:::: حقيقة ما ورد في مؤلّف : هل القرآن معصوم ؟ ::::
[حقيقة ما ورد في مؤلّف : هل القرآن معصوم ؟]

مقدّمة الردّ على (هل القرآن معصوم ؟)
لفت نظري الأخ (يوسف أبو ساره) من الكويت إلى كتاب يتهجّم على الإسلام، وفي موقع على (الأنترنيت) بقلم (عبد اللّه عبد الفادي) وبعنوان : هل القرآن معصوم ؟ وسألني أن أردّ عليه ردّا موضوعيّا.واستجبت لرغبته الإيمانيّة الحارّة.فجلست أكتب هذا الردّ الموضوعي،وعلى شاكلة ما كنت قد فعلته حين رددت على (القراءة المعاصرة) من قبل.وعليه فإنّ منهجي في بيان حقيقة كتاب المتهجّم على الإسلام،هو أن أتناول ما ورد فيه فقرة بعد فقرة وسؤالا بعد سؤال،وتفنيد ما تضمّنته كلّ فقرة وكلّ سؤالٍ من أسئلته من مغالطات.ومؤيّداً ذلك بالحجج والبراهين القاطعة.واللّه من وراء القصد.

[تفنيد ما ورد في مقدّمة (هل القرآن معصوم ؟)]
إنّ المؤلّف يدّعي في مقدّمته بأنّه (رجل دين)،وأنّه رغب منذ حداثته أن يقوم بخدمة منتجةٍ للجنس البشريّ،فلم يجد أمامه إلا أن يدرس (القرآن) . ولننظر فيما توصّل إليه من خلال دراسته المزعومة لهذا القرآن الكريم،هذه المقدّمة التي قدّم بها لكتابه (هل القرآن معصوم ؟) بما يلي :

قال : (وبما أنّ اللّه واحد،وكتابه واحد،الذي ختمه بظهور المسيح كلمته المتجسّد،وقال إنّ من يزيد على هذا الكتاب يزيد اللّه عليه الضربات المكتوبة عليه.).
أقول : من خلال هذا الذي نقلته آنفا يتبيّن للقارئ الكريم بأنّ كاتب هذه الكلمات ليس هو برجل دين مطّلع على الكتابين (العهد القديم والعهد الجديد) الذين يمتّ إليهما بشكلٍ موضوعيّ ولا هو دارس لهذا (القرآن المجيد).وهي حقيقة سأثبتها بالحجّة والدليل في الوقت المناسب. وبكفي أنّه ادّعى فيما استهلّ به مقدّمته بعدّة ادّعاءات كلّها لا أساس لها من الصحة،ّ وبدون تقديم أيّا أدلّة تُثبت مصداقيّتها،فادّعاءاته هي : 1- أنّ اللّه واحد 2- وأنّ كتابه واحد 3- وأنّه ختمه بظهور المسيح كلمته المتجسّد 4- وأنّ هذا الإله الذي اعتقده قال: إنّ من يزيد عليه،يزيد اللّه عليه الضربات المكتوبة عليه.وسيلاحظ القارئ العزيز كيف أنّي سأثبت بُطلان هذه الادّعاءات الأربعة المذكورة بأدلّة وبراهين أستمدّها من ضمن العهدين (القديم والجديد). وليثبت من خلالها بأنّ مؤلّف كتاب (هل القرآن معصوم) غير مُطّلعٍ على ما في (كتابه الواحد) بشكل موضوعي.

فهو قال (أنّ اللّه واحد) وهو ما يردّده المعتقدون بعقيدة (التثليث) ويقولون باسم الآب والابن وروح القدس إله واحد).ويقدّمون فقرات الإصبع الثلاثة على أنّها تشكّل كيانا واحدا.فلو أنّ هذا الكاتب المذكور قد درس القرآن المجيد،لكان أدرك خطأ عقيدته المذكورة إذ أنّ (القرآن الكريم) قد نقض هذه (المقولة المسيحيّة) وذلك من خلال قول اللّه تعالى في سورة الإخلاص (قل هو اللّه أحد) ففعل الأمر (قل) يعني هنا أن بلّغ يا محمّد أهل الكتاب ممّن يزعمون بأنّ اللّه (واحد) فهم بذلك الاعتقاد يخالفون الحقيقة المتعلّقة بوجود ذات اللّه عز وجلّ.(فاللّه أحد) وليس واحد وبمعنى أنّه ذاتٌ متفرّدٌ في ذاته ومتفرّدٌ في صفاته أيضا ومن باب أنّ كلمة (أحد) لا تثنّى في اللّغة العربيّة.فلا يقال : أحد، اثنان،ثلاثة.وعليه فمن الخطأ القول بأنّ اللّه واحد.والصحيح أن يقال بأنّ اللّه (أحد).

واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه جلّ شأنه لم يدّع أنّ ذاته وصفاته متفرّدين فقط.بل وقدّم تعالى لإثبات ادّعائه بأنّه (اللّه أحد) دلائل قاطعة في نفس آيات سورة الإخلاص وبصياغة بلاغيّة مُعجزة. فالدليل الأول الذي أثبت من خلاله كونه (أحد) اختصره بكلمة واحدة وهي (اللّه الصمد) وقد استمدّ اللّه جلّ شأنه دليله هذا من خلال مُجريات الصراعات التي دارت على مرّ العصور ما بين جميع الذين بعثهم اللّه تعالى من أنبياء ومرسلين وما بين أعدائهم.إذ كان كلّ نبيّ يصمد في وجه مخالفيه وينتصر عليهم ،بالرّغم من كون ذاك النبيّ أو الرسول وحيدا لا مال لديه ولا عتاد.

فهذه ظاهرة تاريخيّة لا ينكرها إلا كلّ أعمى العقل وأعمى الفؤاد.وهل يوجد منصفٌ يُنكر حال محمّد الصادق الأمين الذي صمد في وجه قومه وانتصر عليهم في نهاية المطاف ؟ وقد أثبت اللّه عز وجلّ من خلال تقديمه هذه الظاهرة التاريخيّة التي أثبتت كونه (اللّه أحد).يكون قد قدّم الدليل القاطع الذي يثبت من خلاله تفرّد ذات اللّه تعالى وكونه (إله أحد) وليس هو (إله واحد) على حدّ زعم هذا المؤلّف.وليتذكّر كاتب هذه المقدّمة ما حلّ من (ضربات) بامبراطوريّة المسيحيين الذين عاصروا بعثة محمّد بن عبد اللّه النبيّ الأمّي (ص) وكانوا من مكذّبيه.من ضربات أزيد ممّا كان مكتوبا عليهم من ضربات على لسان موسى والمسيح عليهما السلام.

وقد قدّم اللّه عز وجلّ دليلا ثانيا على كونه (أحد) وأنّه تعالى متفرّد في صفاته.فاختصر هذا الدليل وقال (لم يلد ولم يولد) .وقد استمدّ اللّه جلّ شأنه هذا الدليل من كون الإنسان وباقي الكائنات الحيّة هم بحاجة إلى عمليّة التناسل،ليعينهم ذلك على تخليد اسمهم عن طريق وجود أبنائهم وأحفادهم.فهو جلّ شأنه قد قال (لم يلد ولم يولد) بمعنى أنّه جلّ شأنه قد خاطب محمّدا رسوله الصادق الأمين وأمره أن يبلّغ أهل الكتاب،والمسيحييّن خاصّة الذين يزعمون بأنّ المسيح هو (ابن اللّه الوحيد) أن يبلّغهم بأنّ اللّه هو في حقيقته (اللّه- الذي- لا إله إلا هو الحيّ القيّوم لا تأخذه سنة ولا نوم،له ما في السماوات والأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم،ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء،وسع كرسيّه السماوات والأرض،ولا يؤده حفظهما،وهو العليّ العظيم.).وبألفاظ أخرى وكأنّ قول اللّه تعالى (لم يلد ولم يولد) يعني أنّ الذي ينسل أولادا يموت في يوم من الأيّام.فأين عقولكم يا أهل الكتاب الذين تزعمون ما تزعمون ؟ فأنتم تنسبون إلى صفات اللّه عز وجلّ ما هو منزّه

عنه.ولم يكتف اللّه عز وجلّ بهذا الدليل الذي أثبت من خلاله مصداقيّة كونه تعالى متفرّدٌ في صفاته.بل وقدّم اللّه عز وجلّ في آيات سورة الإخلاص دليلا آخر يثبت من خلاله كونه (أحد) بمعنى متفرّدٌ في صفاته، التي هي (أسماؤه الحسنى). فاختصر جلّ شأنه هذا الدليل الثاني الذي يثبت كونه متفرّد في صفاته،وقال (ولم يكن له كفوا أحد).وقد استمدّ اللّه عز وجلّ دليله الثاني هذا من مُعطيات هذا الكون المادّي المخلوق.فنبّه أذهاننا إلى أنّ هذا الكون المؤلّف من مجموعة ذرّات مادّية.يستحيل أن يكتشف الإنسان فيه وجود ذرّة مادّية مستقلّة بكيانها،وغير محتاجة في بقائها ووجودها إلى ما سواها على حين أنّ اللّه الأحد المتفرّد في صفاته له كيانه المستقلّ والمستمرّ في البقاء الذي لا يقوم بمعونة ابن ولا بمعونة شيء آخر سواه.فهو اللّه (الأحد) (ولم يكن له كفوا أحد.).

وكأنّ اللّه عز وجلّ من خلال تقديمه هذا الدليل الثاني على مصداقيّة كونه (اللّه أحد) قد قال بألفاظ أخرى : يا محمّد بلّغ هؤلاء المسيحييّن الذين يشركون بي المسيح البشر العاجز المخلوق والذي مات منذ ألفي عام.بلّغهم بأنّكم ما لكم قد تبيّن لكم بأنّ القوانين التي تنظم السماء والأرض واحدة وأنّها تدلّ على الخالق الواحد، ومن ثمّ تنسبون إلى خالقكم أنّه كان بحاجة إلى (ابن وحيد متجسّد) أو إلى أكثر من ذلك ليدير ما خلق ؟ فأنتم تستعينون بعقولكم في مجال اكتشاف أسرار هذا الكون. وتنسون أنفسكم وما تعتقدونه ولا تتفكّرون في خلق السماوات والأرض.وعلى هذه الصورة أكون قد فنّدت الادّعاء الأوّل الذي ادّعاه (عبد اللّه عبد الفادي)وأثبتّ من خلال ما أوردته آنفا بدلائل وبيّنات بُطلانه. لذلك أنتقل لتفنيد ادّعائه الثاني الذي تضمّنته مقدّمة مؤلّفه (هل القرآن معصوم ؟)
فهو ادّعى في مقدّمته بأنّ (كتاب اللّه واحد) وهو الذي يقدّسه أهل الكتاب.فأقول : إنّ هذا الادّعاء الثاني هو باطلٌ أيضا.وينطوي على أبشع التّضليل،ويتناقض مع ما يتضمّنه كتابه المقدّس نفسه في عهديه القديم والحديث من حقائق تخالف ادّعاءه الثاني المذكور.

أوّلا – فمن المعلوم لدى المسيحييّن هو أنّ الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم وهي (التكوين، خروج،لاوييّن،عدد،وسفر التثنية) هم الأسفار التي كُتبت في حياة موسى عليه السلام،على حدّ زعمهم وليس بعد وفاته.ودليلهم هو أنه ورد في سفر التثنية ذكر وفاة موسى بالألفاظ التالية: (فمات هناك موسى عبد الربّ في أرض مؤآب حسب قول الربّ.ودفنه في الجواء في أرض مؤآب مقابل بيت فغور،ولم يعرف إنسانٌ قبره إلى هذا اليوم.) 34/5-6 وبغضّ النظر عن أنّ هذا النصّ الآنف الذكر يثبتُ وقوع تحريف في هذا (العهد القديم) إذ يُستدلّ من هذا النصّ أنّ سفر التثنية قد كُتب بعد ممات موسى بقرون وبدليل قولهم فيه (لم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم) الذي كتبوا فيه سفر التثنية المذكور.فبغضّ النظر عن وجود هذا التحريف المشار إليه.فقد ورد في سفر التثنية 18/18 المشار إليه وعلى لسان الربّ (أقيم لهم نبيّا من وسْطِ إخوتهم مثلك،وأجعلُ كلامي في فمه،فيكلّمهم بكلّ ما أوصيه به.ويكون أنّ الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلّم به باسمي أنا أطالبه.).

أقول : هذه ألفاظ (نبوءة سماويّة) كان موسى عليه السلام قد تنبّأ من خلالها عن ظهور نبيٍّ مشرّعٍ من العرب الذين هم أخوة بني إسرائيل من حيث أصل وجودهم.وتنبّأ موسى بأنّ اللّه عز وجلّ يجعل النبيّ المشرّع المشار إليه رسولا من بعده ويأتيهم بشريعة جديدة هو أيضا.وقد تنبّأ موسى فيها عن أنّ هذا النبيّ العربيّ (لا ينطق عن الهوى) وهو معنى (وأجعل كلامي في فمه فيكلّمهم بكلّ ما أوصيه به) بل أنّ كلّ ما يأتي به هذا النبيّ من وحي يكون من جانب اللّه تعالى وليس من نفسه،وهذه (النبوءة السماويّة) الواردة في سفر التثنية قد أشارت إلى بعثة محمّد بن عبد اللّه النبيّ الأمّي الذي جاء بشريعة القرآن الكريم.والذي بعثه اللّه عز وجلّ من إخوة بني إسرائيل. وأنّ كلّ من يكفر بهذا النبيّ العربيّ يعود مُدانا في نظر اللّه تعالى ولا بدّ من محاسبته.وهذا هو السبب في أنّ ملك العراق وبعد أن قضى على مملكة اليهود التي أقاموها على أرض كنعان العربيّة،فقد أحرق أسفار أنبياء إسرائيل،وقد حدث ذلك قبل بعثة المسيح بأربعمائة عام تقريبا. فإنّ بعض علماء اليهود وبعض أتباعهم قد هاجروا إلى شبه الجزيرة العربيّة،وبنوا مستعمرات حول المدينة المنوّرة بقصد انتظار بعثة هذا النبيّ العربيّ المشرّع الذي تنبأ عن بعثته سفر التثنية 18/18 والذي أوردت نصّه آنفا.فلمّا بعث اللّه جلّ شأنه محمّدا الصادق الأمين لم يعرف اليهود الذين

عاصروا محمّدا (ص) أنّ النبيّ المُنبأ عن ظهوره في سفر التثنية المذكور،هو هذا النبيّ العربيّ .ولذلك فقد راحوا يحرّضون أهل مكّة المكرّمة على قتله،وكما هو معروف تاريخيّا.وحاولوا دسّ السمّ له.وقتله بإسقاط حجر كبير فوق رأسه لم يُصبه.علما بأنّ الفقرات الواردة في آخر سفر التثنية المذكور،والمتعلّقة بوفاة موسى عليه السلام.تثبت هي أيضا بأنّ تلك الفقرات دخيلة على السفر المذكور ولم تُكتب في زمن موسى هي أيضا. حيث ورد في الجملة الثامنة (فبكى بنوا إسرائيل موسى في عربات مؤآب ثلاثين يوما. فكمُلت أيّام بُكاء مناحة موسى).وإنّ هذه الكلمات يستحيل أن تكون كلمات موسى نفسه.بل لا بدّ أنّها أُضيفت في هذا المقام من بعده.كذلك ورد في الجملة العاشرة من السفر المذكور (ولم يقُم بعدُ نبيٌّ في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الربّ وجها لوجه.) وإنّ هذه الكلمات يستحيل أن تكون إلهاما من إلهامات موسى عليه السلام.بل لا بدّ وأن تكون قد أُضيفت بعد وفاة موسى عليه السلام بقرون عديدة . كذلك يثبت منها أنّ المسيح لم يكن نبيّا مشرّعا. وإنّ أبحاثي دلّت على أنّ (عزرا النبي) الذي كان (البابا جيروم) قد قرّر حذف السفر المسمّى باسمه، بحكم أنّ نسخته العبريّة كانت محرّفة.فإنّ عزرا النبيّ هذا هو الذي أضاف هذه الكلمات سالفة الذكر.

فهذه كلّها أدلّة ضمنيّة تثبت التحريف الحادث في هذه التوراة التي يطلقون عليها (العهد القديم) والذي هو متداول في أيامنا هذه بين أيدي أهل الكتاب. وبالإضافة إلى هذه النبوءة الواردة في سفر التثنية بحقّ بعثة النبيّ العربيّ (ص) فهناك نبوءات كثيرة قد تضمّنتها مختلف أسفار العهد القديم ولا مجال لإيرادها في هذا المقام خشية الإطالة.وعلى هذه الصورة أكون قد نقضت الادّعاء الثاني الوارد في مقدّمة (هل القرآن معصوم ؟) وذلك من خلال تقديم أدلّة استقيتها من ضمن الكتاب الواحد المزعوم والذي يقدّسه هذا المؤلّف نفسه.وباختصار شديد فلم يرد في (العهد القديم) ولا في (العهد الجديد) ما يثبت مصداقيّة ما زعمه المؤلّف المذكور من مزاعم باطلة.فهذا (العهد القديم) المتداول محرّفٌ يقينا وبدليل ما قدّمته للقارئ العزيز من أدلّة تحريف.والكتاب المحرّف لا يُعدّ مرجعا صادقا يقينا.

ثانيا – ثمّ إنّ ما يسمّيه أهل الكتاب (بالعهد الجديد) والمشتمل على الأناجيل الأربعة ورسائل الذين قاموا بالتبشير بالمسيحيّة.فهو بدوره يشتمل على نبوءات تنبّأ فيها المسيح في هذه الأناجيل الأربعة عن ظهور النبيّ العربيّ الذي يأتي بشريعة كاملة التّعاليم.علما بأنّ هذا (العهد الجديد) لم يكن له من وجود بين أيدي أتباع المسيح من بعد حادثة الصلب المعروفة.وإليك يا عزيزي القارئ الأدلّة التي تثبت مصداقيّة ما ذكرت.وسأورد لك فيما بعد نبوءات (العهد الجديد) المتعلّقة ببعثة محمّد المصطفى (ص) والتي تؤيّد ما ورد في سفر التثنية من (العهد القديم) من نبوءة سالفة الذكر.

1- فمن المعروف أنّ المسيح وحوارييّه كانوا يتكلّمون اللّغة (العبريّة).فإن نقّبنا العالم كلّه فلا نعثر على نسخة واحدة من (العهد الجديد) مكتوبة باللّغة العبريّة.بل إنّ أقدم نسخ الأناجيل التي تحتفظ بها الكنائس في العالم مدوّنة باللّغة اليونانيّة.ومن المعروف أنّ الأمم لا تترك لغاتها الأصليّة بسهولة.وهي ظاهرة تعرفها مختلف أقوام العالم.وعليه أ وليس غريبا أن تكون أقدم نُسخ (العهد الجديد) مدوّنة باللّغة اليونانيّة،وغير مدوّنة باللّغة العبريّة ؟ ولا نرى من جواب يحلّ هذا اللّغز إلاّ إذا علمنا بأنّ أتباع المسيح القدماء ما كانوا يعرفون شيئا اسمه (العهد الجديد).وأنّ هذا (العهد الجديد) قد أوجدته الكنائس من بعدهم. وقد حدث ذلك بعد انقسام الإمبراطوريّة الرومانيّة، وبعد أن أصبحت مستعمراتها تابعة للإمبراطوريّة البيزنطيّة.ولذلك ظهر أثر اللّغة اليونانيّة على المنشورات المسيحيّة.ومن جملتها ما يطلقون عليه اسم (العهد الجديد).وعليه فلا وجود للعهد الجديد أصلا في زمن حوارييّي المسيح ومن جاء من بعدهم. وقبل وقوع مستعمرات الإمبراطوريّة الرومانيّة في أيدي الإمبراطوريّة البيزنطيّة.

2- وإنّ ما يثبت صحّة ما ذهبت إليه هو أنّ (العهد الجديد) الذي طبعه (دار المشرق) في بيروت عام 1989 م وبرعاية (جمعيّات الكتاب المقدّس في المشرق) قد ورد في مقدّمته ما يثبت ما ذهبت إليه.فقد ورد على الصفحة الثامنة من مقدّمتهما ما يلي :
"( ويبدو أنّ المسيحييّن ،حتى ما يقرُب من السنة 150 م تدرّجوا من حيث لا يشعروا بالأمر إلا قليلا جدّا إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدّسة.وأغلب الظنّ أنّهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس واستعملوها في حياتهم الكنسيّة.ولم تكن غايتهم قطّ أن يؤلّفوا ملحقا بالكتاب المقدّس-الذي هو العهد القديم- بل كانوا يدعون الأحداث توجّههم : فقد كانت الوثائق البولسيّة مكتوبة في حين أنّ التّقليد الإنجيليّ كان لا يزال في معظمه متناقلا على ألسنة الحُفاظ،فضلا عن أنّ بولس نفسه كان قد أوصى بتلاوة رسائله وتداولها بين الكنائس المجاورة (1تس 5/27 وقول4/16) ومهما يكن من أمر فإنّ كثيرا من المؤلّفين المسيحيين أشاروا منذ أوّل القرن الثاني
إلى أنّهم يعرفون عددا كبيرا من رسائل كتبها بولس،فيمكننا أن نستنتج من ذلك أنّه

أقيمت من غير إبطاء مجموعة من هذه الرسائل وأنّها انتشرت انتشارا واسعا سريعا لِما كان للرسول من الشهرة.ومع ما كانت لتلك النصوص من الشأن،فليس هناك قبل أوّل القرن الثاني (2 بط 3/16)أيّ شهادة تثبت أنّ هذه النصوص كانت تُعدُّ أسفارا مقدّسة لها من الشأن ما للكتاب المقدّس.ولا يظهر شأن الأناجيل طوال هذه المدّة ظهورا واضحا،كما يظهر شأن رسائل بولس.أجل لم تخلُ مؤلّفات الكتبة المسيحيين الأقدمين من شواهد مأخوذة من الأناجيل أو تلمّح إليها،ولكنّه يكاد أن يكون من العسير كلّ مرّة الجزم هل الشواهد مأخوذة من نصوص مكتوبة كانت بين أيدي هؤلاء الكتبة أم هل اكتفوا باستذكار أجزاء من التّقليد الشفهيّ.

ومهما يكن من أمر فليس هناك قبل السنة 140م أي شهادة تثبت أنّ الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيليّة المكتوبة،ولا يُذكر أنّ لمؤلّف من تلك المؤلّفات صفة ما يُلزم.فلم يظهر إلا في النّصف الثاني من القرن الثاني شهادات ازدادت وضوحا على مرّ الزمن بأنّ هناك مجموعة من الأناجيل ،وأنّ لها صفة ما يُلزم،وقد جرى الاعتراف بتلك الصفة على نحو تدريجيّ.وابتدأ نحو السنة 150م عهد حاسم لتكوين قانون (العهد الجديد).وكان الشهيد يُستينُس أوّل مَن ذكر أنّ المسيحيين يقرؤون الأناجيل في اجتماعات الأحد،وأنّهم يعدّونها مؤلّفات الرسل (أو أقلُّه مؤلّفات أشخاص يتّصلون بالرسل صلة وثيقة) وأنّهم وهم يستعملونها يولونها منزلة كمنزلة ( (الكتاب المقدّس) ... وكان بعد السنة 150 بقليل أن مسّت الحاجة في الكنيسة إلى قاعدة شاملة، فاتّجهت الأنظار إلى مجموعة الأناجيل الأربعة ،لأنّها نالت ،حتى ذلك الوقت انتباه الناس ،لما تحلّت به من الصفات ولصحّة الشهادة التي تؤدّيها للربّ .وكان تفوّق الأسفار الأربعة عظيما جدّا من جهات كثيرة،حتى أنها حجبت بسرعة مجمل المؤلّفات المماثلة.فيمكن القول إن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة 170م بمقام الأدب القانوني،وإن لم تستعمل تلك اللّفظة حتّى ذلك الحين.)" .

ونستنتج من هذه النصوص،علما بأنّ الاستنتاج أحد دعامات العلوم كما هو معروف، نستنتج التالي أولا – إنّ (جمعيّات الكتاب المقدس في المشرق) قد اعترفت في هذا النصّ الوارد في مقدّمة (العهد الجديد) بأنّ أتباع المسيح الذين ظهروا ، واستمرّ ظهورهم بعد حادثة تعليق المسيح على الصليب إلى 150 م مائة وخمسين عام من بعده ،فلم يكن بين أيديهم ما هو كائن بين أيدي مسيحيي أيامنا الحاضرة من مجموعة هذه الأسفار المؤلّفة من الأناجيل الأربعة ورسائل بولس وبطرس وغيرهما المضافة إلى الأناجيل الأربعة (متّى ولوقا ومرقس ويوحنا) .

ثانيا – وقد اعترفت (جمعيّات الكتاب المقدّس في المشرق) بعدم وجود أيّة شهادة لدى الكنائس المسيحيّة في جميع أرجاء العالم، تشهد بأنّ المسيحييّن قد عرفوا قبل عام 140م مجموعة هذه الأناجيل المكتوبة والمطبوعة في زماننا الحاضر.كما اعترفوا بأنّ هذه لم تكن مُلزمة لأحد المسيحيينّ إلى انتهاء التاريخ المذكور.أما في النصف الثاني من القرن الثاني أي عام 150م فقد كان عاما حاسما في تكوين هذا (العهد الجديد) الذي يقدّسه المسيحيون في أيامنا هذه.وقد نال (العهد الجديد) المشار إليه منزلة الكتاب المقدّس منذ ذاك التاريخ.

ثالثا – كما اعترفت (جمعيّات الكتاب المقدّس في المشرق) من خلال هذا النصّ الذي نقلناه للقارئ العزيز بأنّه كانت توجد مؤلّفات كثيرة باسم مؤلّفات الأناجيل قبل عام 170م .وأنّ الكنيسة التي وُجدت في تلك الأيام قد ألغت جميع تلك الأناجيل وأتلفتها، ولم تُبق منها إلا على هذه الأناجيل الأربعة التي يشتمل عليها هذا (العهد الجديد).

رابعا – كذلك اعترفت (جمعيات الكتاب المقدّس في المشرق) بأنّ ما كان قد وُجد من معلومات تتعلّق بحياة المسيح وأعماله، فقد كانت تلك المعلومات متداولة شفهيّا قبل عام 140م ، ومعلوم بأنّ ذاكرة الأجيال عاجزة عن نقل الأحداث كما هي وبدون زيادة أو نقصان.فمن هنا يلاحظ القارئ العزيز كيف أنّ هذه الأناجيل التي هي بين أيدينا تحتوي على معلومات منها المتوافق،ومنها المتناقض، ومنها غير المعقول.وهي حقائق أقدّم للقارئ العزيز أمثلة من داخلها تدلّ على صحّة ما ذهبت إليه.
فمن أمثلة تناقض هذه الأناجيل بسبب كونها قد كتبها مؤلّفوها على السماع.ولا تتّسم بالقداسة التي يمنحونها إيّاها.وإنّما هي مجرّد قصصٍ ومجموعة روايات:
1- فقد ورد في إنجيل متى 15/21 (ثمّ خرج يسّوع من هناك وانصرف إلى نواحي صور وصيداء. وإذا امرأة كنعانيّة خارجةٌ من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: ارحمني يا سيّد يا ابن داود. ابنتي مجنونة جدّا.فلم يجبها بكلمة.فتقدّم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين: اصرفها لأنها تصيح وراءنا.فأجاب وقال: لم أُرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة...).

وتلاحظ يا عزيزي القارئ ورود معلومتين فيما نقلته من نصّ.فلامرأة الوارد ذكرها (امرأة كنعانيّة). والمسيح يقول : (لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة.).فحدّد من خلال ألفاظه هذه دائرة تبليغه. ولذلك لم يستجب لصراخ المرأة الكنعانيّة.فاحفظ هاتين المعلومتين لتقرأ خلافهما في الأناجيل الباقية. فأماّ بما يتعلّق بالمعلومة الأولى المتعلّقة بالمرأة الكنعانيّة.فقد ورد خلاف ذلك في إنجيل مرقس 7/24 : (ثمّ قام من هناك ومضى إلى تخوم صور وصيداء.ودخل بيتا وهو يريد أن لا يعلم أحد.فلم يقدر أن يختفي.لأنّ امرأة كان بابنتها روح نجسٌ سمعت به،فأتت وخرّت عند قدميه.وكانت المرأة (أمميّة) وفي جنسها (فينيقيّة سوريّة).فسألته أن يُخرجَ الشيطان من ابنتها.وأما يسوع فقال لها :دعي البنين أولا يشبعون.لأنّه ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويُطرحَ للكلاب.فأجابت وقالت له: نعم يا سيّد.
والكلاب أيضا تحت المائدة تأكل من فتات البنين. فقال لها ...).فأنت تلاحظ يا عزيزي القارئ الاختلاف الحادث بين روايتي إنجيلي (متى ومرقس) بما يتعلّق بذكر المرأة.ففي الإنجيل الأول المرأة (كنعانيّة).وفي الإنجيل الثاني المرأة (فينيقيّة سوريّة).ففي الرواية الأولى تعميم .وفي الثانية تخصيص.إلى جانب الاختلاف في تفاصيل الرواية.فأين القداسة في روايتين مختلفتي المضمون وغير موثّقتين بدليل ؟؟

وأنت تلاحظ يا عزيزي القارئ الاختلاف الحادث ما بين روايتي هذين الإنجيلين بما يتعلّق بحدود دائرة تبليغ المسيح لرسالته: ففي إنجيل متى حدد المسيح دائرة تبليغه قائلا (لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.).على حين تلاحظ أنّ المسيح لم يحدّد دائرة تبليغه بنفس الألفاظ الواردة في رواية (إنجيل متىّ).بل حدّدها بأسلوب التّشبيه وقال : (ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب.) ومشبّها الأمم الأخرى غير اليهود بالكلاب التابعة لليهود.وهو تشبيه لا يليق أن يصدر عن نبيّ صادق ذو أخلاق حسنة. فهذا الاختلاف واضح المعالم الواقع ما بين هاتين الروايتين.

فإن أنت طالعت يا عزيزي القارئ ما اختتم كاتب (إنجيل متى) مؤلّفه.فإنّك تلاحظ أنّه قال في الإصحاح (28/18-20) : (فتقدّم يسوع وكلّمهم قائلا.دُفِعَ إليّ كلُّ سُلطان في السماء وعلى الأرض.فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به.وها أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدهر.آمين). وأمّا مؤلّف (إنجيل مرقس) فتلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّه لم يختم روايته بنفس الألفاظ التي اختتم بها (إنجيل متى) مؤلّفه،بالرغم من أهميّة ذلك.بل اختتم مؤلّفه وقال : (ثمّ إنّ الربّ بعدما كلّمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين اللّه.وأما هم فخرجوا وكرزوا في كلّ مكان والربّ معهم ويثبّتُ الكلام بالآيات التابعة.).وأما مؤلّف (إنجيل لوقا) فتلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّه هو الآخر لم يختتم روايته بنفس ألفاظ (إنجيل متّى) بل اختتم مؤلّفه في الإصحاح 24/51-35 وقال : (وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأُصعِدَ إلى السماء. فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيم.وكانوا كلَّ حين في الهيكل يسبّحون ويباركون اللّه.آمين.).وأما مؤلّف (إنجيل يوحنّا) فتلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّه هو بدوره لم يختتم مؤلّفه بما اختتم به بقيّة مؤلّفي الأناجيل رواياتهم. بل اختتمه في الإصحاح 21/24/25 وقال : (هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا.ونعلمُ أنّ شهادته حقّ.وأشياء أُخَر كثيرةٌ صنعها يسّوع إن كُتِبت واحدة واحدةً فلستُ أظنّ أنّ العالم نفسُه يسعُ الكتُبَ المكتوبة.آمين.).

وعلى هذه الصورة تكون قد أدركت يا عزيزي القارئ بأنّه قد ثبت بالدليل القاطع بأنّه لم يكن هناك من وجود في القرنين الأوّل والثاني من تاريخ المسيحيّة شيئا يسميه رجال الكهنوت المسيحي في زماننا الحاضر (العهد الجديد).كذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ هذا (العهد الجديد) الذي يقدسه المسيحيّون في زماننا هو عبارة عن أربعة مؤلّفات، اعتمدتها الكنائس في يوم من الأيام من بين مؤلّفات كثيرة وباعتراف (جمعيات الكتاب المقدس في المشرق) بهذه الحقيقة. ومضافا عليها رسائل بولس وبطرس.وقد شكّلوا من هذه المجموعة المشتملة على روايات متناقضة (العهد الجديد) المقدّس في نظر المسيحييّن المعاصرين الذين من جملتهم مؤلِّف كتاب (هل القرآن معصوم ؟).فهذه حقيقة قد تمّ إثباتها حتى الآن من خلال ما قدّمته لك يا عزيزي القارئ من أدلّة وبيّنات.
وقد عاد بإمكانك يا عزيزي القارئ أن تكتشف التناقضات الفاحشة التي وقع فيها هؤلاء الذين ألّفوا هذه الأناجيل الأربعة.وذلك من خلال هذه النصوص التي ختموا بها مؤلّفاتهم المسمّاة أناجيل (متىّ ومرقس ولوقا ويوحنا) وإليك هذه التناقضات :
1"- فعلى حين أنّ مؤلّف (إنجيل متّى) قد ختم إنجيله زاعما بأنّ المسيح قد أمر تلاميذه أن يتلمذوا جميع الأمم وأن يعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس،وأعطى من خلال قوله هذا (إطار مهمّته) صفة عالميّة.فإنّه قد خالف بقوله هذا ما كان قد أورده على لسان المسيح قوله في الإصحاح 15/21 (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة). وقوله من قبله في الإصحاح 10/5-6 (هؤلاء الإثنا عشر أرسلهم يسّوع وأوصاهم قائلا: إلى طريق أممٍ لا تمضوا وإلى مدينة للسامرييّن لا تدخلوا.بل اذهبوا بالحريّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة...).هذين القولين اللذين كان المسيح قد حدّد من خلالهما إطار مهمّته.فمؤلّف إنجيل متّى قد جعل من جهة رسالة المسيح (قوميّة) قد اختصّت بخراف بيت إسرائيل الضالة، وأنّه لا يجوز الالتفات إلى الأمم من غير اليهود.ومن جهة ثانية فقد جعل هذا المؤلّف رسالة المسيح ذات (صفة عالميّة )صرّح بها المسيح في آخر لحظة فارق فيها تلاميذه.مع أنّ المنطق والعقل يقتضي أن يصرّح المرء بالحقيقة من أوّل يوم يُعلن فيه رسالته.وليس أن يصرّح بذلك في اللّحظات الأخيرة من وجوده بين من احترموه وآمنوا برسالته.ولا أرى من حلٍّ لهذا التناقض إلا الأخذ بما صرّح به كتاب اللّه العظيم (القرآن الكريم) وهو قوله بحقّ المسيح عليه السلام (ورسولا إلى بني إسرائيل)أي أنّ المسيح كان رسولا وأنّ رسالته كانت قوميّة محدودة ببني إسرائيل ،ولا تتّصف بصفة الرسالة العالميّة بشكل من الأشكال.وصدق اللّه عز وجلّ إذ جعل القرآن الكريم مهيمنا على الكتب التي يقدّسها أهل الكتاب.

2"- فإنّ مؤلّف (إنجيل مرقس) قد ختم مؤلّفه بما لم يصرّح به مؤلّف إنجيل متىّ إطلاقا.وقد جاء بفريةٍ من دون دليلٍ يثبتها وزاعما بأنّ المسيح (ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين اللّه).وكأنّ اللّه الذي يعتقد به مرقس هو بحجم المسيح أو قريبا من حجمه. والحقيقة هي أنّ قصّة خلق آدم وحوّاء الواردة في سفر التكوين من العهد القديم ،تلك القصّة الأسطوريّة التي أثبتّ بطلانها بصورة علميّة في مؤلّفي (نشوء الإنسان وتطوّره).قد صوّرت الإله لأهل الكتاب أنّ حجمه يقارب حجم البشر وأنّه يختصّ بنحت التماثيل والنفخ فيها من روحه.وأنّ اللّه جالس (في السماء) وقد جلس المسيح إلى يمينه.علما بأنّ كلمة (السماء) تُطلق في اللّغة العربيّة على كلّ ما علاك.فالجالس فوق الكرة الأرضيّة

سماؤه ما علاه.والجالس تحت الكرة الأرضيّة سماؤه ما علاه أيضا.وإنّ ما علا الأوّل هو خلاف ما علا الثاني يقينا.فهل أُصعِدَ المسيح إلى فوق ،والأرض تدور ويصبح بالتالي تحت المكان الذي انطلق منه ؟ ولا يصحّح هذا الزعم الذي زعمه مؤلّف إنجيل مرقس إلا كتاب اللّه المنزل وهو هذا القرآن الكريم المهيمن على كتب أهل الكتاب.فصدّق ما بين يديه من نبوءات اشتملت عليها تلك المؤلّفات.وصحّح ما ورد فيها من تحريف وأخطاء. ونسخها وجاء بأحسن الحسن الذي وجد فيها من أحكام.فالقرآن الكريم هو الكتاب المعصوم عن الخطأ.وهو الذي بيّن بأنّ اللّه تعالى (ليس كمثله شيء) من جهة.وأنّ المسيح عليه السلام كان بشرا مخلوقا فكان وأمّه يأكلان الطعام ويمشيان في الأسواق كبقيّة الناس.وقد أماته اللّه خالقه عز وجلّ حتف أنفه وعلى حسب ما أثبتّ ذلك في مؤلّفي (هل مات المسيح على الصليب ؟) وبأدلّة من داخل الأناجيل نفسها.فتدبّر.

والحقيقة هي أنّ المسيح عليه السلام كان كبقيّة رسل اللّه تعالى من المقرّبين إلى اللّه عزّ وجلّ الذي بعثهم لهداية الناس..ولا يخدعنّك يا عزيزي القارئ ما ورد في سورة النساء قول اللّه تعالى (بل رفعه اللّه إليه).فكلمة الرفع وردت في هذه الآية الكريمة مقترنة بصلة (إلى).فإن أنت راجعت يا عزيزي القارئ معجم المحيط، ومعجم محيط المحيط،فإنّ أصحاب هذين المعجمين بيّنا بأنّ كلمة الرفع إذا اقترنت بصلة (إلى) فلا يعود لها من معنى إلاّ دلالتها على (التّقريب ) من اللّه تعالى وليس الرفع إلى أعلى.وهذه حقيقة لم ينتبه إليها المفسرون القدماء رحمهم اللّه تعالى بسبب تأثّرهم بأقوال الرهبان في زمانهم ليس إلا.ففسّروا الآية المشار إليها على ضوء مُعطيات أصحاب الأناجيل.

3"- كذلك خالف مؤلّف إنجيل لوقا روايتي الإنجيلين سالفي الذكر.فهو خالف قول مرقس الذي قال (ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين اللّه).وقال بدلا عن ذلك (وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأُصعِدَ إلى السماء).فعلى حين أنّ مرقس زعم أنّ المسيح ارتفع من نفسه إلى السماء.فإنّ لوقا زعم أنّ المسيح لم يرتفع من نفسه إلى السماء.بل إنّه (انفرد عن تلاميذه وأُصعِدَ إلى السماء) بقوّة خارجة عنه.وهذا اختلاف واضح المعالم.خصوصا وأنّ لوقا لم يزعم أن المسيح جلس عن يمين اللّه بعد أن أُصعِد إلى السماء.

4"- كذلك فإنّ إنجيل يوحنا وهو رابع الأناجيل فإنّه خالف جميع ما اختتم به المؤلّفون للأناجيل الثلاثة الذين أتينا على ذكرهم.فلم يورد شيئا من مزاعمهم فيما اختتم به إنجيله. لكنّه أورد مبالغة كنت قد لفتّ النظر إليها في حينه، لا تنزل في ميزان ولا قبّان، وعلى حسب قول المثل المشهور.وعليه بعد اطّلاعك يا عزيزي القارئ على هذه التناقضات التي أتيت على بيانها آنفا.فهل عاد بإمكانك إذا أعطيتك حرّية التنظير والحكم على هذه الأناجيل الأربعة،هل عاد بإمكانك إعطاءها هذه الصفة التي أعطاها إيّاها مؤلّف كتاب (هل القرآن معصوم ؟) من أنّها (كتاب واحد) ؟
فالعهد القديم هو مجموعة أسفار كتبها مؤلّفوها في أزمنة مختلفة.وهي محرّفة كما أثبتّ ذلك بأدلّة استقيتها من ضمن هذه المجموعة من الأسفار التي لا علاقة لموسى وعيسى عليهما السلام بها أصلا. ثمّ إنّ (العهد الجديد) هو بدوره مجموعة من أربعة مؤلّفات متناقضة الروايات وعلى حسب ما أثبتّه من قبل.ومضافا إليها رسائل شخصين هما بولس وبطرس .فأين هذه الوحدانيّة التي زعمها هذا المؤلّف بما يتعلّق بالعهد القديم والعهد الجديد على أنّهما يشكّلان كتابا واحدا ؟ وهل تستسيغ نفسك يا عزيزي القارئ بعد اطّلاعك على هذه الحقائق التي أطلعتُك عليها، والتي تشكّل غيضا من فيض،هل تستسيغ نفسك أن تُعطي هذين المؤلّفين المسمّيان (العهد القديم) و (العهد الجديد) أيّة قداسة بالقدر الذي أعطاه إيّاهما مؤلّف كتاب (هل القرآن معصوم ؟)من التّقديس والمبالغة ؟؟

وبناء على ما بحثناه حتى الآن أكون قد أثبتّ بُطلان ما أورده مؤلّف كتاب (هل القرآن معصوم ؟) بما يتعلّق بادّعاءيه الأوّل والثاني.هذين الادّعاءين اللذين تضمّنهما قول المؤلّف المذكور في مقدّمته (وبما أنّ اللّه واحد،وكتابه واحد) .وأنتقل من هذا لأنقض ادّعاءه الثالث الذي تضمّنه قوله في مقدّمته : (الذي ختمه بظهور المسيح كلمته المتجسّد).هذا القول الذي يتضمّن مغالطتين : الأولى زعمه (ظهور المسيح).والثانية (كلمته المتجسّد).فلم يظهر المسيح بل بُعثَ نبيّا.ولم يتجسّد المسيح الذي لم يمت على الصليب بل أنزلوه حيّا وهو مخدّر،فلم يمت المسيح ودفنوه في غرفة محفورة في الجبل ونظيفة الهواء.فلمّا استفاق المسيح من تخديره خرج من تلك الغرفة التي يسمّونها قبرا.وهرب متخفّيا وظهر لتلاميذه الذين عالجوا جروحه.ومن ثمّ هاجر المسيح من فلسطين وهو يسعى لتبشير بقيّة أسباط بني إسرائيل المشتّتين في مختلف بقاع آسيا.وهي حقيقة وضّحنها في مؤلّفي (هل مات المسيح على الصليب ؟) وبإمكان القارئ العزيز مراجعة مؤلّفي المشار إليه والذي عجزت كنائس الأرض عن نقض ما أوردته فيه.سواء في موطني سوريا،وسواء في الأقطار العربيّة غيرها.

