمة (الرفع) من الوجهة اللّغويّة واستعمالاتها وعلى شاكلة ما فعلته من قبل حين بحثت كلمة (التوفّي) من الوجهة اللّغويّة ودلالاتها واستعمالاتها قبل تدبّر الآية الوارد فيها لفظ (التوفّي).
كلمة (الرفع) ودلالاتها اللّغويّة واستعمالاتها
ورد في معجم (محيط المحيط): كلمة رَفَعه ضدّ كلمة وضعه.تقول:رفع البعير في سيره معناه بالغ فيه.ورفعته فعل يستعمل لازماً ومتعدّيا.ورفع القوم معناه أصعدوا في البلاد.ورفعوا الزرعَ معناه حملوه بعد الحصاد إلى البيدر.فإن أنت أمرت شخصا وقلت له: ارفع هذا معناه أنّك تأمره أن يأخذه.ورفع الكلمة معناه أنّه ألحق بها علامة الرفع.أمّا إذا قلت:رفع الحاسب الكسر معناه جعله صحيحا.أما إذا قلت رفع العالم الحديث إلى النبيّ معناه أنّه سلسَله حتّى وصل بروايته إلى النبيّ (ص).ومعنى رفعته إلى السلطان قرّبته منه.ويقال: دخلت على فلان فلم يرفع لي رأسا معناه أنّه لم ينظر ولم يلتفت إليّ.أما إذا قلت:هذا أمرٌ يرفع الرأس فمعناه أنّه يعطي مجداً وكرامة.ورَفُعَ معناه صار رفيع الصوت.ورَفُعَ شرف معناه علا قدره فهو رفيع.ورافعه إلى الحاكم مرافعةً شكاه وقدّمه لِيُحاكم.فإن قلت: رافعني وخافضني معناه أنّه داورني كلّ مداورة.وترفّع عليّ معناه تعالى عليّ.وارتفع مطاوع رفع حيث تقول:رفعه فارتفع.وارتفع السعر معناه غلا.وارتفع من بينهم الخصام معناه انتفى.واسترفعه معناه أنّه طلب أن يُرفع.والرافع اسم فاعل وبرق رافع أي برق ساطع.والرفع مصدر.والرفعة ارتفاع القدر والمنزلة.والرفيع ضدّ الوضيع.والارتفاع مصدر ارتفع.والمرفوع اسم مفعول والمرفوعة مؤنّث المرفوع كما ورد في سورة الواقعة (وفرشٍ مرفوعة) أي بعضها فوق بعض أو مقرّبة لهم.وأما في سورة الغاشية (فيها سرُرٌ مرفوعة) أي رفيعة القدر.
وبإمكاننا أن نلخّص هذه الدلالات وتلك الاستعمالات بالآتي:
1ً- أنّ كلمة الرفع يعبّر بها عن القدر والمنزلة.تقول رفع المدير موظّفه ضد وضعه أي رقّاه.
2ً- وأنّ كلمة الرفع يعبّر بها عن المبالغة في شيء حيث تقول: رفع البعير في سيره أي بالغ فيه.
3ً- وأنّ كلمة الرفع يعبّر بها عن النقل من مكان إلى مكان تقول: رفع الزرع أي حمله إلى البيدر.
4ً-ولكلمة الرفع معنى الأخذ تقول: ارفع هذا أي خذه.
5ً- فإذا قرنّا بكلمة الرفع صلة (إلى) يعني التّقريب.تقول: رُفع إلى اللّه أو إلى السلطان معناه قرّبه منه.
6ً- فإن أنت وصفت شيئا بأنّه يرفع الرأس فمعناه أنّه يعطي مجدا وكرامة.
7ً- أمّا إذا قرنت كلمة الرفع بصلة (في) فمعناه أنّك ترفعه تقول رفعته في الهواء معناه رفعته فيه.
فإن نحن عدنا يا عزيزي القارئ إلى استعمالات كلمة (الرفع) في القرآن الكريم نلاحظ بأنّ اللّه تعالى قد استعمل هذه الكلمة بمختلف دلالاتها التي أوردها هذا المعجم وبمعناها العام وهو التّقريب والإعزاز.فالّله جلّ شأنه قد وصف نفسه وقال في سورة غافر 15 وقال (رفيع الدرجات ذو العرش).أي عالي الدرجات وصاحب القدرة.ووصف اللّه تعالى آيات كتابه العزيز في سورة عبس 14 وقال (في صحفٍ مكرّمة.مرفوعة مطهّرة.).أي أنها معزّزة مقدّسة.ووصف مواقع المؤمنين في الجنّة فقال في الآية13 من سورة الغاشية (فيها سرُرٌ مرفوعة.وأكواب موضوعة.) أي مواقع معزّزة ومتطلّباتها.ووصف نتائج الواقعة في الآية الثالثة وقال (ليس لوقعتها كاذبة.خافضةٌ رافعة.) أي أنّه ينتج عنها أن يصبح طرف معزّز وطرف محتقر ذليل.وفي سورة النور الآية 36 قال بحقّ بيوت اللّه تعالى (في بيوت أذن اللّه أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه) أي في بيوت أذن اللّه تعالى أن تعزّز وتحترم ويُذكر فيها اسم اللّه تعالى .وأورد تعالى كلمة يُرفع مقرونة بصلة (إلى) وبمعنى الإعزاز والتكريم فقال في سورة فاطر الآية العاشرة (إليه يصعد الكلمُ الطيّبُ والعمل الصالح يرفعُه).كما أورد اللّه جلّ شأنه كلمة (الرفع) مقرونة بصلة (من) وقال في الآية 127 من سورة البقرة (وإذ يرفع إبراهيمُ القواعد من البيت وإسماعيل) أي يعيد تشييد قواعد البيت مرفوعة .
فإن نحن أمعنّا نظرنا يا قارئي العزيز فيما أتت به هذه الدراسة اللّغويّة ولا حظنا كيف أنّ اللّه تعالى قد أتى بكلمة (رافعك) مقترنة بصلة (إلى) نصل من ذلك إلى أنّ قول اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة (بل رفعه اللّه إليه) يستحيل أن نفهم من هذه الصيغة معنى إلاّ معنى التّقريب من اللّه تعالى.ويكون معنى قوله تعالى (بل رفعه اللّه إليه) بأنّ اللّه تعالى أتى بحرف (بل) هنا للانتقال من غرض إلى غرض وبسبب دخول جملة فعليّة على حرف (بل).وعليه يكون اللّه تعالى بعد أن فرغ من نقض وتفنيد قول اليهود (إنّا قتلنا المسيح ابن مريم) قد انتقل من ذاك الغرض في هذه الآية الثانية إلى غرض آخر وهو إثبات أنّ المسيح ابن مريم كان نبيّ اللّه تعالى ورسوله.وبدليل أنّ اللّه تعالى جعل المسيح ابن مريم مقرّبا إليه ولم يلقه في جهنّم التي أَعدّها اللّه تعالى للمغضوب عليهم وللمُبعدين عنه.
فبناء على هذا المعنى المقصود من قوله تعالى (بل رفعه اللّه إليه) فقد أنهى اللّه تعالى هذه الآية وقال (وكان اللّه عزيزا حكيما.).أي أنّ اللّه تعالى نبّه من خلال صفته (عزيزاً) ومنوّنا على آخرها إلى أنّ العزّة الحقيقيّة هي في أن يصبح الإنسان في آخر المطاف محاطا برعاية العزّة الإلهيّة الرفيعة السامية ، وليس أن يصبح محاطاً برعاية إنسان مثله محتاج كمثله إلى العزّة من اللّه وليس من الناس.وإلى هذه الحقيقة أشار قول رسول اللّه (ص) (من اعتزّ بغير اللّه ذلّ).كذلك فقد أشار اللّه تعالى من خلال صفته (وكان اللّه عزيزاً) إلى أن اللّه تعالى كان قد أعزّ ّ المسيح ابن مريم ونجّاه من ميتة اللّعنة التي دبّرها له اليهود وثبت من خلال ذلك بأنّ اللّه تعالى يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء.