والآن أحاول تفنيد هذا الادّعاء الثالث بمنطق العقل والأدلّة الإنجيليّة والقرآنيّة وبمعطيات العلم أيضا.فأتناول بالبحث مغالطة المؤلّف الأولى المتعلقة بقوله بظهور المسيح وعدم قوله ببعثته نبيّا.فإن أنت راجعت يا عزيزي القارئ الأناجيل الأربعة.تلاحظ بأنّ مؤلّف إنجيل متّى لم يقل بظهور المسيح.بل استهلّ مؤلّفه بذكر نسبِ يسّوع الناصري.فهو نسبه إلى إبراهيم عليه السلام.وقد عدّد وجود 42 جيلا ما بين إبراهيم ويسّوع الناصري.فلمّا فرغ من هذا كتب يقول في 1/18-25 بأنّ مريم أم المسيح كانت مخطوبة ليوسف النجّار. الذي وجدها حُبلى،ففكّر بفك خطوبته معها.لكنّه شاهد حُلما وخاطبه ملاك فيه بأنّ ما حبلت به مريم لم يتمّ بطريق غير شرعيّ.فلمّا استيقظ يوسف من نومه استجاب لرؤياه التي حلم بها في نومه.وتزوّج خطيبته مريم وستر عليها ولم يعرفها حتّى ولدت (ابنها البكر) ودعا اسمه يسّوع.فقول مؤلّف إنجيل متّى بحقّ ابن مريم من أنّه (ابنها البكر) وراءه حقيقة وهي أنّ مريم ،وعلى حسب روايات مؤلّف إنجيل متّى قد ولِدت مريم من يوسف النجّار بعد ولادة يسوع الناصري أكثر من ولد.فقد ذكر متّى في الإصحاح 12/46-50 ما يلي (وفيما هو – أي يسّوع- يكلّم الجموع إذا أمّه واخوته قد وقفوا خارجا طالبين أن يكلّموه.فقال له واحدٌ هو ذا أمُّك واخوتك واقفون خارجا طالبين أن يكلّموك. فأجاب وقال للقائل له : مَن هي أمّي ومَن هم اخوتي.ثمّ مدَّ يده نحو تلاميذه وقال ها أمّي واخوتي.لأنّ مَن يَصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمّي.).

فهذا النصّ،وبغضّ النظر عن حقيقة ما ورد فيه من ألفاظ نابيةٍ لا تليق بالمسيح أن يقولها، وبغضّ ما تضمّنه من مغالطة وهو اعتباره أمّ المسيح لم تؤمن بالمسيح الذي حبلت به من غير أن يمسّها رجل، وهي مغالطة وقع فيها مؤلّف إنجيل متّى من حيث لا يدري.وقد صحّحها القرآن المجيد حين أورد وقال تعالى (وجاءت به قومها تحملُه) ولم يكن المراد هنا من (تحمله) أنّ المسيح كان رضيعا وعلى أيدي مريم أمّه.بل كان المراد من (تحمله) أي تخدمه وتؤمن برسالته السماويّة التي بعثه ربّه بها لهداية قومه.وبدليل أنّ كهنة اليهود خاطبوا مريم وقالوا (كيف نكلّم من كان في المهد صبيّا ؟) فهم أوردوا في قولهم كلمة (صبيّ) والصبيّ هو الشاب الذي يُعدُّ لغةً في سنّ المهد وليس في سنّ الشيخوخة الذي هو سنّ اللّحد.لكنّ المفسّرين القدماء رحمهم اللّه تعالى أخطؤوا في فهم مضمون هذه الآية الكريمة المصاغة صياغة بلاغيّة معجزة،يتبادر لذهن القارئ منها غير مضمونها الحقيقي.

والمهمّ في الأمر هو أنّ مؤلّف إنجيل متّى لم يورد في النصّ الذي استهلّ به إنجيله كلمة (ظهور المسيح) بل استعمل بدلا عنها ولادة المسيح.ومقرّا بأنّ المسيح كان (ابن مريم البكر) أيضا.وشتّان ما بين كلمة (ظهور) التي أوردها مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) في مقدّمته،وما بين كلمة (ولادة) الواردة في نفس إنجيل متّى المذكور.وبذلك أكون قد كشفت عن حقيقة هذه المغالطة الأولى المتعلّقة بقول هذا المؤلّف (بظهور المسيح) وعدم قوله (بولادة المسيح) ومخالفا بمغالطته هذه كتابه الذي يقدّسه.
ثمّ إنّ من المعلوم هو أنّ المسيح قد ولد ولا أب له.والولد يُنسب أصلا إلى أبيه.ولا ندري
كيف نسي مؤلّف إنجيل متّى هذه الحقيقة،وقام بإيجاد نسب للمسيح وأوصله إلى إبراهيم عليه السلام ؟؟
ونأتي صوب المغالطة الثانية التي حاول (عبد اللّه عبد الفادي) إيقاع القارئ فيها.والتي هي قوله بحقّ المسيح (كلمته المتجسّد).وإنّ مغالطته هذه قد استمدّها ممّا استهلّ به مؤلّف إنجيل يوحنّا قصّة إنجيله.فيوحنّا خالف الأناجيل الثلاثة الأخرى،واستهلّ مؤلّفه بقوله :"(في البدء كان الكلمة.والكلمة كان عند اللّه وكان الكلمة اللّه.هذا كان في البدء عند اللّه.كلّ شيء به كان وبغيره لم يكن شيء ممّا كان.فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس.والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تُدركه.)".-يوحنّا 1/1-5-إنّ يوحنّا ،ومن خلال أقواله هذه، قد أوقع رجال الكنائس ومنهم مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) قد أوقعهم في هذه المغالطة التي نناقشها.فأقوال يوحنّا هذه قد بناها على افتراض مخيّلته الخصبة العطاء. ولذلك فإنّه لم يشعُر بأنّه قد أتى بتناقضات نابعة ممّا أورده سفر التكوين من العهد القديم.فأمّا التناقضات فهي في قوله من جهة (والكلمة كان عند اللّه).وفي قوله من جهة أخرى (وكان الكلمة اللّه).فكيف تكون الكلمة يا عزيزي عند اللّه.ومن ثمّ تصير الكلمة (اللّه) نفسه ؟ فلو صحّ هذا الافتراض فمن كان عند اللّه قبل أن يصير هذا (اللّه) نفسه ؟؟

ثمّ إنّ ما يثبت أنّ يوحنا قد استوحى فلسفته المتناقضة المذكورة هذه يا عزيزي القارئ، من سفر التكوين التوراتي.هو أنّ كاتب (سفر التكوين) استهلّ سفره المذكور بكلامه عن نشأة العالم فكتب يقول: "(في البدء خلق اللّه السماوات والأرض،وكانت الأرض خاويةً خاليةً وعلى وجه الغمر ظلام وروح اللّه يرفرف على وجه المياه.وقال اللّه : ليكُن نورٌ، فكان نور.ورأى اللّه أنّ النور حسن.وفصل اللّه بين النور والظلام،وسمّى اللّه النور نهارا والظلامُ سمّاه ليلا.وكان مساء وكان صباح: يومٌ أوّل.)"وإنّ هذه الأقوال وما بعدها تخالف المعطيات العلميّة التي كشف عنها قوم هذا القسّيس.وهي مجرّد تصوّرات تمثّل أقصى ما كان بإمكان مخيّلة مؤلّف (سفر التكوين) أن تصلَ إليه وحسبما كان قد توفّر في زمانه من مُعطيات كانت قائمة على أساس غير علميّ.وقد صوّر هذا الكاتب اللّه مكوّنا من جسد وروح.وأنّ روحه كانت منفصلة عن جسده وكانت ترفرف على وجه المياه. وبعد أن راح كاتب سفر التكوين يعدّد ما تمّ صنعه وخلقه في ستّة أيّام على أيدي اللّه. فقد قال في الإصحاح 2/2-4 (وانتهى اللّه في اليوم السابع من عمله الذي عمل، واستراح في اليوم السابع من كلّ عمله الذي عمله.وبارك اللّه اليومَ السابع وقدّسه، لأنّه فيه استراح من كلّ عمله الذي عمله خالقا.تلك هي نشأة السماوات والأرض حين خُلِقت.).

أقول : ألم تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ هذا الكاتب قد تناقض فيما سرده بما يتعلّق بنشأة السماوات والأرض ؟ فمن جهة أورد يقول في ابتداء تصوّراته (وقال اللّه: ليكن نور،فكان نور.)والذي يُستفاد من قوله هذا هو أنّ الله يأمر فقط،فيتجسّد أمره على بساط الواقع.وبألفاظ أخرى فإن إصدار أمر اللّه لا يتعب اللّه نفسه. فكيف راح هذا المؤلّف يصوّر لنا بأنّ اللّه بعد أن أصدر أوامره وخلق السماوات والأرض وما بينهما،قد مسّه (تعبٌ ومشقّة) ولذلك (استراح في اليوم السابع )؟؟ إلا أن تتّفق معي يا عزيزي القارئ بأنّ ما ورد في مستهلّ (سفر التكوين).وما ورد في مستهلّ (إنجيل يوحنا) إنّما يشكّل مجموعة تصوّرات متناقضة بعيدة عن المعقول،ولا يدعمها دليل عقليّ ولا دليل تاريخيّ ولا دليل علميّ .وقد تسبّبت تلك التصوّرات بضلالة مليارات من الناس الذين لا يستعملون عقولهم ولا يناقشون ما يقرؤونه.والذي يهمّنا يا عزيزي القارئ ممّا أوردناه، هو كشف حقيقة هذه المغالطة الثانية التي تضمّنها قول هذا القسّيس بحقّ المسيح قوله (كلمته المتجسّد).فقوله (كلمته) نسبه إلى المسيح.وقد استمدّها ممّا تصوّره مؤلّف إنجيل يوحنا الذي استهلّ قصّته بقوله (في البدء كان الكلمة.والكلمة كان عند اللّه والكلمة كان اللّه.)وهو الكلام الذي ناقشته وأثبتّ تناقضه وغير معقوليّته.فيوحنّا أطلق هذا اللفظ (الكلمة) واسترقها هذا القسّيس ليضيف ويقول (كلمته المتجسّد).فهل أصاب يوحنّا فيما أورده ؟ وهل أصاب هذا القسّيس فيما زعمه وقاله ؟

وقد يسرع امرؤ ويردّ عليّ ويقول : وهل نسيت بأنّ القرآن الكريم قد قال في الآية 171 من سورة النساء ( إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه..) ؟ فالمسيح في نظر القرآن الكريم هو (كلمة اللّه وروحٌ منه).والقرآن الكريم قد أنزله ربّنا عز وجلّ بعد الإنجيل. وعليه فالسبق في هذه التسمية للإنجيل. وهل من حرج بعد ذلك في قول هذا القسّيس ؟؟؟
فأقول في هذه الخاطرة : المعلوم من القرآن الكريم نفسه هو أنّ اللّه تعالى الذي أنزله،قد أنزله (بلسان عربيّ مبين.وحثّ قارئيه أن يتدبّروه.).والتدبّر يقتضي قيامنا بمحاولة فهم معاني واستعمالات كلّ كلمة وردت فيه.وبناء عليه نراجع معاجم اللّغة العربيّة للإحاطة بمعاني واستعمالات مفردة (كلمة) هذه المفردة التي قلت بأنّ القرآن الكريم قد أطلقها على المسيح من جهة.وأنّ إنجيل يوحنّا قد سبقه وأطلقها هو بدوره على المسيح قبل القرآن الكريم بقرون.فقد ورد في معجم (محيط المحيط) المعروف :
(الكلام معناه القول.حيث يقال أتى فلان بكلام طيّب.والكلام عبارة عن أصوات متتابعة لمعنى مفهوم.وهو اسم جنس.وواحد الكلام (كلمة) . وهي اللّفظة، وكلّ ما ينطق به الإنسان ،مفرداً كان أو مركّبا.ومعروف أنّ (العشر كلمات) هي وصايا اللّه العشر. وتُطلق (الكلمةُ) على الخطبة والقصيدة.والكلمة الباقية هي كلمة التوحيد-سورة الزخرف- وكلمة الشهادة هي : (أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه). و (كلمة التّقوى) هي (بسم اللّه الرحمن الرحيم) وقد ورد في الحديث الشريف (اتّقوا اللّه في النساء فإنّما أخذتموهنّ بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهُنَّ بكلمة اللّه.).

ألا لاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ صاحب هذا المعجم كيف بيّن لنا بأنّ لفظ (كلمة) مفرد، وجمعه (كلام) وهو ما ينطق به الإنسان بمعنى مفهوم.وأنّ هذا اللّفظ يُستعار أحيانا للتّعبير به عن الخطبة التي يُلقيها الخطيب على المنبر فيقال : ألقى فلان كلمة.كما يستعار هذا اللّفظ للتّعبير به عن القصيدة التي يلقيها أحد الشعراء.وأنّ حديث رسول اللّه (ص) ورد فيه (واستحللتم فروجهُنّ بكلمة اللّه.) ويقصد محمّد رسول اللّه (ص) من قوله (بكلمة اللّه) أي بأمر من اللّه تعالى وحكمه.والمهمّ هو أنّ (كلمة ،وكلام) اسم جنس .

وأعود بك يا عزيزي القارئ بعد بيان دلالات المفردة (كلمة) وعلى حسب ما أوردها أصحاب المعاجم.أعود بك إلى الآية الكريمة 171 من سورة النساء،وهي الآية التي استقى المعترِضُ عليّ اعتراضه الذي استمدّه من قول اللّه تعالى في كتابه العزيز : (إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه..).وهو القول الذي يتغنّى به القساوسة كلّما أرادوا الطعن بهذا الدين الإسلاميّ الحنيف الذي بُعِث به محمّد بن عبد اللّه الأمّي الصادق الأمين.فأقول : إنّ هذا الاعتراض هوائيّ ، تعجّل بطرحه من كان تابعا لهوى نفسه من القساوسة.فكلمات هذا النصّ ليست (آية) في حدّ ذاتها.وإنّما هي نصٌّ اقتطعوه من آية طويلة لا بأس أن أوردها لك في هذا المقام.وهي الآية التي قال اللّه تعالى فيها: (يا أهلَ الكتاب لا تغلوا في دينِكم، ولا تقولوا على اللّه إلاّ الحقّ، إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه،فآمنوا باللّه ورسوله وقف ولا تقولوا ثلاثة ، انتهوا خيراً لكم،إنما اللّه إله واحد، سبحانه أن يكون له ولدٌ، له ما في السماوات وما في الأرض ، وكفى باللّه وكيلا.) وقد أضاف اللّه تعالى على هذه الآية آية أخرى بعدها وقال : (لن يستنكِفَ المسيحُ أن يكون عبدا للّه ولا الملائكةُ المقرّبون،ومَن يستنكِف عن عبادته ويستكبِر فسيحشُرُهم إليه جميعا.). ولنتدبّر هاتين الآيتين بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره . وهي المنهجيّة وأصول التّفسير التي تجدها يا عزيزي القارئ في مؤلّفي المسمّى (منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره).

ألا إنّ اللّه عز وجلّ يخاطب أهل الكتاب في هاتين الآيتين.وخاصّة منهم من أخذ بقصّة إنجيل يوحنا على ما فيه متناقضات.فدعاهم إلى الابتعاد عن الغلوّ والعودة إلى جادّة الاعتدال ذلك لأنّ في الغلوّ افتراء على الحقيقة التي يمثّلها اللّه عز وجلّ.وهنا فقد صاغ اللّه عز وجلّ كلّ ما يتعلّق بالمسيح ابن مريم صياغة بلاغيّة،فاختصر ذلك في كون المسيح ابن مريم : أوّلا – رسول من رسل اللّه الكرام.
ثانيا – وأنّه كلمته تعالى التي ألقاها إلى مريم. ثالثا – وأنّ هذا الرسول روح من اللّه عزّ وجلّ .وأحاول تفسير هذه الأمور الثلاثة التي تضمّنها قول اللّه تعالى (إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه.) بمنهجيّة وأصول، فأقول :
أوّلا – أمّا قوله تعالى (رسول اللّه)، فكلمة (رسول) أوردها القرآن المجيد أكثر من مائة مرّة في مختلف سوره.وقال تعالى خلالها في الآية 64 من سورة النساء (وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن اللّه ) كذلك قال تعالى في الآية 47 من سورة يونس (ولكلّ أمّة رسول فإذا جاء رسولهم قُضي بينهم بالقسط وهم لا يُظلمون.). وعليه فإنّ اللّه جلّ شأنه حين اختصر مهمّة (المسيح بن مريم) وقال (رسول اللّه)،فلا يكون اللّه تعالى قد فرّق بين المسيح وغيره من رسُل اللّه الكرام في المهمّة الموكلة إليه في هذا الأمر.ولا يكون قد ميّزه بهذا القول على آدم ونوح وموسى وغيرهم من أنبياء اللّه الكرام.ثمّ إنّ كلمة (رسول) في اللّغة العربيّة اسمٌ ويعني الرجل المُرسل للقيام بمهمّة.ويجمعونه على (رُسُل ورسَلاء) –محيط المحيط-، وقال اللّه تعالى في الآية 48 من سورة الأنعام (وما نُرسل المُرسلين إلاّ مبشّرين ومنذرين) . وعليه نقول : إنّ المسيح عيسى ابن مريم قد بلغ مرتبة النبوّة الروحيّة ولذلك فقد كان اللّه عز وجلّ قد بعثه إلى بني إسرائيل ليبشّرهم بالجنّة إن هم استجابوا لكلّ ما دعاهم إليه بالنيابة عن ربّه الذي استخلفه في الأرض.كذلك فقد بعثه جلّ شأنه لينذرهم إن هم لم يستجيبوا لكلّ ما دعاهم إليه.واستنادا إلى هذا المنطلق الذي وضّحناه، فقد خاطب اللّه عز وجلّ أهل الكتاب وقال (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على اللّه إلاّ الحقّ) . فمن خلال هذا عُدتَ تُدركُ يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ حين اختصر مهمّة المسيح ابن مريم في كلمتين وقال عنه أنّه (رسول اللّه) يكون قد جلّ شأنه قد نفى من خلال هاتين الكلمتين صحّة جميع ما أعطاه أتباع المسيح إيّاه من صفات تخالف صفة (رسول اللّه) .

ثانيا – وأمّا قول اللّه عز وجلّ بحقّ المسيح ابن مريم بأنّه كلمته التي ألقاها إلى مريم.فتعلم يا عزيزي القارئ من خلال البحث الذي بحثه سابقا حول لفظة (كلمة) ودلالاتها.وكيف توصّلت إلى أنّ من جملة دلالات لفظ (كلمة) المعاني التالية :
1- أنّ (كلمة) مفرد كلام الدالّ على نُطق الإنسان بمعنى مفهوم.
2- وأنّ (كلمة) تُستعار للتّعبير بها عن خطبة الخطيب أو عن قصيدة الشاعر.
3- وأنّ من معاني (كلمة) أمر اللّه تعالى الذي يصدره إلى جهة من الجهات.
4- وأنّ (كلمة) وكلام اسم جنس.

واستنادا إلى هذه المعاني فإنّ اللّه عز وجلّ يكون حين اختصر وقال (وكلمته ألقاها إلى مريم) يكون اللّه عز وجل قد عبّر (بكلمته) الواردة في هذا القول عن حكمه المتعلّق بولادة مريم المسيح عيسى بدون أب،وتمثّل جبريل لها وهو يحمل إليها تلك البشارة التي تضمّنها أمر اللّه تعالى وحكمه بهذا الخصوص.وهو المعنى الذي أكّده فعل (ألقاها إلى مريم).ففعل (ألقى) إذا اقترن بصلة حرف الجر (إلى) فلا يعني إلاّ إيصال الأمر إلى المُلقى إليه وتبليغه.ويؤكّد مصداقية ما ذهبت إليه هو أنّ اللّه عز وجلّ حين كان سليمان قد أرسل برسالة إلى بلقيس ملكة اليمن.فإنّ اللّه تعالى أورد فعل (ألقى) مقرونا بصلة (إلى ) وقال في الآية 28 من سورة النمل (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثمّ تولّ عنهم فانظُر ماذا يرجعون.).ومعلوم أنّ من خصائص القرآن الكريم أنّه يفسّر بعضه بعضا.

ثالثا – وأمّا قول اللّه تعالى في النصّ القرآنيّ المذكور بحقّ المسيح ابن مريم أنّه (وروحٌ منه) . فإنّ هذا القول لا يعني بشكل من الأشكال بأنّ المسيح جزء من أجزاء روح اللّه عز وجلّ وعلى حسب ما يفهم ذلك منه جهلاء الناس باللّغة العربيّة.خصوصا وأنّ روح كلّ شيء في هذا الكون لا تتجزّأ. فالروح والجسد يشكّلان كيانا واحدا لا يتجزّأ. فما بالك بكيان ذات اللّه الذي خلق كلّ شيء وقدّره تقديرا ؟؟ فكلمة (الروح) أوردها القرآن الكريم بعدّة معاني منها :
1- فتارة أورد كلمة (روح) بمعنى وحي القرآن الكريم. حيث قال جلّ شأنه في الآية 52من سورة الشورى (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) وقد قصد اللّه جلّ شأنه بقوله تعالى (روحا من أمرنا) قد قصد وأشار إلى وحي كتابه القرآن الكريم، و بقرينة قوله بعد ذلك (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان).
2- وتارة أخرى أورد تعالى كلمة (روح) دلالة على الملاك جبريل عليه السلام.حيث قال تعالى في الآية 17 من سورة مريم (فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشرا سويّا..).وقد قصد بكلمة (روحنا) الملاك جبريل عليه السلام.
3- وتارة ثالثة أورد تعالى كلمة (روح اللّه) بمعنى رحمة اللّه ،حيث قال تعالى في الآية 87 من سورة يوسف وعلى لسان والد يوسف عليه السلام (يا بنيّ اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح اللّه إنّه لا ييئس من روح اللّه إلا القوم الكافرون.).فقوله (ولا تيئسوا من رحمة اللّه) أي أنّه جلّ شأنه قد عبّر من خلال قوله (روح اللّه) عن رحمة اللّه عزّ وجلّ فرحمته
4- تعالى هي بمثابة نفخ روح فيمن أوتي من رحمة اللّه نصيبا.
5- وتارة رابعة فقد أورد تعالى كلمة (الروح) معرّفةً ودلالة على القسم الثالث من أقسام الوحي السماويّ،الذي عبّر تعالى عنه في سورة الشورى وقال (أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) وهذا المعنى ورد في الآية الثانية من سورة النحل حيث قال تعالى (ينزِّلُ الملائكة بالرّوح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنّه لا إله إلاّ أنا فاتّقون.).وبمعنى ينزّل اللّه تعالى ملائكته المختصّين بحمل وحيه إلى من شاء من عباده ، فيحمّلهم وحي أوامره جلّ شأنه لينذر به مَن يشاء من عباده.
6- وتارة خامسة أورد تعالى كلمة (روح من اللّه) بمعنى التأييد الإلهيّ ، حيث قال تعالى في الآية 22 من سورة المجادلة (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه). أي كتب في قلوبهم الإيمان ورسّخه وثبّتهم بتأييد منه.فقال تعالى في الآية 91 من سورة الأنبياء بحقّ والدة المسيح عليه السلام (والتي أحصنت فرجها،فنفخنا فيها من روحنا ) أي والتي استعفّت عن المعصية،فأيّدها اللّه عز وجلّ من جرّاء عفّتها بتأييد منه جلّ شأنه وثبّتها على الحقّ.
وعلى حين قال تعالى في هذه الآية (ونفخنا فيها) فقد قال تعالى في الآية 12 من سورة التحريم : (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا).وكان في ذلك تنبيها لعقولنا إلى أنّ ولادة مريم ابنها عيسى (من دون أب).يعود سرّ ذلك إلى ناحية

علميّة تقنيّة تفوق ما أوتي الإنسان من علم بأنواعه.فالذرّة يا عزيزي القارئ على سبيل المثال،لم يكتشف بعضا من أسرارها العلميّة البشر إلا في القرن العشرين وكما هو معلوم لدى الباحثين.ولذلك تلاحظ كيف أنّ اللّه تعالى قال في الآية 85 من سورة الإسراء (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي وما أوتيتُم من العلم إلا قليلا).وعليه فإنّ قول اللّه تعالى في الآية 12 من سورة التّحريم (فنفخنا فيه) يشير تعالى به إلى تعلّق هذا النفخ إلى السرّ العلميّ المتعلّق بولادة ابن بلا أب، وبمشيئة من اللّه عز وجلّ الذي يصوّر الأجنّة في الأرحام كيف يشاء ووفقا لإرادته عز وجلّ.وبناء على هذا المعنى فإنّ الإنسان وقد اكتشف الذرّة في عصرنا، فقد يتمكّن هذا الإنسان من اكتشاف هذه المعلومة العلميّة في يوم من الأيّام.

واستنادا إلى هذه المعاني الخمس الواردة في كتاب اللّه العزيز،ينبغي علينا يا عزيزي القارئ أن نفهم من قول اللّه تعالى (وروح منه) الوارد في قول اللّه تعالى (إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه) بأنّ المقصود هنا من كلمة (روح) الإشارة إلى الملاك جبريل الذي تمثّل لمريم بشرا سويّا.وليس شيئا آخر سواه.فإن شاء (عبد اللّه عبد الفادي) التسليم بما أوصلناه إليه بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره،فليسلّم أو ليفهم هو ما شاء أن يفهمه،وهو يتحمّل تبعة معناه.خصوصا وأنّ اللّه عز وجلّ قد اشترط شرطا أساسيّا على دارس هذا القرآن الكريم وقال : (إنّه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسُّهُ إلاّ المطهَّرون.).وصدق اللّه العظيم.

وإلى هنا أكون قد شرحت قول اللّه عز وجلّ (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على اللّه إلاّ الحقّ،إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه).ومن ثمّ تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد اختصر على مسامع أهل الكتاب جميع ما يتعلّق بالمسيح ابن مريم وبصياغة بلاغيّة معجزة وراح تعالى بعد ذلك يأمرهم ويقول : (فآمنوا باللّه ورُسُله وقف ). وقد أورد جلّ شأنه،وكما تلاحظ أورد إشارة (وقف).وقد وضّحت في مؤلّفي (خصوصيّات القرآن الكريم المعجزة) بأنّ المقصود من إشارة الوقف،هو الإيعاز إلى قارئ القرآن الكريم أن يتوقّف عند هذه الإشارة هنيهة ليساعده ذلك على التّفكير وإمعان النظر فيما ورد قبل الإشارة.وعليه فإنّ اللّه عز وجلّ وكأنّه،وبعد أن أمر أهل الكتاب أن يؤمنوا باللّه ورسله.قد أمرهم أن يعيدوا نظرهم فيما توارثوه من معتقدات تخالف الحقيقة التي اختصرها جلّ شأنه لهم فيما فسّرناه حتّى الآن.أو كأنّه جلّ شأنه قد قال لهم بألفاظ أخرى بأنّ جميع الذين أرسلهم اللّه تعالى كانوا رسلا مبعوثين بمهمّات سماويّة ليبشّروا الناس ولينذروهم إن هم لم يؤمنوا باللّه ورسله.ولم يستثن اللّه تعالى المسيح ابن مريم من كونه رسولا من جملة رسل اللّه الكرام
ليس إلاّ .وقد أضاف اللّه عز وجلّ إلى أمره هذا وقال آمراً المسيحييّن أيضا (ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرا لكم،) وقد أورد قوله هذا موجّها إلى المسيحييّن القائلين بعقيدة (الآب والابن وروح القدس ) التي ابتدعها مؤلّف إنجيل يوحنا في مقدّمة قصّة إنجيله بالتحديد.
وكان في قول اللّه تعالى هذا ومن خلال قوله (خيرا لكم) طرف تبشير وطرف إنذار. تبشير بالجنّة إن هم تراجعوا عن عقيدة التثليث. وإنذارهم بالعذاب إن هم لم يتراجعوا عن هذا المعتقد الموروث عن إنجيل يوحنّا.ومن ثمّ فإنّ اللّه عز وجلّ قد أورد دليلا إلزاميّا يُلزم أهل التّثليث وممّا يعتقدونه وقال (إنّما اللّه إله واحدٌ). بمعنى أنّكم يا أهل التّثليث تقولون بوجود إله واحدٍ توارثتموه عن مُعطيات ما كان يعتقده موسى من قبل.

وأضاف وقال (سبحانه أن يكون له ولد،) أي تنزّه اللّه الواحد الذي دعا موسى قومه لعبادته أن يكون له (ولد) ومع ذلك لم يخبر موسى قومه بوجود هذا الولد.وأتبع هذه الحقيقة التي تضمّنها (العهد القديم) فقدّم دليلا فلكيّا علميّا يثبت بطلان أن يكون للّه تعالى ولد وقال (له ما في السماوات وما في الأرض).بمعنى أنّ السماوات والأرض تنظمها قوانين واحدة تدلّ على وجود الإله الواحد الذي أبدعها وبقدرات لا حدود لها.
وهل يحتاج من له هذه القدرات ومن يقوم بهذا الإبداع هل يحتاج لمعونة (ولد) ؟؟ علما بأنّ اللام في (له) هي لام الملكيّة.
وقد اختتم اللّه العزيز هذه الآية الكريمة وقال (وكفى باللّه وكيلا.) أي وكفى أن يكون من يملك هذه السماوات والأرض وما فيهما. وكفى بالإله الذي يملك قدرات إبداعهما أن يكون بمفرده الوكيل على تسيير هذا الكون المادّي المؤلّف من هذه السماوات والأرض.وغنيّ بالتالي أن يكون له (ولد) يساعده في تلك المهمّة.وقد شكّلت هذه الفقرة الأخيرة استنتاجا علميّا أسفر عنه الدليل الذي قدّمه اللّه سبحانه وتعالى من خلال قوله تعالى (له ما في السماوات والأرض).ولذلك ،وبعد تقديم هذا الدليل الفلكي العلميّ وذاك الاستنتاج المأخوذ منه. فقد أتى اللّه عز وجلّ بآية ثانية وأضاف وقال (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا للّه، ولا الملائكة المقرّبون ،ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيحشُرُهم إليه جميعا.).وقد عاد تعالى فخاطب المسيحييّن من أهل التثليث من جديد في هذه الآية يدعوهم لمراجعة أقوال المسيح في هذه الأناجيل التي يقدّسونها ليلاحظوا بأنّ المسيح نفسه لم يستنكف عن إقراره بعبوديّة لهذا الإله الواحد الذي دعا موسى قومه لعبادته.وهنا أورد للقارئ العزيز بعضا من أقوال المسيح الناصري الواردة في هذه الأناجيل الأربعة تأكيدا لمصداقيّة هذا الادّعاء القرآنيّ، وغلى القارئ العزيز بعض هذه الأقوال التي تثبت بأنّ المسيح ابن مريم كان نبيّا رسولا، ولم يكن شيئا آخر :
1- فقد ورد في (متّى) الإصحاح 13/54-58 ما يلي (ولمّا جاء – يسّوع- إلى وطنه،كان يعلّمهم في مَجمعهم،حتّى بُهتوا وقالوا : من أين لهذا هذه الحكمة والقوّات ؟.أليس هذا ابنَ النجّار.أليست أمُّهُ تُدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا.أ وليست أخواتُه جميعهنّ عندنا. فمن أين لهذا هذه كلّها.فكانوا يعثرون به.وأمّا يسّوع فقال لهم : ليس نبيٌّ بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته.ولم يصنع هناك قوّات كثيرة لعدم إيمانهم.). فقول يسّوع في هذا النصّ وهو في وطنه وفي بيته (ليس نبيٌّ بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته) يؤكّد مصداقيّة ما أعلنه القرآن الكريم من أنّ المسيح كان (نبيّا رسولا). وإلاّ فلو كان المسيح كما يزعمون فما كان لقول يسّوع هنا من معنى البتّة.وإنّ ما يؤكّد بأنّ يسّوع كان نبيا.فقد ورد في متى الإصحاح 21/10
(ولمّا دخل أورشليم ارتجّت المدينة كلُّّها قائلةً من هذا.فقالت الجموع : هذا يسّوع النبيّ الذي من ناصرة الجليل.).وإنّ هذا النصّ يدلّ على أنّ جموع الناس كانوا ينظرون إلى المسيح على أنّه نبيّ ورسول من اللّه عز وجلّ.

2- وقد ورد في (متّى) الإصحاح 19/16-18 ما يلي (وإذا واحدٌ تقدّم وقال له : أيّها المعلّمُ الصالح أيَّ صلاحٍ أعملُ لتكون لي الحياة الأبديّة.فقال له :لماذا تدعوني صالحاً.ليس أحدٌ صالحاً إلا واحد وهو اللّه, ولكن إن أردت أن تدخلَ الحياة فاحفظ الوصايا.قال له أيّة الوصايا. فقال يسّوع لا تقتل،لا تزن،لا تسرق،لا تشهد بالزّور،أكرم أباك وأمّك وأحبَّ قريبك كنفسك. فقول يسوع (لماذا تدعوني صالحا،ليس أحد صالحاً إلا واحدٌ وهو اللّه.) فيه إقرار من جانب المسيح عليه السلام أولا: أنّ اللّه الذي يعبده هو واحد وهو الإله الذي دعا لعبادته موسى عليه السلام من قبله.ثانيا – ثم لو كان المسيح هو ابن اللّه البكر الحقيقي وعلى حسب ما يزعمون،فما كان يسوع ليفصل نفسه عن أبيه في الصلاح ، وما دامت له نفس القداسة.

3- ثمّ إنّ مؤلّف إنجيل متّى يُخبرنا بأنّ حاكم القدس بيلاطس بعد أن استجاب لطلب اليهود وعلّق المسيح على الصليب.فإنّ متّى يروي في الإصحاح 27/45-46 ويقول (ومن الساعة السادسة-من يوم الجمعة-كانت ظلمة على كلّ الأرض إلى الساعة التاسعة.ونحو الساعة التاسعة صرخ يسّوع بصوت عظيمٍ –وهو معلّق على الصليب- قائلا : إيلي إيلي لَما شيقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني.).فلو كان المسيح ابن اللّه وليس رسوله،فقد كان ينبغي أن يصيح ويقول : أبي أبي لماذا تركتني.ولكنّه لم يفعل ذلك بل صاح : (إلهي إلهي لماذا تركتني)وإنّ هذه تعدّ ألفاظ إنسان عبد للّه وقد كان يعبد اللّه ولا يعطي نفسه صفة عبوديّة من دون اللّه تعالى . والمهمّ هو أنّ مؤلّف إنجيل متّى الذي أورد جميع هذه الأقوال عن المسيح ابن مريم.والتي يُستدلّ منها على كونه بشر وأحد رسل اللّه الكرام.فإنّ متّى هذا أنهى إنجيله بما يُناقض جميع هذه الأقوال ،وزعم أنّ المسيح خاطب تلاميذه أخيرا وقال : (فاذهبوا وتلمذوا جميعَ الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس).ونحن تجاه هذا النصّ ما بين أمرين لا ثالث لهما : فإمّا نسلّم بصحّة هذا النصّ ونكذّب بقيّة النصوص التي أوردناها.وإمّا أن نكذّب هذا النصّ الأخير ونعتبره مدسوسا على المسيح،ونسلّم ببقيّة النصوص التي ثبت من خلالها كون المسيح نبيّا رسولا ووفق ما صحّح القرآن العظيم وقال (ورسولا إلى بني إسرائيل..) ويثبت بالتالي أنّ القرآن مصحّحٌ لأفكار الأناجيل ومهيمنا عليها يقينا.

ولا تظنّ يا عزيزي القارئ بأنّ إنجيل متّى وحده قد وردت فيه هذه النصوص التي أوردناها آنفا.بل وإنّ إنجيل مرقس أورد في الإصحاح 6/4 يقول (فقال لهم يسّوع ليس نبيٌّ بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته.) وهي نفس الألفاظ التي نقلها إنجيل متّى عن المسيح عليه السلام.وأورد إنجيل مرقس في الإصحاح 10/18 يقول عن لسان المسيح (فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحا.ليس أحد صالحا إلا واحد وهو اللّه.) وهي نفس ألفاظ إنجيل متّى. وهكذا ..

وهكذا عُدت تحيط يا عزيزي القارئ علما بدلالة قول ربّنا عز وجلّ في الآية 171 من سورة النساء (إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وكلمتهُ ألقاها إلى مريم وروحٌ منه..) وما عدت بالتالي تفهم من هذا القول ما يفهمه (عبد اللّه عبد الفادي) وسواه من أهل الكتاب. فالمسيح كان رسولا نبيّا.وقد صوّره اللّه عز وجلّ في فرج مريم بتقنيّة قد تكشف عنها الأيام في المستقبل،وقد جعله بذلك جنينا من غير نطفة أب.وحدث ذلك بأمر اللّه وحكمه أي بكلمته ألقاها إلى مريم.وقد حمل هذه الكلمة وذاك الأمر الإلهي الملاك جبريل الذي تمثّل لمريم بشرا سويّا وهو معنى (وروح منه). وهل عُدت يا عزيزي القارئ بحاجة إلى شرح أكثر ؟ وعلى هذه الصورة أكون قد نقضت ادّعاء (عبد اللّه عبد الفادي) الثالث وهو قوله فيه (وأنّه ختمه بظهور المسيح كلمته المتجسّد).علما بأنّي أتحدّى هذا القسّيس أن يوافينا من العهدين (القديم والحديث) بأيّ نصّ يجزم بأنّ المسيح ختم الأنبياء .خصوصا وأنّي قدّمت نصوصا من العهد القديم تتنبّأ عن ظهور نبيّ مشرّع وأنّ المسيح لم يكن مشرّعا بدليل النص نفسه.
والآن أطلعكَ يا عزيزي القارئ على النبوءات الواردة في هذه الأناجيل والتي تؤيد نبوءات (العهد القديم) وتؤكّدها، والتي تدلّ في الوقت نفسه على أنّ اللّه عز وجلّ لم يجعل المسيح خاتما،وأنّ ما زعمه (عبد اللّه عبد الفادي) في هذا المجال لم يقم على أساس.
نبوءة إنجيل متّى :وتعال يا عزيزي القارئ فكّر معي فيما نقله مؤلّف إنجيل متّى على لسان المسيح عيسى ابن مريم.فقد أورد هذا في الإصحاح 23/38-39 ما يلي: (يا أورشليم ،يا أورشليم،يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها: كم مرّة أردت أن أجمع أولادك،كما تجمع الدّجاجة فراخها تحت جناحيها،ولم تريدوا.هو ذا بيتُكُم يُتركُ لكم خرابا.لأنّي أقول لكم : إنّكم لا ترَونني من الآن ،حتّى تقولوا مباركٌ الآتي باسم الربّ.).فالمسيح قال هذا قبيل حادثة الصّلب التي يُنجيه ربّه من الموت على الصليب فيها ويهاجر يطلب تبشير بقيّة أسباط إسرائيل الضالّة-راجع مؤلّفي (هل مات المسيح على الصليب ؟)-ليتبيّن لك يا عزيزي القارئ ما حدث بعد حادثة الصّلب.وهي الأحداث التي جهلها مؤلّف إنجيل متّى ولذلك أضاف بعد النصّ المذكور ما شاء أن يضيفه وليساعد على الزعم بأنّ المسيح نفسه سيعود إلى الدّنيا مرّة ثانية.على حين أنّ الإنسان إذا مات فلا عودة بعد ذلك إلى هذه الحياة.
والمسيح يخاطب اليهود،متمثّلين في عاصمتهم (أورشليم)،ومتّفقا مع القرآن الكريم بأنّ اليهود كانوا يقتلون النبييّن والمرسلين بغير حقّ ، وأنّهم كفروا بالمسيح هو نفسه الذي أرسله اللّه تعالى إليهم لإصلاح أحوالهم ،ومتّفقا مع القرآن الكريم بأنّ المسيح هو رسولٌ إلى بني إسرائيل،وأنه مُرسلٌ إلى اليهود الذين سمّاهم في إنجيل متّى نفسه (الخراف الضالّة).

والمسيح ينذر اليهود في خطابه هذا ويقول: (هو ذا بيتُكم يُتركُ لكُم خرابا).والحقيقة هي أنّه لم تقُم لليهود بعد بعثة المسيح قائمة.وظلّوا مشرّدين في الأرض.وبيتهم خرابا. ويتّفق المسيح في ذلك مع القرآن الكريم الذي نبّه عقولنا من خلال ولادة المسيح (بدون أب) وقطع نسبه،إشارته إلى أنّ اللّه عز وجلّ قد غضب على اليهود وقطع نسبهم الروحاني وبهذا الأسلوب المعجز.
والمسيح راح يتنبّأ عمّا سيحدث من بعد بعثته وقال (لأنّي أقول لكم : إنّكم لا ترَونني من الآن، حتّى تقولوا :مباركٌ الآتي باسم الربّ.). أي أنّ المسيح قد غاب بعد محاولة اليهود قتله على الصليب، تلك المحاولة التي أقدم عليها اليهود وذلك ليثبتوا من خلال قتلهم المسيح على الصليب كذب ادّعائه بأنّه (نبي) من أنبياء اليهود.فقد غاب المسيح بعد محاولة اليهود المشار إليها ،وما عاد يهود أورشليم يرونه بينهم بعد ذلك.ومن ثمّ أتى هذا الخطاب المنسوب إلى المسيح بحرف الجرّ (حتّى) وأدخل حتّى هذه على فعل المضارع (تقولوا). ولتعود تفيد معنى حرف إلى ولترادف حرف التّعليل (كي) وترادف (إلاّ) الاستثنائيّة أيضا.وحسبما ورد في معجم (محيط المحيط).وعليه فلا يعني قول المسيح (لا ترونني من الآن حتّى تقولوا) فلا يعني هذا القول ما يذهب إليه الذين يعتقدون بالأناجيل الحاضرة على تناقضاتها،من أنّ هذا القول يشير إلى عودة المسيح إلى الأرض. أقول : كلاّ إنّ إدخال (حتّى) فيه على فعل (تقولوا) يشير إلى نجاة المسيح من محاولة قتله على الصليب،وهجرته من فلسطين للقيام بتبشير بقيّة أسباط اليهود الذين كانوا في الشتات.وموته هناك.وهي الحقيقة التي وضّحتها في مؤلّفي (هل مات المسيح على الصليب ؟) وبذلك فلا يعود اليهود يرون المسيح بينهم.