وقد نبّه اللّه تعالى من خلال صفته (حكيماً) ومنوّنا على آخرها إلى أنّ الحكمة الحقيقيّة هي أن يتصرّف الحكيم في الواقف الحاسمة بتصرّفٍ متقنٍ للأمور.ومن باب أنّ صفة (الحكيم) تعني العالم صاحب الحكمة المتقن للأمور.هذا وإنّ ما كشفت عنه فيما بيّنته من قبل من حقائق خافية وأسرار كانت وراء عمليّة إنقاذ المسيح ابن مريم من مكيدة اليهود القذرة تعطي القارئ الكريم فكرة عظيمة عمّا دبّره اللّه (الحكيم) لإنقاذ نبيّه من مكائد اليهود التي دبّروها ضدّه وأثبت اللّه تعالى من خلال ذلك أنّه (وكان اللّه عزيزاً حكيماً.).فقد أعزّ اللّه المسيح الذي توكّل عليه بأن قرّبه إليه وذلك بأنّ دفع الحاكم (بيلاطس) ليتّخذ من التدابير ما ساعدت على إنقاذ المسيح نبيّ اللّه البارّ من الموت على الصليب فقد دبّر الحاكم بيلاطس ما دبّره بتحريض من زوجته أيضا التي أراها اللّه عزّ وجلّ رؤيا دفعتها لتقوم بهذه الوساطة عند زوجها الحاكم الروماني.فهذه حقيقة وردت في الإصحاح( 27/19) من إنجيل متّى الذي كتب يقول في الترجمة القديمة: (وإذ كان جالسا على كرسي الولاية أرسلت إليه امرأته قائلةً: إيّاك وذلك البار.لأنّي تألّمت اليوم كثيراً في حُلْمٍ من أجله.). وأمّا في الترجمة الحديثة فقد ورد (وبينما هو جالسٌ على كرسي القضاء أرسلَت إليه امرأته تقول: دعكَ وهذا البار لأنّي عانيتُ اليوم في الحُلم آلاماً شديدةً بسببه.)وقد أثبتّ ذلك كلّه في مؤلّفي-هل مات المسيح على الصليب-
وعلى هذه الصورة يكون اللّه عز وجلّ قد فنّد وردّ على عمليّة الاستهزاء التي قام بها اليهود من خلال إضافتهم كلمتي (رسول اللّه) على الاسم الحقيقي للمسيح ابن مريم عليه السلام حين قالوا: (إنّا قتلنا المسيح ابن مريم رسول اللّه).ردّ تعالى على استهزائهم المشار إليه من خلال هذه الآية الكريمة المستقلّة عن سابقتها شكلا والمتّحدة معها مضمونا.
وينبغي على القارئ الكريم إن كان مفكّراً أن يتذكّر بأنّ أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام قد أتى عليه ابتلاء أشدّ ممّا أتى على المسيح الناصري من ابتلاء.أفلا يتذكّر كيف أنّ قوم إبراهيم قد أجمعوا على إحراق إبراهيم بالنار بتهمة كاذبة.فهل عمد اللّه جلّ شأنه إلى رفع نبيّه إبراهيم إلى السماء وقتئذ أم أنّه سبحانه وتعالى قال (يا نار كوني برداً وسلاما على إبراهيم) ؟ وهل نسي القارئ العزيز ما صار إليه حال يوسف على أيدي اخوته الذين ألقوه في غياهب الجبّ. فهل عمد اللّه جلّ شأنه إلى تخليص نبيّه يوسف من أيديهم برفعه إلى السماء وقتئذ أمّ أنّه سبحانه دبّر مارّةً نشلوه من البئر وباعوه في مصر وهيّا اللّه تعالى من الأسباب ما جعل معها يوسف وزيراً وأخضع اخوته لحكمه أيضا بعد طول غياب ؟
فاللّه (العزيز الحكيم) يثبت كونه عزيزا وحكيما في مثل هذه المواقف الحاسمة ولا يفعل ما تفعله الأمّ إذا خافت على ولدها من وحشٍ يداهمها تقوم فتهرب بطفلها من وجه الوحش وهي تصيح طالبة العون والنجدة لكونها ضعيفة ولا تملك ما يملكه اللّه خالقها (العزيز الحكيم).
وعليه فما دام اللّه عز وجلّ قد قرن فعل (الرفع) في هذه الآية بصلة (إلى) فقد كان يقصد
من ذلك في هذه الآية الكريمة إعطاء قوله تعالى (رفعه إليه) معنى الإعزاز والتكريم والتّقريب يقينا وليس معنى آخر سواه.وهل نسينا قول اللّه عز وجلّ في الآية 28 من سورة الفجر (يا أيّتها النفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي.) ففعل (ارجعي) اقترن في هذه الآية الكريمة بصلة (إلى) لذلك أضاف اللّه تعالى وقال (راضية مرضيّة) أي راضية بالإعزاز والتكريم الذي أعزّك وكرّمك به ربّك وهو راض عنك غير ساخطٍ عليك.
وقد أخطأ المفسّرون القدماء رحمهم اللّه تعالى أولئك الذين كانوا متأثّرين بالروايات الباطلة التي وصلتهم حول مصير المسيح الناصري والذين غاب عن نظرهم دخول صلة (على) على فعل (رفعه إليه) ولذلك لا حظنا بأنّهم أتوا بكلمة (السماء) وقالوا برفع المسيح الناصري إلى السماء ووافقوا بذلك عقائد المسيحييّن بدون وعي على حين أنّ الآية خلوٌّ من كلمة (السماء).
كان المسيح موعودا أن يموت موتا طبيعيّا
وإنّ القارئ المفكّر الباحث يتبادر إلى ذهنه أن يسأل بعد الذي اطّلع عليه من حقائق وبيّنات وسؤاله ينبع ممّا تضمّنه قول ربّنا عز وجلّ في الآية 62 من سورة يونس في كتابه العزيز: (ألا إنّ أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.).فما دام المسيح ابن مريم كان نبيّا وينطبق عليه هذا المعيار القرآنيّ فإنّ من المستحيل أن تكون محاولة صلبه قد أتت عليه هكذا فجأةً،بل لابدّ وأن يكون اللّه تعالى كان قد أطلعه على ما سيواجهه من هذه المحاولة الدنيئة التي حاولها اليهود ضدّه ليصونه من خلال هذا الوعد الإلهيّ من الخوف على مستقبله ومستقبل دعوته.فهل أنّ لهذا السؤال من جوابٍ مقنعٍ في الأناجيل وفي القرآن الكريم أيضاً ؟
أمّا دليلي الذي أقدّمه للقارئ الكريم من داخل الأناجيل الحاضرة ويحمل الإجابة على السؤال الآنف الذكر فقد تضمّنه إنجيل متّى الإصحاح 12/28-31 الذي أورد كاتبه يقول في الترجمة القديمة:
(حينئذ أجاب قومٌ من الكتبة والفرّيسيين قائلين:يا معلّم نُريد أن نرى منك آية.فأجاب وقال لهم:جيلٌ شرّيرٌ وفاسقٌ يطلبُ آية ولا تُعطى له آيةٌ إلا آيةَ يونان النبيّ.لأنّه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ هكذا يكون ابن الإنسان في بطن الأرض ثلاثة أيّام وثلاث ليال.رجالُ نينوى سيقومون في الدّين مع هذا الجيل ويدينونه لأنّهم تابوا بمناداة يونان.وهو ذا أعظمُ من يونان ههنا.)
فالنبي (يونان) الوارد في هذا النصّ هو النبيّ يونس عليه السلام الذي ابتلعه الحوت وبقي داخله حيّا وخرج من بطن الحوت حيّا أيضاً.ولقد أشار المسيح ابن مريم من خلال جوابه على الكتبة والفرّيسييّن اليهود بأنّ اللّه تعالى وعده بأن يتصرّف معه كما تصرّف مع النبي يونس من قبله الذي ابتلعه الحوت والذي بقي في بطنه ثلاثة أيّام ومن ثمّ لفظه إلى الخارج وهو ما يزال حيّاً.
فمن خلال هذا المثال الذي قدمه المسيح الناصريّ للكتبة والفرّيسييّن يكون قد أنبأ من خلاله بأنّ ربّه كان قد وعده هو أيضاً أنّه حين يتآمر اليهود عليه أن يُدخله اللّه تعالى باطن الأرض وهو حيٌّ ويخرجه من باطن الأرض وهو حيٌّ. وبألفاظ أخرى فهذا دليل من جانبنا يثبت بأنّ المسيح ابن مريم كان موعودا من جانب ربّه الذي أرسله ليرعى خراف بيت إسرائيل الضالّة كان موعوداً بهذا الوعد الذي صرّح به عليه السلام والذي يشير إلى حادثة الصليب وما تسفر عنها من أنّه ينجو من ميتة اللّعنة على الصليب فيُنزلوه حيّاً ويدفنوه حيّا مخدّرا وبخرج من القبر وهو حيّ فتتحقّق هذه النبوءة التي أنبأ المسيح من خلالها أنّه يحدث له ما يشابه ما حدث للنبيّ يونس من قبله.