ومن ثمّ قول المسيح (مباركٌ الآتي باسم الربّ.) يتضمّن نبوءة تتعلّق ببعثة النبيّ العربيّ (ص) الذي تميّز كتابه المقدّس وهو القرآن الكريم بأنّ كلّ سورة من سوره تبدأ بالبسملة.نوهي بسم اللّه الرحمن الرحيم.فمحمّد رسول اللّه (ص) هو النبيّ المبارك الذي أتى بعد المسيح باسم الربّ.ولا عبرة لهذه التقوّلات الواردة على ألسنة القساوسة من أنّ للمسيح رجعة ثانية.ودليلنا على ذلك هو هذا الذي نستمدّه من إنجيل متّى نفسه والوارد في الإصحاح 24/34.فقد قال المسيح هناك بما يتعلّق بالعلامات التي أوردها متّى والتي ستحدث بعد حادثة الصلب، قال المسيح (الحقّ أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتّى يكون هذا كلُّه.السماء والأرض تزولان ولكنّ كلامي لا يزول.). والمعلوم تاريخيّا هو أنّ الجيل الأوّل المشار إليه على لسان المسيح قد مضى.وانقضت من بعده أجيال وقرون،ولم ينزل المسيح ويظهر ثانيةً. لكنّ الذي ظهر بعد المسيح بعدّة قرون هو محمّد رسول اللّه الصادق الأمين.فتفكّر .

نبوءة إنجيل يوحنّا : واستمع يا عزيزي القارئ إلى مؤلّف إنجيل يوحنّا وهو ينقل في الإصحاح 16/7-14 عن المسيح أنّه قال وهو يخاطب أتباعه : (لكنّي أقول لكم إنّه خيرٌ لكم أن أنطلق،لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي.ولكن إن ذهبت أُرسلهُ لكم. ومتى جاء ذاك ،يبكّتُ العالم على خطيّة،وعلى برٍّ وعلى دينونة.أمّا على خطيّة فلأنّهم لا يؤمنون بي.وأمّا على برٍّ،فلأنّي ذاهبٌ إلى أبي،ولا ترونني أيضا.وأمّا على دينونة فلأنّ رئيس هذا العالم قد دين.إنّ لي أموراً كثيرةً لأقول لكم،ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن.وأمّا متى جاء ذاك روح الحقّ،فهو يُرشدكم إلى جميع الحقّ.لأنّه لا يتكلّمُ من نفسه.بل كلُّ ما يسمع ،يتكلّم به.ويُخبركم بأمورٍ آتية.ذاك يمجّدني.).

وبإمكانك يا عزيزي القارئ الانتباه إلى النقاط التالية الواردة في نصّ نبوءة المسيح هذه وهي النبوءة الواردة في إنجيل يوحنّا الذي كان قد استهلّ إنجيله بما سبق أن تعرّضنا لذكره ونقدناه :
أوّلا – فالمسيح قال (لكنّي أقول لكم خيرٌ لكم أن أنطلِق).وإنّ كلمة (أنطلِق) من انطلَق ومعناه : ذهب (معجم محيط المحيط).فلو كان المسيح قد صعد إلى السماء بعد حادثة الصلّب،لكان ينبغي أن يقول في خطابه هذا (خيرٌ لكم أن أصعد إلى أبي). أمّا وقد قال بدلا عن ذلك (خيرٌ لكم أن أنطلِق) فقد قصد من قوله هذا بأنّه سيذهب بعد نجاته من حادثة تعليقه على الصليب ونجاته منها،سينطلق من فلسطين ليتقصّى آثار بقيّة أسباط بني إسرائيل الذين كانوا في الشتات.ووفقا لما كان قد أورده مؤلّف إنجيل يوحنّا نفسه على لسان المسيح في الإصحاح 10/16-17 (ولي خرافٌ أُخر ليست من هذه الحظيرة،ينبغي أن آتي بتلك أيضا،فتسمعُ صَوتي،وتكون رعيّةٌ واحدةٌ.لهذا يحبّني الآب لأنّي أضعُ نفسي لآخذها أيضا.).فالمسيح قال في إنجيل متّى من جهة (لم أُرسَل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة).وقال هنا في هذا النصّ من جهة أخرى (ولي خرافٌ أُخر ...) إشارة إلى أسباط اليهود الذين كانوا في بلاد الشتات.

ثانيا – وقد نبّه المسيح أذهان أتباعه إلى أنّه إذا بقي بينهم،ولم ينطلق،لا يأتيهم (المعزّي).والمعزّي معناه الإنسان الذي يبعث العزاء في نفوس الناس.فأتباع المسيح حين سمعوا منه بأنّ اليهود سيفلحون في تعليقه على الصليب،انتابهم هاجس ألم وعادوا بحاجة إلى من يعزّيهم على هذه المصيبة القادمة على المسيح الذي آمنوا به واتّبعوه. فعزّاهم المسيح بأسلوب هو في غاية اللّطف والتنبّؤ بالمستقبل،وقال (لأنّه إن لم أنطلِق، لا يأتيكم المعزّي).الذي سيبعث في أزمنة الذين سيمثّلونكم من أجيالكم القادمة، سيبعث اللّه رسولا يبعث العزاء في النفوس. وما هو سبب تعزيته لنفوسكم ونفوس أجيالكم القادمة ؟

ثالثا – فالمسيح أجاب على هذا التساؤل وأضاف وقال (ومتى جاء ذاك،يبكّتُ العالم : على خطيّة،وعلى برٍّ،وعلى دينونة).فقوله (يُبكّتُ العالم) معناه أنّه لا يبكّت اليهود فقط،بل معناه أنّ المعزّي سيكون رسولا مبعوثا إلى العالم أجمع.ويغلبُ جميع أتباع الديانات ،وبما فيهم اليهود، وذلك بالحجّة والبراهين القاطعة.ومن باب أنّ كلمة (بكّته) تعني قرّعه وعنّفه وغلبه بالحجّة حتّى أسكته.وقد فسّر المسيح نفسه ما قصده بالتّبكيت وقال : (يبكّت العالم 1- على خطيّة.) بمعنى أنّه يأتي بأحكام شريعة تحاسب الناس على خطاياهم.وأضاف وقال (يبكّت العالم 2- على برّ) أي يبرّ المسيح فيثبت وفاته وكونه نبيّا صادقا ومن المقرّبين من اللّه عز وجل الذي أرسله لهداية قومه اليهود،ويصحّحُ ما فسد من عقائد أتباع المسيح من بعده.وأضاف (يبكّت العالم 3 – على دينونة) إشارة إلى عدالة أحكام الشريعة التي سيبعث اللّه تعالى (المعزّي) بها، ولسحقها حبائل الشيطان التي ما زالت أيديها ممتدّةً منذ بعثة آدم عليه السلام.فيُدان كلّ إنسانٍ على ضوء مُعطيات شريعة (المعزّي) الذي هو محمّد رسول اللّه (ص) الذي بعثه اللّه تعالى من بعد المسيح بشريعة كاملة التّعاليم تصلح لكلّ زمان ومكان.وبعثه بدين الإسلام الحنيف الذي قوّم انحراف أهل الكتاب عن سبيل دين إبراهيم عليه السلام.
رابعا – والمسيح قال في خطابه المذكور (إنّ لي أمورا كثيرة لأقولَ لكم،ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن.وأمّا متى جاء ذاك روح الحقّ،فهو يُرشدُكم إلى جميع الحقّ).فبالرغم من أنّ المسيح لم يُشر إلى تلك الأمور الكثيرة التي كان يريد أن يقولها لأتباعه،فإنّه أعاد أذهانهم إلى البشارة التي تتعلّق ببعثة (المعزّي) والذي أثبتنا بأنّ بعثة محمّد رسول اللّه (ص) كانت هي المقصود من هذا (المعزّي).فنبّههم إلى أنّ المعزّي سيمثّل (روح الحقّ) في جميع ما سيأتي به من تعاليم سماويّة. ولذلك لاحظت يا عزيزي القارئ كيف أنّ المسيح أكمل وقال (فهو يُرشدكم إلى جميع الحقّ). علما بأنّ كلمة (الحق) مصدر،وتستعمل ضدّ الباطل،وتعني الأمر المقضيّ،والعدل والصدق(معجم محيط المحيط). وعليه فكأنّ المسيح قد قال بأنّ هذا المعزّي سيرشدكم إلى كلّ ما قضى اللّه عز وجلّ به من أحكام تمثّل العدل الكامل والصدق الذي لا يشوبه شائبة.ومن باب أنّ كلمة (الحقّ) قد وردت معرّفة لتفيد معنى الاستغراق.وبكلمة مختصرة فإنّ المبعوث المشار إليه يأتي بشريعة كاملة التّعاليم.ولم يبعث اللّه تعالى بعد المسيح بشريعة كاملة إلا محمّدا بن عبد اللّه (ص).
خامسا – وقد بيّن المسيح حال وحقيقة وحي الشريعة الكاملة التي يأتي بها محمّد رسول اللّه (ص) وقال معلّلا : (لأنّه لا يتكلّمُ من نفسِه.بل كلُّ ما يسمع،يتكلّم ُبه.).وإنّ معنى قوله هذا واضحٌ للعيان.وكأنّه قد عبّر به عن قول اللّه العظيم الوارد في القرآن الكريم وبحقّ محمّد رسول اللّه الصادق الأمين (وما ينطق عن الهوى.إن هو إلا وحي يوحى). إذ أنّ محمّدا (ص) كان لا يأتي بآيات كتاب اللّه العزيز (من نفسه)،بل كان (يتكلّم) بكلّ ما كان (يسمع) من الملاك جبريل الذي كان ينقل تلك الآيات إليه من ربّه عز وجل.
سادسا – وقد أنبأ المسيح بما يتعلّق بهذا الوحي الذي ينزل على (المعزّي) الذي أثبتنا بأنّه هو محمّد رسول اللّه وقال (ويُخبركُم بأمورٍ آتية).أي أنّ الوحي النازل على محمّد رسول اللّه يتضمّن نبوءات كثيرة تتعلّق بأحداث قادمة بعد بعثته (ص).علما بأنّ القرآن مليء بالأنباء الغيبيّة. ومن تلك الأنباء ما هو متعلّق بمصير المسيحيين واليهود في المستقبل.وهو ما سأبيّنه في حينه إن شاء اللّه العزيز.

سابعا – وأنهى المسيح خطابه المذكور بقوله (ذاك يمجّدني).إشارة إلى أنّ (المعزّي) والذي سيدين الخاطئين،ويبرّ المسيح نفسه،فيثبت بأنّه كان نبيا ومن المقرّبين إلى ربّه ويقدّم الأدلّة على وفاة هذا المسيح الذي بعثه اللّه تعالى لهداية قومه اليهود فقط،ويقوم هذا المعزّي بتصحيح عقائد أهل الكتاب المنحرفة عن تعاليم موسى وعيسى ويسحق أحابيل الشيطان.هذا المعزّي الذي أثبتّ بأنّه هو محمّد رسول اللّه تعالى الذي تحقّقت جميع هذه المهمّات،ومن أبرزها أنّه (مجّد المسيح).وهل هناك إنسانٌ ربّانيٌّ مُرسلٌ (مجّد المسيح) تمجيداً حقيقيّاً،ومبرّئا إيّاه من لعنة الموت الصليبي،ومنزّها إيّاه من دعوى الألوهيّة،ومطهّرا إيّاه ممّا ألصقه اليهود به من تُهمٍ وافتراءات ؟؟ فهذا الرسول العربيّ هو (المعزّي) الذي أشار إليه المسيح وقال (ذاك يمجّدني).فتدبّر وتفكّر.

فهذه كلّها (نبوءاتٌ إنجيليّة) أكتفي بالتّذكير بها في هذا المقام،قد تضمّنتها هذه الأناجيل الأربعة التي يسمّونها (العهد الجديد) والتي يثبت من خلالها بأنّ قول رجل الدين (عبد اللّه عبد الفادي) مؤلّف كتاب (هل القرآن معصوم ؟) والذي زعم في مقدّمته التي قدّمها له، وزعم بأنّ (كتابه الواحد) المؤلّف من (العهدين القديم والجديد) قد (ختمه) إلهه الواحد (بظهور المسيح كلمته المتجسّد).هذا الزّعم الذي نقضته وأثبتّ بُطلانه بالحجّة والبرهان من ضمن هذين (العهدين القديم والجديد) المحرّفين وعلى حسب ما أثبتّه في إجابتي على ما زعمه في مقدّمته.وبذلك أكون قد نقضت مزاعمه الثلاثة التي تضمّنتها مقدّمة كتابه.
ولذلك ألتفت الآن لنقض (زعمه الرابع)،والذي نسب فيه إلى (كتابه الواحد المحرّف) قائلا : (إنّ من يزيد على هذا الكتاب يزيد اللّه عليه الضربات المكتوبة عليه.).
ألا فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ المؤلّف المذكور زعم هذا (الزّعم الرابع) سالف الذكر من دون أن يقدّم دليلا على مصداقيّته.فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ قوله المذكور يُعدّ في نظر الباحثين حُجّةً عليه نفسه.فلو كان (العهد القديم والعهد الجديد) غير محرّفٍ وغير ملعوبٍ في مضامينهما من قبل الذين قاموا بتأليفهما,وغير محرّفين من قبل رجال الكنائس الذين أعطوا هذه المؤلّفات صفة (القداسة) من جانبهم،وليس من جانب اللّه الذي بعث موسى وعيسى بالتوراة والإنجيل.فلو صحّ ما فعلوه،لكان اللّه عز وجلّ قد قضى على محمّد بن عبد اللّه وترك الناس يقتلونه، وهو الذي ادّعى أنّه مبعوث من جانب اللّه تعالى مصداق هذه النبوءات التي تضمّنها العهدين (القديم والجديد) المذكورين.وإليك دليل مصداقيّة ما ادّعيته وأشرت إليه في هذا المقام :
أقول : تذكّر يا قارئي العزيز نبوءة (سفر التثنية) الذي نقلته لك في هذا الردّ.والوارد في الإصحاح 18/18-19 من السفر المذكور.ولا تحسب أنّ موسى عليه السلام اكتفى بذكر تلك النبوءة المذكورة هنا ولم يقدّم لكلّ إنسان باحث عن الحقيقة معيار صدق أيّ إنسان يدّعي أنّه مبعوث من اللّه تعالى مصداق هذه النبوءة التوراتيّة.بل إنّ موسى عليه السلام أتبع هذه النبوءة المشار إليها، ووضع في أيدي الباحثين عن الحقيقة (المعيار المطلوب) التّصريح به،وأضاف يقول بعد ذلك وفي الإصحاح نفسه وبعد ألفاظ تلك النبوءة،أي في الإصحاح 18/20 ما يلي :
"(ولكن أيّ نبيٍّ اعتدّ بنفسهِ فقال باسمي – أي باسم اللّه الذي تنبّأ بهذه النبوءة- قولا لم آمُرهُ أن يقوله،أو تكلّم باسم آلهة أخرى،فليُقتَل ذلك النبيّ.)"

ورد نصّ هذا المعيار في نُسخة (العهد القديم) المطبوعة في بيروت،والتي طبعتها (جمعيّات الكتاب المقدّس في المشرق).وعنوانها (ص.ب.747 –11 بيروت لبنان).فمعيار صدق أيّ مدّعٍ للنبوّة من بعد موسى عليه السلام،هو (فليُقتل ذلك النبيّ) .هذا وإنّ اليهود حين حاولوا قتل المسيح، وذلك حين سعوا لتعليقه على الصليب وإماتته عليه.فقد كان الدافع الذي دفعهم إلى القيام بتلك المحاولة هو مضمون هذا المعيار الذي أورده هذا النصّ الذي نقلناه لك يا عزيزي القارئ آنفا.وقد كان هذا المعيار نفسه كامنا وراء جميع محاولات اليهود التي حاولوها لقتل أنبياء اللّه الكرام (بغير حقّ).

وهنا تسارع يا عزيزي القارئ وتسألني : وما هو السببُ في أنّك قلت بأنّهم كانوا يقتلون الأنبياء (بغير حقّ).فاليهود كانوا ينفّذون وفق مُعتقدهم ما أمر به نبيُّهم موسى في هذا المعيار المشار إليه ؟ فأقول : هذا المعيار الوارد في هذا النصّ، ورد فيه فعل (فليُقتل) بصيغة فعل الأمر.فإن صحّ وجود هذه الصيغة في أصل تعليم موسى عليه السلام،فإنّ اعتراضك يكون في محلّه يقينا.لكنّ القرآن الكريم الذي أنزله اللّه تعالى مهيمنا على كتاب موسى المعاصر المتداول،قد نبّه أذهاننا إلى خطأ صيغة الأمر هذه.وأنّ الصيغة الأصليّة كانت صيغة فعل مضارع (يُقتلُ) هذا النبي.وهناك فرق واضح وبيّنٌ ما بين مُعطيات دلالة صيغة الأمر وما بين معطيات صيغة الفعل المضارع.الذي يُفهمُ منه بأنّ مدّعي النبوّة الكاذب لا يعصمه اللّه عز وجلّ من القتل.ولذلك ذهب القرآن الكريم إلى القول بأنّ اليهود كانوا يقتلون الأنبياء بغير حقّ.وأضيف وأقول : إنّ اليهود حرّفوا بعد أن ثبت بأنّ مدّعي النبوّة محمّد بن عبد اللّه (ص) قد عصمه اللّه تعالى الذي وعده وقال (واللّه يعصمُك من الناس).وقد انطبق المعيار التوراتي على كونه نبيّا صادقاً وليس نبيّا كاذباً، بالرّغم من تحريض اليهود مشركي مكّة على قتله.وبالرّغم من محاولاتهم دسّ السمّ في طعامه وإلقاء حجر من أعلى حائط أحد حصون اليهود فوق رأسه.فلمّا دمّر جيش المسلمين حصون يهود خيبر وطردوا الذين لم يؤمنوا بالإسلام منهم من شبه جزيرة العرب،وعاد اليهود بعد ذلك لا دليل لديهم لتقديمه للتّدليل على عدم صدق نبوّ محمّد رسول اللّه (ص).فقد عمدوا بعد طباعة (العهد القديم) ومواجهة اليهود لحقيقة هذا المعيار من جانب المسلمين، فقد عمدوا إلى تحريف كلمة (يُقتل) إلى كلمة (يموت).وذلك في المطبوع من العهد القديم بعد عام 1870 م .فانتبه المسلمون إلى حدوث هذا التّحريف المذكور،وراحوا يكشفون اللّثام عنه في منشوراتهم.إلى أن قامت (جمعيّات الكتاب المقدّس في المشرق) بتنقيح ترجمته العربيّة، وإجراء تحريف جديد في صيغة هذا المعيار التوراتي. ومن جملة ما قاموا بتحريفه.هو أنّهم استبدلوا (يموت هذا النبي) بصيغة (فليُقتل هذا النبيّ). وبإمكانك يا عزيزي القارئ محاولة الحصول على طبعتي (العهد القديم) المطبوعتين ما قبل وما بعد عام 1870 م إلى جانب الحصول على هذا الذي طبعته (جمعيّات الكتاب المقدّس في المشرق) لتتأكّد من مصداقيّة ما لفتُّ نظرك إليه والمتعلّق بهذا التّحريف المشار إليه.

واستنادا إلى هذا التّحريف الحادث في هذا (الكتاب الواحد) الذي يقدّسه (عبد اللّه عبد الفادي) مؤلّف كتاب (هل القرآن معصوم ؟) وإلى جانب عشرات الأمور التي بإمكاني تقديمها من ضمنه وهي محرّفة عبر تاريخهم الطويل.التحريفات التي أزالت عن هذا (الكتاب الواحد) ما أعطوه إيّاه من قداسة.واستنادا إلى جميع النبوءات التي تضمّنها العهدان (القديم والحديث) بشأن الإنباء عن ظهور نبيٍّ جديدٍ مشرّعٍ ومثيل لموسى عليه السلام.أكون قد أثبتُّ خطأ هذا الزّعم الرابع الأخير الذي زعمه كاتب كتاب (هل القرآن معصوم ؟) وذلك من خلال حدوث ظاهرتين معروفتين تاريخيّا ، ولدى جميع المؤرّخين وهما :
فالظاهرة الأولى التاريخيّة تجلّت في أنّ محمّدا العربيّ (ص) قد أعلن بأنّ اللّه تعالى وعده وقال (واللّه يعصمك من الناس). وقد عصمه ربّه عز وجلّ،وفشّل تعالى جميع المحاولات التي عمدت إلى قتله، فمات أخيرا ميتةً طبيعيّة. والظاهرة الثانية التاريخيّة تجلّت في تلك الضربات التي تلقّاها العالم المسيحيّ الذي كفر بنبوّة محمّد رسول اللّه (ص) وعلى أيدي أتباعه، والتي زادت عن الضربات المكتوبة عليهم في كتابهم الواحد المزعوم.

فأقول أخيرا: هذا ردّي على ما ورد في (مقدّمة) كتاب (هل القرآن معصوم ؟) .وأترك للقارئ العزيز طالب الحقيقة أن يتفحّصه بدقّة ، ليتبيّن له مدى (التّضليل) الذي اشتملت عليه مقدّمة الكتاب المذكور. ومدى (الكذب) الذي حاول المؤلّف أن يفتري به عن الحقيقة (الواقعة والملموسة).فتدبّر .


[ الردّ على ما ورد في (الجزء الأول)]
[جـواب السؤال الأول]
وبعد أن فرغت من الردّ على ما ورد في مقدّمة كتاب (هل القرآن معصوم ؟) من تضليلٍ وأوهام ما أنزل اللّه تعالى بها من سلطان.أتوجّهُ للردّ على مضامين الكتاب المشار إليه.علما بأنّ كاتبه قد قسّم كتابه إلى تسعة أجزاء.وفي كلّ جزء منها أسئلة تتعلّق بعنوانه.
وقد خصّص الكاتب المذكور (الجزء الأوّل) لأسئلةٍ جغرافيّة.وعنون أوّل سؤال بعنوان
(مغيب الشمس في بئر) سأل فيه : قد ورد في 18/83-86 من سورة الكهف (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً إنّا مكّنا له في الأرض وآتيناه من كلّ شيء سبباً فأتبع سبباً حتّى إذا بلغَ مغربَ الشمسِ وجدها تغربُ في عينٍ حمئةٍ ووجد عندها قوماً.).وهنا،وبدلا من أن يتدارس المؤلّف مضمون سورة الكهف،ويتدبّر آياتها وفق أمر اللّه عز وجلّ في هذا القرآن القائل (أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها). فإنّ (عبد اللّه عبد الفادي) راجع تفسير (البيضاوي) فنقل عنه آراءه وتفسيره التي لم يستند فيها صاحبه إلى منهجيّة وأصول تفسير،فتفسير البيضاوي الذي درج على منهج غيره من تفاسير المفسّرين القدماء، أولئك الذين أخضعوا دلالات الآيات القرآنيّة لروايات وأحاديث أقلّ شأنا من مستوى آيات اللّه المعجزة التي تحدّى اللّه تعالى بها (الجنّ والإنس) لغةً ومضمونا وخصائص تميّز بها عن غيره من المؤلّفات.وأساءوا بذلك إلى كتاب اللّه
العزيز.ونتيجة لما قرأه المؤلّف في تفسير البيضاوي،فقد راح يوجّه السؤال الأوّل ويقول:

(ونحن نسأل: إذا كانت الشمس أكبر من الأرض مليونا وثلاثين ألف مرّة،فكيف تغرُبُ في بئرٍ رآها ذو القرنين ورأى ماءها وطينها ورأى الناس الذين عندها ؟).
فأقول في الإجابة على هذا السؤال: يتّضح ممّا نقلناه عن هذا المؤلِّف بأنّ سؤاله هذا الأول الذي أراد به بلبلة أفكار المسلم حول كتابه القرآن الكريم ، قد استند مضمونه إلى ما ورد في تفسير البيضاوي. وإنّ سؤاله هذا لم ينبع عن تدبُّرٍ قام به المؤلّف من جانبه للآيات القرآنيّة التي أوردها أعلاه، ووفق خصوصيّات هذا الكتاب العزيز.لذلك أرى أنّ من واجبي أن أوضّح لهذا المؤلّف اجتهادي في تفسير الآيات المشار إليها،لإطلاعه على حقيقة دلالات هذه الآيات القرآنيّة التي أوردها في سؤاله المذكور،وهو التفسير الذي استندت فيه إلى منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره التي شرحتها في مؤلّفي (منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره) والمأخوذة مضامينه وأصوله من القرآن الكريم نفسه.علما بأنّ المفسّرين القدماء فسّروا القرآن بدون منهجيّة وأصول تفسير.لذلك أنصح القارئ العزيز والمؤلّف نفسه بمطالعة مؤلّفي المذكور.وهل يُعقل أن يتحدّى القرآن الكريم الجنّ والإنس وبدون أن يلتزم اللّه عز وجلّ في كتابه هذا الذي أنزله على محمّد النبيّ الأمّي العربيّ الذي اشتهر في قومه بالصادق الأمين(ص) بمنهجيّة وأصول ؟

فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ سورة الكهف قد فهمها المفسّرون القدماء رحمهم اللّه تعالى على أنّها سورة الأعاجيب.وذلك لابتعادهم عن تدبُّرها بمنهجيّة وأصول.حال أنّ هذه السورة قد صيغت بصياغة بلاغيّة معجزة يتبادر من كثير من مضامين آياتها خلاف مضامينها الحقيقيّة.وقد استهلّها اللّه عز وجلّ بتنبيه أذهان الناس إلى أنّ رسالة الإسلام التي حملها محمّد رسول اللّه إلى الناس كافّة لا تختصّ فعّاليتها بالزمن والأقوام التي تواجدت فيه زمن إنزال هذا الدّين الإسلاميّ الحنيف.بل تختصّ بأهل الكتاب ،وخاصّة منهم المسيحييّن الذين رفض كثيرٌ منهم الإيمان بهذا الرسول العربيّ لأسباب لا مجال لتعدادها في هذا المقام. وقد قرّر اللّه عز وجلّ بدافع حلمه على هؤلاء أن يفسح لهم مجال (نهضة ثانية) بعد زوال إمبراطوريّتهم الرومانيّة على أيدي المسلمين.وذلك ليبتليهم فيما آتاهم لعلّهم يتبيّن لهم طريق الهدى.أمّا إذا لم يستفيدوا من هذه الفرصة المتاحة لهم،فإنّ اللّه عز وجلّ يكون قد ألقى عليهم حُجّته،ولا يكون قد ظلمهم بعد ذلك حين يجعل صعيد بلادهم وما عليها (صعيدا جرزا).علما بأنّ الآيات الثمانية التي استهلّ اللّه عز وجلّ بها (سورة الكهف) قد تضمّنت هذه الحقيقة التي وضّحتها للقارئ العزيز آنفا.وقد وردت مضامين هذه الآيات الكريمة بمثابة تمهيد لموضوع السورة نفسه.وعلى نسق ما يفعله الكاتب فهو يمهّد لمضمونه في البداية، وقبل دخوله في صلب الموضوع.-راجع يا عزيزي القارئ مؤلّفي (في ظلال تفسير سورة الكهف) يعود بإمكانك الاطّلاع بصورة تفصيليّة على ما ذكرت.ومن ثمّ وبعد هذا التّمهيد الذي أشرنا إليه، فقد اختصر اللّه عز وجلّ تاريخ المسيحيّة الذي امتدّ منذ بعثة المسيح عليه السلام وإلى زمن اعتناق قسطنطين قيصر الإمبراطوريّة الرومانيّة عقيدة المسيحييّن الذين كانوا مُضطهدين في الإمبراطوريّة الرومانيّة من قِبلِ القياصرة الذين حكموا قبل القيصر قسطنطين. وهو الذي فرض عقيدته على البلاد التي كان يحكمها بعد اعتناقه عقائد المسيحييّن.وقد نبّه القرآن الكريم أذهاننا إلى أنّ تاريخ المسيحيّة الأوّل المذكور قد امتدّ إلى ما يزيد بتسعة أعوام على ثلاثمائة عام.وضّح القرآن المجيد هذه الحقيقة التاريخيّة في الآية 25 حيث قال (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادواتسعا.).وقد اختلفت تقاويم المسيحيّة حول هذا الرقم بخمسة أعوام.لكني أستطيع إثبات صحّة هذا الرقم القرآنيّ في الوقت المناسب.

واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ المسيحييّن في تلك الفترة من الزمان المشار إليها آنفا، كانوا يختبئون في الكهوف القريبة من مدينة روما،خشية ملاحقة جنود الرومان إيّاهم لقتلهم. وكانوا يربّون الكلاب لتنبح على أبواب الكهف إذا ما داهمها أحد من الذين كانوا يضطهدونهم.وما تزال تلك الكهوف شاهدة على مصداقيّة ما أطلعنا اللّه تعالى عليه وبصياغة بلاغيّة معجزة.وإنّ كلّ من يزور روما بإمكانه زيارة تلك الكهوف التي عادت بمثابة آثار متاحف تشهد على مصداقيّة ما ذكرت.والأعجب هو أنّ المسيحييّن قد حافظوا على عادة تربية الكلاب في دورهم،بعد خلاصهم من الاضطهاد المشار إليه. وأصبح من عادة المسيحييّن تربية الكلاب في دورهم إلى يومنا هذا.وتقلّدهم بقيّة شعوب الأرض في عادة تربية الكلاب وذلك من دون الرجوع إلى هذه الحقائق التاريخيّة التي كشفت عنها آيات سورة الكهف.وقد نبّهتنا آيات سورة الكهف إلى أنّ المسيحييّن كانوا في تاريخهم القديم المذكور (موحّدين) وعلى نسق ما كان عليه موسى عليه السلام موحّدا أيّام بعثته،ويعبد إلها واحدا هو إله آبائه وأجداده. وعلى حسب ما يشهد على مصداقيّة ذلك الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم.والذي حدث خلال فترة القرون الثلاثة المشار إليها هو أنّه قد ظهر في تلك الحُقبة من الزمان كُتّابٌ راحوا يؤلّفون قصّة ما جاء به المسيح الناصريّ من أقوال،وما كان يحدث له أثناء تجواله وهو يبشّر بالتعاليم التي بعثه بها ربّه عز وجلّ.وقد كان كلّ مؤلّف من أولئك يجمعون ما يدوّنونه في مؤلّفات اصطلحت الكنائس على تسميها (أناجيل).وقد أثبتّ في ردّي على مقدّمة المؤلّف بأنّ الكنائس كانوا قد اختاروا (أربعة أناجيل فقط) من بين تلك الأناجيل،وقاموا بإتلاف الأناجيل الأخرى.وإلى جانب ذلك فإنّ (بولس الرسول) كان يوجّه رسائل إلى أتباعه حرّف فيها ما جاء به المسيح الناصري من تعاليم.وسأوضّح حقيقة تلك التحريفات في الوقت المناسب.

هذا وإنّ هذه الأناجيل الأربعة المعتمدة،إلى جانب ما اشتملت عليه رسائل بولس الرسول من تشويه لتعاليم المسيح الناصري هي التي شوّهت وجه (عقيدة التوحيد) التي كان عليها الفتية المسيحيّون الأوائل ، والذين استعمل القرآن المجيد لهم كلمة (فتية آمنوا بربّهم) وذلك في الآية 13 من سورة الكهف.ولابدّ لهذا القارئ العزيز أن يتذكّر كيف أنّي أثبتّ في ردّي على مقدّمة المؤلّف (عبد اللّه عبد الفادي) تناقض هذه الأناجيل الأربعة المشار إليها.وكيف أنّي وضّحت هناك ما فيها من انحرافات حدثت وتخالف عقيدة التوحيد التي كان موسى والمسيح الناصري يعتقدها.خصوصا وأنّ المسيح هو القائل (ما جئت لأنقض الناموس،بل لأكمل).فالناموس الذي قصده المسيح هو كتاب موسى وهو الكتاب الذي دعا موسى فيه إلى توحيد اللّه عز وجلّ وعلى حسب ما هو ثابت فيه.

فإن طالبتني يا عزيزي بالدليل الذي يُثبت مصداقيّة ما ذهبتُ إليه حتّى الآن.والذي خالف ما أورده المفسّرون القدماء في تفاسيرهم لتلك الآيات من سورة الكهف.فما عليك إلا أن تستمع إلى هذا الدّليل المطلوب بإصغاء وتمحيص :
فدليلي على مصداقيّة ما ذكرته،هو أنّ المفسّرين القدماء رحمهم اللّه لم يُصغوا إلى ما نبّههم إليه ربّهم في الآية التاسعة من سورة الكهف التي قال تعالى فيها (أم حسبتَ أنَّ أصحاب الكهف والرّقيم كانوا من آياتنا عجبا.).والسببُ في ورود هذا التّنبيه هنا في بداية قصّة تاريخ المسيحيّة القديم،هو أنّ من خصائص القرآن الكريم أنّ ما يتبادر إلى ذهن المرء من الآية لا يكون هو المعنى المقصود منها.وذلك على حسب ما بيّنت ذلك في مؤلّفي (منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره).خصوصا وأنّ آيات سورة الكهف قد صيغت صياغة بلاغيّة معجزةً يتبادر من أكثر آياتها معاني تكون خلاف مُعطياتها.
والسؤال هو هنا : إلى ماذا نبّه اللّه عز وجلّ الأذهان في هذا المقام ؟ فأقول: نبّه أذهانهم إلى أنّ قصّة المسيحيين التي سيقصّها عليهم هي مقتبسةٌ من صلب تاريخ المسيحييّن أنفسهم،ولا ينبغي أن يتبادر من قصّة (أهل الكهف والرقيم) هذه بأنّها إحدى عجائب الزمن ،وحسبما يتبادر من آيات هذه القصّة لأذهانهم مباشرة.بل إنّ من واجب هؤلاء المفسّرين أن ينظروا إلى هذه القصّة على أنّها لا يُحاط بمضمونها إلاّ بالرجوع إلى تاريخ المسيحيّة نفسه.لكون مضمون هذه القصّة هو مضمون تاريخيٌّ،ولا يجوز تفسير ما هو تاريخيّ إلاّ بالرجوع إلى تاريخ الشيء نفسه.

ولذلك فقد استهلّ اللّه عز وجلّ هذه الآية التاسعة بقوله تعالى (أم حسِبتَ).أي أنّ اللّه عز وجلّ قد أورد حرف (أم) هنا مُنقطعة وغير متّصلة من جهة، وواقعة ما بين جُملتين
مستقلّتين : فالجملة الأولى التي قبلها هي (وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا) والجملة الثانية هي الجملة الواردة بعد حرف (أم) في هذه الآية نفسها.وهذا على شاكلة قول اللّه عز وجلّ في مقام آخر (هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور.). هذا وإنّ هذا النوع من حرف (أم) يفيد هنا معنى الإضراب والانتقال من الأمر السابق إلى أمرٍ جديد. ويطالب هذا الحرف (أم) القارئ تصديق مضمون هذا الأمر الجديد ولا يحتاج هذا الحرف (أم) إلا الإجابة بنعم أو لا فقط (جميع معاجم اللّغة).

فإن نحن أخذنا يا عزيزي القارئ بهذه الدلالة التي دلّنا عليها حرف (أم) في هذا المقام، يصبح معنى هذه الآية التاسعة أنّ اللّه عز وجلّ على حين كان قد أنذر (الذين اتّخذوا للّه ولداً) قبل هذه الآية بأنّه سيجعلُ الأرض التي يكونون عليها في المستقبل (صعيدا جرزا) أي مُجتاحةً ومدمّرة إن هم أصرّوا على عقيدة التثليث المشار إليها.فهو تعالى قد انتقل إلى أمر جديد يتعلّق بالتاريخ القديم الأوّل لهؤلاء الذين اتّخذوا للّه ولدا،والذي عبّر اللّه تعالى عن التاريخ المذكور بأنّ أهله استحقّوا أن نسميهم (أصحاب الكهف والرّقيم).بسبب أنّهم كانوا قد لجئوا إلى الكهف الذي ستخبرنا الآيات عن اتجاهه وموقعه،وأنّ من علامته أنّ أولئك الذين عاشوا فيه كانوا يرقمون تاريخ ما يجري لهم عبر السنين على جُدران الكهف المشار إليه.

والذي سبق أن ذكرت بأنّ الكهف المشار إليه يقع قريبا من (روما) عاصمة تلك الإمبراطوريّة.وهو محافظٌ عليه حتّى يومنا هذا.وقد جعلوه بمثابة متحف يزورون الزوّار ليذكّرهم بتاريخهم القديم.فهذا هو دليلي الذي يثبت منه أنّ المفسّرين القدماء رحمهم اللّه تعالى لم ينتبهوا إلى مضمون ما حذّرهم ربُّهم منه في الآية التاسعة،ولم يتدبّروا ما استهلّ اللّه تعالى به هذه الآية الكريمة.وكان من نتيجة عدم انتباههم إلى هذا التحذير المشار إليه أنّهم اعتبروا (أصحاب الكهف والرّقيم) كانوا إحدى عجائب اللّه الخارقة. فزلّت أقدامهم من أوّل خطوة خطَوها على طريق تفسير الآيات المتعلّقة بمن سماهم ربّنا عز وجلّ اصطلاحيّا (أصحاب الكهف والرّقيم).

واستنادا إلى هذا الفهم والمنطلَق الذي باعد ما بين فهمي للآيات من سورة الكهف على أنّها تكشف عن حقيقة تاريخيّة وبصياغة بلاغيّة معجزة ، وما بين فهم المفسّرين القدماء إيّاها على أنّها تقصّ علينا إحدى العجائب.فقد عاد من واجب المسلم وغير المسلم أن يتدبّر معي هذا النصّ القرآنيّ الذي اعترض عليه مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) والوارد في سؤاله الأوّل والمتعلّق بمغيب الشمس في (عينٍ حمئة).
فأقول : إنّ هذا المؤلّف الذي ظنّ نفسه أنّه درس القرآن الكريم من خلال مطالعته لتفسير البيضاوي.قد زلّت قدمه من أوّل خطوة خطاها.ومن باب أنّ التفاسير القديمة لا يُعتمدُ عليها في موضوع تفسير آيات سورة الكهف.وذلك بسبب ما قدّمته من دليلٍ أثبت زيغان فكر المفسّرين القدماء عن التنبيه الذي حملته إليهم الآية التاسعة من سورة الكهف. فالمقصود من مصطلح (أصحاب الكهف والرّقيم) هو الإشارة إلى تاريخ المسيحيّة الأوّل الابتدائي الذي سبق اعتناق الإمبراطور قسطنطين عقيدة المسيحيّة والذي امتدّ قرابة ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا.هذا وإنّ الآيات التي وردت ما بين الآيات (83-86) والآية التاسعة لم تخرُج عن سياق الكلام عن تاريخ المسيحيّة بعد الدور الابتدائي المشار إليه.

وأنا لست هنا بصدد كتابة تفسير تلك الآيات المشار إليها.وبإمكان القارئ العزيز مراجعتها في مؤلّفي المشار إليه، ولا حاجة بي هنا للتعرّض لبيانها.ولذلك ألتفت لأتناول بالتدبُّر الآيات (83-86) تلك التي أوردها هذا المعترض الذي اعترض على قوله تعالى فيها من أنّ الشمس (تغرب في عين حَمئة).
فأقول : إنّ هذه الآيات (83-86) تتعلّق مضامينها بهذه الفترة الزمنيّة المعاصرة التي نعيشها.بهذا الزمن الذي تخلّف فيه المسلمون عن بقيّة أمم الأرض،واحتاجوا بالتالي إلى بعثة مجدّدٍ من جانب اللّه عز وجلّ ليعيد للمسلمين الوجه الحقيقي لتعاليم الإسلام.ذاك الوجه المنير المضيء الذي غاب عن أعين هؤلاء المسلمين المعاصرين والذي شوّهته هذه التفاسير القديمة الموروثة.هذا وإنّ المقصود من ذكر (ذو القرنين) في هذه الآيات،هو الإنباء فيها عن المجدّد الإسلاميّ الذي يكلّفه ربّه بمهمّة تجديد مفاهيم الإسلام المشوّهة زمن انحطاط هذه الأمّة وإعطاءها وجهها الحقيقي المضيء. ولم يكن المقصود هنا من (ذو القرنين) الإشارة إلى (الاسكندر الأكبر) الذي ظهر في الزمن الماضي والذي أشار إليه (تفسير البيضاوي) وخلافا لمعطيات هذه الآيات من سورة الكهف.

وقد تطالبني يا عزيزي القارئ بالدليل على صحّة ما ذكرته لك آنفا.فأقول : إنّ دليلي على مصداقيّة ما ذكرته،هو أنّ اللّه عز وجلّ نفسه قد استهلّ هذه الآية بقوله تعالى فيها: (ويسألونك عن ذي القرنين).ففعل (يسألونك) قد تعدّى إلى مفعوله الثاني بحرف الجر (عن) وعليه فمعناه : يستخبرون منك عن هذا المجدّد الذي سيقوم بمهمّة إحياء الإسلام والذي سيرسله اللّه عز وجلّ على رأس القرنين (الهجري والميلاديّ) ؟ فهم يتوسّلون إليك أن تُخبرهم عن شخصيّة هذا المجدّد الذي سيعود يتجدّد بناء الجدار الإسلاميّ المتصدّع الذي أشار إليه الكشف الموسويّ على يديه.أمّا سبب تسمية المجدّد الإسلامي المشار إليه باسم (ذي القرنين) فبسبب أنّ اللّه عز وجلّ يبعث المجدّد المشار إليه على رأس القرنين (الهجريّ والميلاديّ) من حيث علامة تاريخ بعثته.وبما أنّ تحقّق هذه البعثة المشار إليها لا يتعلّق بزمن نزول القرآن المجيد،بل يتعلّق بمستقبل الأمّة الإسلاميّة حين تخلّفها وانحطاطها فقد صيغت هذه الآية 83 بصيغة تفيد المستقبل،وبذلك فلم يعُد لها علاقة بالإسكندر الأكبر الذي ذكره تفسير البيضاوي.والدليل الذي يثبت بأنّ هذه الآية تتنبّأ عن المستقبل، هو أنّ اللّه تعالى قال في الفقرة الثانية من هذه الآية (قل سأتلو عليكم منه ذكرا.).ففعل الأمر (قُل) ورد هنا بمعنى أن بلّغ أيّها المتدبّر لهذه الآيات الكريمة هؤلاء الذين يستفسرون منك عن (ذي القرنين) وقد أدخل اللّه جلّ شأنه حرف (السين) على فعل (سأتلو) وهو الحرف الذي يفيد معنى التوسيع،وينقل فعل المضارع من زمنه الضيّق الحال،إلى الزمن الواسع وهو المستقبل.وبذلك فقد كانت الحكمة من إيراد حرف (السين) هنا لتنبيه أذهاننا إلى أنّ بعثة (ذي القرنين) ستحدث في المستقبل،ولا علاقة لها بالزمن الماضي،وستحدث في الزمن الذي يتخلّف فيه المسلمون وتغيب فيه أنوار تعاليم الإسلام الحقيقيّة.
ولاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى لم يقُل في الآية (85) (فاتّبعَ) بما يتعلق بذي القرنين،بل قال (فأتْبَعَ سبباً) ومن مصدر الإتّباع.وبمعنى أنّ (ذي القرنين) سينشط في الزمن الذي يبعثُ فيه لإصلاح شأن الإسلام،في جميع الاتّجاهات،ولتبشير مختلف أمم الأرض بتعاليم الإسلام الحقيقيّة.وقد راح اللّه عز وجلّ يُنبئ عن توجّه هذا المجدّد نحو الأمم الغربيّة التي يواجهها (ذي القرنين) في زمانه وهو المعنى المقصود من قوله تعالى في الآية (86) : (حتّى إذا بلغَ مغرِب الشمس).وبذلك يكون اللّه تعالى هنا قد أورد نفس الاصطلاح الشائع في زماننا بما يتعلّق بالشعوب الأوروبّية،فهم يُطلقون عليها مصطلح (الأقوام الغربيّة) وذلك في مقابل ما يُطلقونه على أقوام (مشرق الشمس) مصطلح (الأقوام الشرقيّة).وعليه فالمقصود من قوله تعالى (حتّى إذا بلغ مغربّ الشمس)،أنّه
تعالى قد استعمل حرف (حتّى) هنا بمعنى انتهاء الغاية وبمعنى (إلى) وليصبح المعنى أنّ المجدّد المُنبأ عنه يتوجّه لتبشير الأمم الغربيّة.وكان من الطبيعي جدّاً أن يصف اللّه عز وجلّ حال تلك (الأمم الغربيّة) زمن بعثة المجدّد المشار إليه.ولذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى راح يصف حال الأمم الغربيّة ويقول (وجدها تغرُبُ في عينٍ حَمئة). وهنا ينبغي عليك يا عزيزي القارئ أن تفهم من كلمة (الشمس) في هذا المقام،على أنّه قد قُصِدَ بها الإشارة ليس إلى الشمس المعروفة التي تُشرقُ صبحا وتغيب مساء، ولكنّه جلّ شأنه قد أوردها هنا عبارة عن كناية،وكنّى بها عن (شمس الإسلام) التي كان محمّد رسول اللّه (ص) يمثّلها من خلال أسوته الحسنة بصورة عمليّة.فهو الرّسول الكريم الذي أورد اللّه تعالى يقول بحقّه في الآية 46 من سورة الأحزاب (وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا) وهذا من باب أنّ هذه الآية وردت مُصاغة صياغة بلاغيّة معجزةً وتحمل ما لفتنا نظرك إليه من أنباء مستقبل هذه الأمّة.
وهنا تسارع يا عزيزي القارئ لتسألني عن معنى (وجدها تغربُ في عينٍ حمِئة) وذلك بسبب أنّ مؤلّف كتاب (هل القرآن معصوم ؟) قد ركّز في سؤاله الأوّل على هذه الفقرة بالذات ؟ فأقول: من الواجب أن نفهم بادي الرأي معنى قوله تعالى (عين حمئة).فإن نحن راجعنا معجم (محيط المحيط) نلاحظ قوله بأنّ كلمة (عين) هي مفرد جمع (عَيَن) ومعناه أهل البلد.وأمّا كلمة (حمِئة) فمعناها ذات حمأة أي ذات طين تغيّر لونه واسودّ من طول مجاورته للماء.وهناك قراءة (عين حامية) بمعنى حارّة.واستنادا إلى هذه الدلالات،فإنّ قوله تعالى (وجدها تغربُ في عين حمئة) يعني بأنّ شمس الإسلام تواجه حين توجّه المجدّد نحو بلاد الغرب،فإنّه يُدرك بأنّ أهل تلك البلاد الغربيّة قد أنتنت أخلاقُهم وأفكارهم من كثرة مجاورتهم (للماء) الذي كنّى اللّه تعالى به عن المال الذي هو مصدر الحياة،وهو المال الذي جمعه أهل البلاد الغربيّة من البلاد الشرقيّة التي كانوا قد استعمروها ونهبوا ما فيها من خيرات.وكان من جرّاء ذلك أن تدفّقت تلك الأموال عليهم وعادوا يعيشون في بحبوحة مستمرّةٍ أنستهم الأخلاق الفاضلة التي علّمهم إيّاها نبيُّهم المسيح الناصري. كذلك فإنّ تقدّمهم العلميّ والتقنيّ أنساهم إعادة النظر فيما توارثوه من عقائد فاسدة تضمّنتها كتبهم التي يقدّسونها.واستنادا إلى هذا الفهم الذي بيّناه ، فلا يعود ينبغي لك يا عزيزي القارئ أن تأخذ هنا من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة (غروب الشمس) على أنّ المقصود به (غروب الشمس) التي تضيء في السماء.وذلك لسببَين رئيسيّين: أمّا السبب الأوّل فبداعي هذا المعنى الذي بيّناه شرحا لقوله تعالى (وجدها تغربُ في عينٍ حمِئة).والسبب الثاني هو أنّ اللّه تعالى قد نبّهنا في الآية 33 من سورة الأنبياء وقال (وهو الذي خلق اللّيل والنهار والشمس والقمر كلٌّ في فَلَكٍ يسبحون.).أي أنّ اللّه عز وجلّ قد أبدع ما نلاحظه من توالي هذا اللّيل والنّهار بسبب وجود كوكبي الشمس والقمر اللذان يدوران والأرض التي نعيش على أديمها في هذا الفضاء الّلانهائي،وأنّ هذه الكواكب الثلاثة كراتٌ وإنّ كلّ كرة من هذه الكرات تسبح في هذا الفضاء وفق مدارات يتولّد عنها اللّيل والنهار حتى ويتولّد عنها الفصول الأربعة.هذا وإنّ مضمون هذه الآية 33 من سورة الأنبياء،يُعدُّ في حدّ ذاته،في نظر متدبّر آيات كتاب اللّه العزيز عبارةً عن قرينة تحول دوننا ودون الأخذ من قوله تعالى (تغرب في عين حمئة) معنى الشمس المعروفة.أمّا إذا لم نراعي هذه القرينة في هذا المقام ،فإننا نكون حينئذ قد ضربنا آيات القرآن الكريم بعضها ببعضها الآخر.وفي وقت نبّهنا اللّه عز وجلّ فيه إلى عدم وجود أيّ تناقض بين آيات هذا الكتاب العزيز.

وعليه فلم يكن المقصود من (غروب الشمس) في هذه الآية من سورة الكهف التي أوردها المعترض (عبد اللّه عبد الفادي) أقول لم يكن المراد هنا في هذه الآية من كلمة (الشمس) الإشارة إلى الشمس الحقيقيّة،بل إنّ المقصود بها في هذه الآية الكريمة هو الإشارة إلى شمس الإسلام الحقيقي الذي يمثّله المجدّد (ذي القرنين) الذي يبعثه ربّه لتجديد حال تخلّف الأمّة الإسلاميّة والتي عادت مفاهيمها تغاير مفاهيم الإسلام الحقيقيّة النابعة من هذا القرآن العظيم وهو الكتاب المحفوظ على مدى الدّهر والصالح لكلّ زمان ومكان.

ثمّ إنّك إذا حاولت يا عزيزي القارئ أن تُكمل تلاوة هذه الآية التي اقتطع منها المُعترض المذكور فقرة (تغرب في عين حمئة)،تلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ أكملها وقال (ووجد عندها قوماً قُلنا يا ذا القرنين إمّا أن تُعذّب ، وإمّا أن تتّخذ فيهم حُسنا).أي أنّ اللّه عز وجلّ قد أورد حرف العطف (الواو) هنا بمعنى الحال لدخول الواو على فعل الماضي (وجدَ) وهو من أفعال القلوب وينصب مفعولين ومعناه (علِمَ).والمعنى هو أنّ استطلاع هذا المجدّد لأحوال الأقوام الغربيّة قد وضّح له بأنّه مع وصولهم إلى حالة التفسّخ الأخلاقي والعقائدي الذي هم عليه.فإنّهم ينقسمون إلى فئتين: فئة حقّ عليها العذاب، ووفق الإنذار الذي أنذر
اللّه تعالى به الذين اتّخذوا للّه ولدا.وفئة تصلح للهداية وليتّخذ المجدّد فيها (حُسنا). وذلك إشارة إلى هذا الموج من الشباب الغربيّ الذي يُقبل على اعتناق الإسلام دينا.هذا وإنّ من شاء التوسّع في فهم تفسير (سورة الكهف) هذه.فما عليه إلا مراجعة مؤلّفي (في ظلال تفسير سورة الكهف). هذا التّفسير الذي انطلقت فيه من منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.
وانطلاقا ممّا بيّنته في الردّ على السؤال الأوّل من كتاب (هل القرآن معصوم ؟) فلم يعد لهذا السؤال المشار إليه من قيمة تُذكر. ويكفي القول بأنّ السائل حين استند إلى تفسير البيضاوي، لا يكون قد قدّم للقارئ هذا النصّ القرآنيّ بدلالته البلاغيّة المعجزة.ولكنّه قدّم هذا النصّ بمعنى لا يتّفق مع دلالاته الحقيقيّة النابعة من التسلسل الموضوعي لآيات سورة الكهف التي خصّصها اللّه تعالى الذي أنزلها ، قد خصّصها للكلام عن مختلف أدوار المسيحيّة وانتهاء بتحقّق ما ورد فيها من نبوءات وإنذارات أنذرت الذين اتّخذوا للّه ولدا إن هم أصرّوا على عقيدتهم الباطلة،أنذرتهم بمواجهتهم عذاب اللّه تعالى الذي سيتجلّى أخيرا في تدمير بلادهم في نهاية المطاف.وأنّه سبحانه قد كتب في الوقت نفسه (النجاة) من التدمير المشار إليه لكلّ مسيحيٍّ يرجع عن عقيدته الفاسدة ويتّخذ الإسلام دينا له.

فهذه هي إجابتي على السؤال الأول من كتاب (هل القرآن معصوم ؟).وإنّ من يستغرب ما ذهبت إليه ، فما عليه إلاّ أن ينتظر ويراقب مجريات ما يحصل في هذه السنين الأخيرة. ليلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ يكتب في نفوس مختلف شعوب العالم المعاصر كراهيّة أمريكا وإسرائيل.وذلك تمهيدا لتدميرهم والقضاء عليهم،وذلك بعد إلقاء الحجّة عليهم بصورة قطعيّة في نهاية المطاف.فهذا هو ما تنبّأت به الآيات من سورة الكهف.ويكفي القارئ ممّن يطالع التفاسير القديمة أن يلاحظ بأنّ المفسّرين القدماء أوردوا في مقدّمات تفسيرهم لسورة الكهف حديثا مُثبتا عن محمّدٍ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد قال فيه: (من أراد أن يُعصم من (فتنة المسيح الدجال) فليقرأ الآيات العشر الأوائل أو الأواخر من سورة الكهف. وهل استحقّ لقب (المسيح الدجّال) إلا هؤلاء الغربيّون الذين أدخلوا
(70) ألف يهودي إلى فلسطين العربيّة وبصورة غير شرعيّة ويدعمون اليهود في كلّ ما يرتكبونه من مجازر وجرائم تقشعرّ منها الأبدانّ ؟ فتدبّر.
وعلى هذه الصورة أكون قد أجبت على السؤال الأوّل من كتاب (هل القرآن معصوم ؟) وأثبتّ من خلال إجابتي بأنّ هذا القرآن معصوم يقيناً وذلك بسلاح الحجّة والبرهان.وبهذه المناسبة فإنّي أردّ على هذا المؤلّف (عبد اللّه عبد الفادي) وأسأله بدوري،أين عصمة العهدين (القديم والجديد) بعد أن أثبتُّ وجود التحريف والتناقض بين مُعطياتهما ؟ بل وأين بإمكاننا تلمُّس هذه القداسة التي لهما لديه ؟؟؟

[جــواب السـؤال الثاني]
وكان عنوان السؤال الثاني (الأرض ثابتة لا تتحرّك) وأورد (عبد اللّه عبد الفادي) يقول تحت هذا السؤال : "(ورد في سورة لقمان –خلق السماوات بغير عمَدٍ ترَونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم.-وورد في سورة الحجر – والأرضَ مدَدناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كلّ شيء موزون._ وورد في سورة النحل – وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبُلا لعلّكم تهتدون.-وورد في سورة الأنبياء – وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبُلا لعلّهم يهتدون.-)
وبعد أن استعرض تفسير البيضاوي لهذه الآيات سالفة الذكر.فقد راح يسأل ويقول:
(إذا كان واضحا أنّ الأرض تدور حول نفسها مرّة كلّ أربع وعشرين ساعة،وينشأ عن تلك الحركة اللّيل والنهار.وتدور حول الشمس مرّةً كلّ سنة،وينشأ عن ذلك الدوران الفصول الأربعة.فكيف تكون الأرض ممدودةً مبسوطةً ثابتةً لا تتحرّك,وأنّ الجبال تمنعها عن أن تميد ؟ ) .

وفي الإجابة على هذا السؤال الثاني أقول : يبدو من سؤال هذا المؤلّف أنّه غير ضليع باللّغة العربية.وعليه فأنّى لرجلٍ مثله أن يحيط علما بدلالات آيات هذا القرآن الكريم المنزل بلسان عربيٍّ مبين ؟ وسبق أن قلت بأنّ تفسير البيضاوي وغيره من التفاسير القديمة قد كتبها مؤلّفوها رحمهم اللّه تعالى في أزمنة لم تكن العلوم الحديثة قد ظهرت بعد،وقد كتبوا تفاسيرهم تلك بدون التزامهم بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.لذلك فلا تصلح تلك التفاسير القديمة لتصبح مرجعا لدراسة هذا القرآن العظيم المعجز الذي تحدّى اللّه عز وجلّ به الجنّ والإنس.

أقول: ألا فاعلم يا مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) بأنّ كلمة (الأرض) وما يلحق بها من مسائل قد أسّست أنت عليها اعتراضك الذي اشتمل عليه سؤالك الثاني،فاعلم بأنّ هذه الكلمة (الأرض) لا تعني ما دار في ذهنك من معنى ودلالة.فكلمة (الأرض) لا تعني لغةً هذا الكوكب الأرضيّ السيّار الذي نعيش فوقه.بل إنّ كلمة (الأرض) تُطلقُ في اللّغة العربيّة على كلّ ما يقابل كلمة (سماء) بمعنى أنّها تُطلق على سطح الأرض .وهذا من باب أنّ هذه الأحرف الثلاثة المؤلّف منها كلمة (أرض) ليست أصلا واحدا،ولكنّها مؤلّفة من ثلاثة أصول.فالأصل الأوّل من هذه الأصول الثلاثة،هو الأصل الذي يتفرّع عنه فروع وتكثر مسائله.هذا وبالإضافة إلى استعمالك كلمة (أرض) في مقابل كلمة (سماء) ، فيجوز لك أن تُطلق على الفرس كلمة (سماء) ،وأن تُطلقَ على قوائم الفرس كلمة (أرض). ويتفرّع عن هذا الأصل الأوّل قولهم : (أرضٌ أريضة) بمعنى أنّها أرض طيّبة وليّنة.وتتفرّع عنه كلمة (إراض) وتعني البساط الضخم المصنوع من وبرٍ أو صوف.هذا وإنّ لكلمة (أرض) أصلان آخران ثابتان ولا ينقاسان.بل وإنّ كلّ أصلٍ منهما موضوع من حيث وضعته العرب.فالعرب تقول: رجلٌ مأروض أي مزكوم.والأرض فيه تعني الزّكمة.فالعرب تقول: بفلان أرض أي تغشاه رعدة_راجع معجمي مقاييس اللّغة ومحيط المحيط-

واستنادا إلى ما بيّنه أصحاب معاجم اللّغة العربيّة، فإنّ كلمة (الأرض) الواردة في الآيات العائدة إلى السور الأربعة (لقمان،الحجر ،النحل والأنبياء)،والتي أوردها هذا المؤلّف في سؤاله الثاني.يكون اللّه عز وجلّ قد أورد كلمة (الأرض) في السور المذكورة بدلالة أصلها الأوّل الذي بيّتاه آنفا،وهو دلالتها على سطح الأرض وأديمها وليس دلالتها على هذا الكوكب السيّار،وقد وردت في مقابل كلمة (سماء) ليس إلاّ.خصوصا وأنّ هذه الكلمة وردت معرّفةً بأداة التّعريف الدالّو على المعهود الذهنيّ لتشير إلى سطح الأرض الذي نعيش فوقه.وبألفاظ أخرى فإنّ اللّه تعالى قد عبّر بكلمة (الأرض) في الآيات المذكورة عن هذا السطح الأرضيّ الذي يعيش فوقه هذا الإنسان وبقيّة مخلوقات اللّه عز وجلّ.وإنّه جلّ شأنه يصف بذلك الحالة الراهنة لسطح هذا الكوكب الأرضيّ السيّار وأديمه.

واستنادا إلى ما بيّنته آنفا،فقد اتّضح خطأ صياغة الجملة الأولى من هذا السؤال الثاني لكتاب (هل القرآن معصوم ؟) والتي ورد فيها قول المعترض (إذا كان واضحا أنّ الأرض تدور حول نفسها مرّة كلّ أربع وعشرين ساعة).فالخطأ في صياغة هذا النصّ يرد من جهتين :
أولا – فمن حيث الجهة الأولى فقد دلّ هذا النصّ على أنّ كاتبه يجهل دلالة كلمة (أرض) الواردة في هذه الآيات الأربعة الكريمة.
ثانيا- وأما من حيث الجهة الثانية فقد كان من واجب كاتب هذا النصّ ، إذا أراد التعبير بكلمة (أرض) عن كوكبنا السيّار الذي نعيش على أديمه،كان عليه أن يُقرن بكلمة (الأرض) كلمة (كوكب) وليقول (إنّ كوكب الأرض يدور حول نفسه..).أو يقول (إنّ الكرة الأرضيّة تدور حول نفسها..).وفي كلتا الحالتين فإنّ اعتراض هذا المؤلّف لا يكون في محلّه إطلاقا.بسبب أنّ كلمة (الأرض) الواردة في هذه الآيات التابعة لتلك السور الأربعة، قد أوردها سبحانه وتعالى في مقابل كلمة (سماء) ولم يوردها للتّعبير بها عن هذا الكوكب الأرضيّ السيّار.ووفق ما سبق لنا أن وضّحناه من جهة دلالة هذه الكلمة لغويّا.
وبالرّغم من كشفنا الغطاء عن هذا التّضليل الذي حاول السائل أن يضلّل به المسلم والمبنيّ على جهل المؤلّف باللّغة العربيّة.ومساعدة من جانبنا القارئ المسلم على كشف حقيقة ما انتهى إليه هذا المؤلّف من استنتاج أقامه على باطلٍ واستند إليه وقال (فكيف تكون الأرض ممدودة مبسوطة ثابتةً لا تتحرّك،وأنّ الجبال تمنعها عن أن تميد ؟) . فأرى أنّ من المناسب أن أقوم بشرح تلك الآيات الأربعة التي أوردها المؤلّف في سؤاله الثاني.ويكون قصدي من هذا الشرح هو وضع القارئ المسلم في وضوح رؤية بما يتعلّق بدلالات تلك الآيات القائمة على منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.

1-فأتناول بالتدبُّر الآية 19 من سورة الحجر ،وهي الآية التي أوردها المؤلّف المذكور، والتي قال اللّه تعالى فيها (والأرضَ مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كلّ شيءٍ موزون.).وقبل قيامنا بتدبّر هذه الآية ينبغي علينا معرفة السياق الموضوعي الذي وردت ضمنه هذه الآية الكريمة ولتدعمه ، فأقول: إذا عُدنا إلى الآيات الأوائل من سورة الحجر، يتبيّن لنا بأنّ اللّه عز وجلّ قد استهلّها بالأحرف المقطّعة (ألر) وأتبعها بإشارة (وقف) تنبيها لذهن القارئ إلى أنّ ما سيورده اللّه تعالى في هذه السورة من مضامين،فستكون مضامين تتعلّق ليس بزمان نزول هذا القرآن المجيد،ولكنّها تتعلّق بالأزمنة المقبلة،تلك الأحداث التي سيثبت من خلالها مصداقيّة قوله تعالى (آيات الكتاب وقرآن مبين) أي مصداقيّة أن هذه الآيات النازلة ستشكّل (الكتاب) المُنبأ عن نزوله في الكتب السابقة، بدلالة تعريف كلمة كتاب هنا بأداة التّعريف التي تفيد المعهود الذهنيّ.كما ستثبت مصداقيّة قوله تعالى (وقرآنٍ مبين) وبمعنى أنّ هذا الوحي النازل سيصبح في المستقبل كتابا مقروءا ، تبيّن آياته جميع التعاليم المنزلة على محمّد سيد المرسلين (ص).وقد راح اللّه عز وجلّ وبعد هذا التّمهيد الذي بيّناه،وفي الآية التاسعة خاصّة يتنبّأ ويقول (إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون.).ولنلاحظ كيف استبدل اللّه عز وجلّ في هذه الآية صفة (قرآن) بصفة (الذّكر) هذه الصفة التي تعني الشرف والنصيحة.هذا وإنّ الوعد الوارد في هذه الآية هو وعدٌ متعلّقٌ بالمستقبل.وهو من الأهمّية بمكان لكون هذا القرآن قد أنزل ربّنا عز وجلّ آياته على قوم اشتهروا بالأميّة من بين الأمم المحيطة بهم في ذاك الزمان.هذا واعلم يا عزيزي القارئ المسلم بأنّ هذه الآية 19 التي أوردها المؤلّف المذكور،قد ورد مضمونها في سياق إثبات مصداقيّة نبأ هذا الوعد القاضي بالمحافظة على القرآن المجيد المتّصف بكونه (الذّكر) ومعناه الشرف والنصيحة.

فتسألني : وكيف أصبح مضمون هذه الآية 19 دليلا يثبت منه مصداقيّة أنّ (القرآن الذكر) سيكون مشمولا بعناية اللّه تعالى وحفظه على الدوام ؟
وللإجابة على سؤالك هذا فقد راح اللّه عز وجلّ يقول (والأرض ممدناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كلّ شيءٍ موزون.وجعلنا لكم فيها معايشَ ومَن لستُم له برازقين.وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما نُنزّله إلاّ بقدَرٍ معلوم.وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين.وإنّا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون.).فهذه الآيات مجتمعة تُكمل مضامينها بعضها البعض الآخر.علما بأنّ هذا المؤلّف أورد آيةً واحدة من جملة هذه الآيات التي تشكّل الدليل على مصداقيّة أنّ (القرآن الذكر) سيكون مشمولا بعناية اللّه وحفظه على الدوام.

فاعلم يا عزيزي المسلم بأنّ اللّه تعالى قدّم في هذه الآيات سالفة الذكر جملة عناصر تألّف منها الدليل المطلوب.فهو تعالى قد قدّم موضوع معاش الإنسان على سطح هذه الكرة الأرضيّة مثالا يستقي من تفاصيله الدليل المطلوب. فهو جلّ شأنه قد وجّه أنظارنا إلى حياة هذا الإنسان،ولفت نظرنا إلى كيفيّة تأمين خالقه له جميع متطلّبات معاشه والتي لو أنّه قد نقص أحد عناصرها ، لكان نسل هذا الإنسان قد توقّف وانقرض جنسه.الأمر الدالّ على أنّ اللّه تعالى إذا أراد شيئا،يهيئ أسباب تحقّق مشيئته ونفاذ أمره.ففي هذه الآية الأولى قد بيّن لنا اللّه عز وجلّ أوزّل عنصر من هذه العناصر وقال (والأرض مددناها). ويفسّر معنى كلمة (مددناها) قوله تعالى في سورة نوح (وجعلنا الأرض بساطا).وقوله تعالى في سورة النبأ (وجعلنا الأرض مهادا).وقوله تعالى في سورة النازعات (والأرض بعد ذلك دحاها).وكأنّ اللّه عز وجلّ قد قال بألفاظ أخرى انظروا أيّها الناس إلى هذا
الكوكب الأرضي السيّار،فبالرّغم من أنّه من حيث تكوينه هو على شكل (كرة) فإنّ الإنسان قادر على أن يعيش على سطحه وهو لا يخشى أن يطير في الهواء ولا أن ينقلب على جنبه.وذلك بسبب أنّنا جعلنا سطح هذه الكرة الأرضيّة مدحوّا وممهّدا للعيش فوقه وكأنّه بساط يفترشه هذا الإنسان.ومن ثمّ تناول اللّه تعالى ثاني عنصر من هذا الدليل وقال (والأرض مددناها) ولا يعني قوله تعالى (مددناها) أي طوّلناها،بل إنّه قد ورد في معجم لسان العرب تقول (مددت الأرض مدّا إذا ازددت فيها ترابا أو سمادا من غيرها فيكون أعمر لها وأكثر ريعا لمزرعها.).وعليه فالمقصود من قوله تعالى هنا (والأرض مدَدناها) هو أنّ اللّه عز وجلّ لم يدع سطح الأرض لشأنه ولينضب غذاؤه ،وإلى أن يعود بعد ذلك غير صالح للحياة.بل إنّ اللّه عز وجلّ يوجّه أذهاننا في هذا المقام إلى حقيقة علميّة لم تكن معروفة زمن إنزال هذا الكتاب العزيز، وهي أنّ جوّ هذه الكرة الأرضيّة يعجّ في حقيقة أمره بذرّات غبار ناتج عن (الانفجار العظيم) الذي تسبّب في تكوين هذه الكواكب وتلك المجرّات،فهو تعالى ينبّهنا إلى أنّ في تساقط هذا الغبار الكوني على سطح الأرض فائدة وحكمة، وهو أنّ هذا الغبار يمدّها بمقوّمات الحياة.إلى جانب أنّ اللّه عز وجلّ قد هيأ روث الحيوانات الأهليّة سببا ووسيلة لتغذية هذا السطح الأرضي بهذا الرّوث كسماد يكمل مهمّة الغبار الجوّي.فهذا هو معنى قوله تعالى (والأرض مدَدناها) أي مدَدناها بالغذاء الذي يعينها على استمرار عطائها.ومن ثمّ فقد أضاف اللّه تعالى العنصر الثالث الذي يتألّف منه هذا الدليل وقال (وألقينا فيها رواسي) أي أنّه تعالى أتى بحرف الجرّ (في) كصلة لفعل (ألقينا) وليصبح معنى قوله تعالى (وألقينا في الأرض رواسي) أي (وضعنا) في هذه الأرض رواسي أي جبالا راسيات.ولتصبح هذه الجبال خزّانات مياه لسقاية سطح الأرض وسقاية هذا الإنسان.ولم يقف جلّ شأنه عند حدّ بيان هذا العنصر الثالث الذي يتألّف منه هذا الدليل،بل أضاف تعالى يقول (وأنبتنا فيها من كلّ شيء موزون).ومن خلال قوله تعالى هذا فقد حرّك اللّه عز وجلّ عقولنا لتعمل ولتفكّر ولتدرك بأنّه من غير المعقول أن يحدثَ هذا التعدّد وذاك التنوّع فيما نراه من مختلف أنواع النبات ومن مختلف أشكاله، أن يحدث ذلك صدفة من نفسه، ومن دون تدخّل اللّه الخالق الذي يقصد تأمين معاش جميع مخلوقاته ومن جملتها تأمين معاش هذا الإنسان.وعليه فإنّ في قول اللّه تعالى (وأنبتنا فيها من كلّ شيء موزون) قد أشار تعالى به إلى مشيئة هذا الخالق الذي شاء أن يُحدثَ ذلك لتأمين معايش الإنسان وبقيّة الكائنات الحيّة المخلوقة.

وبعد أن عدّد اللّه عز وجلّ هذه العناصر التي بيّناها فقد أضاف موضّحا وقائلا (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستُم له برازقين.وإن من شيء إلا وعندنا خزائنه وما ننزّله إلاّ بقدر معلوم.وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين.).فهذه هي دلالات الآية 19 من سورة الحجر.هذه الآية الكريمة التي اقتطعها مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) عن سباقها وسياقها ومحاولا أن يوهم القارئ المسلم بأنّ تلك الآية المذكورة تتضمّن معاني تتناقض ومعطيات العلم الحديث.وهو لا يدري أنّه من خلال محاولته هذه قد كشف عن ضعفه اللّغويّ وعن مدى جهله باللسان العربيّ وعن عدم إحاطته بالحقائق التي تضمّنتها الآية المشار إليها من سورة الحجر.ولعلّ المؤلّف المذكور يتّعظ بما بيّناه له من دلالات هذه الآية ،وأن يعزم على هجر تفسير البيضاوي الذي لا يليق أن يكون وسيلة دراسة لتعاليم هذا القرآن المجيد.

2-ومن ثمّ أتناول بالتدبّر الآية 15 من سورة النحل التي قال تعالى فيها (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبُلا لعلّكم تهتدون.).وهذه هي الآية الثانية التي أوردها المؤلّف قبل طرح سؤاله الثاني الذي أثبتّ من خلاله جهل المؤلّف باللسان العربيّ. هذا الجهل الذي تجلّى هنا من جديد.فهو كان قد تساءل (فكيف تكون الأرض ممدودة مبسوطة ثابتة لا تتحرّك،وأنّ الجبال تمنعها عن أن تميد ؟).أي أنّه اعترض على قول اللّه تعالى في هذه الآية من سورة النحل (رواسي أن تميد بكم).أما من حيث دلالة فعل (تميد) فهو فعل مضارع مؤنّث غائب من مادَ.وماد الشيء معناه تحرّك وزاغ.هذا وإنّ كلمة (الميد) في (معجم مفردات الراغب) تعني اضطراب الشيء العظيم.فأقول: لا بدّ أن يكون القارئ المسلم قد لاحظ من خلال دلالات الآية من سورة الحجر بأنّ اللّه عز وجلّ قد كشف عن حكمة جليلة كامنة وراء وضع هذه الجبال الراسيات في القشرة الأرضيّة ،وهو أنّ اللّه عز وجلّ قد جعل هذه الجبال بمثابة خزّانات مياه لمطر السماء وثلوجها،ولتمدّ الإنسان وغيره بماء الحياة.أمّا في هذه الآية الكريمة من سورة النحل فقد كشف اللّه العزيز عن حكمةٍ ثانيةٍ كامنةٍ وراء وضع هذه الجبال في أمكنتها،وهذه الحكمة الثانية قد أماط اللثام عنها فعل (تميد بكم) .والنابعة مما أورده (معجم مفردات الراغب) وهو أنّ من معاني (الميد) اضطراب الشيء العظيم.

فالشيء العظيم هو تكوين هذه القشرة الأرضيّة الذي جعلها اللّه العزيز بساطا لهذا الإنسان،وجعلها مهادا له،ودحاها من أجله.فالحكمة من وجود هذه الجبال الراسي في أمكنتها يساعد هذه القشرة الأرضيّة على الثبات وعدم الزيغان.وهذه حقيقة قد أثبتها العلم الحديث.فمساحات قشرة الأرض السهليّة محصورة بين مختلف جبال الأرض ولهذا السبب فلا يحدث زيغان في هذه القشرة الأرضيّة.هذا وإنّ هذه الحقيقة العلميّة تكشف عن جهل مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) بهذه الحقيقة العلميّة المشار إليها.فإن هو شاء اختصار الطريق،فما عليه إلا أن يراجع موسوعة (دائرة المعارف البريطانيّة) وما ورد فيها تحت كلمة (جيولوجي).فهناك أوردوا هذه الحقيقة التي أشارت إليها هذه الآية من سورة النحل ، تلك الحقيقة العلميّة التي تساعد على إحداث توازن في قشرة الأرض.وقد عبّروا عن هذه الحقيقة العلميّة بكلمة (Isostasy).وليس بعسير على هذا المؤلّف أن يقوم بتلك المراجعة.

3-وأتناول الآن بعمليّة التدبّر هذه الآية 31 من سورة (الأنبياء) التي أوردها المؤلّف المذكور والتي قال اللّه تعالى فيها (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلّهم يهتدون.).فالمؤلّف المذكور قطع هذه الآية أيضا عن سياقها
الموضوعي أيضا.ذلك أنّ اللّه عز وجلّ قال قبل هذه الآية بآيتين (ومن يقُل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنّم كذلك نجزي الظالمين.).وراح اللّه عز وجلّ يقدّم الدليل العلميّ لإثبات ألوهيّته.فلفت نظرنا إلى أسلوبه تعالى في إنشاء هذا الكون المادّي وقال (أولم ير الذين كفروا أنّ السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كلّ شيء حيٍّ أفلا يؤمنون.) فأشار سبحانه وتعالى من خلال قوله هذا الذي أنزله قبل أربعة عشر قرن من الزمان ،أقول أشار إلى ما كشف عنه العلم الحديث بما يتعلّق ببدء هذا الكون. وهو أنّ هذا الكون كان مضغوطا في حجم لا يكاد يُذكر.وحدث فيه (انفجار عظيم) تمخّض عنه فتق تلك الذرّات المضغوطة ،وتولّدت بالتالي هذه الكواكب التي لا تُحصى في السماء ،ومنها هذه الكرة الأرضيّة.وهي حقيقة اصطلح علماء الغرب على تسميتها (نظريّة الانفجار العظيم).وأنّ الانفجار العظيم المذكور قد قدّر العلماء أنّه قد حدث قبل ما يقارب عشرين مليار عام.

وقد أثبتت هذه النظريّة بأنّ هذا الكون مخلوق بقدرة إله قادر لا حدود لقدرته.وقد أثبتت هذه النظريّة المشار إليها مصداقيّة دليل ألوهيّة اللّه عز وجلّ.إلى جانب أنّ هذه النظريّة قد أثبتت إعجاز هذا القرآن العظيم الذي أتى بهذه الحقيقة العلمية قبل أربعة عشر قرن من الزمان.فلمّا فرغ اللّه عز وجلّ من تقديم هذا الدليل العلميّ.أضاف بيان حقائق أخرى علميّة.فأتى بهذه الآية 31 التي قال تعالى فيها (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلّهم يهتدون.).أما الحقيقة الأولى فقد تضمّنها قوله تعالى (وجعلنا في الأرض رواسي) وقد أتينا على بيان دلالاتها حين شرحنا الآيتين السابقتين.

وقد لفت اللّه تعالى أذهاننا إلى حقيقة علميّة ثانية ظاهرة آثارها في القشرة الأرضيّة.وقد عبّر تعالى عنها بقوله تعالى (وجعلنا فيها فجاجا سبُلا لعلّهم يهتدون.) .وتتجلّى هذه الحقيقة العلمية المشار إليها هنا في وجود طرقات ما بين جبال الأرض التي لم تنشأ قائمة الجدران بل متدرّجة.ولولا أن جعل الخالق الجبال على الحالة المذكورة ،ولولا وجود هذه السبُل ما بين الجبال،لكان قد تعسّر على البشر أن يهتدوا ليعرف بعضهم بعضا من جهة. ولاستحال على القوم الواحد التعرّف إلى جميع أرجاء المعمورة.وقد بيّن تعالى هذه
المعلومة من خلال قوله تعالى (لعلّهم يهتدون.) وحاذفا مضاف فعل (يهتدون) ليصرّف هذا الفعل إلى أكثر من معنى .وعلى هذه الصورة فقد أثبتّ من خلال شرحي هذه الآية 31 من سورة الأنبياء أنّ مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) يجهل اللسان العربيّ من جهة، كما يجهل الحقائق العلميّة التي بيّنتها هذه الآية الكريمة قبل ما يقارب أربعة عشر قرن من الزمان من جهة ثانية.وأنّه قد قطع هذه الآية المذكورة عن سياقها الموضوعي من جهة ثالثة.واستدلّ بها على مفهومه الخاطئ إيّاها بدافع اعتماده على تفسير البيضاوي رحمه اللّه.

4-ولذلك أنتقل لتدبّر الآية الثالثة من سورة الرعد التي قال اللّه تعالى فيها (وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كلّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يُغشي الليلَ النهار إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون.).
وقد أقدم مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) على نفس ما فعله بالنسبة للآيات السابقة.فهو قد اقتطع من هذه الآية الكريمة الفقرة الأولى منها وهي (وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي) .بل وقطع هذه الآية الكريمة عن سياقها الموضوعي أيضا.وكان قصده من ذلك كلّه إيهام القارئ بأنّ الكرة الأرضيّة هي في نظر هذا القرآن أرضا ممدودة منبسطة.وهو قول يتنافى ومعطيات العلم الحديث.

ويعلم القارئ المسلم بأني أثبتّ حتى اللحظة الأمور التالية: (1) - أنّ المقصود من كلمة
(الأرض) في هذه الآيات الكريمة الإشارة إلى القشرة الأرضيّة ووصف حالتها الراهنة. وأثبتّ بالتالي جهل المؤلّف المذكور باللّسان العربيّ. (2)- وأثبتّ بأنّ المؤلّف المذكور قد جعل تفسير البيضاوي حكما على كتاب اللهّ العزيز وانطلق بالتالي في اعتراضاته على هذا القرآن العظيم من منطلق خاطئ. (3)- وأنّ المؤلف المذكور قد عمد إلى اقتطاع فقرات من آيات،وعتّم في الوقت نفسه على سياقها الموضوعي تضليلا للقارئ المسلم.وفي وقت لا يجوز فيه قطع أيّة فقرة قرآنيّة عن سباقها وسياقها وتسلسلها الموضوعي.ذلك أن هذا القرآن العظيم متسلسل المضامين من أوّل حرف من حروف سورة الفاتحة إلى آخر كلمة من كلمات آخر سورة من سوره. –راجع مؤلّفي (فنّ الاختزال في القرآن الكريم) –
وبصدد الكلام عن هذه الفقرة التي اقتطعها المؤلّف المذكور من الآية الثالثة من سورة الرعد،أقول: إنّ اللّه عز وجلّ قد استهلّ سورة الرعد بأحرف المقطّعات (ألمر) وهي تعني أنا اللّه العليم البصير الذي لا يغيب عن ناظري شيء.وآيات هذا الكتاب تشهد على أني أنزلت ما هو (حق)ّ على هذا الرسول الأمّي .وقد راح تعالى يقدّم في الآية الثانية الدليل على مصداقيّة كون اللّه تعالى (العليم البصير).فأعطانا لمحة من واقع هذا الكون تشهد على مدى سعة علم اللّه عز وجلّ : فهو تعالى (رفع السماوات بغير عمدٍ ترونها).أي أنّ علم الإنسان يصل إلى رفع شيء على قوائم مرئيّة.على حين أنّ ما في هذه السماوات من كواكب فهي مرفوعة بغير عمدٍ ولا ريب،إشارة إلى الجاذبية الباطنيّة لكل كوكب منها إلى جانب خضوعها جميعها لقوانين طبيعيّة.وكان القصد من هذا المثال التنبيه إلى أنّ اللّه الذي أنزل هذا الكتاب الحقّ على عبده،بإمكانه تهيئة وسائل غير مرئيّة وخافية عن أنظار الكافرين به، ولن تبدو تلك الوسائل والأسباب إلا عند ظهور نتائجها.

ومن ثمّ فقد راح تعالى يقول في الآية الثالثة التي اقتطع المؤلّف المذكور جزء منها وخلافا لتسلسل الآيات الموضوعي.قال (وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كلّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يُغشّي الليلَ النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون.) .وقد لفت اللّه عز وجلّ أذهاننا من خلال قوله (وهو الذي مدّ الأرض) إلى واسع علمه تعالى وكيف أنّه مدّ هذه القشرة الأرضيّة بمواد خصبها من غبار كوني إلى سماد طبيعيّ.كذلك أدّى علم اللّه الواسع ورؤيته النافذة إلى جعل هذه الجبال الراسيات بمثابة خزّانات سالت منها المياه على شكل أنهار لتساعد على بقاء جميع ما خلق اللّه تعالى من كائنات حيّة.ومعبّرا عن هذه الحقيقة بقوله تعالى (وجعل فيها رواسي وأنهارا). وأضاف جلّ شأنه حقيقة ثالثة للتّدليل على كونه (العليم البصير) وقال (ومن كلّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) ومنبّها عقول الناس قبل أربعة عشر قرن من الزمان إلى أنّ كلّ مخلوق قد جعله الخالق من ذكر وأنثى أي زوجين.وحتى عقل هذا الإنسان فلا يستقيم إلاّ بتوجيه وحي السماء. وقد لفت تعالى أذهاننا إلى حقيقة رابعة دالّة على واسع علم اللّه العليم البصير قائلا : (يُغشّي اللّيلَ النهار).بمعنى أنّ الظلام لا وجود حقيقيّ له
وأمّا النور فيتضمّن قوّة تزيل الظلام وتستأصله.إشارة إلى أنّ نور الحقّ المنزل على هذا النبيّ الأمّي سيستأصل هذا الظلام المخيّم على عقول الناس والعرب الجاهليين.
وقد اختتم اللّه عز وجلّ هذه الآية الثالثة بقوله تعالى (إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون.)
فنبّه تعالى إلى أنّ أصحاب العقول المتفكّرة تستطيع أن تستفيد من معطيات هذه الحقائق الأربعة الكونيّة التي ذكرناها لهم تدليلا على كون اللّه تعالى هو (اللّه العليم البصير) الذي بإمكانه أن ينصُر هذا الرسول الأمّي على أعدائه، ويجعله سيّد العالم في نهاية المطاف.فمن استفاد من عِبر هذه المعطيات الأربعة يفوز بالإيمان بهذا الحقّ النازل.لكنّ الذي لا يستفيد
سيكون من المتخلّفين الخاسرين.وهي حقيقة أثبت مصداقيّتها مسير تاريخ رسالة الإسلام.

4- هذا وإنّ مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) قد اقتطع من الآية العاشرة من سورة لقمان قوله تعالى (خلق السماوات بغير عمَدٍ ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) وليوحي للقارئ المسلم بما شاء أن يبلبل أفكاره به،وعلى شاكلة ما فعل في بقيّة الآيات التي استدلّ بها.ولا أراني إلا وأنّ القارئ المسلم عاد متفهّما معنى كلمة (الأرض) الدالة على القشرة الأرضية.وليس دلالتها على هذا الكوكب الأرضي السيار.وكيف أنّ الجبال الرواسي تؤدّي مهمّتين عظيمتين : المهمّة الأولى قيامها بخزن المياه والثلوج النازلة من السماء لتفجّرها ينابيع وأنهارا.والمهمّة الثانية هي المحافظة على توازن سطح الأرض المتواجد ما بين تلك الجبال.وهي حقيقة علميّة قال بها علماء القرن العشرين.فالجبال تمنع القشرة الأرضية من أن تميد وليس أنّها تمنع هذا الكوكب الأرضي من أن يميد .فتفكّر.
والآن ،وبعد أن أثبتّ لك يا سيّد (عبد اللّه عبد الفادي) بأنّ القرآن معصوم عن بيان الخطأ الجغرافيّ ،ومعصوم عن مخالفة ما يكشف عنه العلم مهما بلغ الإنسان من الرقّي العلميّ.فهل عاد بإمكانك الاعتراف بأنّك لم تدرس القرآن الكريم من باب تدبّره بمنهجيّته وأصول تفسيره ؟ هذا إن كنت طالب حقّ وباحث عن الحقيقة.لكني لا ألاحظ فيك هذه المزيّة،بسبب أنّك تقدّس مجموعة قصصٍ كتبها بشر أمثالك،وباعتراف الذين طبعوا (العهد القديم والعهد الجديد) في بيروت وبرعاية (جمعيّات الكتاب المقدّس في المشرق).فتفكّر.

[جواب السؤال الثالث]
3- وكان عنوان السؤال الثالث : (النجوم رجوم للشياطين).وأورد (عبد اللّه عبد الفادي) يقول تحت هذا السؤال :جاء في سورة المُلك (ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير.).وجاء في سورة الصافات (إنا زيّنا تاسماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كلّ شيطان مارد لايسَّمعون إلى الملأ الأعلى ويُقذفون من كلّ جانب دُحورا ولهم عذابٌ واصبٌ إلا مَن خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب.).وجاء في سورة الحجر (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيّناها للناظرين وحفظناها من كلّ شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهابٌ مبين.).