هذا وإنّ إنجيل متّى نفسه الإصحاح 27/45يروي في الترجمة القديمة عن المسيح من أنّ المسيح وهو على الصليب صاح معاتباً ربّه أنّه شعر بأنّه لم يوف له بالوعد الذي وعده به.فقد ورد :
(ومن الساعة السادسة كانت ظلمةٌ على كلّ الأرض إلى الساعة التاسعة.ونحو الساعة التاسعة صرخ يسّوع بصوتٍ عظيمٍ قائلاً: إيلي إيلي لَما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني.فقومٌ من الواقفين هناك لمّا سمعوا قالوا إنّه ينادي إيليّا.وللوقت ركض واحدٌ منهم وأخذ إسفنجةً وملأها خلاًّ وجعلها على قصبةٍ وسقاه.وأمّا الباقون فقالوا اترك لنرى هل يأتي إيليّا يُخلّصُه فصرخ يسّوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح.).
فصياح المسيح وهو على الصليب بكلمات (إلهي إلهي لماذا تركتني) فإنّ هذه الكلمات تدلّ دلالة واضحة على وجود وعد سابق من قبل اللّه تعالى قد قطعه للمسيح.وأنّ المسيح شعر وهو فوق الصليب يتألّم وهو لا يدري بما دبّره ربّه لإنقاذه أقول شعر وكأنّ اللّه تعالى تركه ولم يف له بوعده.
هذا وإنّ القرآن الكريم يؤكّد لنا وجود الوعد المشار إليه أيضاً.فإن نحن راجعنا يا عزيزي القارئ الآيات 52-55 من سورة آل عمران نعثر على تأكيد هذا الوعد الإلهيّ المذكور والمقطوع للمسيح عليه السلام.لكني وقبل إيراد تلك الآيات الكريمة وتدبّرها بمنهجيّة القرآن المجيد أرى ألاّ أمرّ على النصّ الذي نقلته للقارئ من إنجيل متّى الإصحاح 27/45 مرور الكرام.ذلك لأنّي عندما راجعت الترجمة الحديثة للنصّ المذكور فقد راعني أنّه اختلف عن الأصل اختلافا كبيرا لذلك تجدني يا قارئي العزيز أحاول استعراض هذا النصّ المذكور بترجماته القديمة من أناجيل متّى ومرقس ولوقا وفيما يقابلها من نصوص مترجمة ترجمة حديثة لإحساسي بحدوث تحريف في تلك الترجمات.
ألا تُعدُّ هذه الترجمة الحديثة من قبيل التحريف ؟
وقد راجعت الترجمة الحديثة التي ترجمت إصحاح 27/45 من إنجيل متّى فوجدت أنّ (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) قد ترجمت النصّ المشار إليه كما يلي:
(وخيّم الظلام على الأرض كلّها من الظهر إلى الساعة الثالثة.ونحو الساعة الثالثة صرخ
يسّوع صرخةً شديدةً قال:إيلي إيلي لما شبقتاني ؟ أي إلهي إلهي لماذا تركتني ؟ فسمع بعض الحاضرين هناك فقالوا إنّه يدعو إيليّا.فأسرع واحد منهم لوقته وأخذ اسفنجةً فبللّها بالخلّ وجعلها على طرفِ قصبة وسقاه.فقال سائر الحاضرين: دعنا ننظر هل يأتي إيليّا فيخلّصُه ؟ وصرخ أيضا صرخة شديدة ولَفَظ الروح.).
والمتدبّر لهذا المضمون الذي أوردته الترجمتان القديمة والحديثة يبدو واحد في جوهره.لكنّ الترجمة الحديثة اختلفت عن الترجمة القديمة في الجزئيّات.فعلى حين أنّه ورد في الترجمة القديمة (ومن الساعة السادسة كانت ظلمةٌ على كلّ الأرض إلى الساعة التاسعة.ونحو الساعة التاسعة صرخ يسّوع..) فقد اختلفت الترجمة الحديثة معها وورد فيها (وخيّم الظلام على الأرض كلّها من الظهر إلى الساعة الثالثة.ونحو الساعة الثالثة صرخ يسّوع..) فلماذا ظهر هذا الاختلاف بين الترجمتين المذكورتين ؟
والذي لاحظته هو أنّ أصحاب هذه الترجمة الحديثة قد وضعوا حاشية برقم 26 تحت كلمة (الثالثة) جاء فيها: (الترجمة اللّفظيّة "من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة"ومن الراجح أنّ هذا الظلام (خر 10/22 وعا 8/9-10 يمثّل دينونة اللّه الممتدّة من الصليب إلى الأرض كلّها وهناك ترجمة أخرى ممكنة "على تلك الأرض كلّها").
ومن خلال مضمون هذه الحاشية يتبيّن بأنّ أصحاب الترجمة الحديثة قد تصرّفوا في موضوع ترجمتهم للنصّ المذكور باجتهادٍ من عندهم غير مقبول ولا معلّل عقليّا ولا منطقيّا.فالساعة تظلّ هي نفسها مهما تغيّرت الأيّام ومهما تغيّرت التقاويم.وإنّه لا يُعقلُ أن يصدر عن صاحب الترجمة القديمة مثل هذا الخطأ في ترجمته.فرقم (الساعة التاسعة) يختلف عن رقم (الساعة الثالثة) يقينا. وليس من المعقول أن يكون المترجم القديم قد أخطأ فترجم (الساعة التاسعة) بدل (الساعة الثالثة) وعليه فإنّ هذا التبديل الذي حدث في هذه الترجمة الحديثة يعدّ في نظري من قبيل التحريف الذي اشتهر به أهل الكتاب والذي نبّه إليه القرآن الكريم. وإنّ من واجب رجال (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) في بيروت – لبنان أن يفسّروا لنا السبب الذي دفعهم لإحداث هذا التبديل الذي أحدثوه في النصّ المشار إليه من إنجيل متّى ولكن بدليل مقنع.فكاتب إنجيل متّى حسب الترجمة الحرفيّة حدّد زمن ظهور العاصفة الهوجاء التي تسبّبت بحجب الشمس وإظلام الجوّ ابتداء من الساعة السادسة وليس من وقت الظهيرة.وأنّ زمن تلك العاصفة امتدّ إلى الساعة التاسعة وإلى حين صاح المسيح ينادي (يا إلهي ياإلهي لماذا تركتني).على حين أنّ الترجمة الحديثة حدّدت زمن ابتداء العاصفة من ساعة حلول وقت الظهيرة الذي يكون حول الساعة الواحدة وأنّها امتدّت إلى الساعة الثالثة.علما بأنّ الساعة الثالثة تقرب من وقت العصر وليس من وقت المغرب ووقت الغياب.
وإنّ هذا الاختلاف الذي لاحظت حدوثه ما بين الترجمتين القديمة والحديثة بشأن هذا النصّ من إنجيل متّى. أقول إنّ هذه الحقيقة دفعتني لمراجعة ما أورده إنجيلا مرقس ولوقا في هاتين الترجمتين: القديمة منهما والحديثة لأرى هل أحدثوا هناك في هذين الإنجيلين نفس هذا التحريف ؟ولشدّ ما أدهشني أنّ الذين قاموا بهذه الترجمة الحديثة فعلوا هناك في نفس النصوص من إنجيلي مرقس ولوقا نفس ما فعلوه في النصّ من إنجيل متّى وإليك يا عزيزي ما توصّلت إليه:
فإن أنت راجعت ياعزيزي القارئ إنجيل مرقس تلاحظ بأنّ ترجمته القديمة تؤيّد مضمون الترجمة القديمة لإنجيل متّى. فقد أورد مرقس في الإصحاح 15/34 من الترجمة القديمة يقول (ولمّا كانت الساعة السادسة كانت ظلمةٌ على الأرض كلّها إلى الساعة التاسعة.وفي الساعة التاسعة صرخ يسّوع بصوت عظيم قائلا: إلوي إلوي لما شبقتني.) وهذا نفس النصّ الوارد في إنجيل متى من الترجمة القديمة.
ثمّ إنّك إن أنت راجعت يا عزيزي القارئ إنجيل لوقا تلاحظ بأنّ ترجمته القديمة تؤيّد مضمون الترجمة القديمة لإنجيل متّى.فقد أورد إنجيل لوقا هو أيضا في الإصحاح 23/44 من الترجمة القديمة وقال: (وكان نحو الساعة السادسة.فكانت ظلمةٌ على الأرض كلّها إلى الساعة التاسعة.وأظلمت الشمس وانشقّ حجاب الهيكل من وسطه.ونادى يسّوع بصوتٍ عظيم وقال: يا أبتاه في يديك أستودع روحي.ولمّا قال هذا أسلمَ الروح.).
فمن خلال هذه النصوص الثلاثة الواردة في الترجمة القديمة لنصوص أناجيل (متّى ومرقس ولوقا) تبدو أرقام التوقيت الواردة فيها واحدة لا اختلاف فيها.فظلمة العاصفة الهوجاء ابتدأت من الساعة (السادسة) وامتدّت إلى الساعة (التاسعة) وذلك حين صاح المسيح صيحته التي قال فيها: (إلهي إلهي لماذا تركتني) .
أما إن نحن راجعنا يا عزيزي القارئ ما ورد في الترجمة الحديثة لنفس النصّ من إنجيل لوقا الذي أوردناه آنفا فقد أوردوا بدلا عنه: (وكانت الساعة نحو الظّهر.فخيّم الظلام على الأرض كلّها حتّى الثالثة.لأنّ الشمس قد احتجبت.وانشقّ حجاب المقدس من الوسط.فصاح يسّوع بأعلى صوته قال: يا أبت في يديك أجعلُ روحي قال هذا ولفظ الروح.).
علما بأنّهم وضعوا تحت كلمة (الثالثة) حاشية برقم 25 قالوا فيها: (الترجمة اللّفظيّة "الساعة السادسة ...الساعة التاسعة بحسب التقويم القديم.قد يكون ذكر الظلام عند الظهر يشير إلى الحزن على الابن الوحيد الوارد ذكره في عا 8/9-10 راجع خر 10/22. "على الأرض كلّها "أو "على تلك الأرض كلّها").
وإن نحن راجعنا يا عزيزي القارئ ما ورد في الترجمة الحديثة لنفس نصّ إنجيل متّى الذي
سبق لنا أن أوردناه بترجمته القديمة،فقد أوردوا بدلا عنه في هذا الإنجيل (إنجيل لوقا) 23/44 ما يلي:
(وكانت الساعة نحو الظهر.فخيّم الظلام على الأرض كلّها حتّى الثالثة.لأنّ الشمس قد احتجبت
وانشقّ حجاب المقدس من الوسط.فصاح يسّوع بأعلى صوته قال: "يا أبت في يديك أجعل روحي" قال هذا ولفظ الروح.).
علما بأنّهم وضعوا تحت كلمة (الظهر) حاشية برقم 24 جاء فيها: (الترجمة اللّفظيّة "نحو السادسة".ووضعوا تحت كلمة (الثالثة) حاشية برقم 26 جاء فيها: (الترجمة اللّفظيّة "حتّى التاسعة".).
فمن خلال هذه الحواشي التي نقلتها للقارئ العزيز يتبيّن بأن أصحاب هذه الترجمة الحديثة اعترفوا بصحّة الترجمة الحرفيّة القديمة ، كما اعترفوا بأنّهم ترجموا تلك الترجمات الحرفيّة بتصرّفٍ من عندهم قائم على أوهامٍ وظنونٍ وليس على أدلّة دامغة.
وأرى أن أبيّن للقارئ العزيز السبب الحقيقي الذي دفع أصحاب الترجمة الحديثة للقيام بهذا التحريف للنصوص الثلاثة التي أوردناها من أناجيل (متّى ومرقس ولوقا) فأقول: إنّ الاختلاف ما بين رأي القرآن الكريم وما بين معتقدات الكنائس المعاصرة فيما يتعلّق بحادثة تعليق المسيح الناصري على الصليب.هو فرقٌ جوهريّ وأساسيّ قد أشار اللّه تعالى إليه من خلال مضموني الآيتين 157/158 من سورة النساء الّلتين فسّرتهما للقارئ في حينه.وإنّ هذا الفرق الجوهري الأساسيّ يتمحور حول أنّه مع التسليم بتعليق المسيح على الصليب فإنّ المسيح لم يمت على الصليب وأنزلوه حيّاً ودفنوه حيّا وبتدبير من جانب اللّه تعالى الذي دفع الحاكم الروماني (بيلاطس) لتدبير نجاة هذا الإنسان البارّ الذي لم يرتكب إثماً ما.وفي مقابل هذا الفهم لحادثة الصلب المذكورة فإنّ الكنائس المعاصرة يعتقد أهلها بأنّ المسيح الناصري مات على الصليب الذي علّقوه عليه وأصبح لعنة لتخليص المسيحييّن من أثر الخطيئة التي ارتكبها آدم وحواء.وأنّ المسيح أنزلوه من على الصليب ميتاً ودفنوه ميتاً ومن ثمّ قام من بين الأموات ووفقاً للنبوءة التي كان قد تنبّأ بها عن مصيره والمتعلّقة بمشابهة ما سيحدث له مع ما كان قد حدث للنبيّ يونس عليه السلام.
ونحن كمسلمين نحاور إخواننا المسيحييّن ونقول لهم بأنّه لو كان القصد من النبوءة المشار إليها بقاء المسيح في القبر ثلاثة أيام ، فإن أحصينا المدّة التي بقي المسيح خلالها في القبر وحسب معطيات الأناجيل الحاضرة فلا تساوي تلك المدّة ثلاثة أيّام.وما دام المسيح نبيّا صادقاً فإنّه يستحيل أن يتنبّأ بما لا يحدث فعلا، وحسب نصّ سفر التثنية 18 /20 .وإنّ عدم اكتمال مدّة بقاء المسيح في القبر ثلاثة أيّام فإنّ هذا الواقع يُعدّ قرينة تنقل المشابهة الحاصلة ما بين المسيح وما بين يونس عليه السلام منحصرة في دخول الاثنين: ذاك إلى جوف الحوت وهذا إلى جوف الأرض حيّين وفي خروجهما منهما حييّن أيضا.
فنحن إذ نحاور هؤلاء يا عزيزي القارئ بهذا المنطق السليم نوقعهم في حرجٍ شديد. فالحجّة القاطعة إلى جانبنا ولا تعمل إلى جانبهم.من هنا عُدت تُدرك يا عزيزي القارئ السبب الذي دفع هؤلاء الذين قاموا بهذه الترجمة الحديثة مشكورين ليحدثوا التحريف المشار إليه.فهذه الترجمة الحديثة لربّما وجدوها فرصة نادرة لضمّ يوم الجمعة إلى يوم السبت وجزء من فجر يوم الأحد لعلّ هذه كلّها تشكّل ثلاثة أيّام.ويثبت بالتالي بأنّ نبوءة (جيل شرّيرٌ فاسد..) تتعلّق بدخول المسيح الناصري القبر ميتا وليس حيّا كما أثبتناه من مُعطيات هذه الأناجيل المطبوعة والمتداولة.
واعلم يا عزيزي القارئ أنّه مع اقتناعي بصحّة ما ذهبت إليه فإنّي أنتظر من جانب حضرات (جمعيّات الكتاب المقدّس المتّحدة) الذين قاموا بهذه الترجمة الحديثة أنتظر من جانبهم الإجابة على ما كشفت عنه من تحريفهم للنصوص الحرفيّة القديمة والواردة في الترجمة الحرفيّة القديمة.وإنّ أرقام هاتفي وصندوق بريدي مدوّنة عل غلاف مؤلّفي هذا ، فهل سيفعلون ؟
واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ الترجمة الحرفيّة القديمة هي الترجمة الصحيحة لأرقام الأوقات المذكورة فيها،وبخلاف معطيات الترجمة الحديثة المحرّفة لتلك الأرقام.ولا أدّعي هذا جزافا بل سأقدّم الدليل على مصداقيّة هذا الادّعاء من هذه الأناجيل نفسها المطبوعة والمتداولة.فما هو مضمون دليلي هذا الذي سأطرحه والمشار إليه ؟
فإن أنت راجعت يا عزيزي القارئ إنجيل مرقس الإصحاح 15/34 وحيث ذكر مرقس بأنّ المسيح عليه السلام قد صرخ معاتبا ربّه (إلهي إلهي لماذا تركتني ؟) فبعد أن فرغ مرقس من ذكر أثر تلك الصرخة على الحاضرين قال في الترجمة الحرفيّة القديمة: (ولمّا كان المساء إذ كان الاستعداد أي ما قبل السبت.جاء يوسف الذي من الرامة مشيرٌ شريفٌ وكان هو أيضا منتظرا ملكوت اللّه فتجاسر ودخل إلى بيلاطس وطلب جسد يسّوع.).
وترجموا هذا النصّ من إنجيل مرقس 15/42 حديثاً فورد: (وكان المساء قد أقبل ولمّا كان ذلك اليوم يوم التَّهيئة أي الذي قبل السبت جاء يوسف الرّاميّ وهو عضو وجيه في المجلس وكان هو أيضا ينتظر ملكوت اللّه فحملته الجرأة على أن يدخل إلى بيلاطس ويطلُبَ جثمان يسّوع.).