وكان المؤلّف المشار إليه يرجع في تفسير هذه الآيات سالفة الذكر ،وعلى عادته، إلى تفسير البيضاوي.وانتهى من ذلك ليسأل: (إذا كان كلّ كوكبٍ هو عالمٌ ضخم، والكواكب هي ملايين العوالم الضخمة تسبح على أبعادٍ شاسعةٍ في فضاء لا نهائيّ، فكيف نتصوّر الكواكب كالحجارة يُمسِكُ بها ملاكٌ في حجم الإنسان،ليضربَ بها الشيطان منعا له من استماع أصوات سكّان السماء ؟ هل كلّ هذه الأجرام السماويّة خُلقت لتكون ذخيرة أو عتادا حربيا لرجم الشيطان حتى اشتهر اسمه بالشيطان الرجيم ؟وكيف يطرح الملائكة الكواكب ؟ وكيف يُحفظ توازن الكون إذا سارت الكواكب في غير فلكها ؟

فأقول في الإجابة على سؤال المؤلّف المذكور: يؤسفني أن أقول بأنّ الاعتقاد بوجود (مخلوق من روح خبيث) له كيانه الخاص واسمه (الشيطان) إنّما هو اعتقاد دخيلٌ على تعاليم الإسلام.وإنّ الجهة التي أوحت بهذا الاعتقاد هي عقائد (أهل الكتاب) وخاصّة منها عقائد المسيحيّين الذين قدّسوا قصصَ ما يُسمّونه (الأناجيل الأربعة).هذه القصص الإنجيليّة التي بثّت في أذهان أتباعها الاعتقاد بوجود (الشيطان) المشار إليه كوجود مستقلٍّ وبالتالي فقد تأثّر المفسّرون المسلمون القدماء بمفهوم (شيطان) الذي اعتقد بوجوده المسيحيّون من حولهم.وفسّروا الآيات التي وردت فيها كلمة (شيطان) بتفسير استند إلى مفهوم المسيحييّن المتعلّق بالشيطان.أقول فسّروها رحمهم اللّه تعالى بالمفهوم الذي أشاعه المسيحيّون بينهم قديما في شبه جزيرة العرب التي كان سكّانها أمّيون والتي لم يبعث اللّه تعالى فيهم رسولا من زمن طويل.ففسّروا الآيات التي وردت فيها كلمة (شيطان) من دون أن يراجعوا دلالة كلمة (شيطان) في معاجم اللّغة العربيّة، ومن دون أن يتقيّدوا حين التفسير بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.
وتسألني هنا يا عزيزي القارئ المسلم عن دلالات كلمة (شيطان) في اللّّّغة العربيّة،فأقول:
ورد في معجم (مقاييس اللّغة) أنّ كلمة (شيطان) :النون فيها أصليّة من شطن.وأطلقت هذه الكلمة على بُعد كلّ من يستحقّ هذه التسمية بعده عن الحقّ وتمرّده عليه.ذلك أنّ كلّ عات متمرّد من الجنّ والإنس والدواب هو (شيطان) في عُرف اللّغة العربيّة.واستنادا إلى هذا المفهوم فسّروا قول اللّه تعالى (طلعُها كأنّه رؤوس الشياطين) أي كأنّه رؤوس الحيّات،ومن باب أنّ كلمة (شيطان) تسمّى بها الحيّة أيضا.ثمّ إنّ كلمة (شيطان) هي على وزن (فَيعال).هذا على اعتبار أنّ النون فيها أصليّة.أمّا إذا اعتبرنا نونها زائدة فتعود كلمة

(شيطان) على وزن (فعلان).ومشتقّة من شاط وبمعنى احترق.. .هذا ولم يخالف معجم (محيط المحيط) ما أورده معجم (مقاييس اللّغة) لكنّه زاد على ما ورد فيه استنادا لأحد المؤلّفات بأنّ كلمة (شيطان) تشير إلى روح خبيث لا يُرى ويُستشعرُ بأنّه أقبح ما يكون من المخلوقات.ولعلّ الدافع إلى هذا النقل مُعتقده كرجلٍ مسيحيّ.وقال يُضرب به المثل في الخُبث والدهاء والعدوان.ويجمع على شياطين.

كذلك ورد في معجم (أقرب الموارد) أنّ كلمة (شيطان) اشتُقّت إما من شطن: تقول شطن عنه أي بعُد عنه.وشطنت الدار :أمست بعيدة .والشطن :هو الحبل الطويل.وشطنّ صاحبه بمعنى خالف صاحبه في نيّته.وشاط الشيء معناه احترق.واستشاط غضبا:إذا احتدّ في غضبه والتهب.وشاط فلانٌ معناه هلك.فهذه هي يا عزيزي القارئ المسلم دلالات كلمة (شيطان) في لسانك العربيّ الذي نزل به القرآن الكريم.ولا علاقة لهذه الدلالات بالمفهوم الذي يعتقده المسيحيّون أمثال (عبد اللّه عبد الفادي) حول هذه الكلمة (شيطان) وبدافعٍ ممّا هو وارد في الأناجيل الأربعة.
وتسألني يا عزيزي من جديد: هلاّ أطلعتني على نصوص إنجيليّة تصدّق ما ذهبت إليه ؟
فأجيبك وأقول: أجل يا عزيزي المسلم.فهذه الأناجيل الأربعة قد صوّر كاتبوها المسيح الناصريّ وكأنّه قد بعثه ربّه ليشفي البيئة اليهوديّة من الشياطين الذين حلّوا في نفوس كثيرة من الرجال والنساء في ذاك الحين.فقد ورد في إنجيل متّى الإصحاح 4/24 :
(فأتوه بجميع المرضى المصابين بمختلف العلل والأوجاع: من الممسوسين والذين يُصرعون في رأس الهلال.)-وقد ورد في الحاشية رقم 22: الممسوس : الذي استولى عليه الشيطان
كذلك ورد في إنجيل متّى الإصحاح 7/22 (وباسمك طردنا الشياطين.).
وفي الإصحاح 8/16 (ولما كان المساء أتوه بكثيرٍ من الممسوسين،فطرد الأرواح بكلمة منه).وورد تحت عنوان (طرد الشياطين وغرق الخنازير)،وفي الإصحاح 8/28 فقد ورد (تلقّاه رجلان ممسوسان خرجا من القبور.وكانا شرسين جدّا حتى لا يستطيع أحد أن يمرّ من تلك الطريق).وورد في إنجيل متى نفسه الإصحاح 8/31 (فتوسّل إليه الشياطين قالوا إن طردتنا فأرسلنا إلى قطيع الخنازير).
كذلك ورد في متّى الإصحاح 9/32-33 (وما إن خرجا حتّى أتوه بأخرس ممسوس.فلما طرد الشيطان تكلّم الأخرس.).وورد في متى الإصحاح 10/8 (أقيموا الموتى وأبرئوا البرص واطردوا الشياطين.).كما ورد في متى الإصحاح 12/28 (وأمّا إذا كنت أنا،بروح اللّه أطردُ الشياطين.) وورد في متى الإصحاح 15/22 (إنّ ابنتي يتخبّطها الشيطان تخبُّطا شديدا.)وورد في متى الإصحاح 17/18 (وانتهره يسّوع فخرج منه الشيطان.) وورد في الإصحاح 17/21 (وهذا الجنس من الشيطان لا يخرج إلاّ بالصلاة والصوم.).

فهذه نصوص استقيناها من إنجيل متّى يا عزيزي القارئ المسلم.وقس عليها ما ورد في بقيّة الأناجيل . وهي نصوصٌ إن دلّتك على شيء فإنّما تدلّك على أنّ هذه المفاهيم الإنجيليّة التي أوردناها كانت قد زرعت في نفوس عامّة المسيحييّن قديما وإلى يومنا هذا مفهوم وجود كيان روح شرّير مستقلٍّ سمّوه (شيطانا) .وأنّ هذا الشيطان المزعوم يعتري بعض الأشخاص فيصبحوا (ممسوسين).وهي المفاهيم الخاطئة التي ما زلت يا عزيزي القارئ
المسلم تلاحظ انتشارها في قرى الرّيف المتخلّف في مجتمعك،وفي مجتمع المسيحيين أنفسهم.هذه الظاهرة التي تتنافى ودلالات كلمة (شيطان) العربيّة،وعلى حسب ما أطلعنا عليه أصحاب معاجم لغة اللّسان العربيّ.هذا وإنّ المفسّرين القدماء رحمهم اللّه تعالى لم يُعصموا من تأثّرهم بهذه المفاهيم الخاطئة التي بثّتها قصصُ الأناجيل الأربعة المعاصرة.لذلك تلاحظ كيف أنّ تفسير البيضاوي ، وغيره من التفاسير ، قد فسّروا الآيات القرآنيّة التي استدلّ بها مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) قد فسّروها من منطلق هذه المفاهيم الإنجيليّة لكلمة (شيطان) لرسوخها في أذهانهم نتيجة مخالطتهم لمسيحييّ هذه المنطقة من العالم، ولم يفسّروها بمفاهيم ودلالات كلمة (شيطان) العربيّة.هذا وإنّ هذا المؤلّف حين اعترض على ما ورد في تفسير البيضاوي.يكون في حقيقة الأمر قد اعترض على مفاهيم قصص أناجيله.

فالقرآن الكريم ، وقد تحدّى الإنس والجنّ لغةً ومضمونا وخصائص.فقد كان من اللازم أن يكون تحديه شاملا جميع فنون اللسان العربيّ من إيراد كلماته بمعانيها الحقيقيّة تارة ،وتارة أخرى بمعانيها المجازيّة.وأن يعمد خلال ذلك إلى التفنّن في البديع والبيان والاستعارة والتشبيه حين يصيغ عباراته بصورة بلاغيّة.فإن خلا من هذا كلّه،ووردت الآيات القرآنيّة على شاكلة الكتب المدرسيّة.فلا يعود هناك من ظواهر إعجاز يقينا.فهذه حقيقة ينبغي لك يا عزيزي القارئ المسلم أن تضعها نصب عينيك حين تتلو آي الذكر الحكيم.وحين تردُّ على اعتراض هذا المؤلّف وأمثاله من الذين لا يرجون البحث عن الحقيقة.بل يسعون إلى بلبلة أذهان الشباب والشابّات المسلمين.ومستعينين بما في هذه التفاسير الموروثة من أخطاء

(1)_ومن هذا المنطلق أتوجّه إلى عمليّة تدبّر الآيات القرآنيّة التي أوردها المؤلّف المذكور ضمن سؤاله الثالث،ليس استنادا إلى الموروث من (قيل وقال) ولكن بناء على منهجيّة هذا القرآن الكريم وأصول تفسيره.فأتناول أول ما أتناوله تدبُّر الآية الخامسة من سورة الملك التي قال اللّه العزيز فيها (ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير.).وحين نقوم بتدبُّر هذه الآية الكريمة، من واجبنا تدبُّر ألفاظها وصياغتها البلاغيّة.فاعلم يا أخي المسلم بأنّك إن أنت راجعت معاجم اللّغة،يتبيّن لك بأنّ كلمة (الدنيا) تستعمل نقيض كلمة (الآخرة).فإن أنت نسبت شيئا إلى الدنيا،تقول هذا شيء دنيويّ.فلو كان القصد الإلهي في هذه الآية من سورة الملك من كلمة (السماء) هي هذه السماء المعروفة التي هي فوق رؤوسنا،وأنّ اللّه عز وجلّ قد أراد أن ينسب هذه السماء التي هي فوق رؤوسنا إلى هذه (الدنيا) التي نعيش على أديم كوكبها الأرضيّ ،لكان ينبغي له جلّ شأنه أن يقول (ولقد زيّنا السماء الدنيويّة) وليس أن يقول (ولقد زيّنا السماء الدنيا).أو أن يورد كلمة (سماء) مجرّدة عن أداة التّعريف ويقول (ولقد زيّنا سماء الدنيا).فهذا على اعتبار أنّ كلمة (دنيا) تضادّ كلمة (الآخرة.أما إذا أخذنا لكلمة (دنيا) اشتقاقها من دنى منه بمعنى قرب منه.فتعود هذه الكلمة تشير إلى أنّ عالم الروحانية مراتب على شاكلة مراتب العالم المادّي .وأنّ بعث الأنبياء يتمّ في المرتبة الأولى من عالم الروحانيّة الذي يبتدئ في هذه الحياة الدنيويّة.
فهذه الملاحظة اللّغويّة التي بيّنتها آنفا لا يلاحظها الإنسان العاديّ،وعليه فقد عُدنا نُدرك بأنّ اللّه عز وجلّ لم يقصد بكلمة (السماء) الواردة في هذه الآية الكريمة ، تلك (السماء) المادّية التي هي فوق رؤوسنا والتي تعجّ بالكواكب والنجوم.بل قصد بها شيئا آخر غيرها. وأنّ تلك (السماء الدنيا) المذكورة في هذه الآية والمشار إليها تتعلّق بموضوع (عذاب السعير) الذي أعده اللّه سبحانه وتعالى لمعاقبة (الشياطين) من شياطين الإنس والجنّ. وإنّ (عذاب السعير) مرتبط بالسماء الروحيّة المرتبطة بها تعاليم جميع الأديان السماويّة.

أقول: إنّ المفسّرين القدماء رحمهم اللّه تعالى لم ينتبهوا لما انتبهنا إليه في هذا المقام.ولا كان علم الفلك في زمانهم قد وصل إلى ما وصل إليه في زماننا الحاضر.ولذلك ذهب ذهن البيضاوي وغيره من المفسّرين القدماء خطأ إلى أنّ المراد من (السماء الدنيا) في هذه الآية الكريمة هي هذه السماء التي هي فوق رؤوسنا وتعجّ بالكواكب والسيّارات.وفسحوا بذلك المجال لمؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) الذي لا يبحث عن الحقيقة أن يعترض بما اعترض به على مضمون هذه الآية الكريمة اعتراضا قام على باطل.والمعلوم هو أنّ ما قام على باطل فهو باطل. ومن هذا المنطلق الذي انطلقت منه أقول: إنّ اللّه عز وجلّ قد
استعار في هذه الآية الكريمة كلمة (مصابيح) ليطلقها على جميع الذين بعثهم ربّهم من الأنبياء والمرسلين والمجدّدين، والذين كانوا بمثابة مصابيح للنّاس قد زيّن بهم السماء الروحيّة التابعة للأديان السماويّة، ويُخرجون المؤمنين بإذن ربّهم من الظلمات إلى النور وكما يفعل هذا المصباح العادي الذي ينير ما حوله.وأمّا قول اللّه تعالى (وجعلناها رجوما للشياطين).فكلمة (رجوما) جمع كلمة (رجْم) واشتقّت من قولك : رجم الشيطان إذا رماه بالحجارة ولعنه وطرده.والرجم مصدر.وباقي المعاني متفرّعة عنه. (محيط المحيط) وعليه فإنّ قوله تعالى (وجعلناها رجوما للشياطين) قد بيّن حقيقة تاريخيّة،وهي أنّ كلّ إنسان،سواء أ كان من الجنّ أو كان من الإنس، وقام بمعاداة أنبياء اللّه ورسله والمجدّدين لدينه ، قد أصبح في نظر تعاليم الدين ملعونا ومطرودا من رحمة ربّه عز وجلّ، وقد أعدّ اللّه تعالى لهذا الشيطان عذاب السعير.

وهكذا فإنّ كلّ مسلم حين يقوم برمي نصب الشيطان بالحصى حين أدائه مناسك حجّه في مكّة المكرّمة،إنما يفعل ذلك كحركة رمزيّة ترمز إلى أنّ كلّ إنسان متّصف بما تفيده كلمة (شيطان) هو (رجيم) أي هو ملعون ومطرود من رحمة اللّه تعالى في نظر الدين السماويّ،وذلك لمعاداته أنبياء اللّه ورسله ومجدّدي دين اللّه المتين.من هذا نُدرك بأنّ النجوم والكواكب السيّارة التي تدور في هذا الفضاء اللانهائيّ لا دخل لها بمضمون هذه الآية من سورة الملك من قريب ولا من بعيد.

واستنادا إلى هذه البيّنات التي أتينا على ذكرها،يصبح معنى قول اللّه تعالى في هذه الآية الخامسة من سورة الملك،هو أنّه يوجد في محاذاة العالم المادّي وقوانينه الطبيعيّة،عالم روحيٌّ له قوانينه الروحيّة التي وضّحتها تعاليم الأديان السماويّة.وكما أنّ اللّه عز وجلّ قد زيّن (سماء العالم الدنيويّ) بزينة النجوم والكواكب المادّية.فقد زيّن في موازاة ذلك (سماء العالم الروحيّ) بالنجوم والكواكب الروحانيين من أنبياء ورسل ومجدّدين.ويترك هؤلاء الرجال الروحانيّون من الآثار، ما تتركه الكواكب والنجوم الماديّة من آثار متشابهة. فكواكب عالمنا المادّي هي في جوهرها مادّية وتضيء فضاء هذا الكون.وإنّ كواكب العالم الروحيّ هي في جوهرها روحية،وتضيء نفوس المؤمنين بما تحمله إليهم من تعاليم سماويّةّ.فالشمس والقمر المعروفين يهزمان ظلام الكون.لكنّ تعاليم دين محمّد (ص) ،إن فهمها المسلم فهما صحيحا وبوجهها المنير،ينجو من حالة تخلُّفه وانحطاطه ويستنير فؤاده ويعود منارة للعالمين.

(2)- وأتوجّه لتدبُّر الآيات 6- 10 من سورة الصافّات التي اعترض عليها المؤلّف المذكور والتي قال اللّه عز وجلّ فيها (إنّا زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحِفظاً من كلّ شيطان مارد. لا يسّمّعون إلى الملأ الأعلى ويُقذفون من كلّ جانب. دُحورا ولهم عذابٌ واصبٌ. إلا مَن خطف الخطفةَ فأتبعه شهابٌ ثاقب.).
فأقول: إنّ هذا المؤلّف،وعلى عادته،قد قطع هذه الآيات عن سياقها وتسلسلها الموضوعي
عن قصد أو لجهله بمضامين هذا التسلسل الموضوعي المتعلّق بآيات سورة الصافات. وأختصر هنا القول فأنبّه ذهن القارئ المسلم إلى أنّ مضمون سورة الصافّات قد ورد بعد مضمون سورة (يس).علما بأنّ اللّه عز وجلّ قد كرّم رسوله محمّدا (ص) وخاطبه في مستهلّها بالأحرف المقطّعة (يس) والتي تعني أيّها الإنسان السيّد العظيم، وعلى حسب ما أثبتّ ذلك في مؤلّفي (فنّ الاختزال في القرآن الكريم).ففي سورة (يس) قد حضّ اللّه عز وجلّ الناس جميعا،وبمختلف أساليب الوعظ والبيان،على الانضواء تحت لواء محمّد خاتم النبييّن(ص). ومن ثمّ أورد تعالى سورة (الصافّات) غير مستهلّة بأحرف مقطّعات لكونها تابعة في مضمونها لمضمون سورة (يس)،وتبيّن جانبا آخر منه.

فاستهلّ اللّه جلّ شأنه سورة (الصافات) بواو القسم وقال (والصافات صفّا).علما بأنّ في قسم اللّه تعالى بمخلوقاته عمليّة تقديم شهادة لإثبات مصداقيّة ادّعاء ادّعاه قبل هذا القسم. ففي سورة (يس) بيّن اللّه عظمة وصدق محمّد سيد النبييّن.وقد راح جلّ شأنه في سورة (الصافّات) يقدّم شهادة على مصداقيّة عظمة شخصيّة محمّد رسول اللّه (ص)،وذلك من خلال إنبائه عن أنّ من عظمة هذا الرسول الصادق الأمين أنّه ستتربّى على يديه ُعصبة مؤمنةٌ من أصحابه تمتاز فيما تحمله من صفات حميدة ،عن جميع جماعات الأنبياء السابقين. من حيث وحدة صفوفهم،ومن حيث مقاتلتهم عدوّهم (صفّا) واحدا. هذه المعاني التي دلّ عليها قوله تعالى (والصافات صفّا).فكلمة (الصافّات) أنبأت عن صحابة رسول اللّه. وأورد اللّه تعالى هذه النبوءة في أوائل سنوات الدعوة في مكّة المكرّمة،أيّام لم يكن قد آمن
بمحمّد رسول اللّه (ص) إلا نفر قليل. وقد راح اللّه عز وجلّ يعدّد ما سيتحقّق على أيدي صحابة رسول اللّه من إنجازات،فأتى بفاء الاستئناف وقال (فالزاجرات زجرا.)علما بأنّ (الزجر) معناه (النهي) وبمعنى أنّ صحابة هذا الرسول العظيم سيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.ومن ثمّ أتى جلّ شأنه بفاء الاستئناف ثانية وقال : (فالتاليات ذكرا.) علما بأنّ (الذكر) معناه الشرف والرفعة والسموّ.وبمعنى أنّ هؤلاء الصحابة سيحفظون ما ينزل على رسولهم من وحي قرآنيٍّ هو ذكر لهم وللعالمين،ويتلون وحي هذا القرآن أينما حلّوا أيضا.ومن ثمّ فقد أتى اللّه جلّ شأنه بحرف التأكيد (إنّ) وقال (إنّ إلهكم لواحد.) وليبيّن اللّه عز وجلّ بأنّ تعاليم هذا القرآن الذِّكر الذي أشار إليه تعالى في قوله (والتاليات ذكرا) تدور تعاليمه حول وحدانيّة اللّه عز وجلّ الذي هو (ربّ السماوات والأرض وما بينهما وربُّ المشارق.) وقد نبّه اللّه عز وجلّ أذهاننا من خلال إضافته تعالى كلمتي (ربّ المشارق)قد أشار إلى أنّ أدوار الإشراق والرقيّ التي مرّت على جميع أمم الأرض، فقد كانت تلك الأدوار الطارئة بفعل تلك التعاليم التي كان سبحانه وتعالى يُنزلها على أنبياء اللّه ورسله،تلك الأدوار المستنيرة التي كان المحرّك الأساسي ّفيها هو اللّه (ربّ المشارق) والذي هو (ربّ السماوات والأرض).

وبعد هذا التمهيد الذي بيّناه، والذي أوردته الآيات من سورة الصافات سالفة الذكر.فقد راح اللّه جلّ شأنه يوضّح للقارئ كيف أصبح اللّه (ربّ السماوات والأرض) كيف أصبح (ربّ المشارق) وبصورة عمليّة.فقال بصدد توضيح تلك الحقيقة (إنّا زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب.) وقد قصد اللّه تعالى من قوله (إنّا زيّنا السماء الدنيا)،وكما سبق لي أن بيّنت،هو أنّ اللّه عز وجلّ قد قصد من (السماء الدّنيا) السماء الروحيّة المرتبطة بها جميع الرسالات السماويّة الدينيّة. وقد استعار اللّه عز وجلّ كلمة (الكواكب) في هذه الآية الكريمة ليعبّر بها عن جميع أنبياء اللّه ورسله الكرام.هذه الكلمة التي مفردها (كوكب) وتُستعار للتعبير بها عن الشخصيّات المهمّة والبارزة في زماننا الحاضر أيضا وعلى مختلف صعُد الحياة.فأنت تقول فلان كوكب بلده.أي أنّ اللّه عز وجلّ حين راح يشرح كيف أنّه قد صار (ربّ المشارق) بصورة عمليّة،فقد لفت أنظارنا إلى أنّه جلّ شأنه قد بعث في كلّ أمّة رسولا منهم،وذلك لتهذّيبهم وليطورهم نحو الأفضل.فكان كلّ رسول من أولئك الرسل كوكبا في منطقته وفي قومه.
وأضاف اللّه تعالى يقول (وحفظا من كلّ شيطان مارد.).أي وأنّه جلّ شأنه كان يبعث الرسل والأنبياء لغرض آخر،وهو للقيام بالمحافظة على الجنس البشريّ (من كلّ شيطان مارد) يظهر هنا وهناك . علما بأنّ كلمة (مارد) هي صفة مشتقّة من قولك : مرد على الحقّ ومعناه بلغ ذروة ما بإمكان أحد من جنسه بلوغه من العتوّ والاستكبار-(محيط المحيط)-.وعليه يصبح معنى (من كلّ شيطان مارد) أي للمحافظة على الجنس البشريّ من كلّ إنسان يتزعّم قومه، ويبلغ في عتوّه ذروة العتوّ ويستغلّ منصبه ليستكبر وليتمرّد على الحقّ المنزل من جانب اللّه (ربّ السماوات والأرض وربّ المشارق.).

وقد راح اللّه عز وجلّ يصف حالة أولئك المتمرّدين على الحقّ وقال (لا يسّمعون إلى الملأ الأعلى ويُقذفون من كلّ جانب.).أي أنّ اللّه عز وجلّ قد استهلّ هذه الآية الكريمة بحرف (لا) النافية التي لا تجزم الفعل المضارع.ونفى عن طريقها إمكانيّة حدوث اتّصالٍ لأولئك الزعماء الشياطين المردة بالملأ الأعلى، وأنّ الداعي لحرمانهم هذا الحرمان هو لتمرّدهم على الحقّ ولعتوّهم ولاستكبارهم،وعلى اعتبار أنّ اتّصال المرء بالملأ الأعلى هو بحاجة إلى أن يكون هذا الإنسان الذي يسعى لذلك أن يكون متواضعاً ومتمسّكا بالحقّ وعادلا بين رعيّته.وأضاف اللّه تعالى وقال بحقّ أولئك الشياطين المردة (ويُقذفون من كلّ جانب).فإن نحن أخذنا لكلمة (القذف) معنى التهمة والشتيمة.يصبح معنى قوله تعالى (ويُقذفون من كلّ جانب.) هو أن اتّصاف أولئك الشياطين المردة بتلك الصفات القذرة تجعل كلّ طرف من الأطراف يكرههم ويعود يكيل لهم التهم والشتائم.(دحوراً ولهم عذابٌ ناصب.) فكلمة (دحورا) مشتقة من قولك: دحره ومعناه طرده وأبعده عنه ودفع به.وهذا المعنى يفسّر تلك الدرجة التي يبلغها الناس في نفرتهم من أولئك الشياطين المردة البعيدين عن الحقّ والعدل بين رعيّتهم.فالناس يعودون يكيلون لهؤلاء الشياطين المردة التّهم والشتائم إلى حدّ طردهم من مجالسهم،ومحاولة مقاطعتهم والابتعاد عنهم بصورة عمليّة. وقد أضاف اللّه تعالى وقال (ولهم عذاب ناصب.) أي بالإضافة إلى حالتهم المزرية هذه
فإنّه ينتظر أولئك الشياطين المردة (عذاب ناصب) أي عذاب مُتعبٌ غير محتمل من
جانبهم في نهاية مطاف حياتهم.
ومن ثم قال اللّه تعالى (إلاّ مَن خطَف الخطفة فأتبعه شهابٌ ثاقب.).ولا تظنّ يا عزيزي المسلم بأنّ اللّه عز وجلّ قد استهلّ هذه الآية بحرف (إلاّ) للاستثناء.فلا مجال للاستثناء في هذا المقام،بل هنا مقام عطف مضمون هذه الآية على سابقاتها اللّواتي تكلّمن عن كلّ (شيطان مارد).ولذلك فقد استهلّ اللّه تعالى هذه الآية بحرف (إلا) عاطفةً بمنزلة الواو. ومثال ذلك من كتاب اللّه العزيز : (لئلاّ يكون للنّاس عليهم حُجّةً إلاّ الذين ظلموا منهم) أي ولا الذين ظلموا.ويصبح تقدير الآية (ومَن خطف الخطفة فأتبعه شهابٌ ثاقب.). فما هي دلالة (خطف الخطفة) ؟ ففعل خطف معناه:سلب بسرعة،وكقوله جلّ شأنه في سورة البقرة (يكاد البرق يخطف أبصارهم).فإن قلت:خطف الشيطان السمع، معناه استرقه.أمّا كلمة (الخطفة) فتعني الاختلاس من شيء من الأشياء-معجم محيط المحيط

وأمّا قوله تعالى (فأتبعه شهابٌ ثاقب).فالمعنى الحقيقي لكلمة (شهاب) : كلّ مضيء متولّدٍ من نار أو يطلق الشهاب على شُعلة النار الساطعة أو يطلق على كلّ ما يُرى كأنّه كوكب انقضّ.وأمّا كلمة (ثاقب) فمشتقّة من قولك:ثقبه بمعنى خرقه. ومعنى (شهابٌ ثاقب) أي شهابٌ مضيء.(معجم محيط المحيط)وما دام اللّه عز وجلّ قد تكلّم في سباق هذه الآية عن (كلّ شيطان مارد).أي عن كلّ زعيم في قومه مردَ على الحقّ وعتا وجار في حكمه بين رعيّته، ومثال ذلك فرعون وأبو جهل وأمثالهما،فيعتبر ذلك قرينة لغويّة تدفع لاعتبار هذه الكلمات الواردة في هذه الآية الكريمة،اعتبار أنّ اللّه عز وجلّ قد استعارها بمعانيها المجازيّة وليس بمعانيها الحقيقيّة التي أوردناها.وليصبح معنى قوله تعالى (إلا مَن خطف الخطفة فأتبعه شهابٌ ثاقب) أي وإنّ كلّ واحد من أولئك الشياطين المردة على الحقّ،إن نسب لنفسه شيئا اختلسه ممّا ليس له من أمور الدين،كفرعون الذي زعم أنّه ربّ المصريين الأعلى،فإنّ اللّه عز وجلّ لا يدعه يفتري على اللّه الكذب،ويُتبِعه بشاب ثاقب.أي يُتبعه بمبعوث صاحب عقل ثاقب وحاذق يكشف حقيقته.ولقول اللّه تعالى (ومن أظلم ممّن افترى على اللّه الكذب إنّه لا يُفلحُ المجرمون).فهذه الاستعارة يفسّرها قول اللّه تعالى الذي نقلناه آنفا.ذلك أنّ القرآن الكريم يفسّر بعضه بعضا.ولا يجوز أن نفسّره بمعاني تتضارب مع معاني آيات قرآنيّة غيرها.

وبعد أن بيّنت للقارئ المسلم معاني ودلالات الآيات التي اعترض عليها مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟)،وبمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.وليس بالرجوع إلى تفسير البيضاوي وغيره من (قيل وقال).أعود أخاطب رجل الدين المسيحي (عبد اللّه عبد الفادي) نفسه الذي حاول من خلال مؤلّفه المذكور بلبلة أذهان المسلمين.أخاطبه وأقول له: هذه هي معاني ودلالات الآيات القرآنيّة التي اقتبستها أنت من سورتي (المُلك والصافّات).ولربّما تكون قد لاحظت بأنّ هذه المعاني وتلك الدلالات،لا علاقة لها بملايين الكواكب الضخمة التي تسبح في فضاء لا نهائيّ، إلا من جهة وجه استعارة ألفاظها وتشبيه الذين يستحقّون تسمية (شيطان) ويكونون متمرّدين على الحق وعُتاة،أمثال الذي تشدّ ظهرك بحزامه،وهو الذي ضجّ العالم من استكباره وعتوّه.وبذلك يبطل ما اعترضت عليه.وبالتالي يصبح هذا السؤال الثالث الذي طرحته باطلا.

[جواب السؤال الرابع]
(4) – وأتوجّه للردّ على السؤال الرابع، وهو السؤال الذي جعل المؤلّف المذكور عنوانه ((السماوات السبع والأراضي السبع).هذا السؤال الرابع الذي استهلّه المؤلّف المذكور،وعلى عادته،بنصوص آيات اقتبسها من سور (الطلاق12 ،البقرة 29،فصّلت12الأنبياء 32،الحجّ 65،وسورة ق الآية 6).وأتبعها باقتباسات من تفسير البيضاوي وعلى عادته أيضا،وراح يسأل بعد ذلك كلّه ويقول:
(ونحن نسأل: كيف يقول عن الفضاء المتسامي سموّا لا متناهي فوقنا إنّه سقفٌ أملسٌ قابلٌ للسقوط،وإنّه يوجد سبعة سقوف من هذا النوع ؟ وإنّ ملايين الكواكب التي تسبح في الفضاء غير المحدود مصابيح مركّزة في هذا السقف الموهوم؟وكيف يقول إنّ أرضنا،وهي واحدةٌ من ملايين الكواكب والسيّارات والأقمار والشموس يوجد سبعة مثلها ؟). وتلاحظ يا عزيزي القارئ المسلم كيف أنّ سؤال هذا المؤلّف الذي يسعى لبلبلة أفكارك وتشكيكك بكتاب اللّه العزيز، قد استند في سؤاله هذا إلى تفسير البيضاوي الذي ما كان مطّلعا على العلوم الحديثة،ولا استند في تفسيره إلى منهجيّة القرآن الكريم وأصول
تفسيره.علما بأنّ الأفكار التي فسّر بها البيضاوي الآيات التي أوردها هذا المؤلّف إنّما هي نفس الأفكار التي كانت مسيطرة على عقول الأشخاص الذين كتبوا قصص هذه الأناجيل التي يقدّسها متناسيا ما فيها من حشو أخطاء علميّة،ومزاعم لا تهضمها عقول المفكّرين. الأمر الذي ضجّ منه الأوربيون في بداية نهضتهم الصناعيّة المعاصرة،وابتعدوا من جرّاء ذلك عن الكنيسة والدين،وتبنّوا العلمانيّة منهجا لحياتهم وإلى الآن.ولذلك تلاحظ كيف أنّ بابا روما في واد، وزعماء الغرب في واد آخر.ثمّ إنّ تساؤلات هذا المؤلّف استندت إلى التّفسير وليس إلى القرآن الكريم نفسه.وأنا كمسلم عندما أطالع التفاسير القديمة فإنّ نفسي تتقزّز ممّا ورد فيها من مخالفات لمعطيات العلوم الحديث.فما بالك يا عزيزي القارئ المسلم برجل دين مسيحيّ لا يبتغي الحقيقة ويسعى لبلبلة أفكار المسلمين الذين يخالفونه في عقيدته التي توارثها أبا عن جدّ،ومن دون أن يستعمل عقله في موضوع تمحيصها ما دام إنسانا ؟

(1)- فالآية الأولى التي اعترض عليها هذا المؤلّف،هي آخر آية من آيات سورة الطلاق. وهذا يعني أنّ هذا المؤلّف قد قطع هذه الآية عن تسلسلها الموضوعي،وتغافل عمّا سبقها من مضمون جرّ إلى ما تضمّنته هذه الآية الأخيرة من مضمون قد ورد في سياق تلك الآيات. ولا يُقدمُ على هذه الخطوة إلا إنسان يجهل وجود تسلسل موضوعي في آيات هذا القرآن العظيم.أو أنّه يدري بهذه الحقيقة،ومع ذلك يتجاهلها بقصد اجتزاء مضمون الآية عن سياقها ولبلبلة أفكار الذين يطالعون مؤلّفه.ألا فاعلم يا عزيزي القارئ المسلم بأنّ اللّه عز وجلّ كان قد أنهى سورة (المنافقون) بقوله تعالى (واللّه خبيرٌ بما تعملون).وأورد بعدها سورة (التغابُن) علما بأنّ (الغابن) معناه الفاتر عن العمل. وليذكر في سورة التغابن مسلمي عصرنا بالذات،بالنتائج المترتّبة على ترك المسلم العمل على تعاليم دينه.

فقال تعالى في الآية الخامسة منها (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وَبال أمرهم ولهم عذابٌ أليم.) أي حرموا من تأييد اللّه ونصرته ولذلك فلا بّد أن يواجههم (عذابٌ أليم).وأنهى تعالى الآية التي بعدها وقال (واستغنى اللّه واللّه غنيٌّ حميد.)أي واستغنى اللّه عنهم واستبدلهم لكونه تعالى (الغنيّ الحميد.).ومن ثمّ خاطب اللّه تعالى مسلمي عصرنا وقال في الآية الثامنة (فآمنوا باللّه ورسوله والنور الذي أنزلنا واللّه بما تعملون خبير.).ومن ثمّ جاء اللّه عز وجلّ بسورة (الطلاق) هذه في المدينة المنوّرة وعالج فيها موضوع الطلاق الذي انتشر بين صفوف مسلمي عصرنا إلى حدّ مزعجٍ وبذلك يكون تعالى قد ربط مضمون سورة الطلاق هذه بصورة موضوعيّة بالسور التي قبلها وليبحث موضوع الطلاق وكثرة وقوعه على أنّه يُعتبر ظاهرة تخلّفٍ طبيعيّة دالّة على تخلخل نظام الزواج وترابط العائلة الواحدة في المجتمع الإسلامي .–راجع مؤلّفي (فنّ الاختزال في القرآن الكريم-

فلمّا فرغ اللّه تعالى من بيان أحكام الطلاق الضروريّة لهذا المقام،فقد عاد اللّه تعالى ينذر هؤلاء المسلمين المعاصرين ويقول (وكأيٍّمن قريةٍ عتت عن أمر ربّها ورُسُلِهِ فحاسبناها حسابا شديدا وعذّبناها عذابا نُكرا.فذاقت وَبال أمرها وكان عاقبة أمرها خُسراً.)ومن ثمّ فقد راح اللّه جلّ شأنه في الآية التي بعدها يخاطب هؤلاء الذين كانوا من قبل قد آمنوا وقال (أعدّ اللّه لهم عذابا شديدا،فاتّقوا اللّه يا أولي الألباب الذين آمنوا (وقف) قد أنزل اللّه إليكم ذكرا.).فمن خلال إشارة (الوقف) ذكّرهم بأنّ في العمل على تعاليم هذا القرآن الكريم (ذكرأ) لهم أي عزّة وشرفا.وانتهى جل شأنه في سورة الطلاق هذه ليورد هذه الآية التي اعترض عليها مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟).فهذا التسلسل الموضوعي الوارد في هذه السور وفي آيات سورة الطلاق بالذات ، يؤكّد بأنّ المعنى الذي ذهب إليه تفسير البيضاوي لا علاقة له بمضمون هذه الآية الأخيرة.فاللّه عز وجلّ لا يتكلّم في هذه الآية الأخيرة عن هذه السماء والأرض المادّية المرتبط موضوعها بأجسامنا المادّية.بل إنّ علاقة هذه الآية الأخيرة مرتبط موضوعيّا بتعاليم الدين والعمل عليها أو ترك العمل عليها. والنتائج المترتّبة على العمل أو الترك يقينا.فاللّه عز وجلّ قال في هذه الآية الأخيرة (اللّه الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهنّ يتنزّل الأمر بينهنّ لتعلموا أنّ اللّه على كلّ شيء قدير وأنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيءٍ علما.). وعليه كان من واجبك يا عزيزي القارئ أن تلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ قد أورد في هذه الآية كلمة (سماء) في مقابل كلمة (أرض).وقد سبق لي أن بيّنت لك بأنّ كلمة (سماء تعني في هذه الحالة (كلّ ما علاك) وأنّ كلمة (أرض) في هذه الحالة تعني القشرة الأرضيّة التي هي تحت أرجلك أي تعني كلّ شيء أسفل منك.وما دام اللّه عز وجلّ يتكلّم في هذه الآية الكريمة عن النتائج المتوخّاة من العمل على تعاليم دينه أو ترك العمل على تلك التعاليم.فقد أصبح المراد من قوله تعالى (اللّه الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهُنّ يتنزّل الأمر بينهُن) أي تذكّروا أيّها المسلمون الذين كنتم مؤمنين وتعملون على أحكام اللّه أو تتركون العمل عليها،أنّ اللّه قد فتح للعاملين على تعاليم الدين باب رقيٍّ لا نهائيٍّ . وأنّ اللّه قد قدّر لتاركي العمل على أحكام الدين باب تنزّلٍ لا نهائيٍّ أيضاً.وقد قدّر جلّ شأنه إنزال هذه التعاليم المشار إليه ما بين بداية الرقيّ الروحي المشار إليه وما بين بداية التنزّل الروحيّ المشار إليه.إشارة منه جلّ شأنه إلى تنزّل أحكام الأديان في هذه الحياة الدنيا التي يبتدئ تطوّر الإنسان المؤمن روحيا فيها إلى السماوات العُلى. ويبتدئ تنزّل الإنسان الكافر فيها روحيّا إلى أسفل سافلين التي سمّيت بجهنّم في مقامات أخرى.

وقد أتى اللّه عز وجلّ بعد تلك الفقرة التي ذكرناها بلام العاقبة وقال (لتعلموا أنّ اللّه على كلّ شيء قديرٍ وأنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيء علما.).والمعنى هو أننا بيّنا لكم يا من تنسبون أنفسكم إلى هذا الدين المتين النتائج المترتّبة على العمل على تعاليم هذا الدين ، والنتائج المترتّبة على ترك العمل على تعاليم هذا الدين ، وذلك لتُركوا بأنّكم حين تبتعدون عن هذا الدين الحنيف لا تكونون قد ابتعدتم عن قبضة ربّكم الذي خلقكم.بل تكونوا قد رسمتم مصيركم الجهنّمي بأنفسكم.وعليه فاعلموا (أنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيء علما.)فلا تظنّوا بأنّ ما تُقدمون عليه ، هو بعيد عن علم اللّه الواسع الذي يبلغ سرّكم وما تجهرون به من أعمال.فهذه هي دلالات هذه الآية الأخيرة من سورة الطلاق.

(2)- والآية الثانية التي أوردها المؤلّف ومعترضا على مضمونها،هي الآية 29 من سورة البقرة التي قال اللّه تعالى فيها (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثمّ استوى إلى السماء فسوّاهنّ سبعَ سماوات وهو بكلّ شيء عليم.).فمؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) اعترض استنادا إلى ما ورد في تفسير البيضاوي وقال : (كيف توجد سبعة سقوف فوقنا وملساء وغير قابلة للسقوط ؟)
فأجيب على اعتراضه وأقول: إنّ هذا المؤلّف قد أخطأ أولا حين اعتمد تفسير البيضاوي تفسيرا للآية سالفة الذكر.وقد أخطأ ثانيا عندما قطع هذه الآية المذكورة عن سياقها الموضوعي.وبما يتعلّق بخطئه الأول،فالقارئ يلاحظ كيف أني دأبت أنبّه إلى أنّ التفاسير القديمة لا تُعدّ حجّة قائمة على هذا القرآن الكريم الصالح لكلّ زمان ومكان.والذي يضطرّ مسلمي كلّ عصر ليتدبّروا آيات هذا القرآن العظيم وفقا لمعطيات العصر الذي يتواجدون فيه.وإنّ البيضاوي لم يُعاصر مُعطيات العلم الحديث ليكون حجّة على هذا الكتاب العزيز.

وأما بما يتعلّق بالخطأ الثاني الذي وقع فيه المؤلّف المذكور،وهو اقتطاع هذه الآية الكريمة عن سياقها الموضوعي.أقول: لاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد قال في الآية التي قبل هذه الآية (كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يُحييكم ثمّ إليه تُرجعون.) إشارة إلى جميع الأدوار التي مرّ بها خلق هذا الإنسان.فقد أنشأه اللّه خالقه من مادّة ترابيّة أي من موات.وبحيث تولّدت فطرته من جذور مادّية أيضا- راجع مؤلّفي: (نظريّة جذور الأخلاق)- الذي بيّنت فيه وبصورة علميّة الجذور المادّية لهذه الفطرة البشرية.ومن ثمّ أتى تعالى بفاء الاستئناف فاستأنف وقال (فأحياكم) وأشار من خلال قوله تعالى هذا إلى دور ظهور هذا الإنسان كائنا حيّا بعد أن كان مواتا.

ومن ثمّ أشار تعالى إلى الدور الثالث الذي يمرّ به هذا الإنسان وقال (ثمّ يميتكم) إشارة إلى أنّ كلّ إنسان لابدّ أن يموت في يوم من الأيّام.ثمّ أتى بحرف ثمّ الذي يفيد الترتيب وقال (ثمّ يحييكم) وقد أشار بذلك الدور إلى الحياة البرزخيّة التي يحياها الإنسان بعد موته.وقد أتى بحرف (ثمّ) للمرّة الثالثة وقال أخيرا (ثمّ إليه تُرجعون.). هذا وإنّ كلّ من يقرأ الآية التي أوردتها يتساءل بشكل فطريّ ويقول: هل أنّ اللّه عز وجلّ قد أقدم على إنشاء هذا الإنسان على سطح هذه الكرة الأرضيّة وليمرّ من هذه الأدوار التي عدّدتها هذه الآية.ومن ثمّ تركه لشأنه.أم أنّ للّه الخالق يدٌ في كلّ ما وُجد على سطح هذه الأرض ؟ ثمّ إن كان له دخلٌ في كلّ ما هو موجود على سطح هذه الأرض ، فهل خلق اللّه تعالى هذا الإنسان بلا مقصد يسعى إليه ؟ أم قد جعل لحياته مقصداً من واجبه أن يسعى لتحقيقه ؟ فإن كان هناك من مقصد فما هي النتائج المرجوّة من تحقيق هذا المقصد ولصالح هذا الإنسان بعد أن يموت ؟ وإجابة على هذه الأسئلة التي تخطر في ذهن القارئ بصورة تلقائيّة بعد إحاطته علما بدلالة الآية التي أوردناها والتي عدّدت الأدوار التي مرّ ، وسيمرّ منها هذا الإنسان. فإجابة على الأسئلة المذكورة قد راح اللّه جلّ شأنه يقول (هو الذي خلق لكم ما في هذه الأرض جميعا ثمّ استوى إلى السماء فسوّاهنّ سبعَ سماوات وهو بكلّ شيء عليم.). وقد اشتملت هذه الإجابة الواردة في هذه الآية على الحقائق التالية:

أولا- إذا انطلقنا من أنّ كلمة (الأرض) الواردة في هذه الآية هي اسم جنس،وتتعلّق بالقشرة الأرضيّة.فإنّ اللّه عز وجلّ يكون من خلال قوله تعالى (خلق لكم ما في الأرض جميعا) قد نبّه عقول البشر،ومنذ قرابة أربعة عشر قرن من الزمان،إلى حقيقة علميّة وهو أنّه لا يوجد شيء على سطح الأرض من نبات إلى حيوان إلى أشياء أخرى إلاّ ويكون فيه فائدة لهذا الإنسان.هذا وإنّ الكشوف العلميّة الحديثة راحت تثبت مصداقيّة هذه الحقيقة العلميّة التي طلعت بها تعاليم القرآن الكريم على العالم منذ ذاك الحين.هذا وإنّ كلّ ما سيظهر في المستقبل من كشوف علميّة سترسّخ ما جاءت به هذه الفقرة الأولى من الآية.

ثانيا_ ومن وجهة النظام الاقتصاديّ،فقد نبّه اللّه عز وجلّ البشر إلى أنّهم (جميعهم) مشتركون في مُلكيّة ما في هذه الأرض من أشياء.وأنّ القوانين المتعلّقة بدفع الزكاة والصدقات وغيرها ممّا أوجبته تعاليم الدين الإسلاميّ الحنيف،إنّما كان القصد منها جميعها إعطاء كلّ ذي حقّ في ملكيّة هذه الأشياء إنسانا كان أو حيوانا أو نباتا.وإلى هذه الحقيقة أشار قوله تعالى في مقام آخر (وفي أموالهم حقٌّ معلوم للسائل والمحروم).فالسائل هو الفقير المحتاج الذي بإمكانه أن يسأل العطاء .وأمّا المحروم فهو كلّ حيوان ونبات ليس له لسان ليسأل ما يحتاج إليه ممّا له في ملكيّة هذه الأشياء.

ثالثا- هذا وإنّ قول اللّه عز وجلّ حين أورد (لام التعليل) وقال (لكم) فقد نبّه عقول البشر إلى أنّ كلّ شيء في هذه الأرض مسخّرا وخادما لهذا الإنسان،لذلك فإنَ الذي يتّجه إلى عبادة أيّ شيء من أشياء هذه الأرض : بشرا كان أو حيوانا كان أو نباتا.يتناقض مع نفسه يقينا ومن باب أنّ الخادم لا يجعله العاقل سيّدا.وهذه الحقيقة تدحض ألوهيّة المسيح.
وأمّا في الفقرة الثانية من هذه الآية فقد قال اللّه عز وجلّ (ثمّ استوى إلى السماء فسوّاهُنّ سبع سماوات).وبمعنى أنّه ما دام قد خلق اللّه الإنسان وسخّر له ما في الأرض جميعاً وجعل لحياته مقصدا،وهو أن يبتليه فيما آتاه،قال تعالى (ثمّ استوى إلى السماء فسوّاهنّ سبعَ سماوات). ففعل (استوى) إلى الشيء له عدّة معاني منها قصد أو صعد أو عمد إلى (معجم محيط المحيط) وهذا المعنى الأخير هو المراد هنا من قوله تعالى (ثمّ استوى إلى) بمعنى أنّ اللّه عز وجلّ الذي أراد أن يبتلي هذا الإنسان في مجال الأعمال،قد عمد إلى إبداع عالم روحيٍّ يتناسب مع التزام هذا الإنسان بأوامر خالقه.وهنا أتى تعالى بفاء الاستئناف وقال (فسوّاهنّ سبعَ سماوات).والسؤال هنا : ما هي معالم هذه التسوية ؟

فلاحظ يا عزيزي القارئ المسلم كيف أنّي توصّلت من خلال سياق هذا الكلام الإلهيّ إلى أنّ المقصود من كلمة (السماء) الواردة في هذه الفقرة ، لم يكن المراد بها السماء المادّية التي هي فوق رؤوسنا.بل أراد اللّه تعالى من هذه الكلمة (سماء) في هذا المقام ، (السماء الروحيّة) التي تنتج عن أعمال المرء المؤمن المطيع لأوامر خالقه عز وجل.فهذا هو المعنى الذي اقتضاه سباق هذا الكلام في هذا المقام.هذا وإنّ اللّه جلّ شأنه وقد أراد أن يفهّمنا بأنّ الإنسان يترقّى روحيّا على قدر إطاعته لأوامر ربّه عز وجلّ.فقد عبّر عن هذه الحقيقة وقال (فسوّاهنّ سبعَ سماوات).أي سبع مرتب روحيّة رئيسيّة يتدرّج الإنسان المؤمن فيها درجة فدرجة،ووفق إطاعته لخالقه.

أمّا التدرّج الروحيّ المشار إليه فخاضع لقانون التطوّر الذي يعمل في هذا الكون على مختلف المستويات.إذ لا يوجد شيء ينشأ فجأة كامل الجسم والصفات.وأمّا كلمة (سبع) فتستعمل في اللّغة العربيّة تعبيرا عن العدد سبعة.كما تُستعمل هذه الكلمة للمبالغة.فتقول: زرتكّ يا صديقي سبعين مرّة ولم أجدك في دارك.ولا تكون قد زرت صديقك إلا مرّة أو مرّتين،لكنّك تكون قد أوردت العدد (سبعون) بقصد المبالغة ليس إلاّ.وهذه الحقيقة أوردها معجم (لسان العرب) وغيره من معاجم اللّغة العربيّة.هذا وإنّك تلاحظ يا عزيزي بأنّ اللّه عز وجل قد ختم هذه الآية بقوله (وهو بكلّ شيء عليم.).ليُشعرك ربّك بأنّه حين خلق هذه المخلوقات،قد تحسّب لكلّ شيء وفي وقت هو بكلّ شيء عليم.
فإلى هنا أكون قد أثبتّ خطأ فهم البيضاوي وتلميذه (عبد اللّه عبد الفادي) لمضمون الآية من سورة الطلاق من جهة.ولمضمون هذه الآية من سورة البقرة.لذلك أتناول بالبحث
(3)- الآية الثالثة التي استدل بها مؤلف (هل القرآن معصوم ؟) ليثبت عدم عصمة كتاب اللّه العزيز، وهي الآية 12 من سورة فصّلت التي قال اللّه تعالى فيها (فقضاهنّ سبع سماوات في يومين،وأوحى في كلّ سماء أمرها،وزيّنا السماء الدنيا بمصابيح،وحفظا،ذلك تقدير العزيز العليم.).فاعلم يا عزيزي المسلم بأنّ ملايين الكواكب التي تسبح في الفضاء ليست على مستوى واحد،حتّى يصحّ أن يُقال عنها بأنّها سماء واحدة.هذا وإنّ العلوم الحديثة قد أثبتت أنّ لكلّ كوكب أو لكل مجموعة كواكب،تأثيراتها في كلّ شيء موجود على سطح كوكبنا الأرضي،سواء أكان هذا الشيء إنسانا أو كان حيوانا أو كان إنسانا.

كذلك قد ثبت علميّا بأنّ جميع ما في الكون لم يوجد معا دفعة واحدة.وقد أشار اللّه عز وجلّ إلى هذه الحقيقة عندما قال جلّ شأنه (فقضاهنّ سبع سماوات في يومين) فقوله تعالى هنا (في يومين) تكمن وراءه حقيقة علميّة.ذلك أنّ كلمة اليوم على حين تُطلق على فترة ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس.فإنّ العرب يوردون كلمة (يوم) أحيانا ويريدون منه دلالته على الوقت والحين.فيقولون: أعددتُك لهذا اليوم،أي لهذا الوقت الذي نحن فيه بحاجة إليك.(معجم محيط المحيط).والحقيقة هي أنّ اللّه عز وجلّ وهو يُطلعنا على حقيقة علميّة تتعلّق بتكوين هذا الفضاء الخارجي،فقد أورد كلمة (يومين) بمعنى دورين زمنييّن. فالدور الأوّل كان دور ذرات غبار كوني.والدور الثاني تكوّنت فيه هذه الكواكب والمجرّات المعروفة لدى علماء الكونيّات.

وأمّا قول اللّه عز وجلّ في الفقرة الثانية من الآية (وأوحى في كلّ سماء أمرها) فإشارة إلى ما قدّر اللّه العزيز من تأثيرات لكلّ مستوى من تلك الكواكب السماويّة.وقد انتقل اللّه العزيز للكلام عن تكوين العالم الكونيّ الروحيّ فأضاف تعالى وقال: (وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا) ففعل (زيّنا) يعبّر عنه أهل زماننا بكلمة (الديكور).وكلمة مصابيح مفردها مصباح وهو السراج أو الفتيلة المشتعلة.وعليه يصبح معنى قوله تعالى (وزيّنا السماء الدنيا بمصابيح) أنّه وبعد أن أبدع العالم الكونيّ الروحي فقد زيّنه بأعداد كبيرة من الأنبياء والمرسلين والعلماء والمجدّدين.فكان كلّ واحدٍ منهم بمثابة سراج يهتدي الإنسان المؤمن على يديه إلى خالقه عز وجلّ.أي أنّه تعالى قد أورد كلمة (مصابيح) هنا على سبيل الاستعارة.وأمّا قوله تعالى (وزيّنا السماء الدنيا) فلتدلّ على العالم الكوني الروحي الموازي لهذا العالم الكوني المادّي.وقد اختصر اللّه عز وجلّ وأضاف وقال (وحفظا) وحاذفا مضاف فعل حفظ،لتصريف الفعل إلى أكثر من معنى.وليصبح معنى قوله تعالى (وحفظا).أي وحفظا للجنس البشريّ من الانقراض.وحفظا للجنس البشريّ من أن يؤول حاله إلى حاله الذي كان عليه خلال عصوره الحجريّة.وحفظا لهذا الإنسان من أن يضلّ ويحتجّ على ربّه يوم القيامة من أنّه خلقه وأهمله وما قام بإرسال من ينير له الطريق ليتعرّف بواسطته على خالقه الذي هو إلهه الحقيقي .

وقد ختم اللّه العزيز هذه الآية الكريمة بقوله تعالى (ذلك تقدير العزيز العليم.).فلاحظ يا عزيزي القارئ المسلم كيف أنّ الأصل أن يأت اللّه عز وجلّ هنا باسم الإشارة القريب ويقول : هذا تقدير العزيز العليم.لكنّك لابدّ أن لاحظت بأنّه تعالى أتى باسم الإشارة الدالّ على البعيد (ذلك) وقال (ذلك تقدير العزيز العليم.).فمن الوجهة البلاغيّة لا يقوم الكاتب بهذا الاستبدال إلاّ إذا أراد تعظيم ما أشار إليه في حديثه.وعليه فإنّ اللّه عز وجلّ حين أجرى هذا الاستبدال المشار إليه فقد أراد إبراز عظمة هذا الإبداع الذي ابتدعه من دون سابق مثال وقدّره تقديرا.

(4)-- والآية الرابعة التي اعترض مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) على مضمونها.هي الآية 32 من سورة الأنبياء التي قال اللّه عز وجلّ فيها (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها مُعرضون.).وقد قطع المؤلّف المذكور،وعلى عادته، مضمون هذه الآية عن تسلسلها الموضوعي.فإن أنت عُدت يا عزيزي القارئ المسلم إلى الآيات التي قبل هذه الآية الآنفة الذكر،تلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ كان قد كشف حقيقة علميّة في الآية 30 تتعلّق بنظريّة (الانفجار العظيم) وسبق لي أن شرحتها في حينه.كذلك كان تعالى قد كشف حقائق علميّة في الآية 31 تتعلّق بالإبداعات الأرضيّة،وكنت قد شرحتها في حينه أيضا.وقد جاء اللّه جلّ شأنه يُلفت أذهاننا إلى حقيقة علميّة جديدة في هذه الآية التي نحن بصددها،وقال
(وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها مُعرضون.). أي أنّه تعالى أورد فعل (وجعلنا) وقد اشتقّه من قولك جعلت ومعناه صنعت ووضعت.وفعل (الجعل) يفيد أكثر من معنى.فيورد للتّشريف نحو (جعلناكم أمّةً وسطا).وللتعيين نحو (وجعلنا لكلّ شيء سببا).والجاعل هو المعطي.(محيط المحيط).وقد أورد جلّ شأنه قوله (وجعلنا) في هذه الآية بجميع معاني فعل الجعل.وأما كلمة (سقفا) فأنت تقول : جعلت لبيتي سقفا،مقابل أرضه. ويجمع على سقوف.وأمّا كلمة (محفوظا) فاسم مفعول ويعني أنّ هذا السقف ممنوع من السقوط فوق رؤوس البشر.(معجم محيط المحيط)

واستنادا لمعاني ألفاظ قوله تعالى (وجعلنا سقفا محفوظا)،وبالنظر إلى موقعه من التسلسل الموضوعي للآيات،يتبيّن بأنّ اللّه عز وجلّ قد نبّه عقول العلماء في قوله هذا أيضا إلى حقيقة علميّة كشف عنها العلم الحديث.وهو أنّ اللّه عز وجلّ قد أشار من خلاله قوله المذكور إلى (طبقة الأوزون) المحيطة بالأرض،والتي هي بمثابة سقف لسكان الكرة الأرضيّة تحمي البشر من أشعّة الشمس فوق البنفسجيّة الصادرة عن الشمس،والتي تتسبّب ،إن تعرّض لها جلد الإنسان‘بإصابته بسرطان الجلد.ولا يذهب ذهنك يا عزيزي إلى أنّي أحمّل هذا النصّ القرآني أكثر ممّا يحتمل من معنى.فالدليل على مصداقيّة هذا المعنى أنّ تفسير ابن كثير أورد عن ابن عبّاس قال: قال رجلٌ يا رسول اللّه ما هذه السماء ؟ -ويقصد هذه السماء التي جعلها ربّنا (سقفا محفوظا)- فأجابه محمّد رسول اللّه (ص) وقال (موجٌ مكفوفٌ عنكم.) وقد أشار رسول اللّه (ص) من خلال جوابه هذا إلى هذا الموج من الأشعّة فوق البنفسجية الصادرة عن الشمس.

وأما قوله تعالى (وهم عن آياتها مُعرضون.) فإنّ هذا القول يؤكّد مصداقيّة المعنى الذي أعطيته لقوله تعالى (سقفا محفوظا) من أنّه يشير إلى طبقة الأوزون المحيطة بالأرض كالسقف الذي يعلو الغرفة يحفظها من العوامل الجوّية ويحفظها من بطشها.أفلا تلاحظ يا عزيزي المسلم كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد أورد في قوله (وهم عن آياتها مُعرضون.) أورد كلمة الجمع (آياتها) والتي مفردها (آية) والتي من معانيها العلامة.فإن أخذت يا عزيزي بهذا المعنى يعود تعالى وكأنّه يذكّرنا بما استهلّ به تعالى أوّل آية قال فيها بأسلوب الاستفهام الاستنكاري (أولم ير الذين كفروا ..).فاللّه عز وجلّ على هذه الصورة وكأنّه جلّ شأنه يخاطب الذين كفروا باللّه الأحد الذي لا شريك له: أنّكم كيف تكفرون بهذا المبدع الأعظم الذي أبدع جميع ما أبدعه ولفت أنظارهم إليه قائلا : إنّ جميع هذه العلامات الدالّة على وجودي وكوني الإله الذي لا إله غيري،تلك العلامات التي لفتّ أنظاركم إليها ومنها وجود طبقة الأوزون التي لولاها لكان كل واحد منكم قد أصيب بسرطان الجلد ؟ وبألفاظ أخرى فكأنّه جلّ شأنه يصحّح ما ورد في تفسير البيضاوي الذي تسبّب للمؤلّف (عبد الله عبد الفادي) أن ينظر إلى هذا القرآن المعصوم نظرة سوداويّة.

(5)- والآية الخامسة هي الآية 65 من سورة الحجّ وقد اقتطع المؤلّف المذكور فقراتٍ منها هي قوله تعالى فيها (ويُمسكُ السماءَ أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه إنّ اللّه بالناس لرؤوف رحيم.).ومعترضا على قوله تعالى فيها (ويُمسكُ السماء أن تقع على الأرض) ومتسائلا: كيف يكون هذا الفضاء المتناهي من فوقنا سقفا قابلا للسقوط ؟
فأقول: إنّ عمليّة بتر جزء من آية ، وقطع هذه الآية عن تسلسلها الموضوعي في السورة الواحدة يتنافى وأصول تفسير هذا القرآن المجيد.وإنّ هذا المؤلّف قد دأب على عمليّة بتر جزء من آية وقطعها عن تسلسلها الموضوعي.ولا يفعل فعله إلاّ جاهل بهذا الأصل التفسيري الذي ذكرناه.فالإنسان الذي يقرأ هذا النصّ المبتور،ويقرأ إلى جانبه التساؤل المرافق له،قد يرتاب ويتشكّك.لكنّ كلّ من يطّلع على التسلسل الموضوعي يرتاح.

وهذه الحقيقة تدعوني لألفت نظرك يا قارئي العزيز لتسمع الجوّ الفكريّ لهذا الجزء المبتور. فاللّه عزّ وجلّ كان قد قال في الآية 63 (ألم تر أنّ اللّه أنزل من السماء ماءً فتُصبح الأرضُ مُخضرّةً.).أي أنّه استهل هذه الآية بقوله (ألم تر أنّ).ففعل رأى يشير إلى الرؤية بالعين أو الرؤية بالقلب.وأمّا قوله تعالى (ألم تر أنّ) فهذا قولٌ يقوله العربيّ عند التعجُّب، وهو أسلوب استفهام إنكاريّ.هذا وإنّ اللّه عز وجلّ حين لجأ إلى هذا الأسلوب المذكور في هذه الآية 63 فقد كان قصده أن ينبّه ذهن القارئ إلى حقيقة المعادلة الجدليّة التي تربط السماء بالأرض،والدالّة على لُطف اللّه تعالى بهذه الأرض وبمن عليها.ولذلك فقد ختم الآية بقوله تعالى (إنّ اللّه لطيفٌ خبير.).
ولم يكتف ببيان هذه المعادلة الجدليّة المشار إليها.بل أتى باللام التي تفيد الملكيّة،واستهلّ بها الآية 64 وقال (له ما في السماوات وما في الأرض وإنّ اللّه لهو الغنيّ الحميد.). وبذلك يكون اللّه جلّ شأنه قد أكّد وجود تلك المعادلة الجدليّة من جهة.ومن جهة ثانيةٍ يكون قد نبّه عقولنا إلى أنّ ما يجري في هذا العالم،لا يجري من نفسه.بل يجري بتقدير من اللّه الغنيّ الحميد.وهذا هو السبب في أنّه تعالى قد ختم هذه الآية الثانية بقوله (وإنّ اللّه لهو الغنيُّ الحميد.) بمعنى أنّ ما يملكه اللّه العزيز لا ينتهي،ويشبه هذا الكون الّلانهائي.وأنّ نظم ما يجري في هذا الكون، إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ اللّه هو (الحميد) أيضا أي أنّ تصرّفاته سبحانه فيما يجري في هذا الكون يدفع بالإنسان الباحث المفكّر ليلهج بالثناء وبحمد اللّه خالق كلّ شيء ومالكه والذي قدّره تقديرا.

ومن ثمّ فقد عمد جلّ شأنه إلى أسلوب الاستفهام الإنكاري نفسه وقال في الآية 65 التي نحن بصددها،والتي بتر مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) جزء منها،قال (ألم تر أنّ اللّه سخّر لكم ما في الأرض،والفُلكَ تجري في البحر بأمره،ويُمسكُ السماء أن تقع على الأرضِ إلا بإذنه،إنّ اللّه بالناس لرؤوفٌ رحيم.). وهكذا ومن خلال عودة اللّه تعالى إلى أسلوب الاستفهام الإنكاري من جديد هنا،كانت الغاية منه توجيه ذهن الباحث المفكّر من جديد إلى حقيقة جدليّة ثانية.فمن علاماتها أنّ اللّه عز وجلّ قد جعل كلّ شيء في هذه الأرض مُسخّرٌ وخادمٌ لهذا الإنسان.وأنّ الفُلك التي تجري في البحر هي في حقيقة أمرها مسخّرة لهذا الإنسان أيضا،وتعود إلى هذه العلاقة الجدليّة المشار إليها.

كذلك فإنّ وجود طبقة الأوزون المحيطة بالأرض كالسوار حول المعصم والتي تحمي جلودنا من أن تُصاب بسرطان الجلد داخلةٌ في هذه المعادلة الجدليّة أيضا ،كذلك فإنّ هطول مياه أمطار السماء في أوقاتها المناسبة،وتفتّت الشهب العابرة في الطبقة العليا من الجوّ،وتقدير عدم وصولها إلى الأرض وغيرها مما يجري من حول الناس.فهذه كلّها مقدّرات من اللّه الخالق لحماية هذا الإنسان من أن يفنى جنسه.وبألفاظ أخرى فكأنّ اللّه عز وجلّ حين قال في هذه الآية الكريمة ، وبأسلوب المجاز والاستعارة : (ويُمسكُ السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه).فكأنّه قد قال أن يا معشر الناس إنّ إنزال عذاب اللّه بكم،
وإنزال الكوارث الطبيعيّة بمجتمعاتكم،هو في حقيقة أمره مرتبط بقدرات اللّه خالقكم. وماذا يحدث إذا سقط سقف الدار فوق رؤوس أصحابه ؟وهذا هو المعنى الذي دفع اللّه عز وجلّ ليختم هذه الآية ويقول (إنّ اللّه بالناس لرؤوف رحيم.). بمعنى أنه لولا رأفة اللّه عز وجلّ بهذا الإنسان واقتضاء رحمته بحمايته،لكان قد انقرض منذ زمن بعيد، فتفكّر.

(6)- والآية السادسة التي اعترض عليها هذا المؤلّف المذكور،هي الآية السادسة من سورة (ق) التي قال اللّه عز وجلّ فيها (أ فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها ومالها من فروج.).وقد اجتزأ المؤلّف المذكور هذه الآية هي أيضا عن سياقها الموضوعي.ولا أدري ما الذي لاحظه فيها ليعترض عليها.فالذي يطالع تساؤل المؤلّف المذكور لا يلاحظ شيئا يدلّه على هذا الاعتراض.ومع ذلك فأرى أن أدلّ القارئ المسلم وباختصار شديد على سياق مضمون هذه الآية السادسة من سورة (ق) وعلى موضعها من تسلسل الآيات الموضوعي.فإن عاد هذا القارئ المسلم إلى ما اختتم اللّه عز وجلّ به سورة الحجرات التي هي قبل سورة (ق) وبترتيب تلاوتها،يلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ كان قد اختتم سورة الحجرات بقوله تعالى (إنّ اللّه يعلم غيب السماوات والأرض واللّه بصيرٌ بما تعملون.).

ويكون اللّه جلّ شأنه بذلك قد دلّنا على قُدراته الفائقة.خصوصا وأنّه تعالى قد أنهى الآية بقوله تعالى (واللّه بصير بما تعملون.) فقد أعطى من خلال قوله هذا بُُعداً أكبر لقدرات اللّه عز وجلّ لا حدود لها.فقوله تعالى (بصير بما تعملون) معناه أنّ اللّه جلّ شأنه يرى ظواهر أموركم وبواطنها.فهذا السباق دلّنا بصورة موضوعيّة على أنّ المقصود من الحرف المقطّع (ق) الوارد في الآية الأولى من هذه السورة،قد اختزله البارئ سبحانه من إحدى أسمائه الحسنى وهو صفة اللّه (القدير).هذا الاسم الدالّ على واسع قُدرات اللّه عز وجلّ.
وينبغي لك أيّها القارئ المسلم أن تلاحظ كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد أتى في مُستهلّ الآية الثانية من سورة (ق) قد أتى بحرف (بل) الذي هو حرف ابتداء ويفيد بُطلان ما ورد بعده،وقال (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب.أإذا مِتنا وكنّا ترابا ذلك رجعٌ بعيد.).وبعد أن فنّد تعالى قول هؤلاء الكفّار،وذلك في الآيتين
الثالثة والرابعة، فقد عاد جلّ شأنه واستهلّ الآية الخامسة بحرف (بل) من جديد،وقال (بل كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم فهم في أمرٍ مريج.) أي فهم في خليط من الأفكار القائمة على الظنون،والتي هي بحاجة إلى الغربلة.واستحقّ هذا الاتّهام تقديم الدليل على مصداقيّته، لذلك فإنّ اللّه عز وجلّ راح يقدّم الدليل المطلوب، وقال (أ فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها وما لها من فروج.والأرض مدَدناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كلّ زوجٍ بهيج.تبصرةً وذكرى لكلّ عبدٍ منيب.).

فاعلم يا عزيزي القارئ المسلم بأنّ اللّه عز وجلّ قد قدّم في هذه الآيات الثلاثة دليلا قد أسّسه على ثلاث مقدّمات،وقد استنبط النتيجة منها.وقد أقام كلّ مقدّمة من تلك المقدّمات الثلاثة على عدّة نقاط –راجع مؤلّفي : فنّ الاختزال في القرآن الكريم - . ولاحظ أيضا كيف أنّه تعالى قد استهلّ الآية الأولى منها بقوله تعالى (أ فلم ينظروا). والمراد من ذلك : يا من تكذّبون رسولنا الذي يُخبركم بالبعث بعد الموت،مالكم تتجاهلون حقيقةً ماثلةً أمام أعينكم وهي هذه السماء التي تُظلّكم ؟ ويرد شرح الدليل في مؤلّفي المشار إليه آنفا.ويكفي أن أقول هنا إنّ معنى (وزيّناها) أي راعينا في هذا البناء الذي يُظلّكم من فوقكم أن يكون زينة للناظرين تستوقف نظر الناظر إلى هذه السماء وتأخذ بلبّ فؤاده ليطير فرحا وسرورا.

وعلى هذه الصورة ، وبعد أن قمت بشرح هذه الآيات الستّ التي اعترض عليها مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) اعتراضات قامت على تفسير البيضاوي.وهو التفسير الذي لا تتوافق معلوماته مع مُعطيات عصرنا الحاضر،وكانت تكفي في زمانه المتخلّف.أقول :
قد أثبتّ يا عزيزي القارئ المسلم من خلال هذا الشرح القائم على منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره بأنّ المراد من (وجعلناه سقفا محفوظا) دلالته على طبقة الأوزون المحيطة بالأرض،والتي كشف عن وجودها العلم الحديث،والتي لولا تقدير وجودها،لانتشر بين الناس إصابتهم بمرض سرطان الجلد.وقد أثبت اللّه عز وجلّ من خلال قوله هذا صلاحيّة كتابه العزيز لكلّ زمان ومكان.كذلك أثبتّ بأنّ لقول اللّه تعالى (ويمسك السماء أن تقع على الأرض) غير ما ذهب إليه ذهن البيضاوي رحمه اللّه.وأنّ هذا القول يشير إلى أنّ كلّ
أنواع العذاب : الطبيعيّة منها والدينيّة فبيد اللّه عز وجلّ الرؤوف بالعباد.كذلك أثبتُّ بأنّ المقصود من قوله تعالى في سورة الطلاق (اللّه الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهنّ) الإشارة إلى وجود عالمٍ روحيٍّ موازٍ لعالمنا المادّي،وقائم على أساس ابتلاء الإنسان في أعماله.ومن منطلق أنّ عالمنا الدنيويّ قائمٌ على أساس فلسفة الابتلاء.
فعلى هذه الصورة يتهافت هذا السؤال الرابع فيما أسّسه مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) على أفكار واعتراضات نابعة من تراثٍ أكل الدّهر عليه وشرب.فيا أيّها المسلم قم بتوعية جميع المسلمين من حولك ليهجروا تلك التفاسير القديمة،ولينشروا بينهم ما هو معاصر لكلّ ما كشف عنه العلم الحديث من حقائق لا تخيف المسلم.ذلك أنّ القرآن الكريم وما يكشف عنه العلم في أيّ زمان كان،لابدّ وأن يكونان وجهان لعملة واحدة ،فتدبّر.

[جواب السؤال الخامس]
والسؤال الخامس الذي أورده المؤلّف المشار إليه كان عنوانه (شهر النسيء كفر).
وقد أورد المؤلّف المذكور تحت هذا العنوان يقول: (جاء في سورة التوبة في الآيتين 36/37 : (إنّ عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السماوات والأرض منها أربعةٌ حُرُمٌ ذلك الدين القيّم فلا تظلموا فيهنّ أنفُسكم وقاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة واعلموا أنّ اللّه مع المتّقين.إنّما النسيء زيادةٌ في الكفر يُضلُّ به الذين كفروا يُحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم اللّه فيحلّوا ما حرّم اللّه زُيّنَ لهم سوءُ أعمالهم واللّه لا يهدي القوم الكافرين.).فلمّا فرغ من كتابة ما أوردناه.قال: (ونحن نسأل: يؤرّخُ جميع العلماء بالسنة الشمسيّة التي تفرق عن السنة القمريّة شهر النسيء.فهل في هذا كفر ؟وكيف نعتبر الحساب الفلكيّ الطبيعيّ كُفرا ؟

وفي الإجابة على هذا السؤال الخامس ، أقول: إنّ كلمة (النسيء اشتقّت من قولك: نسأ الشيء أخّره.وقولك: نسأ اللّه أجله وفي أجله أخّره.وقولك: نسأ عن فلان دينه أخّره.وإنّ كلمة (النسيء) اسم بمعنى التأخير ، وشهرٌ كانت تؤخّره العرب في الجاهليّة.كانوا إذا جاء شهرٌ حرامٌ ، وهم محاربون ، أحلّوه وحرّموا مكانه شهرا آخر،حتّى رفضوا خصوص
الأشهُر واعتبروا مجرّد العدد.وذلك أنّهم كانوا إذا صدروا عن منيٍّ، يقوم رجلٌ من كنانة
فيقول: أنا الذي لا يُردّ لي قضاءٌ . فيقولون: أنسئنا شهرا، أي أخّر عنّا حُرمة المحرّم، واجعلها في صفَر.لأنّهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهُر لا يغيّرون فيها. ونُهي عنه في سورة براءة ،حيث قيل (إنّما النسيء زيادة في الكفر).وهو على وزن فعيل.بمعنى مفعول من قولك: نسأت الشيء أي أخّرتُه. –(معجم محيط المحيط) -ثمّ إنّ كلمة (كفر) اشتُقّت من كفر ضدّ آمن.وفي الكلّيات: الكفر معناه تغطية نِعمِ المُنعم بالجحود،والكفر بالدين أكثر جحودا بنِعم المنعم.والكافر اسم فاعل –معجم محيط المحيط-

فهذه هي معاني ودلالات هاتين الكلمتين الواردتين في هاتين الآيتين من سورة (التوبة) التي أورد لها المؤلّف المذكور اسمها الثاني (براءت).ويُستدلّ من هذه المعاني أنّه لا أصل لقول هذا المؤلّف في سؤاله الخامس: (يؤرّخ جميع العلماء بالسنة الشمسيّة التي تفرق عن السنة القمريّة شهر النسيء). فلا يوجد أصلا في العربيّة شهر اسمه (شهر النسيء).ولا يعبّرُ العربيّ عن الفارق ما بين التقويم الشمسي والتقويم القمري بكلمتي (شهر النسيء).
ليدفع هذا المؤلّف المذكور ليقول متسائلا: (فهل في هذا كُفر ؟ وكيف نعتبر الحساب الفلكيّ الطبيعيّ كُفرا ؟).

فمن خلال ما ذكرناه يتبيّن بأنّ المؤلّف المذكور لم يدرس القرآن الكريم،وأنّه كان،وبدافع من تعصّبه الدينيّ ، ينقّب في كتب التراث الإسلاميّة عمّا يعينه على بلبلة أذهان الناشئة من المسلمين.فإن لم تكن هذه هي الحقيقة، فلماذا لم يذكر في سؤاله الخامس هذا أنّه قد راجع فيما ذكره تفسير البيضاوي الذي دأب على الزعم بأنّه قد اتخذه أستاذا له في دراسته للقرآن الكريم ؟
فأقول: يعلم الداني والبعيد بأنّ تعاليم الإسلام قد أحدثت تغييرا جذريّا في حياة العرب الأمّيين الذين كانوا يعيشون حياة جاهليّة بعيدة عن تعاليم السماء.وأنّ من جُملة هذا الذي أحدثه الإسلام في حياتهم، هو هذا الأمر الذي تكلّمت عنه هاتان الآيتان من سورة
التوبة.وهو أنّ اللّه عز وجلّ قد نهاهم عن عادة تقديم شهر أو تأخيره،من الأشهر الحرم.

[جواب السؤال السادس]
والسؤال السادس الذي سأله مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) ، وتحت عنوان (ريّ مصر بالغيث) قد أورد فيه بدايةً نصّ الآية 49 من سورة يوسف.قوله تعالى فيها (ثمّ يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون.). وأضاف وقال: (والإشارة هنا إلى القحط الذي أصاب مصر سبع سنين متوالية أيّام يوسف،فيبشّرهم بالخصب بعد الجدب،ويقول: إنّه في عام الخصب يُمطرون.فكأنّ خصبَ مصر مسببٌ عن الغيث أو المطر.). فلمّا فرغ المؤلّف المذكور من ملاحظته التي أوردها آنفا، توجّه ليسأل : (وهذا خلاف الواقع،فالمطر قلّما يننزل في مصر،ولا دخل له في خصبها الناتج عن فيضان النيل.فكيف ينسبُ خصب مصر للغيث والمطر ؟ ).

أقول في الإجابة على هذا السؤال: إنّ جوهر هذا السؤال قد أبرزه قول السائل: (فيبشّرهم بالخصب بعد الجدب،وإنّه في عام الخصب يُمطرون.).فقول هذا السائل (في عام الخصب يُمطرون) فيه افتراء على مُعطيات آي الذكر الحكيم من جهة.وعلى (العهد القديم) الذي يقدّسه رجل الدين السائل من جهة ثانية.فلا القرآن الكريم صرّح بكلمة (يُمطرون).ولا (العهد القديم) تعرّض لذكر نزول الأمطار.وإلى القارئ المسلم بالدليل الذي يُثبت مصداقيّة ما ذكرت.أمّا بشان النصّ القرآنيّ الذي نقله المؤلّف السائل فهو (ثمّ يأتي عامٌ فيه يُغاثُ الناسُ وفيه يعصرون.).

ألا إنّ اللّه عز وجلّ أورد في هذا النصّ القرآنيّ كلمة (يُغاثُ الناس).وإنّ هذه الكلمة (يُغاث) اشتقّت من قولك غاثه ومعناه أعانه ونصره. والاسم منه (الغوث).وقولك (أغاثهم اللّه برحمته معناه كشف شدّتهم.ولا تشير كلمة (الغوث) إلى نزول المطر، إلاّ في حال قولك: أغاثنا اللّه بالمطر – معجم محيط المحيط-.فمن خلال دلالات كلمة (يُغاثُ الناس) الواردة في هذا النصّ القرآنيّ ، يكون قد تبيّن لك يا عزيزي القارئ المسلم أنّ مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) ومن خلال حشره كلمة (يُمطرون) تفسيرا من جانبه لكلمة (يُغاث) القرآنيّة.يكون هذا المؤلّف قد كشف عن وجهه لثام جهله بدلالات
الكلمات العربيّة،وعدم رجوعه لمعرفة تلك الدلالات إلى معاجم اللّغة العربيّة.وهي صفة لا تليق بمن زعم أنّه توجّه إلى دراسة هذا القرآن المجيد في نصّ مقدّمة كتابه الذي اشتمل على هذا السؤال.وفي نظري هو أنّ هذا القسيس قد طالع في كُتب بعض المستشرقين هذا المعنى الذي أورده.ولم يدقّق في صحّته.وهو أمر لا يليق برجل دين محقّق.بل يليق برجل دين قد أراد بلبلة أفكار المسلم ولو بالباطل.ومن خلال دلالات كلمة (يُغاث الناس) التي نقلتها من معجم (محيط المحيط)، أكون قد أثبتُّ بُطلان سؤال هذا المؤلّف المذكور قوله (فكيف ينسب خصب مصر للغيث والمطر). فتدبّر.

وأحاول أن ألفت نظرك يا عزيزي المسلم إلى معلومة ثانية،وهي أنّ اللّه عز وجلّ حين قال (يُغاث الناس)،فاللّه جلّ شأنه لم يأت على ذكر أهل مصرَ في هذه الكلمة،بل أورد فعل (يُغاث) مبنيّا للمجهول من جهة.كما أورد كلمة (الناس) معرّفةً بأداة التّعريف التي تُفيد الاستغراق.وليلفت اللّه جلّ شأنه نظر القارئ إلى أنّ اللّه عز وجلّ كان قد أغاث بمعنى أعان أهل هذه المنطقة التي يعتبر القطر المصريّ أحد أقطارها.فالجدب والمحل كان أصاب هذه المنطقة برمّتها في تلك الفترة من الزمان.وبدليل أنّ والد يوسف عليه السلام واخوته قدموا آنذاك إلى مصر طلبا لشراء القمح الذي كان مخزّنا في مخازن المصرييّن وبناء على رؤيا فرعون ،وتفسير يوسف إيّاها كما هو معروف.

ولنأت يا عزيزي القارئ المسلم إلى ما هو مكتوبٌ في (العهد القديم) الذي يقدّسه هذا المؤلّف السائل.فقد ورد في الإصحاح 41/53-57 ما يلي (وانتهت سبع سنيّ الشبع الذي كان في أرض مصر.وبدأت سبعُ سني المجاعة تأتي كما قال يوسف.فكانت مجاعةٌ في جميع الأراضي,وأمّا كلّ أرض مصر فكان فيها خُبز.فلمّا جاعت كلّ أرض مصر، صرخ الشعبُ إلى فرعون لأجل الخبز.فقال فرعون لجميع المصرييّن: "اذهبوا إلى يوسف، فما يقُلهُ لكم فاصنعوه".وكانت المجاعةُ على كلّ وجه الأرض.ففتح يوسف كلّ ما أُودِع،فباعَ للمصرييّن.واشتدّت المجاعة في أرض مصر.وقدِمَ أهل الأرض بأسرها إلى مصر ليشتروا حبّا من يوسف،لأنّ المجاعة كانت شديدةً في الأرض كلّها.).وورد في الإصحاح الذي بعده مباشرة : (فلمّا علِمَ يعقوب أنّ الحبّ موجودٌ في مصر،قال لبنيه:
"ما بالكم تنظرون بعضكم إلى بعض؟" وقال: "إني قد سمعتُ أنّ الحبّ موجودٌ في مصر،فانزلوا إلى هناك واشتروا لنا حبّا فنحيا ولا نموت".
فتلاحظ يا عزيزي القارئ المسلم بأنّ هذه النصوص التي نقلتها لك من (العهد القديم) الذي يقدّسه هذا المؤلّف السائل.أقول إنّ هذه النصوص وهي التي وضعت لك خطا تحتها،تؤكّد مصداقيّة المعاني القرآنيّة التي أطلعتك عليها من جهة.كما تكون هذه النصوص المقتبسة من العهد القديم حجّة قائمة على رجل الدين المدعو (عبد اللّه عبد الفادي) نفسه الذي حاول تشويه دلالات النصّ القرآني الذي اقتبسه من سورة يوسف عليه السلام.ولا يفعل ما فعله هذا المؤلّف المذكور، إلاّ كلّ رجلٍ لا يبحث عن الحقيقة يقينا.

[جواب السـؤال السـابع]
والسؤال السابع قد جعل المؤلّف المذكور عنوانا له (الرعد ملَكٌ من الملائكة).وقد استهلّه بأن أورد الآية 13 من سورة الرعد التي قال اللّه تعالى فيها (ويسبّحُ الرّعد بحمده والملائكة من خيفته ويُرسل الصواعق فيصيبُ بها مَن يشاء وهم يجادلون في اللّه وهو شديد المِحال.).فلمّا فرغ هذا السائل من إيراد هذه الآية القرآنيّة.فقد نقل عن تفسير البيضاوي أنّه أورد حديثين عن ابن عبّاس (رضي) استدلّ منهما على أنّ الرعد ملكٌ موكلٌ بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه بها حيث يشاء اللّه.وأنّ صوت الرّعد هو صوت هذا الملاك المشار إليه في هذين الحديثين المذكورين.وبعد أن نقل السائل هذه الدلالة عن البيضاوي كتب يقول: (ونحن نسأل:إذا كان الرعد هو الكهرباء الناشئة عن تصادُم السّحاب،فلماذا يقول إنّ الرعد هو أحد الملائكة ؟).