فقول كاتب إنجيل مرقس في الترجمة القديمة (ولمّا كان المساء) وقوله في الترجمة الحديثة (وكان المساء قد أقبل) أقول: إنّ هذا القول بترجمتيه الحرفيّة والحديثة قد ورد بعد أن علّقوا المسيح على الصليب (الساعة الثالثة) ووفق الإصحاح 15/25 (وكانت الساعة الثالثة فصلبوه).وبعد أن هبّت عاصفة هوجاء (الساعة السادسة)وامتدّت إلى الساعة (التاسعة) ووفق الإصحاح 15/34 (ولمّا كانت الساعة السادسة كانت ظلمةٌ على الأرض كلّها إلى الساعة التاسعة). ومادام قول مرقس قد ورد بعد بيان هذه الحقائق التي تعني أنّ الساعة التاسعة كانت آخر النهار. فقوله (ولمّا كان المساء إذ
كان الاستعداد أي ما فبل السبت) فإنّ هذا القول يعني بألفاظ أخرى بأنّ أصحاب الترجمة الحديثة قد أقدموا على تحريف النصّ الحرفيّ القديم حين ترجموه (ولمّا كان الظهر خيّم الظلام على الأرض كلّها حتّى الساعة الثالثة.وفي الساعة الثالثة صرخ يسّوع صرخة شديدة..) فالساعة (الثالثة) حين حدوث الصرخة بعيدة عن المساء (ست ساعات ) أي بعيدة عن المساء نفسه ستّ ساعات.وهذا هو التحريف بعينه.وكان القصد منه إدخال يوم الجمعة في حساب بقاء المسيح في القبر (ثلاثة أيّام) والتي لم تكتمل بالرغم من هذا التحريف المذكور.إذ أنّ قول جميع الأناجيل بقدوم مريم المجدليّة فجر يوم الأحد وعدم مشاهدتهم أحداً في القبر يدلّ دلالة واضحةً أنّ يوم الأحد لا يجوز إدخاله في حساب المدّة التي بقي فيها المسيح داخل القبر فهذا هو دليلي ومن داخل إنجيل مرقس الدالّ على التحريف الذي بيّنته وأشرت إليه.
الوعد بنجاة المسيح من القرآن الكريم
فإن قمنا يا عزيزي القارئ بتدبّر آيات هذا القرآن المجيد. هذا الكتاب العزيز الذي فنّد اللّه عز وجلّ فيه ما وقع من أخطاء في تاريخ المسيحيّة وأتى بالأخبار الصحيحة المتعلّقة بتلك الأخطاء.فإنّ اللّه تعالى لم ينس التّصريح بهذا الوعد الذي كان قد قطعه على نفسه لنبيّه المسيح ابن مريم حين يمكر اليهود لقتله على الصليب.وإنّ هذا التصريح قد أورده اللّه تعالى في الآيات 52-58 من سورة آل عمران التي قال تعالى فيها:
(فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال مَن أنصاري إلى اللّه ، قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه واشهد بأنّا مسلمون.ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين.ومكروا ومكر اللّه واللّهُ خيرُ الماكرين.إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعُك إليّ ومطهِّرك من الذين كفروا وجاعلُ الذين اتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثمّ إليّ مَرجعكم فأحكمُ بينكم فيما كنتم فيه تختلفون.فأمّا الذين كفروا فأُعذّبهم عذابا شديداً في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين.وأمّا الذين آمنوا وعملوا الصّالحات فيوفّيهم أُجورَهم واللّه لا يحبّ الظالمين.).
وتعال يا قارئي العزيز أنقلك خطوة بعد خطوة لتحيط علماً بدلالات هذه الآيات الكريمة ولأصلَ بك إلى مضمون الآية الكريمة التي حملت هذا الوعد الذي قطعه اللّه تعالى للمسيح ليخلّصه من موت اللّعنة على الصليب.وسيكون أسلوبي في ذلك نفس أسلوب المفسّر المشهور ابن كثير رحمه اللّه تعالى الذي كان يفسّر مثل هذه الآيات المتعلّقة بالمسيح عليه السلام استناداً إلى روايات لا أساس لها من الصحّة.لكنّي أستند إلى روايات معترفٍ بها من قبل الجانب المسيحيّ بالإضافة إلى أنّي سأستدلّ لفهم الألفاظ القرآنيّة من معطيات معاجم لغتنا الشريفة ومراعياً سباق الآية وسياقها أيضا.
فالآية الأولى من هذه الآيات الكريمة قد قال اللّه تعالى فيها: (فلمّا أحسّ عيسى منهمُ الكفرَ قال مَن أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه واشهد بأنّا مسلمون.).ألا إنّ اللّه تعالى أورد في مستهلّ هذه الآية فعل (فلمّا أحسّ) وهذا الفعل مشتقٌّ من قولك حسّ الشيء وأحسّ بالشيء معناه ظنّه وشعر به وأبصره وأدركه وعلم به (محيط المحيط).وعليه فإنّ اللّه تعالى قد أخبرنا في هذه الآية بأنّه مرّ على عيسى ابن مريم وقتٌ شعر فيه وأدرك وأعلمه ربّه عز وجلّ بأنّ اليهود وصلوا في كفرهم بنبوّته حدّا لا رجعة معه وما عاد منهم خيرٌ يُرجى.فهل ذكرت الأناجيل مرور عيسى عليه السلام من هذا الدور الذي أشارت إليه هذه الآية الكريمة ؟
أقول أجل لقد أورد إنجيل مرقس ذلك الإحساس المشار إليه والذي أحسّ به عيسى عليه السلام وذلك في الإصحاح 10/32 – 34 منه حيث ورد فيه :
(وكانوا في الطريق صاعدين إلى أورشليم ويتقدّمهم يسّوع... فأخذ الإثني عشر أيضاً وابتدأ يقول لهم عمّا سيحدث له.ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابنُ الإنسان يُسلَّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلّمونه إلى الأمم.فيهزءون به ويجلدونه ويتفُلونَ عليه ويقتلونه وفي
اليوم الثالث يقوم.).فهذا الكلام الوارد في الإصحاح المذكور يؤكّد مضمون الآية التي أوردناها.
وفي الآية الثالثة قال اللّه تعالى (ومكروا ومكَرَ اللّه واللّه خيرُ الماكرين.)فما معنى قوله تعالى (ومكروا) ؟ فقد ورد في معجم (محيط المحيط): تقول مكرهُ وماكرهُ معناه خدعه وخادعه.والمكرُ يُقصد به صَرفُ الإنسان عن مقصده بحيلة.وقيل إنّ المكر نوعان: النوع الأوّل مكرٌ محمودٌ يُقصدُ به الخير ومثاله ما ختم اللّه تعالى به هذه الآية وقال (واللّه خير الماكرين).والنوع الثاني من المكر مذمومٌ يُقصدُ به الشرّ وهو فعل (مكروا) الذي استهلّ اللّه تعالى به هذه الآية التي نحن بصددها.وقد وصف اللّه تعالى هذا النوع الثاني في سورة فاطر وقال: (ولا يحيق المكر السيّء إلاّ بأهله.).
والسؤال: أين أورد إنجيل مرقس ما يؤكّد بأنّ اليهود مكروا بعيسى عليه السلام ومحاولين صرفه عن مقصده المبعوث من قبل اللّه تعالى من أجل تحقيقه ووفق ما كان المسيح قد أحسّ به وعلمه وهو في طريقه صاعداً وتلاميذه إلى أورشليم ؟
إنّ إنجيل مرقس ابتدأ بالإجابة على هذا السؤال ابتداء من الإصحاح الرابع عشر 1- 3 والذي استهلّه بقوله: (وكان الفصح وأيّامُ الفطير بعد يومين.وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يُمسكونه ويقتلونه.ولكنّهم قالوا ليس في العيد لئلاّ يكونَ شغب في الشعب.).
وكتب مرقس في نفس هذا الإصحاح 10/11 يخبرنا بأنّ أحد تلاميذ المسيح وهو المعروف باسم (يهوذا الإسخريوطي) خطر له أن يسلّم يسوع إلى اليهود طمعا بالمال فهو قال: (ثمّ إنّ يهوذا الإسخريوطي واحداً من الاثني عشر مضى إلى رؤساء الكهنة ليسلّمه إليهم.ولمّا سمعوا فَرِحوا ووعدوه أن يُعطوه فضَّة.وكان يطلب كيف يسلّمه في فُرصةٍ موافقة.).