أقول في الإجابة على هذا السؤال: إنّ مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) وهو الذي أجبت على أسئلته الستةّ السابقة وأثبتّ من خلال أجوبتي أنّه يسأل أسئلة استمدّها من تفسير البيضاوي الذي لا يُعتبرُ حجّة على القرآن الكريم،ولم يستمدّ تلك الأسئلة من معطيات آيات القرآن الكريم نفسه، وعن دراسة لتلك الآيات بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.فالمؤلّف المشار إليه عاد في سؤاله السابع هذا يطرح تفسير البيضاوي للآية 13 من سورة الرعد،التّفسير الذي يتناقض مع مُعطيات العلم الحديث،لجهل مؤلّفه يوم كتب هذا
التّفسير بحقيقة (الرعد) بصورة علميّة،والذي كان يجهل أنّ الرعد ينتج عن تصادم كهربائية السحاب.وبناء عليه أوجّه خطابي لمؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) وأقول له: لو أنّك كنت صادقا فيما ذكرته في مقدّمة كتابك هذا وقلت (رأيت أن أدرس القرآن)، لكنت قد تتلمذت على يدي عالمٍ معاصر،وليس على تفسير البيضاوي الذي سرّك أن تقتبس منه ما تبلبل به أفكار الناشئة المسلمين،وتُعرض عن بيان ما في هذا القرآن الكريم من حسنات.لذلك أنقل لك دلالات الكلمات الواردة في هذه الآية 13 من سورة الرعد، لتُدرك من خلالها بأنّ ما بيّنه البيضاوي وما نقله من أحاديث فكلّه خطأ ويتنافى ومُعطيات دلالات هذه الألفاظ.
فكلمة (الرعد) مصدر رعدَ.فإذا قلت: رعد السحاب،فمعناه صات وضجّ للإمطار.والرعد صوت السحاب.أما كلمة (الصواعق)، فجمع صاعقة ومعناها الموت،وكلّ عذاب مُهلك،وصيحة العذاب،ونار تسقط من السماء في رعدٍ شديدٍ لا تمرّ على شيءٍ إلا أحرقته. أما كلمة (المحال) فمصدر ماحل، وماحله معناه ماكره وكايده وعاداه.والمحال هو الكيد والتّدبير،وروم الأمر بالحيل.فإن تدبّر المؤلّف المذكور هذه المعاني والدلالات التي تفيدها هذه الكلمات الواردة في هذه الآية من سورة الرعد،يتبيّن له أنّها دلالات نابعة من واقع ما يحدث في الجوّ ووفق معطيات العلم الحديث.ولا دخل لما ذكره البيضاوي نتيجة استناده لأحاديث موضوعة.

فمن خلال هذا الذي بيّناه ، لا يعود لهذا السؤال السابع من معنى إلاّ محاولة تشويه دلالات آيات هذا القرآن المصون الذي (لا ريب فيه هدى للمتّقين.).وأضيف وأقول:
لقد بيّنت في مؤلّفي (منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره) أنّ من أصول تفسير آيات هذا القرآن المجيد،أن يرجع المفسّر عند تفسيره لكلّ آية تتعلّق باختصاص علميّ معيّنٍ، أن يرجع إلى العالم المختصّ،ليساعده هذا المختصّ ممّا عنده من علم في مجال الاختصاص الذي يتعلّق مضمون الآية به ، على فهم مضمون تلك الآية الكريمة ، ولقول اللّه عز وجلّ في الآية 59 من سورة الفرقان (فاسأل به خبيرا.).والاختصاص المتعلّق بمضمون هذه الآية 13 من سورة الرعد يقول : إنّ الرعد هو صوت الكهرباء الناشئ عن تصادم السحاب.
[جواب السـؤال الثـامن]
والسؤال الثامن الذي سأله مؤلّف (هل القرآن الكريم معصوم ؟) فقد استهله بالآية 12 من سورة (طه) التي قال اللّه تعالى فيها مخاطبا موسى عليه السلام (إنّي أنا ربّك فاخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوى.).ومن ثمّ قال: (قال المفسّرون المسلمون : إنّ طوى اسم الوادي . ولكنّ الكتاب المقدّس يعلّمنا أنّه لمّا كان موسى يرعى غنم يثرون كاهن مديان ساق الغنم إلى ما وراء البريّة.وجاء إلى جبل اللّه حوريب.وظهر ملاك الربّ بلهيب نار من وسط علّيقة.ونظر وإذا بالعلّيقة تتوقّد بالنار دون أن تحترق:فناداه الربّ وقال له "لا تقترب إلى هاهنا اخلع حذاءك من رجليك،لأنّ الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدّسة"
(خروج 3:1-5). وبعد أن أورد المؤلّف المذكور هذا الذي أورده آنفا،فقد راح يقول :
(إذاً موسى كان في جبل اللّه جوريب.فمن أين جاء القرآن باسم "طوىً" مع أنّ حوريب اسم جبل مشهور في شبه جزيرة سيناء ؟ ! ).

أقول في الإجابة على هذا السؤال الثامن : إنّ المؤلّف المذكور على حين كان يعتمد على تفسير البيضاوي وإلى درجة أشعرنا بأنّه درس القرآن الكريم من زاوية تفسير البيضاوي فقط.فقد جاء يُشعرنا في هذا السؤال بأنّه قرأ جميع تفاسير المسلمين.فهو استهلّ ما جاء يعترض عليه وقال (لقد قال المفسّرون المسلمون).فإن نحن غضضنا طرفنا عن هذه الظاهرة التي تخفي وراءها دهاء ومقاصد سيئة، فلنتحاور معه حول ما نسبه لجميع المفسّرين المسلمين من أنّهم قالوا (إنّ طوى اسم الوادي).

أقول: إن نحن راجعنا معاجم اللّغة العربيّة نلاحظ أنّ (أقرب الوارد) اشتقّ هذه الكلمة من طوى الصحيفة يطويها.وأمّا معجم (تاج العروس) فقد ذهب إلى أنّ هذه الكلمة تعني الشيء المثنّى.وأما معجم (مفردات الراغب) أورد أنّ في هذه الكلمة إشارة إلى حالة حصلت لموسى عليه السلام على طريق اجتباء اللّه عز وجلّ له.وبذلك فكأنّ هذه الكلمة (طوى) دلّت على أنّ موسى قد طوى في عمليّة اجتباء اللّه تعالى إيّاه مسافة،كان من العسير عليه أن ينالها عن طريق السعي والاجتهاد.وأما معجم (محيط المحيط) فقد أورد أنّك إذا أتيت بهذه الكلمة من طوى الصحيفة،فهي ضدّ نشرها.وإذا قلت طوى البلاد معناه
قطعها.وطوى اللّه تعالى البُعد لنا معناه قرّبه.وقال بعضهم: طُوى مثل طوِي وهو الشيء المثنّى. فهذه دلالات هذه الكلمة (طُوى) التي أوردتها الآية 12 من سورة (طه).ولا يحدّد لنا المعنى الواردة فيه إلاّ برجوعنا إلى سباق هذه الآية وسياقها.فالتسلسل الموضوعيّ للآية هو الذي يحدّد المعنى التي أفادته هذه الكلمة (طوى).فقصّة موسى الوارد فيها هذه الكلمة (طوى) ابتدأت من قوله تعالى (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إنّي آنست نارا لعلّي آتيكم منها بقبسٍ أو أجدُ على النار هدى.فلمّا أتاها نودي يا موسى.إنّي أنا ربُّك فاخلع نعليكَ إنّك بالوادِي المقدّس طُوى.وأنا اخترتُكَ فاستمع لما يوحى.).هذا والملاحظ هو أنّه وردت في هذه الآيات ألفاظٌ تُشعر المدقّق بأنّ اللّه عز وجلّ قد أراد من هذه الآيات معنى يخالف ما تبادر منها للأذهان.وإلى القارئ تفصيل ذلك.

1- ورد في هذا النصّ القرآنيّ فعل (رأى) ، من الرؤية.ويختصّ هذا الفعل بالرؤية بالعين إلى جانب الرؤية بالقلب.ومنه الرأي وهو ما ارتأاه الإنسان وما اعتقده. ولذلك تطلق (الرؤيا) على ما تراه في منامك.أمّا إذا كان القصد هو ما رأته العين فقط فيستعمل فعل (شاهد)،وكان ينبغي أن يقول شاهد نارا.
2- وورد أنّ موسى قال لأهله (آنست نارا) من أنس،وضدّ توحّش.ومعناه سكن قلبه به ولم ينفر منه.ولم يقل موسى لأهله: شاهدت نارا.
3- وإنّ في قول موسى (لعلّي آتيكم منها بقبس أو أجدُ على النار هدى.) يؤكّد بأنّ موسى لم يكن متيقّنا بأنّه شاهد نارا.بل رأى ما يُشبه النار ولذلك أضاف وقال (أو أجدُ على النار هدى).وكلمة الهدى لا تستعمل للنار العاديّة بل لنار الهداية.

فهذه الملاحظات الثلاثة أكّدت لنا بأنّ دلالات الآيات سالفة الذكر تُخالف ما تبادر منها لذهن القارئ.وقد دلّت هذه الآيات الكريمة على أنّ موسى كان قد رأى كشفاً روحيّا وليس نارا حقيقيّة.والكشف الروحاني هو أرقى من رؤيا المنام.وهو بحاجة إلى التأويل على شاكلة ما يحتاجه المنام للتأويل.فمن هذا المنطلق عاد من واجبنا تدبُّر قول اللّه عز وجلّ في الآية (إنّي أنا ربُّك فاخلع نعليكَ إنّك بالوادي المقدّس طوى.).
من زاوية أنّ ألفاظ هذه الآية الكريمة تتحدّث عن كشفٍ روحيٍّ عرض لموسى عليه السلام وعلى ما يشبه النار.فرؤية (النار ) في حالة الكشف تأويلها أنّ هذا الكشف الروحيٌّ يحمل بشارة سماويّة إلى َمن يراها.من هنا ندرك حكمة تجلّي اللّه تعالى لموسى بما يشبه النار.فلما دنا موسى من موقع هذا الكشف الروحيّ الذي ظاهره يشبه النار، (نودي يا موسى.إنّي أنا ربّك فاخلع نعليكَ).فما هو تأويل (فاخلع نعليك) ؟ فإن عدنا إلى كتاب تأويل الرؤى يتبيّن أنّ فردة النعل تؤوّل بعلاقة الرجل بامرأته،وأما (النعلين) فيؤوّل بالعلاقة الزوجيّة والعلاقات الدنيوية.فمن رأى أنّه خلع (نعله) فتأويل ذلك أنّه يولّى من قبلِ ربّه عز وجلّ ولاية روحيّة.

وعليه فقد علمنا بأنّ هذا الكشف الروحيّ قد حمل لموسى عليه السلام بشارة سماويّة وتتلخّص هذه البشارة في أنّ من واجب موسى أن يقلّل من علاقاته الدنيويّة ليتفرّغ لحمل هذا المنصب الروحيّ الذي شاء ربّه أن يقلّده إيّاه.فما هي ملامح هذا المنصب الروحيّ المشار إليه ؟ فالجواب على هذا السؤال تضمنّه قول اللّه جلّ شأنه الوارد في تتمّة هذه الآية الكريمة،وهو قوله تعالى مخاطبا موسى (إنّك بالوادي المقدّس طُوى). ومن هذا المنطلق الذي بيّناه،فلا يجوز لنا أن نفهم من كلمة (طوى) اسما (للوادي المقدّس) المذكور،بل أن نأخذ لكلمة (طوى) معناها الذي أورده معجم (مفردات الراغب) وهو الإشارة إلى حالة روحيّة حصلت لموسى على طريق اجتباء ربّ موسى إياه لتكليفه بمنصب الرسالة السماويّة.

وعليه، فتشير هذه الكلمة (طوى) إلى أنّ موسى قد طوى عند رؤيته ذاك الكشف الروحيّ مسافة مراتب روحيّة يصعب عليه أن ينالها بجهده الشخصيّ.وبألفاظ أخرى فإنّ نبوّة موسى كانت نبوّة اصطفاء،ولم تأت عن سعيٍ شخصيّ.ومن هنا نكون قد أدركنا بأنّ اعتماد (عبد اللّه عبد الفادي) على تفسير البيضاوي وغيره من التفاسير القديمة المعروفة في اعتراضه الثامن هذا قد أبعده عن هذه الحقيقة التي تضمّنتها هذه الآية من سورة (طه).الحقيقة التي توصّلنا إليها عن طريق تدبّر هذه الآية الكريمة بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.
وهكذا فإنّ ما كان قد رآه موسى عليه السلام كان كشفا روحيّا،ووردت الآية من سورة (طه) تؤكّد هذه الحقيقة.فإنّ ما أورده (العهد القديم) الذي استدلّ به المؤلّف المذكور من سفر الخروج الإصحاح 3/1-5 يؤكّد مصداقيّة هذه الحقيقة التي بيّنها القرآن المجيد ولكن بصياغة بلاغيّة معجزة،وليس على شاكلة ما ورد في الإصحاح المشار إليه من سفر الخروج الذي ورد فيه: (وكان موسى يرعى غنم يترو حميّه كاهنِ مدين.فساق الغنم إلى ما وراء البريّة وانتهى إلى جبل اللّه حوريب.فتراءى له ملاكُ الربّ في لهيب نار من وسط عُلّيقة.فنظر فإذا العلّيقة تشتعلُ بالنار وهي لا تحترق. فقال موسى في نفسه"أدور وأنظر هذا المنظر العظيم ولماذا لا تحترق العلّيقة".ورأى الربُّ أنّه قد دار ليرى.فناداه اللّه من وسط العلّيقة وقال: "موسى موسى".قال "ها أنذا". قال: لا تدنُ إلى ههنا.إخلع نعليكَ من رجليك فإنّ المكان الذي أنت قائمٌ فيه أرضٌ مقدّسة.).

فهذا النصّ من سفر الخروج اعترف فيه كاتبه بأنّ ما كان موسى قد رآه،قد كان كشفا روحيّا،وفق ما ذهبت إليه الصياغة البلاغيّة القرآنيّة المعجزة.وإنّ ما أوردته الآيات القرآنيّة من حقائق هي الأصحّ،وليس ما ورد في هذا النصّ من تفاصيل مصاغة صياغة لا تحمل تلك الحقائق التاريخيّة التي عبّرت عنها الآيات القرآنيّة.وللأسباب التالية. (1)- فنصّ إصحاح سفر الخروج بيّن أنّ موسى كان (يرعى غنمَ يترو حميّه كاهن مدين).وقد ذكر السفر المذكور بأنّ موسى ما كان يرعى قريبا من منطقة سكنى كاهن مدين،بل (ساق الغنم إلى ما وراء البريّة وانتهى إلى جبل اللّه حوريب. فتراءى له ملاك الربّ...).

وقد صحّح القرآن العظيم هذا الذي كتبه كاتب سفر (الخروج) فبيّن أنّ موسى كان برفقة أهله عائداً إلى مصر حين رأى هذا الكشف الروحيّ.وإنّ هذا البيان القرآنيّ هو البيان الذي يقبله عقل الإنسان الباحث المدقّق.فهل يُعقل أن يؤت موسى الرسالة السماويّة قبل أن يُنهي ما تعهّد به لكاهن مدين لقاء تزويجه إيّاه بناته ؟ ثمّ إنّ جبل حوريب يبعد عن مدين عشرات الكيلومترات،فهل يُعقل أن يقطع موسى هذه المسافة
الكبيرة لمجرّد رعي أغنامه ؟ فهل تعطّلت محاكمة (عبد اللّه عبد الفادي العقليّة ،ولم يحاكم هذه الأمور بمحاكمة عقليّة ؟ (2)- ثمّ إنّه ورد في نصّ سفر الخروج (لا تدنُ إلى ههنا.اخلع نعليك من رجليك فإنّ المكان الذي أنت قائمٌ فيه أرضٌ مقدّسة.). على حين أنّه ورد في النصّ القرآني (فاخلع نعليك إنّك بالوادي المقدّس طوى). وإنّنا بمقارنة بسيطة نُدرك خطأ مضمون نصّ سفر الخروج،وذلك لأنّه لو صحّ وجود (أرضٌ مقدّسة) عند جبل (حوريب) الذي هو جبل سيناء،لكان موسى نفسه قد أمر في ذاك الوقت بالحجّ إلى تلك الأرض المقدّسة المزعومة.والأمر بدخول تلك الأرض حفاة الرجلين.لكنّ هذا لم يحدث إطلاقا،وإلى وقتنا الحاضر.

على حين أنّي سبق أن بيّنت وشرحت النصّ القرآني الذي وضّح بأنّ ما كان قد رآه موسى عليه السلام،كان كشفا روحيّا تلقّى موسى خلاله ما تلقّاه.علما بأنّ النصّ القرآني حين أورد مصطلح (الوادي المقدّس) فلم يشر من خلاله إلى وادي بعينه.لكنّه أورد كلمة الوادي على سبيل الاستعارة وضمن المثل السائر الذي يقول (أنت في وادي وأنا في وادي آخر) وكناية عن الاختلاف الحادث ما بين فكر هذين الطرفين المتحاورين.وعليه فقول القرآن المجيد (بالوادي المقدّس طوى) له تأويله ودلالاته التي تخالف ما يتبادر منه إلى ذهن القارئ وهو ما شرحته في حينه.وعلى هذه الصورة يكون اعتراض مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) الوارد في سؤاله الثامن لا أساس له من جهة.ويدلّ على أنّه رجل دين بسيط الفهم،ويأخذ الأمور بظواهرها ومن دون تحقيق.

[جواب السؤال التاسع]
والسؤال التاسع الذي سأله هذا المؤلّف المشار إليه عنوانه (الزيتون في طور سيناء).وقد استهلّ سؤاله بإيراد الآية 20 من سورة (المؤمنون) التي قال اللّه عز وجلّ فيها : (أنشأنا لكم به جنّات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكهُ كثيرةٌ ومنها تأكلون وشجرةً تخرجُ من طور سيناء تنبتُ بالدهن وصبغٍ للآكلين.).وقد أورد المؤلّف المذكور بعدها يقول: (قال المفسّرون:المراد بالشجرة هنا الزيتون،وبالصبغ أي الآدام الذي به يصطبغ الخبز.ومن ثمّ فقد راح المؤلّف المذكور يسأل ويقول (ونحن نسأل: لم تشتهر صحراء سيناء بشجر الزيتون.
ألم يكن الأجدر أن يذكر فلسطين بزيتونها،لا سيناء التي من قحطها أرسل اللّه لبني إسرائيل فيها المنّ من السماء ؟).

أقول في الإجابة على هذا السؤال التاسع: لابدّ أن لاحظ القارئ كيف أنّ هذا السائل قد اعتمد فيما اعترض عليه على أقوال المفسّرين القدماء رحمهم اللّه تعالى.ولم يتدبّر بنفسه هذه الآية الكريمة التي ورد فيها قوله تعالى (وشجرةً تخرجُ من طورِ سيناء تنبتُ بالدُّهن وصِبغٍ للآكلين.).فإن أنت أمعنت يا عزيزي القارئ نظرك في ألفاظ هذا الشطر من الآية فلا تجد أنّه قد ورد فيه اسم (شجرة زيتون).بمعنى أنّ ذهن المفسّرين القدماء ذهب من ملاحظة ألفاظ هذا الشطر من الآية إلى أنّها تشير إلى شجرة الزيتون.مع أنّ تلك الألفاظ لا تحتمل المعنى المشار إليه.وإلى القارئ العزيز دلالات تلك الألفاظ المذكورة :

فكلمة (شجرةً) وإن وردت منوّنةً على آخرها تعظيما لها،إلا أنّها وردت مجرّدةً عن أداة التّعريف التي تفيد العهد.علما بأنّ كلمة شجرة تعني نبتةً لها ساق صلب ليس إلا.ومن منطلق أنّ المصدر من هذه الكلمة يدلّ على كلّ نبات قام على ساق عود صلبه.ثمّ إنّ (طور سيناء) هو جبل مضاف إلى سيناء.وأمّا قوله تعالى (تنبت بالدّهن) فيعني أنّ النبتة المشار إليها تنبت وهي مليئة بالدهن.ولم تحدّد الآية الكريمة نوعيّة (الدهن) الموجود بصورة طبيعيّة في النبتة المذكورة. وأمّا قوله تعالى (وصبغٍ للآكلين) فهو معطوف على كلمة (الدهن) ، وهو عمليّة عطف أحد وصفي الشيء على الآخر.(معجم محيط المحيط).

فمن خلال تدقيقنا فيما أتينا على ذكره من دلالات لألفاظ هذا الشطر من هذه الآية من سورة (المؤمنون).يتبيّن لنا خطأ ما ذهبت إليه أذهان المفسّرين القدماء رحمهم اللّه ومن دون قيامهم بتدبّر هذا الشطر من الآية بهذا الأسلوب من التدبّر الذي قمنا به آنفا.وبالتالي فقد أخطأ المؤلّف المذكور الذي استند في فهمه لهذا الشطر من هذه الآية على ما أخطأ فيه المفسّرون القدماء.ومعلوم هو أنّ ما قام على خطأ وباطل فهو خطأ وباطل أيضا. وإضافة إلى هذا الذي بيّناه فقد عاد من واجب المؤلّف المذكور البحث في شعاب (طور سيناء) عن هذه النّبتة العجيبة التي أشار إليها القرآن الكريم .
[جواب السـؤال العاشر]
والسؤال العاشر الذي سأله هذا المؤلّف المذكور رفع له عنوان (جريان الشمس).وأورد الآية 38 من سورة (يس) التي قال اللّه العزيز فيها (والشمس تجري لمستقرٍّ لها ذلك تقدير العزيزِ العليم.).ونقل هذا المؤلّف عن البيضاوي تفسيره لهذه الآية الكريمة بما يخالف ما كشف عنه العلم الحديث.وانتهى ليقول: (ونحن نسأل : الشمس ثابتة تدور حول نفسها، ولا تنتقل من مكانها، والأرض هي التي تدور حولها.فكيف يقول القرآن إنّ الشمس تجري ، وأنّ لها مستقرّا تسير إليه ؟)

وفي الجواب أقول : فبغضّ النظر عن أنّ المؤلّف المذكور استند في اعتراضه العاشر هذا على ما أفاده البيضاوي في تفسيره،وهو المفسّر الذي لم يعاصر ما كشف عنه العلم الحديث.فإنّ ضعف هذا المؤلّف في اللّغة العربيّة قد شكّل السبب غير المباشر في دفعه إلى هذا الاعتراض.ذلك أنّ اللّه عز وجلّ قد صاغ هذه المعلومة المتعلّقة بالشمس في هذه الآية من سورة (يس) صياغة بلاغيّة يتبادر منها غير ما تعنيه.ولا يخالف مضمونها ما كشف عنه العلم المعاصر.فاللّه عز وجلّ قرن فعل (تجري) بقوله (لمستقرٍّ لها).وليعطي القارئ المعنى الذي يتلاءم مع ما كشف عنه العالم المعاصر.

وتفصيل ذلك أنّ كلمة (مستقرّ) تعني في اللّغة العربيّة موضع الاستقرار.وإنّ فعل (تجري) اشتقّ من الجريان،ويعني المرور السريع.وهو معنى أتمّ من معنى (السيلان) وأتمّ من معنى (الدوران).فقول المؤلّف (الشمس ثابتة تدور حول نفسها،ولا تنتقل من مكانها) هو قول ناقص لغةً ومضمونا.فقول اللّه عز وجلّ (والشمس تجري لمستقرٍّ لها) هو القول الذي يؤدّي ما أراد مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) تأدية معناه من خلال قوله الذي نقلناه أعلاه.فالشمس لا تدور بل تجري بمعنى أنّها تدور بسرعة فائقة.وأنّ هذه الشمس ، بالرغم من أنّها تدور بهذه السرعة الفائقة،فإنّها تظلّ ثابتةً في مكانها،وهو معنى قوله تعالى (لمستقرٍّ لها) أي تجري لموضع استقرارها، بالرّغم من أنّها تدور بسرعة فائقة.وقد أكّد اللّه العزيز هذا المعنى الذي بيّناه ، وذلك من خلال ما أنهى به هذه الآية الكريمة وقال (ذلك تقدير العزيز العليم.) .أي أنّه سبحانه وتعالى قد استبدل اسم الإشارة للقريب (هذا) باسم الإشارة للبعيد (ذلك) تعظيما لهذا التّقدير الإلهي الذي تجلّى في حركة الشمس التي أتى على ذكرها.تلك الحركة التي ثبت من خلالها بأنّ اللّه الذي قدرّها يتّصف بصفتين مهمّتين:الصفة الأولى أنّه تعالى هو (العزيز) الذي إذا أراد شيئا فعله ولا يقدر أحد على مغالبته فيما يفعل.والصفة الثانية هي صفة اللّه (العليم) وبصيغة الاستغراق والمبالغة وبمعنى أنّه ليس لعلم اللّه تعالى حدود.

فأنت لابدّ وأنّك قد لاحظت يا عزيزي القارئ المسلم كيف أنّ في التفاسير القديمة من المستمسكات التي تفسح المجال لأمثال (عبد اللّه عبد الفادي) القيام باستغلالها،والقصد من ذلك إحداث بلبلة في أفكار النشء المسلم بالباطل وليس استنادا إلى حقائق ملموسة.فمن هنا عُدت تُدرك يا عزيزي القارئ بأنّ مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) لا يبحث عن الحقيقة بشكل من الأشكال.


[جواب السؤال الإحدى عشر]
والسؤال الإحدى عشر: الذي سأله المؤلّف المذكور، سأله بعنوان (القمر كالعرجون القديم).ومن ثمّ أورد المؤلّف تفسير البيضاوي للآيتين 39/40 من سورة (يس) االلتين قال اللّه عز وجلّ فيهما (والقمر قدّرناهُ منازلَ حتّى عاد كالعرجون القديم.لا الشمس ينبغي لها أن تُدركَ القمرَ ولا اللّيلُ سابقُ النهار وكلٌّ في فلكٍ يسبحون.).فأورد نصّ تفسير البيضاوي بعينه،ولم يعقّب عليه ولم يسأل شيئا ما.وكأنّه قد خاطب القارئ وقال له: هل تستسيغ هذه المعاني التي أفادتها هاتان الآيتان ؟ ويريد أن يحطّ من شأن القرآن العظيم من خلال ما أفاده تفسير البيضاوي الذي لا يعتبر حجّةً على كتاب اللّه العزيز.

ومن جهتي وردّا على ما ورد في هذا السؤال أقول: إن الآية الأولى وهي قوله تعالى :
(والقمر قدّرناه منازل حتّى عاد كالعرجون القديم.) إنّ هذه الآية مصاغة صياغة بلاغيّة معجزة.وهي الآية التي لم يحط مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) بحقيقة مضمونها، لضعفه في اللّسان العربيّ،ولبعده عن محاولة البحث عن الحقيقة، ولسعيه لبلبلة أفكار الناشئين من
شباب المسلمين.ألا إنّ اللّه عز وجلّ يبيّن من خلال قوله تعالى (والقمر قدّرناه منازل حتّى عاد كالعرجون القديم)،يبيّن عظمة تقديره بما يتعلّق بكوكب (القمر) وكيف أنّه جلّ شأنه قد قدّر أن لا يرى أهل الأرض من هذا القمر إلا وجها واحدا يبدأ بدرا ،ثمّ يأخذ يتدرّج يوميّا وهو يتناقص وجهه المنير،إلى أن يعود يُرى آخر الشهر (كالعرجون القديم).علما بأنّ كلّ إنسان على سطح هذا الكوكب الأرضيّ يشاهد هذه الظاهرة التي لا تخفى على أحد.وكلّ ما في الأمر هو أنّ القارئ بحاجة ليعلم حقيقة هذا الوصف المعبّر عنه بقوله تعالى (حتّى عاد كالعرجون القديم).

ألا إنّ كلمة (العرجون) اشتقّت من فعل (عرج).ومعناه ارتقى،إشارة إلى ارتقاء (القمر) كلّ يوم درجة فدرجة، إلى أن يصل في الدرجة الأخيرة إلى حالة وصفها القرآن الكريم وقال (حتّى عاد كالعرجون القديم)فإن نحن راجعنا ما ورد في معجم (مقاييس اللّغة) فهو قال: إنّ الأحرف (العين والراء والجيم) المؤلّف منهم فعل (عرج) هي ثلاثة أصول. فحرف العين يشكّل الأصل الأوّل والذي يدلّ على معنى (مَيل). وأما حرف الراء فيشكّل الأصل الثاني ويدلّ هذا الحرف على (عدد).وأما حرف الجيم فيشكّل الأصل الثالث ويدلّ هذا الحرف على (سموّ وارتقاء).وكدلالة المصعد،وعليه فقد ورد قول اللّه عز وجلّ (تعرج الملائكة إليه..).هذا وإنّ كلمة (العرجون) هي على وزن (فعلون) وتدلّ على الانفراج. ومنه فقد سمّى العرب (شماريخ النخل) اليابسة باسم (العرجون القديم) بسبب أنّ شماريخ النخل بعد أن تيبس تتقعّر لتعود تشبه (القمر) في آخر منازله.

[جواب السـؤال الثاني عشر]
وهذا السؤال الثاني عشر والأخير من الجزء الأول المتعلّق ب (أسئلة جغرافيّة).استهلّه مؤلّف كتاب (هل القرآن معصوم ؟) بالآية الأولى من سورة (ق) والتي قال اللّه تعالى فيها (ق والقرآن المجيد).هذه الآية التي تضمّنت أحد الأحرف المقطّعة (ق) وهو حرف اختزال قد اختزله اللّه جلّ شأنه من أول حرف من صفة اللّه (القدير) وعلى حسب ما بيّنت ذلك في مؤلّفي (فنّ الاختزال في القرآن الكريم).علما بأنّ الواو في (والقرآن
المجيد) هي واو القسم،أي أنّ اللّه عز وجلّ أقسم بأنّ هذا القرآن الذي كانت تتنزّل آياته سيصبح في المستقبل كتابا مقروءا يحترمه جميع المؤمنين به ويمجّدونه.وقد تحقّقت هذه النبوءة القرآنيّ بكلّ جلاء وبشكل معجز.هذا وإنّ السور السبع عشرة سورة من بعده قد وردت من دون أن يستهلّها اللّه عز وجلّ بأحرف مقطّعات، بسبب أنّ مضامينها تشكّل فصولا تابعة لسورة (ق) موضوعيّا ،وقد بيّنت كلّ سورة من هذه السور السبع عشرة سورة أحد جوانب عظمة اللّه (القدير).

والمهمّ في الأمر هو أنّ المؤلّف المذكور كتب بعد ذلك يقول: (جاء في كتاب عرائس المجالس صفحة 7/8 "خلق اللّه تعالى جبلا عظيما من زبرجدة خضراء خضرة السماء منها،يُقال له جبل قاف فأحاط بالأرض كلها،وهو الذي أقسم اللّه به فقال "ق والقرآن المجيد".وجاء في كتاب قصص الأنبياء صفحة 5 "إنّ عبد اللّه بن سلام استفهم من محمد قائلا: ما هي أعلى قمّة في الأرض ؟ فقال هي جبل قاف.فقال فما هو ؟ فقال من زمرّد أخضر وخضرة السماء هي منه.قال صدقت يا رسول اللّه.وما هو ارتفاع جبل قاف ؟ فقال إنّه سفر خمسمائة سنة. قال كم هي المدّة التي يقطع الإنسان في محيطه ؟ فقال إنّها سفر ألفي سنة.).

هذا وإنّ المؤلّف المذكور ما إن فرغ من نقل ما ذكرناه، حتى قال : (وأصل حكاية جبل قاف ما جاء في كتب أحد اليهود المسمّى حكيكاه باب 11 فصل 1 في تفسير الكلمة العبريّة "توهو" النادرة الاستعمال ومعناها الفضاء والفراغ.وقد وردت في تكوين 1/2 . قال كتاب حكيكاه : توهو هو الخط الأخضر المحيط بجميع العالم قاطبة ومنه تنبعث الظلمة.فالكلمة العبريّة المترجمة " الخط " هي " تاو ". ولمّا سمعها الصحابة لم يعرفوا أنّ معناها " خط " بل توهّموا أنّها سلسلة جبال عظيمة اسمها قاف! فكيف يعتبر القرآن ما نسمّيه الأفق (وهو خطّ وهمي) جبلا حقيقيّا ؟) .
أقول: لابد أن لاحظ القارئ المسلم ما بيّنته حول دلالة الحرف المقطّع (ق) في بداية هذا
السؤال.الأمر الذي يجعلني في حلٍّ عن شرح دلالة حرف (ق) مرّةً ثانية.وأكتفي الآن
بالتّعليق على جميع ما أورده المؤلّف المذكور فيما اقتبسه من كتاب (عرائس المجالس) وكتاب (قصص الأنبياء).فاعلم يا أخي القارئ المسلم أنّ كتب التراث محشوّة بأمور تعارض معطيات آيات هذا القرآن المجيد.ومن تلك الأمور ما استشهد المؤلّف المذكور بمقتطفات منها. ومن تلك الأمور المسيئة في كتب التراث ما استند الكاتب فيها إلى روايات وأحاديث مدسوسة ومن الإسرائيليات.وها هو المؤلّف المذكور يعترف بأنّ الراوي (عبد اللّه بن سلام) وكان يهوديّا، هو الذي دسّ ما ورد في كتاب (قصص الأنبياء) من رواية منسوبة إليه.فافهم وتدبّر ما بيّنته لك في هذا المقام.

وإلى هنا أكون قد أجبت على الأسئلة التي سألها مؤلّف كتاب (هل القرآن معصوم ؟)، والمنشور على (الأنترنيت) والذي لفت نظري إليه السيد (يوسف أبو سعده) وطلب مني الردّ عليه.وذلك بمناسبة طلبه بعض مؤلّفاتي التي أرسلتها إليه بالبريد السريع.والذي تعهّد بنشر هذا الردّ على حسابه وباسمي أيضا مشكورا.وقد كان تاريخ طلبه قبل عيد الأضحى بيومين.وقد شمّرت عن ساعدي وكتبت الردّ على الجزء الأول من المؤلّف المذكور ابتداء من اليوم الأوّل الذي جاء بعد عيد الأضحى.وأرجو أن أكون قد وفقني في هذا الردّ وفي توعية النشء المسلم هنا وهناك مّما يدسّه أصحاب عقيدة التثليت الباطلة لبلبلة أفكار هذا النشء المسلم المعاصر الذي تفتّحت عيناه على كتب تراث هي بحاجة للتّنقيح.

علما بأنّ هؤلاء المعترضين على ما ورد في كتب تراثنا،ومحاولين اعتباره حجّة على كتابنا المقدّس هذا القرآن العظيم المحفوظ من قبل ربّنا عزّ وجلّ.إنّ هؤلاء لا يقدمون على ما يكتبونه بدافع بيان الحقيقة.بل انطلاقا من عقل جامدٍ تقليديٍّ غير مستعدٍّ لإعادة النظر في كلّ موروث عندهم.ومن أبسط دلالات جمود عقولهم أنّهم يعلّقون (الصليب) على صدورهم وعلى كنائسهم.وهو الصليب الذي سعى اليهود لتعليق المسيح الناصريّ عليه بقصد إماتته عليه،وليثبتوا من خلال موت المسيح على الصليب أنّه غير صادق فيما ادّعاه ،وقد فعلوا هذا بدافع مما ورد في سفر التثنية 18/18.على حين أنّهم لو أعملوا عقولهم ولو للحظات،لكانوا تذكّروا بأنّ العاقل لا يعلّق على صدره شيئا يذكّره بالأداة التي تعذّب عليها إنسان صادق وعزيز عليه.بل يقوم بتعليق تذكار يذكّره بما كان هذا الإنسان العزيز عليه يستعين به ويرتاح بواسطته. فإن كان المسيح عليه السلام يعزّ على المسيحييّن المعاصرين حقيقة وبعقلانيّة فليعلّقوا على صدورهم شيئا يرمز إلى ما كان يخدم المسيح الناصريّ،وأن يبتعدوا عن تعليق الصليب على صدورهم وفوق كنائسهم ،كيلا يذكّرهم الصليب بآلام ذاك الرجل العظيم.لكنّ المسيحييّن يفعلون ما يفعلونه من باب انقيادهم لبولس الرسول الذي غرس في أذهانهم أنّ الشريعة لعنة،وأنّ موت المسيح على الصليب افتداهم من لعنة الإثم الذي ارتكبه آدم وحوّاء وخلافا لقول المسيح نفسه بأنّه ما جاء لينقض الناموس بل ليكمله.والناموس المشار إليه لم ينصّ في أيّ سفر منه على أنّ البشريّة بحاجة إلى ( مخلّص) يخلّصهم من تبعة الإثم الذي صدر عن آدم وحوّاء.وبهذا أُنهي ردّي على الجزء الأوّل المتعلّق بأمور جغرافيّة.وأنتقل للردّ على الجزء الثاني المتعلّق بأمور تاريخيّة.

[الردّ على الجزء الثاني المشتمل على أسئلة تاريخيّة]

مقدّمة هذا الردّ
لابدّ أن لاحظ القارئ العزيز كيف أنّي كنت أردّ على كلّ اعتراض من الاعتراضات الإثنتي عشرة التي اشتمل عليها الجزء الأوّل.وهذه الملاحظة قد توهم القارئ بأنّي سأنهج في ردّي على الاعتراضات الواردة في هذا الجزء الثاني بنفس الأسلوب.لكنّ هذا الوهم يتبدّد حين يتبيّن للقارئ الفرق ما بين هذين النوعين من الاعتراضات.فاعتراضات الجزء الأوّل كان القصد منها إثبات مخالفة مضامين الآيات القرآنيّة لمعطيات ما كشف عنه العلم الحديث من حقائق كانت مجهولة في الأزمنة الغابرة.وبما أن القرآن الكريم يصلح لكلّ زمان ومكان وقد أنزله اللّه عز وجلّ الذي هو خالق هذا الكون ولا يجوز أن يتكلّم القرآن على ما يخالف حقائق الأشياء التي خلقها اللّه الذي ننسب هذه الآيات الكريمة إليه.فهذا الأمر شكّل الحافز الذي دفعني للقيام بإعادة تدبّر الآيات المعترض عليها واستنادا إلى التفاسير القديمة.بتدبّر نابعٍ من منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.وهذا هو ما فعلته
هناك فأثبت عدم تعارض معطيات آي الذكر الحكيم مع معطيات العلم الحديث.لكن الاعتراضات الواردة في هذا الجزء الثاني هي اعتراضات تاريخيّة نابعة من مغايرة معطيات العهدين القديم والحديث لمعطيات الآيات القرآنية في بعض الأمور.وعليه فالاعتراضات التاريخيّة هذه تعني بألفاظ أخرى أنّ جميع ما تضمّنه العهد القديم والعهد الجديد هو في نظر العالم مستندا تاريخيا ولا تجوز مخالفة معطياته.لكنّ الحقيقة هي على عكس ما انطلق منه مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟).الأمر الذي دفعني لأقوم بتقديم الأدلّة التي تثبت تهافت هذه المعلومات الواردة في العهدين المذكورين،وبأدلّة ضمنيّة من معطيات التّقديم الذي قدّمت به (جمعيّات الكتاب المقدّس في المشرق) التي قامت بطبع هذا الكتاب الذي يقدّسه أهل الكتاب وذلك بتاريخ 1989 م في بيروت لبنان. إلى جانب بيان النظرة التي ينظرها كلّ من آمن بهذا القرآن العظيم إلى (الكتاب المقدّس) لدى أهل الكتاب والمشار إليه.

أولا –أمّا ما يتعلّق بالأدلّة الضمنية التي اشتملت عليها مقدمّة هذه الطبعة المشار إليها : (1)- فقد ورد على صفحة 41 اعترافٌ بأنّ الحوادث التي اشتمل عليها سفر التكوين وغيره من أسفار العهد القديم كانت عبارة عن [روايات كانت تتناقلها الألسن من جيل إلى جيل.ومن شأن هذه الروايات أن توفّر للمؤرّخ كثيرا من المعلومات الهامة].وهل يُعقل بعد هذا الاعتراف أن تكون مضامين تلك الروايات التي تناقلتها أجيال صحيحة مائة بالمائة ؟
(2) – كذلك اعترفوا على صفحة 44 بقولهم [ودُكّت أورشليم عن يد البابلييّن ونبوكد نصّر ونفي قسم من سكّانها .. فتأمّلت –المجامع اليهوديّة- في حياة شعبها وقيّمت تاريخ إسرائيل،وأثمر هذا التأمّل في تأليف بعض أسفار من الكتاب المقدّس.] وهذا اعتراف صريح بأنّ بعض الأسفار من العهد القديم من تأليف المجمّعات اليهوديّة التي ألّفت تلك الأسفار من دون الرجوع إلى مستندات مكتوبة،وألّفوها بما يتّفق مع ما كانوا يتخيّلونه ولصالحهم.وهل يُعقل بعد هذا الاعتراف أن تكون مضامين تلك الأسفار على مستوى المرجعيّة التاريخيّة ؟ وأن تكون تلك الأسفار خالية من الأخطاء التاريخيّة ؟

(3) – وذكروا على الصفحة 44 نفسها قولهم [فصدر عن قورش في العام 538 قبل
المسيح يأذن بإعادة بناء هيكل أورشليم،فتجمّع حوله اليهود العائدون من الجلاء.ولم يكونوا إذ ذاك إلا جماعة صغيرة نمت شيئا فشيئا في وسط مصاعب كثيرة.وحصلت على تنظيمها النهائي عن يد نحميا وعزرا في القرن الخامس قبل المسيح.لم يكن لهذه الجماعة أيّ تأثير في الميدان السياسيّ،ولكنّها تركت آثارا وجيهة على الصعيد الدينيّ.ففي أثناء هذه الحقبة وصل معظم أسفار العهد القديم إلى صيغته النهائيّة.].وهل يُعقل بعد الاعتراف إلا أن يكون (نحميا وعزرا) هما اللّذان أعادا كتابة التراث اليهودي على أساس من الذاكرة.وأنّ أسفار العهد القديم الذي هو بين أيدينا ليست هي نفس أسفار العهد القديم الذي كان يتداوله الإسرائيليّون قبل سبيهم على يد ملك بابل ؟

(4) – ولهذا السبب فقد اعترفوا على صفحة 47 وقالوا [ليس العهد القديم كلّ الأدب الذي صدر عن الشعب العبرانيّ،بل هو نتيجة اختيار مؤلّفات تعدُّ كُتُبا يُعوّل عليها وتسمّى لهذا السبب "قانونيّة".].ووضّحوا على الصفحة 48 السبب الذي دفع (نحميا وعزرا) للقيام بما قاما به وهو أنّ السلطات الفارسيّة طالبت رعاياها من اليهود بتقديم ما قام عليه إيمانهم وعقائدهم،لتعاملهم على أساس دستوريّ واضح ينظم حياتهم.الأمر الذي دفع (نحميا وعزرا) للقيام بما قاما به،حيث أنّهم قالوا معترفين:

[في السنة 398 قبل الميلاد على الأرجح ..اعترفت السلطات الفارسيّة بأنّ "أسفار موسى" تؤلّف دستوراً يحكم جميع يهود الإمبراطوريّة.وكان اليهود ينسبون إليها قيمة قياسيّة لتكون "قاعدة" لإيمانهم وحياتهم العمليّة.فكانت هذه الأسفار "قانونيّة" أي تنظم الوجود.وفي وقت لاحق حُدّدت مجموعة ثانية،وهي مجموعة "الأنبياء" الأوّلين (يشّوع والقضاة والملوك) والآخرين (إشعيا وإرميا وحزقيال والأنبياء الصغار الإثني عشر).لم تكن للمجموعة الثانية سلطة منظّمة تعادل سلطة المجموعة الأولى،لكنّها كانت أساسا لشرحها وامتدادا لفحواها،ومع تثبيت مجموعة المزامير،وهي ضروريّة للصلاة الطقسيّة،نشأت فئة ثالثة من الكتب المعترف بها رسميّا والمستعملة في عبادة الهيكل وفي الاجتماعات المجمعيّة.].وبعد هذا السرد لتاريخ تأليف أسفار العهد القديم،فهل عاد هناك
من شكِّ في أنّ هذا العهد القديم الذي يقدّسه أهل الكتاب المعاصرون،هل عاد هناك من شكٍّ في أنّ هذا الذي يسمّونه (العهد القديم) فلا يحتلّ منزلة مرجعيّة تاريخيّة موثّقة ولا يؤخذ بمعلوماته بصورة يقينيّة.وأنّ هذا (العهد القديم) بحاجة إلى تصحيح كثير ممّا ورد فيه من أحداث وأسماء وحتّى الأحكام الشرعيّة الواردة فيه والمنسوبة إلى موسى عليه السلام ؟

(5) – أضف إلى ذلك أنّهم اعترفوا على صفحة 52 أنّه: [عُثر عام 1947 م عند شاطئ البحر الميّت في مغاور تحيط بأطلال خربة قمران،على ملفّات أسفار مقدّسة شبه كاملة وعلى ألوف من الأجزاء التي تُركت في القرن الأوّل من عصرنا.فتبيّن من ذلك أنّ اليهود كانوا يتناقلون على عهد يسّوع المسيح صيغَ نصوص مُعظمها أسفار،غالبا ما تختلف عن النصّ المسوريّ الأوّل.فقبل العثور على مخطوطات قمران وبريّة يهوذا ، كنّا مطّلعين على بعض الصيغ غير المسوريّة لنصّ العهد القديم،كصيغة التوراة التي حافظت عليها جماعة "السامرييّن"أو كالصيغة التي كانت أساسا للترجمة اليونانيّة السبعينيّة القديمة.ومع أنّ هاتين الصيغتين محفوظتان في مخطوطات أحدث من مخطوطات بريّة يهوذا،فإنّ عهدهما يرقى ألى القرون الثلاثة الأخيرة قبل المسيح.]فمن خلال هذا الاعتراف الخطير يتبيّن بأنّ فِرق اليهود كانت لديهم أسفار يختلف بعضها عن بعض.