وقد أخبرنا مرقس في نفس الإصحاح في الآيات 17- 21 منه أيضا كيف أنّ اللّه تعالى الذي يعلم سرائر القلوب قد أطلع نبيّه عيسى عمّا خطر في ذهن تلميذه (يهوذا الإسخريوطي) أن يُقدِمَ عليه من خيانة للمسيح الناصري لقاء دريهمات.فأورد يقول:
(ولمّا كان المساء جاء مع الإثني عشر.وفيما هم متّكئون يأكلون ، قال يسّوع: الحقَّ أقول لكم إنّ واحداً منكم يسلّمني الآكلُ معي.فابتدءوا يحزنون ويقولون لهُ واحداً فواحداً هل أنا؟ وآخرُ هل أنا ؟ فأجاب وقال لهم: هو واحدٌ من الإثني عشر الذي يغمسُ معي في الصّحفة.إنّ ابنَ الإنسان ماضٍ كما هو مكتوبٌ عنه. ولكن ويلٌ لذلك الرّجل الذي به يُسلّمُ ابنُ الإنسان.كان خيراً لذلك الّرجل لو لم يولد.).
كذلك ورد في الآيات 26-31 من نفس هذا الإصحاح :
(ثمّ سبّحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون.وقال لهم يسّوع إنّ كُلَّكُم تشكّون فيّ في هذه اللّيلة.لأنّه مكتوبٌ أنّي أضربُ الرّاعي فتتبدّدُ الخراف.ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل.فقال له بطرس وإن شكّ الجميعُ فأنا لا أشُكُّ.فقال له يسّوع الحقّ أقول لك إنّك اليوم في هذه الليلة قبل أن يصيح الدّيك مرّتين تُنكِرني ثلاثَ مرّات فقال بأكثر تشديدٍ ولَوِ اضطُرِرتُ أن أموتَ معكَ لا أُنكِرُك.وهكذا قال أيضاً الجميع.).
وإنّ هذا النصّ يثبت بأنّ اللّه تعالى كان يظهرُ شفقته وعطفه على نبيّه عيسى فيُطلِعهُ على كثيرٍ من تفاصيل الأحداث المقبلة عليه.وهذه الحقيقة تكشف لك يا عزيزي القارئ عن سرّ صياح المسيح وهو على الصليب (إلهي إلهي لماذا تركتني) فالإله الذي كان يُطلع المسيح على تفاصيل ما سيحدث له دفعَ بالمسيح وقد وجد نفسه معلّقاً على الصّليب أن يصيح بهذا الصياح الذي أوردناه
خصوصا وأنّ المسيح ما كان يدري شيئا عمّا دبّره اللّه تعالى لإنقاذه من ميتة اللّعنة.
فإن نحن تابعنا ما أورده مرقس في نفس الإصحاح الرابع عشر من الآية (32-47) فإنّ مضمونه يؤكّد بأنّ عيسى كان متيقّناً أنّه سيعلّق على الصليب لكنّ وعد اللّه الذي كان قد قطعه له ربّه لإنقاذه من ميتة اللّعنة كان يطمئنه بمصيره الذي سيصير إليه.فقد كتب مرقس يقول:
(وجاءوا إلى ضيعةٍ اسمها (جشْسَيماني) فقال لتلاميذه اجلِسوا هَهُنا حتّى أُصلّي.ثمّ أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنّا وابتدأ يَدهشُ ويكتئب.فقال لهم نفسي حزينةٌ جدّاً حتّى الموت.امكثوا هنا واسهروا.ثمّ تقدّم قليلا وخرّ على الأرض وكان يصلّي لكي تَبُر عنه الساعة إن أمكن.وقال: يا أبا الآب كلُّ شيءٍ مُستطاعٌ لكَ.فأجِز عنّي هذه الكأس.ولكن لِيكُن لا ما أريدُ أنا بل ما تُريدُ أنت.ثمّ جاء ووجدَهم نياما فقال لبُطرس: يا سمعان أنت نائم ! أما قَدَرتَ أن تسهرَ ساعةً واحدة ؟ اسهروا وصلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة.أمّا الروح فنشيطٌ وأمّا الجسد فضعيف.ومضى أيضا وصلّى قائلا ذلك الكلامَ بعينه.ثمّ رجعَ ووجدهم أيضا نياما إذ كانت أعيُنُهم ثقيلةً فلم يعلموا بماذا يجيبونه.ثمّ جاء ثالثة وقال لهم ناموا الآنَ واستريحوا.يكفي.قد أتت الساعة.هو ذا ابنُ الإنسان يُسلَّمُ إلى أيدي الخُطاة.قوموا لِنذهب.هو ذا الذي يسلّمني قد اقترّب.وللوقت فيما هو يتكلّم أقبلَ يهوذا واحدٌ من الإثني عشر ومعه جمعٌ كثيرٌ بسيوفٍ وعصيّ من عند رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ.وكان مُسلِّمُهُ قد أعطاهم علامةً قائلا: الذي أُقبِّله هو هو.أ مسكوه وامضوا به بِحِرص.فجاء للوقت وتقدّم إليه قائلاً: يا سيّدي يا سيّدي وقبّله.فألقَوا أيديهم عليه و أ مسكوه.فاستلّ واحدٌ من الحاضرين السيفَ وضربَ عبدَ رئيس الكهنة فقطع أُذُنه.).
فمن خلال هذا النصّ يتبيّن لك يا عزيزي القارئ بأنّ النبيّ عيسى كان على يقين تامّ بأنّه كان يسير إلى قدره الذي قدّره اللّه تعالى عليه.وإنّ دعاءه وتوسّلاته جاءت بسبب رجائه أن يخفّف اللّه تعالى عنه ما قدّره عليه.
ويبقى السؤال: فماذا فعل الكهنة بعد أن ألقوا القبض على يسوع المسيح ؟
وقد أجاب على هذا السؤال ما ورد في إنجيل مرقس ابتداء من الإصحاح 15 فهو قال:
(وللوقت في الصباح تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة والمجمع كلّه فأوثقوا يسّوع ومضوا به وأسلموه إلى بيلاطس.).
وحدث ما حدث بعد ذلك .والمهمّ في الأمر هو أنّي أثبتُّ من خلال معطيات جميع ما أوردته من نصوص استقيتها من إنجيل مرقس صحّة الطرح الذي طرحه قول اللّه تعالى (ومكروا ومكر اللّهُ واللّه خيرُ الماكرين.) فهذه الآية أشارت إلى أنّ اللّه تعالى كان على علمٍ تامٍّ بكون اليهود قد وصلوا في كفرهم برسالة المسيح ابن مريم إلى نقطة اللاعودة.وأنّهم بدؤوا بعد ذلك يخطّطون لصرف المسيح عن تحقيق المقصد الذي بعثه ربّه من أجل تحقيقه.وكان اللّه تعالى يُطلِعُ نبيّه عيسى على مجريات الأمور.وعلى صورة أمسى عيسى عليه السلام موقناً بأنّ اليهود سيفلحون في الضغط على الحاكم بيلاطس ليقتلوه صلباً ويثبتوا بذلك أنّه كان كاذبا في ادّعائه للنبوّة.فإلى هنا اتّفقت مُعطيات الآيات التي أوردناها مع مُعطيات ما اقتبسناه من نصوص من إنجيل مرقس.
ولقد قال اللّه تعالى بعد ذلك وهو يصرّحُ بما وعد به نبيّه عيسى قبل حادثة الصلّب ومصداقا للنصوص الإنجيليّة التي أوردناها من قبل فقد قال:
(إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعُكَ إليّ ومُطهّرُك من الذين كفروا وجاعلُ الذين اتّبعوك فوقَ الذين كفروا إلى يومِ القيامة ثمّ إليّ مَرجِعُكم فأحكمُ بينكم فيما كنتم فيه تختلفون.).
وأحاول تدبّر هذه الآية الكريمة بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.من منطلق أهمّية ما اشتمل عليه هذا الوعد الإلهيّ الذي يبيّنه اللّه تعالى نفسه الذي وعد المسيح آنذاك والذي يستحيل أن تكون الأناجيل قد أتت على بيان جميع ما في هذا الوعد الإلهيّ من حقائق لكون هذه الأناجيل قد كُتبت بعد حادثة الصلب بثمانية عقود على أقلّ تقدير وحسب اعتراف المداخل إليها في الترجمة الحديثة.فليس من المعقول أن تكون جميع المعلومات المرويّة بالسماع أن تكون قد وصلت سالمة إلى هؤلاء الذين قاموا بتدوين تلك الروايات ومستمطرين رحمة اللّه عليهم على هذا العمل الذي قاموا به.فلولا أن قاموا بهذا العمل لحُرمت البشريّة من معرفة تفاصيل تلك الأحداث.وإنّ القرآن العظيم الذي أنزله ربّنا عز وجلّ (مهيمنا) على كتب أهل الكتاب هو الأداة الوحيدة الغيبيّة التي عادت بأيدينا معياراً ومرجعاً صادقاً لتمييز ما وقع فيه كتبة الأناجيل رحمهم اللّه تعالى من أخطاء.
ألا فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ هذه الآية الكريمة قد استهلّها ربّنا جلّ شأنه بحرف (إذ) وهي اسم للزمان الماضي وكأنّه تعالى أراد أن يقول لنا بألفاظ أخرى تعالوا أحدّثكم عمّا حدث في الزمن الماضي حين مكر اليهود بعيسى ليقتلوه ويميتوه ميتة لعنة.فبماذا أخذ يحدّثنا جلّ اسمه ؟
قال: (إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرُكَ من الذين كفروا وجاعلٌ الذين اتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يومِ القيامة) وأنت تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه تعالى لم يعِد نبيّه عيسى ابن مريم وعداً واحداً متعلّقا بحادثة الصّلب التي عرضت له لكنّ هذا الشطر من الآية يدلّ على أتّه تعالى قد وعد نبيّه آنذاك بأكثر من وعد.فما هي تلك الوعود ؟ قد وعده وقال:
أوّلاً- (إنّي متوفّيك) ومعناه لا تخش يا عيسى ممّا يدبّره هؤلاء الكهنة اليهود من مكرٍ ليقتلوك بتعليقك على الصليب وليميتوك ميتة لعنة وليثبتوا بذلك بأنّك نبيٌّ كاذب.بل كُنْ على يقين تامٍّ بأنّهم لن يفلحوا في محاولتهم هذه بل سأنجيك منها ولِتُكمل أداء رسالتك وتبشّر بقيّة اليهود المسبييّن الذين يشكّلون (حظيرة أخرى) غير هذه الحظيرة والذين لن يقفوا منك نفس موقف هؤلاء الكهنة من الكتبة والفرّيسييّن المنحرفين والمقلّدين تقليداً أعمى.وبعد أن تُكمل أداء رسالتك (إنّي متوفّيك) فحرف (إنّ) يورد في العربيّة للتأكيد. وفعل (متوفّيك) سبق لي أن أجريت عليه دراسة في بداية فصول هذا الكتاب وأثبتّ بأنّه إذا كان المتوفّي هو اللّه تعالى وكان المتوفّى إنسان ذو روح فلا يعني فعل التوفّي إلا معنى الإماتة وقبض الرّوح.وما دام اللّه تعالى قد أكّد وقال هنا (إنّي متوفّيك) فكأنّه تعالى قد وعد نبيّه عيسى بأنّه سيعيش إلى زمن إتمام أدائه لرسالته ويميته ميتةً طبيعيّةً فيقبض روحه بشكلٍ طبيعيّ كما يفعله مع كلّ الناس ومصداق (فيمسك التي قضى عليها الموت).فهذه الحقيقة قد أفادها هذا الوعد الأوّل الذي وعده اللّه تعالى لنبيّه عيسى قبل تعليقه على الصليب.ويؤكّد هذه الحقيقة أنّ المسيح قد صاح وهو على الصليب (إلهي إلهي لماذا تركتني ؟) وهو لا يدري شيئا عن التدبير الإلهي الذي كان مدبّراً من وراء ستار.
ثانياً- كذلك وعد اللّه تعالى نبيّه عيسى ثانيا وكما دلتّ على ذلك واو الإضافة وقال (ورافعُك إليّ).فهذا وعدٌ ثان كان اللّه تعالى قد وعد به نبيّه عيسى عليه السلام.وسبق لي أن أجريت دراسة على دلالة كلمة (الرفع) فأثبتّ هناك بأنّ فعل (رفع) إذا اقترن بصلة (إلى) فلا يعني إلاّ الإعزاز والتّقريب.وليس الرفع إلى أعلى كما ذهبت إلى ذلك المعنى أذهان المفسّرين القدماء الذين كانوا واقعين تحت ضغط وتأثير الروايات المغلوطة التي وصلتهم بشأن مصير عيسى عليه السلام.
وبألفاظ أخرى فإنّ قول اللّه تعالى (ورافعُك إليّ) قد تضمّن وعداً ثانياً وهو أنّه تعالى سينجّي نبيّه عيسى ابن مريم من ميتة اللّعنة وليكمل أداء رسالته السماويّة بعد أن يهاجر خارج فلسطين وهو مكرّمٌ معزّزٌ في الدنيا وهو مكرّم مقرّبٌ من ربّه في الدار الآخرة. وإلى هذه الحقيقة أشار قول اللّه تعالى في الآيات 43-46 من سورة آل عمران التي قال فيها: (يا مريمُ اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الرّاكعين.ذلك من أنباء الغيب نوحيهِ إليك وما كنت لَديهم إذ يُلقونَ أقلامهم أيُّهم يكفلُ مريمَ وما كنت لديهم إذ يختصمون.إذ قالت الملائكةُ يا مريمُ إنّ اللّه يبشّرُكِ بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابنُ مريمَ وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين.ويكلّمُ الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين.).فهذه الآيات الكريمة التي سبق ورودها الآيات التي نحن نقوم بتدبّرها وتفسيرها والمتعلّقة بحادثة الصلب والأحداث التي رافقتها.وقد تضمّنت هذه الآيات سالفة الذكر الحقائق التالية:
1ً- فالحقيقة الأولى هي أنّ المسيح سيكون في حياته وجيهاً.وإنّ حياته في بعد بعثته في فلسطين لم تدم إلاّ ثلاثة أعوام لم يكن فيها وجيها في قومه اليهود الذين كانوا في فلسطين بل كفروا به وبرسالته واضطهدوه ودبّروا إماتته على الصليب ميتة اللّعنة.ولا يصحّ هذا القول الربّاني (وجيهاً في الدنيا) إلا إذا اعتقدنا بنجاته من الموت على الصليب وبهجرته خارج فلسطين وببقائه حيّاً مدّةً طويلة وهو يكمل رسالته ويبشّر أسباط اليهود الذين كانوا مسبييّن ولم يعودوا إلى فلسطين والذين استقبلوا المسيح وآمنوا به وبرسالته وعاش وجيهاً بينهم يقينا.
2ً- والحقيقة الثانيّة تضمّنها قوله تعالى (ويكلّّمُ الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين.).ولكي نحيط علما بدلالة هذا الكلام الإلهيّ ينبغي لنا أن نعلم بأنّ كلمة (المهد) تُطلق على الموضع الذي يُهيّأ للصبيّ لذلك يُقال اضطجع الصبيّ في المهد.فإذا وردت كلمة (المهد) في مقابل كلمة (الكهل) التي تعني مَن وَخطه الشيب وجاوز أربعاً وثلاثين من عمره (معجم محيط المحيط) وكما هو واردٌ في هذا الشطر من الآية (يكلّم الناس في المهد وكهلاً) فإنّ هاتين الكلمتين تكونان قد استُعملتا لعمر الإنسان ما دون الرابعة والثلاثين ولما فوق الرابعة والثلاثين.وبألفاظ أخرى فإنّ اللّه تعالى عندما بشّرَ مريم الصدّيقة والدة النبيّ عيسى وقال عنه (ويكلّم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين) يكون قد أشار من طرفٍ خفيٍّ إلى تعليقه على الصليب ومحاولة إماتته عليه ميتة اللّعنة تلك الحادثة التي تمّت وهو ما يزال في المهد من عمره كما يكون قد أشار إلى نجاته من الموت على الصليب وإلى استمرار حياته إلى آخر عمره وهو في كلا الشطرين من عمره (من الصالحين) إشارةً إلى أنّ اللّه تعالى سيصطفي ابن مريم وهو ما يزال شابّاً خصوصاً وأنّه مجدّد أمّته ولم يُبعث بشريعةٍ جديدة غير شريعة موسى عليه السلام. فهذه حقيقةٌ تضمّنتها هذه البشارة (ويكلّم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين.
3ً- والحقيقة الثالثة التي نستنبطها من هذه الآيات الكريمة التي حملت هذه البشائر التي نقلتها ملائكة اللّه تعالى إلى مريم الصدّيقة وبشّرتها بها هو أنّ اللّه عز وجلّ كان مقدّرا أنّه سيطيل عمرَ مريم عليها السلام لتشاهد بأمّ عينيها تحقّق جميع هذه البشائر التي تضمّنتها هذه الآيات الكريمة.فهذه حقيقة أثبتّها في كتاب (هل مات المسيح على الصّليب ؟) وهو أنّ مريم الصدّيقة قد رافقت جميع الأحداث التي عرضت لابنها في حياتها من مكر اليهود به إلى تعليقه على الصليب إلى نجاته من ميتة اللّعنة إلى هجرته معها خارج فلسطين.وبيّنت في الكتاب المشار إليه كيف أنّ مريم الصدّيقة توفّاها اللّه تعالى وهي في كشمير برفقة ولدها المسيح عليه السلام وقد دفنوها على رأس هضبة هناك وسمّيت تلك الهضبة مع الأيّام باسمها أيضاً حيث يقال لتلك الهضبة في أيّامنا هذه في اللّغة الأرديّة (كوه مري) وفي الإنكليزية (ميري ماونتن) أي جبل مريم. وقد زرت قبرها هناك ودعوت لها أيضا.
والمهمّ من ذلك كلّه يا عزيزي القارئ أن تعلم بأنّ اللّه تعالى لم يفرّط في طرحه موضوع عيسى ووالدته بشيء وقد أتى على ذكر هذه الحقائق الثلاثة التي ذكرناها لتُعين المفسّر على تفسير هذه الآيات المتعلّقة بحادثة الصّلب وما جرى له بعدها إعانة مناسبة.لكنّ المفسّرين القدماء رحمهم اللّه الذين لم يكن العهد القيم والعهد الجديد مطبوعين في حياتهم واعتمدوا الروايات المضلّلة بدلا عن ذلك لم يستفيدوا من ذكر هذه البشائر التي بشّر اللّه تعالى بها مريم الصديّقة وانطلقوا في فهم مضامين تلك البشائر من منطلق فهمهم الفاسد فيما جرى للمسيح عليه السلام زمن تعليقه على الصليب.وهنا أسأل هذا القارئ العزيز: هل بإمكان الأخ المسيحيّ الذي يطالع هذه التفاسير التي تتناقض مع ما يعتقده ومع ما يتضمّنه كتابه المقدّس ومن دون تصحيح المعلومات الواردة في هذه التفاسير على ضوء معطيات ما هو موجود في هذه الأناجيل المطبوعة وعلى ضوء المعطيات التاريخيّة التي كشف عنها إمام هذا الزمان ؟ وكيف تتمّ الحجّة على هؤلاء والحال هذه ؟
وأعود الآن إلى الآية التي نحن بصددها بعد هذا الاسترسال في الحديث.فلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ هذه الآية الكريمة قد بيّنت بأنّ اللّه تعالى لم يقتصر على الوعدين سالفي الذكر بل وعد نبيّه عيسى وعداً ثالثاً.فما هو هذا الوعد الثالث الوارد في هذه الآية الكريمة ؟
ثالثاً- فالوعد الثالث تضمّنه قول ربّنا عز وجلّ في هذه الآية: (ومطهّرُك من الذين كفروا) فالواو وردت لتعطف هذا الوعد الثالث على الوعدين السابقين.ولنتدبّر دلالة فعل (ومطهّرُك) فالفعل مشتقّ من طهّر الشيء ومعناه جعله طاهرا.والطاهر هو كلّ من عصمه ربّه عن المخالفات ظاهرها وباطنها (محيط المحيط).وانطلاقا من دلالة كلمة (الطاهر) يكون اللّه تعالى قد وعد نبيّه عيسى وقال (ومطهِّرُكَ من الذين اللذين كفروا) والمعنى ، وعلى حسب ما يدلّ على ذلك معنى (الطاهر) والتسلسل الموضوعيّ لهذه الوعود الإلهيّة هو أنّ اللّه تعالى لم يعد نبيّه عيسى بأن يطيل عمره بعد حادثة الصّلب ويميته موتا طبيعيّا ويرفعه إليه فيجعله معزّزا ومكرّما وحسب بل يكون تعالى قد وعده وعداً ثالثا وهو أن يرفع عن اسمه ما اختلف أهل الكتاب من يهودٍ ونصارى فيه بشأن مصيره الذي صار إليه بعد تعليقه على الصليب وبعد هجرته من فلسطين أيضا.وإثبات من خلال ذلك كون عيسى ابن مريم كان ابن امرأة طاهرةٍ ونبيّا وليس ابن اللّه بمعناه الماديّ الذي ابتدعه الرسول بولس بعد أن حوّل تلاميذ المسيح عن وجهتهم الأصليّة التي كانوا عليها في حياة المسيح في فلسطين.
وهنا تسألني يا عزيزي القارئ أن كيف تحقّق هذا الوعد الإلهيّ الثالث الذي تضمّنه قول ربّنا عز وجلّ: (ومطهّرُك من الذين كفروا) ؟ فأجيبك وأقول: تفكّر في هذا الزمن الذي أنت فيه وتسأل هذا السؤال.وقلّب نظرك في جميع المتغيّرات التي حدثت قبل هذا التاريخ.تعثر على الإجابة الصحيحة.
فاليهود ما يزال لهم أتباعٌ في زماننا هذا فإن أنت سألتهم عن المسيح الناصريّ يجيبونك بنفس الإجابة التي نشرها أجدادهم من الكهنة والكتبة والفرّيسييّن وهو أنّ المسيح الناصري لم يكن نبيّا صادقاً بدليل أنّه مات ميتة لعنة على الصليب.كذلك فإنّ للمسيح الناصريّ أتباعٌ في زماننا هذا فإن أنت سألتهم نفس السؤال الذي وجّهته إلى اليهود يجيبونك بنفس الإجابة التي درجت على ألسنتهم والتي نشرها بولس الرسول ورسّخها في أذهانهم وهو أنّ المسيح الناصري قد مات على الصليب ميتة لعنة فأصبح ملعونا من أجل رفع أثر الخطيئة التي أخطأها آدم وحوّاء.فهذه الإجابة التي تتلقّاها يا عزيزي القارئ من هذين الجانبين اليهود والنصارى هي نفس ما اعتقده اليهود والنصارى بعد حادثة الصّلب.وما دمت قد أثبتّ لك يا عزيزي القارئ حقيقة ما كان قد اختلف اليهود والنصارى فيه في موضوع حادثة الصليب وما أسفرت عنه وبأدلّة تاريخيّة قاطعة فإنّ هذه الحقيقة التي بيّنتها لك لم تكن من اجتهادي الشخصيّ الضعيف،بل كانت بتوجيهاتٍ من آيات هذا الكتاب العزيز القرآن المجيد الذي نبّهنا إليها وطهّر بذلك سمعة وتاريخ عيسى ابن مريم نبيّ اللّه وبالتالي تكون بعثة هذا النبيّ العربيّ الذي ولد في مكّة وترعرع فيها والذي بعثه ربّه رسولا إلى العالمين وأنزل عليه هذا القرآن العظيم الذي طهّرت مضامين آياته المسيح الناصريّ ممّا لحقها من قومه ومن أعدائه اليهود من صفات بعيدة عن الحقيقة أقول: لقد تحقّق هذا الوعد الثالث ببعثة محمّد المصطفى خاتم النبييّن صلّى اللّه عليه وسلّم.
رابعاً- ولا ينبغي لك يا عزيزي القارئ أن تنسى أنّ هذه الآية 55 من سورة آل عمران قد تضمّنت وعداً إلهيّا رابعاً كان اللّه تعالى قد وعد نبيّه عيسى أن يحققّه له أيضا وقد تضمّنه قوله تعالى: (وجاعلُ الذين اتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) فما هو معنى فعل (وجاعل) ؟ فإن نحن راجعنا معجم (محيط المحيط) نلاحظ أنّه أورد معاني عديدة لفعل (جعَل) والذي يهمّنا من تلك المعاني هنا التي تناسب مضمون هذا الشطر من الآية الكريمة الذي نحن بصدده هو معنى التّصيير والتشريف.ومثال ذلك قوله تعالى (يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالعدل) والمعنى إنّا صيّرناك خليفةً تشريفا لذاتك.وعليه يكون معنى قوله تعالى (وجاعلُ الذين اتّبعوك فوق الذين اللذين كفروا إلى يوم القيامة) أنّ اللّه تعالى وتشريفاً لنبيّه عيسى ابن مريم قد وعده أن يصيّر عدد الذين اتّبعوه أكثر من عدد الذين كفروا به من اليهود وأنّ لهم من المكانة في العالم أكثر ما سيكون لليهود منها في العالم وإلى يوم القيامة.ومن باب أنّ كلمة (فوق) وإن كانت تستعمل نقيض كلمة (تحت) فقد استُعيرت هنا لأداء معنى الاستعلاء الحكميّ والزيادة في الفضل والعدد.كقولك العشرة فوق التسعة وكقول اللّه تعالى في سورة يوسف (وفوق كلّ ذي علمٍ عليم).
|