(6) – وأخيرا فإنّ مقدّمة هذه الطبعة من (العهد القديم) تكلّمت عمّا أصاب نصوص أسفار العهد القديم من تشويه فكتبوا يقولون معترفين على صفحة 53: [لاشكّ أنّ هنالك عددا من النصوص المشوّهة التي تفصل النصّ المسوريّ الأول عن النصّ الأصليّ.فمن المحتمل أن تقفز عين الناسخ من كلمة إلى كلمة تُشبهها وترد بعد بضعة أسطر،مهملةً كلّ ما يفصل بينهما.ومن المحتمل أيضا أن تكون هناك أحرف كُتبت كتابة رديئة فلا يُحسن الناسخ قراءتها فيخلط بينها وبين غيرها.وقد يُدخلُ الناسخ في النصّ الذي ينقله،لكن في مكان خاطئ،تعليقا هامشيّا يحتوي على قراءة مختلفة أو على شرح ما.والجدير بالذكر أنّ بعض النسّاخ الأتقياء أقدموا،بإدخال تصحيحات لاهوتيّة،على تحسين بعض التّعابير التي كانت تبدو لهم معرّضة لتفسير عقائديّ خطر.]

وهنا فقد عاد بإمكاننا تلخيص جميع ما أوردته مقدّمة الطبعة الجديدة للكتاب المقدّس من اعترافات أوردناها أعلاه اختصارها في النقاط التالية:
أولا – اعترافهم بأنّ (العهد القديم) ما هو إلا عبارة عن أسفار روايات تناقلتها أجيال الإسرائيلييّن بصورة شفهيّة ولا تستند إلى مستند مكتوب يرجع إلى عهد النبي موسى .
ثانيا – وأنّ السبي البابليّ لأكثريّة يهود فلسطين وتدمير هيكل سليمان،تسبب لدى المجامع اليهوديّة في تأمّل الأسباب التي آلت باليهود إلى هذا المصير السيّئ .
ثالثا – وبعد سماح قورش الفارسيّ لليهود بإعادة بناء الهيكل المدمّر دفعت نحميا وعزرا في القرن الخامس قبل الميلاد لتجميع ما وصلهم من أسفار بشتّى الطرق ولإعطائها الصيغة النهائيّة للعهد القديم والتي لم تكن موجودة قبل ذاك التاريخ.

رابعا – وقد كان الدافع إلى تلك العمليّة المشار إليها طلب السلطات الفارسيّة من اليهود تقديم ما يشكّل مرجعيّة دستوريّة تمثّل عقائد اليهود .وقد ألحق كهنة اليهود فيما بعد إلى ما قدّموه نجموعة ثانية سمّوها مجموعة الأنبياء لتمثّل يشوع والقضاة والملوك والآخرين كإشعيا وإرميا وحزقيال وغيرهم.ومن ثمّ ثبّتوا فيه مزامير داود لضرورة إقامة الصلاة.
خامسا – واكتُشفت منذ مدّة قريبة وثائق عند خربة قمران عند شاطئ البحر الميّت ترقى إلى القرون الثلاثة قبل المسيح وتختلف مع ما في هذا العهد القديم من معلومات،ولم تأخذ وضعها الطبيعيّ بعد لدى المحقّقين.
سادسا – كذلك اعترفوا في مقدّمة الطبعة الجديدة للكتاب المقدّس بحدوث جملة من التشوّهات فيما وصل من أسفار هذا العهد القديم وذلك على أيدي النُساخ والكهنة المتديّنين اليهود حين قيامهم بنسخ أسفار هذا العهد القديم.

أقول: إنّ كتابا مسمّى (العهد القديم) ويكون سنده في مثل هذا المستوى من الضعف والوهن،يستحيل أن يصبح مرجعاً يشفي غليل الباحثين وليحلّ لهم معضلاتهم الروحانيّة.خصوصا وأنّها توجد في هذا (العهد القديم) من الدلائل الضمنيّة ما يشهد على أنّه لا يمثّل التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام.وقد سبق لي أن لفتُّ نظر القارئ من قبل إلى دليلٍ ضمنيٍ واضح المعالم يؤكّد هذه الحقيقة التي أشرت إليها والوارد في سفر
التثنية الإصحاح 34/5-6 والمتعلّق بوفاة موسى عليه السلام والوارد فيه (فمات هناك موسى عبد الربّ في أرض موآب حسب قول الربّ ودفْنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ،ولم يعرف إنسانٌ قبره إلى هذا اليوم.).وهل يوجد إنسانٌ عاقلٌ يقرأ هذا النصّ من سفر التثنية،ويسلّم بأنّ فقرة (لا يعرف أحد قبره حتى الآن) موحى بها من اللّه عز وجلّ ؟؟ كذلك ورد بعد الفقرة التي أوردناها : (فبكى بنوأ إسرائيل موسى في عربات نوآب ثلاثين يوما،فكملت أيّام بُكاء مناحة موسى).وهل يوجد إنسان عاقلٌ يقرأ هذه الكلمات من سفر التثنية ومن ثمّ يسلّم بأنّها إيحاء من اللّه الذي بعث موسى بهذه التوراة التي يطلقون عليها (العهد القديم) ؟؟ كلا ثمّ كلا إنّها الدليل الضمني القاطع الذي ينزع ثقة الباحث من صدره بكلّ ما ورد في هذا المسمّى (العهد القديم).

وعلى هذه الصورة نعود نُدرك من خلال ما أوردناه من اعترافات سالفة الذكر وهي الاعترافات التي اعترف بها أهل الكتاب أنفسهم،ومن خلال هذا الدليل الضمني الذي يؤكّد بأنّ (العهد القديم) قد كتبوه بعد موت موسى بقرون كثيرة.أقول عدنا نُدرك من خلال تلك الاعترافات الحكمة الإلهيّة الكامنة وراء قول اللّه عز وجلّ الوارد في الآيتين من سورة المائدة 47/48 وهو : (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه فيه،ومن لا يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون.وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ،مصدّقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه،فاحكم بينهم بما أنزل اللّه ولا تتّبع أهواءهم عمّا جاءك من الحقّ،لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا،ولو شاء اللّه لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى اللّه مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون.). وهو القول الذي اشتمل على النقاط التالية :

أولا – أنّ اللّه عز وجلّ وبأسباب خفيّة ساعد على المحافظة على ما يثبت صدق رسالة الإسلام في هذه النصوص التوراتيّة والإنجيليّة المحرّفتين.وإنّ الباحث الذي يتقصّى تلك النصوص المشار إليها بموضوعيّة يتلمّس دليل صدق الإسلام من خلالها.
ثانيا – وأنّ الإنسان الذي يطالع ما جاء به هذا القرآن العظيم يتيقّنُ بأنّ محمّدا والدين الذي نزل معه قد جاء مصدّقا لجميع تلك النصوص التوراتيّة والإنجيليّة المشار إليها.
ثالثا – وإنّ قول اللّه عز وجلّ في هذا النصّ القرآنيّ (ومهيمنا عليه) يعني صراحة بأنّ جميع ما ورد في هذا القرآن الكريم يشكّل مرجعيّة حقيقيّة لكلّ ما هو وارد في العهدين القديم والجديد ومن منطلق أنّ قوله (هيمن عليه) قد صار رقيبا عليه (معجم محيط المحيط)
وإنّ هذا المعنى المذكور يدفع المؤمن بهذا القرآن العظيم ليعتقد من صميم فؤاده وكعقيدة راسخة في صدور المؤمن يرفض بنتيجتها كلّ ما يقول مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) بأنّه مخالف لما هو وارد فيما يسمّيه باسم (الكتاب المقدّس). يرفضه رفضا قاطعا وعن عقيدة يعتقدها كمسلم،وبعد أن ثبت لديه بأنّ هذا الكتاب الذي يقدّسه أهل الكتاب لا يعدّ مرجعيّة حقيقيّة للباحثين عن الحقيقة.بل العكس هو الصحيح.فإنّ كلّ ما هو وارد في القرآن المجيد هو المرجعيّة الحقيقيّة لتصحيح كلّ ما هو وارد في كتابهم الذي يقدّسونه.

فعلى هذا الأساس يقوم منهجي في الردّ على ما ورد في الجزء الثاني من المؤلّف الذي أردّ عليه.فأنا سأهمل الردّ على كلّ اعتراض جعل المؤلّف (كتابه المقدّس) مرجعا له.وذلك بعد أنّ أثبتّ بالدلائل القاطعة كون الكتاب الذي يقدّ سه هؤلاء لا يُعدّ مرجعا حقيقيّا في مجال تلك الاعتراضات.وإنّ على هذا المؤلّف أن يدعم اعتراضاته بأدلّة تاريخيّة من خارج كتابه المقدّس وبصورة علميّة تدعم اعتراضاته.وما دام هذا المؤلّف لم يفعل ذلك فسأهمل في ردّي هذا كلّ اعتراض لم يستوف الشرط الموضوعيّ الذي أتيت على ذكره.ولا أجيب إلا على ما يستحقّ الإجابة عليه.بل سأهمل كلّ اعتراض أقامه المؤلّف على تفسير البيضاوي،
هذا التفسير الذي لا يعدُّ حجّة على ما ورد في كتاب اللّه العزيز. وعلى هذا الأساس من منهجي في الرد،ّ أبدأ بالردّ على ما ورد في الجزء الثاني من مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟).

جواب الاعتراض السادس من الأسئلة التاريخيّة:فأقول من منطلق اعتقادنا الذي بيّناه في مقدّمة هذا الجزء الثاني وهو أنّ تعاليم هذا القرآن الكريم وما ورد فيه من أخبار إنّما أُنزلت لتصحيح ما لدى أهل الكتاب من مراجع يقدّسونها وعادت محرّفة ومشوّهة بشكل هي بحاجة لتصحيح كلّ ما ورد فيها من قصص وأخبار.إلى جانب أنّ القرآن الكريم قد نسخها وأنزل ربّنا عز وجلّ هذا القرآن المجيد مصداقا لما ورد في تلك الكتب من نبوءات تتعلّق ببعثة سيّد المرسلين (ص).هذا وإنني أثبتّ في المقدّمة المذكورة اعتراف الكتابييّن أنفسهم بتحريف تلك الكتب ووجود تشوّهات فيها. ولذلك فما عادت تشكّل تلك الكتب في نظرنا مرجعيّة تاريخيّة خالية من التحريف والتشويه.ومن هذا المنطلق فإنّي لن أردّ على أيّ سؤال نابع من نصٍّ واردٍ في العهدين القديم والجديد.فلا أجيب إلا على ما يستحقّ الإجابة عليه،حفاظا على مصداقيّة كون القرآن الكريم قد أنزله ربّنا عز وجلّ لتصحيح ما في العهدين القديم والجديد.وعلى هذه الصورة تراني يا عزيزي القارئ أهملُ الردّ على الاعتراضات التاريخيّة الخمسة الأوائل من الجزء الثاني لكونها لا تستحقّ من جانبي النظر فيها للسبب الذي ذكرته آنفا.وأتناول الإجابة على السؤال التاريخي السادس والوارد بعنوان (يوسف همَّ بالفساد).

فالمؤلّف الذي رفع هذا العنوان الآنف الذكر شاء أن يوهم القارئ المسلم بأنّ القرآن الكريم ساوى ما بين فعل زوجة الذي اشترى يوسف وما بين فعل يوسف عليه السلام. وقد أقدم المؤلّف على هذه المحاولة وذلك باقتطاع ألفاظ (ولقد همّت به وهمّ بها) من الآية 24 من سورة يوسف ، إلى جانب قطع هذه الألفاظ عن سباقها وسياقها وعلى شاكلة ما كان يفعل في أسئلته من قبل.وبعد قيامه بهذا الفعل الذي دلّ على سوء نيّته، فقد راح المؤلّف يقول شارحا هذه الألفاظ المقتطعةبقوله: (أي قصدت مخالطته وقصد مخالطتها، والهمّ بالشيء قصده والعزم عليه ومنه الهمّام وهو الذي إذا قصد شيئا أمضاه.).وبعد أن قام المؤلّف بهذا الشرح أضاف وقال: (وهذا القول يناقض التاريخ المقدّس الذي يقول إنّها لمّا طلبت إليه الشرّ ،استنكر طلبها وقال: :كيف أصنع هذا الشرّ العظيم وأخطئ إلى اللّه. ولما أمسكت بثوبه تركه معها وهرب ؟! تكوين 39/9 .) .

فأقول في الردّ على السؤال السادس التاريخي المذكور: من المؤسف جدّا أن يقوم رجل دين بهذا الفعل الذي أقدم عليه هذا المؤلّف الذي ادّعى أنّه درس الإسلام.فهو اقتطع هذه الألفاظ (ولقد همّت به وهمّ بها) من آية طويلة تشكّل خمسة أضعاف هذه الكلمات المقتطعة منها ولغاية إيهام القارئ بغير ما ورد في الآية المذكورة.ولا يفعل فعله رجل دين شريف النفس وطالب للحقيقة.كذلك فإنّه قطع الآية عن سباقها وسياقها.وإلى القارئ العزيز هذه الآية بكامل ألفاظها.قال اللّه تعالى (ولقد همّت به ق وهمّ بها لولا أن رأى بُرهان ربّه كذلك لِنصرِفَ عنه السوءَ والفحشاءَ إنّه من عبادنا المخلصين.).فليلاحظ القارئ ورود إشارة (ق) بعد جملة (ولقد همّت به) وهي إشارة وقف جائز،هذا من جهة.ومن جهة أخرى فإنّ ألفاظ (وهمّ بها) لها تتمّة وهي قوله تعالى (لولا أن رأى برهان ربّه).وإنّ هذه التتمّة التي حذفها هذا المؤلف قد تضمّنت نفي مشابهة حال يوسف عليه السلام حال تلك المرأة.فحرف لولا قد استعمل هنا ليفيد التوبيخ والتنديم للذي شابه حاله حال تلك المرأة. ولذلك فقد أتبع حرف (لولا) هذا قوله تعالى (أن رأى برهان ربّه) ولبيان السبب الذي حال دون مشابهة حال يوسف عليه السلام حال تلك المرأة. فحرف (أن) في هذا المقام تفسيريّ وورد هنا ليفيد تفسير السبب الذي حال دون مشابهة حال يوسف حال تلك المرأة.وعليه فقد فسّر حرف (أن) السبب وقال (أن رأى برهان ربّه).

أي أنّ يوسف عليه السلام كان نبيّا (رأى برهان ربّه).وقال أبو البقاء موضّحا معنى كلمة (البرهان) : البرهان هو الذي يقتضي من الذي رآه التزام الصدق أبدا لا محالة.لكون البرهان يعني الحجّة والدليل والبيّنة ويجمع على براهين.وبألفاظ أخرى فكأنّ اللّه عز وجلّ حين قال بحقّ نبيّه يوسف عليه السلام (لولا أن رأى برهان ربّه) قد قال بألفاظ أخرى :
كيف بإمكان حال يوسف أن يشابه حال تلك المرأة ،وفي وقت كان يوسف فيه على صلة بربّه وعلى مستوى كبير من الرفعة والسموّ وبحيث يستحيل عليه أن يبتعد عن درب الصدق في سلوكه مع تلك المرأة.

ولم يكتف اللّه عز وجلّ بهذا الذي برّأ به حال نبيّه يوسف من مشابهة حال تلك المرأة.بل إنّك تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه جلّ شأنه قد راح يؤكّد هذه الحقيقة من خلال قوله تعالى بعد ذلك (كذلك لِنصرِفَ عنه السوء والفحشاء إنّه من عبادنا المُخلَصين.) أي أنّ اللّه قد كان قد أرى نبيّه يوسف برهان ربّه بغرض أن يحصّنه ضدّ ارتكاب الفحشاء وبما يخالف الاتّصاف بصفة البعد عن الحياء.وأنّ اللّه تعالى الذي كان قد قدّر ما جرى ليوسف،كان قد قدّره بحقّه ليصرف عنه البقاء في بيت الذي اشتراه وليبعده عن خدمة تلك المرأة التي كان التزامه بخدمتها لابدّ أن يترك في نفسه آثارا سيّئة تُبعده عن المستوى الخلقيّ الذي كان قد أوصله ربّه إليه من حُسن سيرة وسموّ خلقيّ دلّ عليه قول ربّنا عز وجلّ (إنّه من عبادنا المخلصين).وعلى هذه الصورة فإنّ اقتطاع هذا المؤلّف هذا السياق كلّه كان بمثابة عمليّة تزوير للحقيقة وتشويه للمعنى الحقيقي المقصود من ألفاظ (وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه).وتعال يا عزيزي القارئ إلى آية سباق هذا الموضوع التي قال اللّه تعالى فيها (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيتَ لك،قال معاذ اللّه،إنّه ربّي أحسن مثواي إنّه لا يُفلح الظالمون.).فآية السباق هذه كانت قد مهّدت للمعنى الذي دلتّ عليه الآية التي كانت مدار بحثنا آنفا.وهي الآية التي أكّدت المعنى الذي توصّلنا إليه من الآية مدار البحث.وقد استهلّ اللّه عز وجلّ الآية بفعل (وراودته ..عن نفسه) ومعناه أنّ المرأة طلبت منه المنكر.(معجم أقرب الموارد).والمراودة تعني أن تُنازعَ غيركَ في الإرادة فتريدُ منه غير ما يريد، ومصدره مراودة (مفردات الراغب)

فمن خلال دلالات هذا الفعل (راودته) تعود تدرك يا عزيزي القارئ بأنّ استهلال اللّه تعالى هذه الآية بهذا الفعل الذي يحمل هذه المعاني آنفة الذكر،كانت الحكمة منه أن ينفي اللّه تعالى من خلاله مقدّما أن يكون حال يوسف عليه السلام قد شابه حال تلك المرأة. ومن ثمّ فقد أورد اللّه تعالى يقول في الفقرة الثانية حقيقة أخرى أضافها إلى الحقيقة الأولى قال: (وغلّقت الأبواب وقالت هَيتَ لك،قال معاذ اللّه إنّه ربّي أحسنَ مثواي،إنّه لا يفلح الظالمون.).ومن خلال دلالات هذه الفقرة الثانية يكون اللّه عز وجلّ قد أكّد بأنّ طلب المنكر قد بادرت به المرأة ،وذلك بعد أن هيّأت لطلبها الشائن الذي دلّ عليه قوله تعالى (وغلّقت الأبواب) . وقول المرأة (هيتَ لك) معناه هلمّ لك وتعال لفعل المنكر. (معجم أقرب الموارد).

وتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى قد صوّر لنا في مقابل ذلك موقف يرسف عليه السلام الذي وقفه من طلب تلك المرأة فقال على لسان نبيّه يوسف: (قال معاذَ اللّه إنّه ربّي أحسن مثواي إنّه لا يفلح الظالمون.).فقول يوسف عليه السلام (معاذ اللّه) محذوف منه فعله والتقدير : معاذ اللّه أن أفعل ما تطلبينه مني.وقد أتى يوسف عليه السلام بحرف التأكيد (إنّ) وبيّن سبب رفضه لطلب المرأة الشائن وقال (إنّه ربّي أحسن مثواي). بمعنى أنّ اللّه خالقي قد ربّاني منذ نعومة أظفاري وأراني عدّة بشارات تتعلّق بمستقبلي الزاهر،فهو الذي أحسن مثواي أي أحسن تربيتي على يد والدي المقرّب إلى اللّه عز وجلّ هذا وإنّ جميع هذه الأمور تدفعني لأن أتّخذ ربّي ملجأً لي وحصنا يحول دوني ودون ميلي لارتكاب هذا المنكر الذي تطلبينه منّي.وقد بيّن يوسف عليه السلام شيئا من التعاليم التي تعلّمها في بيت أبيه،لذلك قال أخيرا وبعد أن أورد حرف التأكيد (إنّ) للمرّة الثانية،قال (إنّه لا يُفلح الظالمون.).وحاذفا مضاف فعل (لا يفلح) ولتصريف هذا الفعل إلى عدّة دلالات،تقديرها : أنّه لا يفلح من ينتهج في سلوكه سيرة عصيان أوامر اللّه عز وجلّ.ولا يفلح كلّ من يفتري الكذب على اللّه عز وجلّ.ولا يفلح كلّ من ترك سبيل الهدى وانتهج سبيل الضلال.وبعد أن فرغ اللّه تعالى من هذا التّمهيد الواسع الدلالات التي اشتملت عليه آية السباق هذه،انتقل ليصف لنا ما جرى بين هذين الطرفين وقال (ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه كذلك لنصرفَ عنه السوءَ والفحشاء إنّه من عبادنا المُخلَصين.).

وتعال معي يا عزيزي القارئ إلى سياق هذه الآية أيضا الذي قال اللّه تعالى فيه بعد هذا كلّه (واستبقا البابَ وقدّت قميصهُ من دُبُرٍ،وألفيا سيِّدَها لدى الباب،قالت ما جزاء مَن أراد بأهلك سوءً إلاّ أن يُسجن أو عذابٌ أليم.).فبيّن اللّه عز وجلّ من خلال قوله تعالى (واستبقا الباب)أنّ يوسف حاول الهرب من وجه المرأة.وأنّ المرأة ركضت وراءه لتمسك به لتمنعه من الهرب منها.وهو تعبير ورد في منتهى القوّة من حيث صياغته البلاغيّة المعبّرة عن المعنى الذي أشرت إليه.وقد أتى تعالى بواو الحال ليبيّن الحال الذي صدر عن المرأة التي ما استطاعت اللّحاق بيوسف،لكنّها تمكّنت من الإمساك بطرف ثوب يوسف فقط، فأمسكت به بقوّةٍ. فهرب يوسف من أمامها وقد أدّى ذلك إلى تمزّق ثوب يوسف عليه السلام من خلفه.وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى (وقدّت قميصه من دُبُرٍ).

ولاحظ معي يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد نقل إلينا موقف الذي اشترى يوسف واستخدمه في بيته، وكيف أنّه استجوب يوسف بعد أن اتّهمته زوجته بما اتّهمته به،وقد أجاب يوسف وقال (قال هي راودتني عن نفسي) فأورد يوسف عليه السلام نفس الفعل (راودتني) الذي كان اللّه عز وجلّ قد استهلّ به آية سباق هذا الموضوع وذلك من خلال قوله (هي راودتني عن نفسي) وهو الفعل الذي يعني بأنّ يوسف عليه السلام وقف موقفا مخالفا للموقف الذي وقفته منه تلك المرأة.وأنّ يوسف لم يستجب لطلبها بشكلٍ من الأشكال.وبذلك يكون القرآن الكريم قد برّأ يوسف من خلال قول الذين حكّموهم في قضيّته (وإن كان قميصه قُدَّ من دُبُرٍ فكذبت وهو من الصادقين.).
وهكذا تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) قد حاول التّعتيم على جميع هذه الحقائق التي بيّنتها آنفا والواردة في هذه الآيات الكريمة.وقد اكتفى باقتطاع ألفاظ (وهمّت به وهمَّ بها) ومن أجل أن يبلبل أفكار ناشئة المسلمين وغيرهم من الذين يطّلعون على مؤلّفه المذكور.وهل يفعل فعله إلاّ رجلٌ بعيد جدّا عن طلب الحقيقة ويسعى لإضلال الناس بهذه الأساليب الملتوية ؟ ومتعاميا عمّا ورد في الآيات ذات الصلة من بيان حقائق قصّة النبيّ يوسف عليه السلام والواردة في (العهد القديم) ؟

وهنا وبعد أن أوصلتك يا عزيزي القارئ إلى أنّ القرآن المجيد قد نفى عن يوسف عليه
السلام أن يكون قد همّ بالفساد وعلى حسب ما زعمه هذا المؤلّف.تسألني: وأين وجه هيمنة القرآن الكريم على ما هو وارد في العهد القديم ؟ وأين وجه رقابته وتصحيحه لِما هو وارد في هذه الحلقات من قصّة يوسف في العهد القديم ؟ فنحن أدركنا حتّى اللحظة بأنّ القرآن الكريم والعهد القديم متّفقان في هذه المسألة.ولا نلاحظ بأنّ القرآن قد قام إلى الآن بتصحيح شيء مما هو وارد في العهد القديم.

فأقول: إنّ تساؤلك يا عزيزي القارئ جدير بالاهتمام وبالإجابة عليه.وإنّ هذه الإجابة تقتضي من جانبي أن أسرد لك بادئ الأمر ما كتبه كاتب سفر التّكوين في الإصحاح 39/1-6 والمتعلّق بما جرى ليوسف بعد أن التقطه الذين انتشلوه من البئر وبعد أن باعوه في مصر لرئيس حرس فرعون.ليصبح هذا الاقتباس أساس المقارنة ما بين ما أورده هذا الكاتب وما بين ما أورده القرآن الكريم في مقابله.وليمكّننا ذلك من القيام بعمليّة المقارنة وتبيّن نقاط التّصحيح لمعلومات العهد القديم.وبدون القيام بعمليّة المقارنة هذه،فلا يتمكّن الباحث الناقد بيان ما سألتني عنه.لذلك تعال معي لأقرأ عليك ما أورده الكاتب المذكور في الإصحاح المشار إليه.ولكن وقبل القيام بتلك المهمّة،أرى من المناسب أن أُسمعك ما قدّمه القرآن الكريم من تمهيد مهّد من خلاله للدخول في بيان تلك الحلقة من قصّة يوسف عليه السلام.وليساعد هذا التّمهيد القارئ على تفسير مجريات أحوال ما جرى ليوسف بعد أن اشتراه الرجل المصريّ.علما بأنّ ما أورده كاتب سفر التكوين قد أتى خاليا تماما من مثل ذاك التّمهيد الضروريّ.وبناء على ذلك تكون يا عزيزي القارئ قد اطّلعت على أوّل ناحيّة قد قام القرآن الكريم بتصحيحها وبشكل موضوعيّ.

فلقد أورد كتاب اللّه العظيم يصحّح ويمهّد للقصّة ويقول: (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه،عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولدا، وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض ولنعلّمه من تأويل الأحاديث،واللّه غالبٌ على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حُكما وعلما،وكذلك نجزي المحسنين. وراودته التي هو في بيتها ..).وبهذا التّقديم للحادثة المذكورة يكون اللّه عز وجلّ قد نبّه أذهاننا إلى أنّه تعالى كان هو المحرّك الأساسيّ لتلك الأحداث التي مرّ بها يوسف عليه السلام في بيت المصريّ الذي اشتراه من قافلة الإسماعيلييّن.وأنّ هذا التّقدير الذي تعلّق بحياة يوسف في تلك المرحلة من حياته قد قدّره اللّه تعالى من أجل أن يحقّق ما بشّر به يوسف في صغره من خلال رؤياه (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنّي رأيت أحد عشر كوكبا والشمسَ والقمر رأيتهم لي ساجدين.).
وبذلك يكون اللّه جلّ شأنه قد نبّه أذهاننا من خلال هذا التّمهيد إلى تدرّج الأحداث التي عرضت ليوسف في بيت المصري: فبيّن اللّه تعالى أولا أنّه تعالى قد ألهم ذاك المصريّ الذي اشترى يوسف بدايةً أن يهتمّ بيوسف،لذلك نلاحظ بأنّ هذا المصريّ أوصى زوجته وقال لها: (أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولدا) وبناء عليه ومن خلال هذا الإلهام يكون اللّه تعالى قد مكّن ليوسف في الأرض.وذلك مصداق قوله تعالى في هذا التّمهيد (وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض)أي بهذا الإلهام الذي ألقيناه في نفس المصريّ نكون قد منحنا عبدنا يوسف في أرض مصر منزلةً وعزّة ما كان ليحصل عليها لولا هذا التّقدير الإلهيّ الخاصّ به والمشار إليه.وقد نبّه اللّه جلّ شأنه أذهاننا من جهة ثانية في التمهيد المذكور إلى أنّه سبحانه وتعالى كان قد قدّر أيضا أن يعلّم يوسف في تلك الفترة من حياته (من تأويل الأحاديث) وخلال سنوات نشوئه وترعرعه في بيت المصريّ الذي اشتراه. وبوسيلة التّلقين اللّدنّي المباشر يكون اللّه جلّ شأنه قد ملأ الفراغ الذي حدث ليوسف في تلك الأيّام بعيدا عن والديه وليعوّض اللّه تعالى عليه ما حُرم منه نتيجة مكر اخوة يوسف به.أولئك الاخوة الذين أبعدوا يوسف عن أبيه وحرموه من بركات وعظه إيّاه وتعليمه إيّاه أمور دينه. وبذلك يكون اللّه تعالى قد أثبت بأنّه لا يضيع أجر المحسنين.

ومن جهة ثالثة فقد نبّه اللّه عز وجلّ أذهاننا إلى أنه تعالى كان قد علّم يوسف بعد أن بلغ يوسف أشدّه واكتمل نموّ عقله وأصبح راشدا،قد علّمه علما لدنّيا منحه (حُكما) أي منحه حِكمة في تصريفه للأمور وفراسةً تعينه على استخلاص نتائجها (محيط المحيط).كما منحه (عِلما) روحيّا لم يمنحه لأحد غيره هناك في مصر وفي تلك الدار التي ترعرع فيها. ومع أنّ اللّه تعالى لم يوضّح لنا موضوع العلم اللّدني الذي علّمه ليوسف إلا أنّ تطوّر أحداث تلك المنطقة التي عاش فيها وما تحقّق على يدي يوسف عليه السلام تكشف عن نوعيّة ذاك العلم اللّدنّي المشار إليه.

ومن جهة رابعة فقد نبّه اللّه عز وجلّ أذهاننا في هذا التّمهيد إلى أنّ ما يحمله المرء من صفات حسنة وما يصدر عنه من تقوى فإنّ هذا كلّه لا يضيع عند اللّه تعالى بل يجزي اللّه عز وجلّ هذا الإنسان على قَدَر ما يحمله من صفات حسنة وعلى قدر ما يتّصف به سلوكه اليوميّ من تقوى. وإلى هذه الحقيقة أشار ما أنهى اللّه عز وجلّ به التّمهيد المذكور من ألفاظ وردت في نهاية هذا التّمهيد وقال تعالى فيها (وكذلك نجزي المحسنين.).وبناء على خلوّ نصّ سفر التكوين المشار إليه من مثل هذا التّمهيد الذي اشتمل على أمور أربعة هامّة،تكون يا عزيزي القارئ قد أدركت: أوّلا بأنّ كاتب سفر التكوين ما كان يعرف المنزلة الروحيّة التي كان قد احتلّها يوسف عليه السلام في المملكة السماويّة.فهذا التّمهيد أشعرنا بأنّ يوسف كان أحد أنبياء بنو إسرائيل.على حين أنّك عندما تقرأ ما كتبه كاتب سفر التكوين يستحيل أن تدرك من خلاله هذه الحقيقة.وإليك النصّ:
فهو كتب يقول في الإصحاح 39/1-6: (أما يوسف فأنزل إلى مصر فاشتراه فوطيفار خصيّ فرعون ورئيس الحرس،رجلٌ مصري،من أيدي الاسماعيلييّن الذين نزلوا به إلى هناك.وكان الربّ مع يوسف فكان رجلا ناجحا وأقام ببيت سيّده المصريّ.ورأى سيّده أنّ الربّ معه وأنّ جميع ما يعمله يُنجحهُ الربّ في يده.فنال يوسف حظوةً في عينيه وخدمه.فأقامه على بيته وكلُّ ما كان له جعله في يده.وكان منذ أقامه على بيته وكلّ ما هو له أنّ الربّ بارك بيت المصري بسبب يوسف،وكانت بركة الربّ على كلّ ما هو له في يد يوسف،ولم يكن يهتمّ معه بشيء إلا بالطّعام الذي كان يتناوله.وكان يوسف حسنًَ الهيئة وجميل المنظر.).

فإن أنت دقّقت في هذا النصّ تلاحظ بأنّه قد خلا من مثل ذاك التّمهيد الذي مهّد به القرآن الكريم للموضوع،ولم ينبّه أذهاننا إلى تدخّل التقدير الإلهي الخاص فيما حدث ليوسف عليه السلام.ولا نبّهنا إلى أنّ اللّه عز وجلّ قد قدّر ما قدّره ليمكّن نبيّه يوسف من بلوغ المكانة المقدّرة له في الأرض المصريّة.وإنّ كلّ ما أورده الكاتب في هذا النصّ يتلخّص في النقاط التالية: فالكاتب صوّر يوسف أولا من ناحيةٍ بأنّه كان مثال الخادم الأمين العفيف على أموال سيّده.ولذلك فقد نال يوسف حظوة لدى سيّده،الذي أقامه على تصريف أمور بيته.وأغفل هذا الكاتب بذلك بيان أنّ يوسف لم يصل إلى تلك المرتبة إلا بعد أن بلغ رشده واكتملت معالم رجولته.

على حين أنّ التمهيد القرآنيّ قد صحّح هذا النقص الموضوعيّ من خلال قوله تعالى بحقّ يوسف (ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حُكما وعلما) أي أنّ القرآن العظيم قد أشار إلى مرحلة الطفولة التي مرّ بها يوسف في بيت المصريّ من خلال قوله (ولمّا بلغ أشدّه).فبلوغ الطفل أشدّه معناه أنّه أصبح بالغا وراشدا وشابّا.ثمّ إنّ الكاتب قد لفت نظرنا من ناحية ثانية في هذا النصّ إلى أنّ يوسف كان جميل المنظر وحسن الهيئة،لذلك طمحت عين امرأة سيّده إليه وطلبت منه مرارا أن يضاجعها،إلى أن أمسكت يوما بثوبه محاولة إجباره على فعل المُنكر معها.لكنّه هرب عاريا وقد ترك ثوبه في أيديها.على حين أنّ القرآن الكريم قد لمّح إلى موضوع جمال وحسن يوسف من جهة بالإشارة إليه وليس بالتّصريح،حين قال تعالى على لسان المصريّ الذي اشترى يوسف (عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولدا) ولا يفكّر المرء في اتّخاذ خادمه ولدا له إلا إذا أعجبه منه جمال وجهه وحسن هيئته.كذلك صحّح القرآن المجيد من جهة ثانية زعم الكاتب بأنّ المرأة دأبت على طلب مضاجعة يوسف من دون تعيين السنّ الذي كان يوسف قد بلغه.فصحّح ذاك النقص بذكر حادثة واحدة حاولت فيه المرأة إغواء يوسف،وذلك بعد أن بلغ يوسف أشدّه واكتملت رجولته وظهرت معالم الرجولة على وجهه من شارب إلى لحية إلى تورّد خدّين.الأمر الذي حرّك في المرأة التي يخدمها قواها الجنسيّة وانجذابها نحوه.وغضّ بذلك النظر عن الزعم بمحاولة المرأة القيام بما فعلته مرارا قبل تلك الحادثة.

ولذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ القرآن المجيد أورد فعل (همّت به) هذا الفعل الدالّ على إرادة الفعل لأسباب العامل الجنسيّ الذي حرّك المرأة نحوه.ولم يورد القرآن فعل (ضاجعني) الذي لا يُستعمل إلا حين الكلام عن علاقة الزوجة بزوجها.ثمّ إنّ القرآن المجيد صحّح من جهة ثالثة زعم الكاتب بأنّ يوسف ترك ثوبه في أيدي المرأة وفرّ هاربا عريانا.هذا الزّعم غير المعقول واللامنطقيّ.فلا يُعقل أن يخلع يوسف ثوبه ليصبح عريانا من جهة،وإنّ تصوير الكاتب هذه الحادثة بهذا التّصوير لا يستند إلى منطق سليم أيضا. ولذلك فقد صحّح القرآن المجيد ما حدث من خلال قوله تعالى مصوّرا تلك الحادثة أبدع وأبلغ تصوير حين قال (واستبقا ألباب وقدّت قميصه من دُبُرٍ). وهو تصوير معقول الحدوث ويتّصف بقوّة منطق الحادث.

ثمّ إنّ الكاتب ذكر بأنّ المرأة أخذت تصيح لتفضح يوسف وتتّهمه بما لم يفعله إلى أن حضر زوجها فأرته ثوب يوسف الذي تركه وفرّ هاربا.على حين أنّ القرآن المجيد قد صحّح هذا الذي أورده الكاتب حين أضاف وقال (وألفيا سيّدَها لدى الباب).وهذا التّصحيح معقول ويتّفق مع مضمون التّمهيد الذي مهّد اللّه تعالى به لذكر هذه الحادثة. فاللّه عز وجلّ قد قدّر أن يحضر زوج المرأة في تلك اللّحظات، لتخليص يوسف من بيئة تلك المرأة وليمكث في السجن ليقوم بما قام به فيما بعد من تأويل لرؤيا ملك مصر وفوزه بالمنصب الرفيع الذي أدّى إلى حضور والده وأخوه إليه في آخر المطاف مصداق رؤياه.
وهكذا يكون القرآن الكريم قد عوّض عن هذا النقص الوارد في النصّ التوراتي.ولم يأت القرآن الكريم بهذا التّصحيح فحسب،بل صحّح كلّ ما ورد في سفر التكوين بما يتعلّق بامرأة المصريّ وبما أقدمت عليه من سلوك شائن تجاه يوسف عليه السلام.وبما ورد في الإصحاح 39/7-18 الذي كتب فيه كاتب سفر التكوين يقول فيه: (وكان بعد هذه الأحداث أنّ امرأة سيّده طمحت عينُها إلى يوسف وقالت: ضاجعني.فأبى وقال لامرأة سيّده: هو ذا سيّدي لا يهتمُّ معي بشيء ممّا في البيت وكلّ ما هو له قد جعله في يدي.وليس هو أكبَرَ منّي في هذا البيت،ولم يُمسك عنّي شيئا غيركِ لأنّك زوجته. فكيف أصنعُ هذه السيّئة العظيمة وأخطئ إلى اللّه ؟

وكلّمته يوما بعد يوم،فلم يسمع لها أن ينام بجانبها ليكون معها.فاتّفق في بعض الأيّام أنّه دخل البيت ليقوم بعمله ولم يكن هناك في البيت أحدٌ من أهله. فأمسكَت بثوبه قائلةً: ضاجعني.فترك ثوبه بيدها وفرّ هاربا إلى خارج.فلمّا رأت أنّه قد ترك ثوبه بيدها وهرب إلى الخارج،صاحت بأهل بيتها وقالت لهم: انظروا لقد جاءنا برجلٍ عبرانيٍّ ليتلاعب بنا.أتاني ليضاجعني،فصرختُ بصوت عالٍ.فلمّا سمعني قد رفعت صوتي وصرختُ ترك ثوبه بجانبي وفرّ هاربا إلى خارج.ووضعت ثوبه بجانبها حتّى قدِمَ سيّده إلى بيته.فكلّمته بمثلِ هذا الكلام،وقالت: أتاني الخادم العبرانيُّ الذي جئتنا به ليتلاعب بي.وكان عندما رفعت صوتي وصرختُ أنّه ترك ثوبه بجانبي وهرب إلى خارج. فلمّا سمع سيّده كلام امرأته الذي أخبرته به قائلةً: كذا صنع بي خادمك،غضب عليه غضبا،فأخذ يوسفَ سيّدُهُ وجعله في السجن حيث كان سجناء الملك مسجونين.).

فأنت عُدت تدرك يا عزيزي القارئ المسلم جميع ما قام به النصّ القرآنيّ من تصحيحٍ لما ورد في هذا النصّ آنف الذكر.وعُدت تُدرك أيضا بأنّه لولا نزول القرآن المجيد لظلّ أهل الكتاب في عمى حقيقيٍّ عن منزلة يوسف عليه السلام الروحيّة.إذ أنّ كاتب سفر التّكوين قد قدّم حادثة بيع يوسف في مصر ،ومحاولة امرأة المصريّ معه،قد قدّمها وكأنّها إحدى قصص الغرام التي تقع فيها النساء مع خادم عندها ليس إلاّ.وأنت بعد إدراكك لكلّ هذه الحقائق والبيّنات لابدّ وأن تستخفّ بمحاولة المؤلّف (عبد الفادي) الشنيعة.
وبعد أن رددت على الاعتراض السادس لأهمّيته.أغضّ الطرف عمّا ورد بعده من اعتراضات بسبب اعتبار المؤلّف مخالفتها لما ورد في كتابه الذي يقدّسه وهو الكتاب الذي أثبتّ في مقدّمة هذا الجزء الثاني عدم صلاحيّته ليكون مرجعا تاريخيّا حقيقيّا.وأتوجّه للردّ على الاعتراض العاشر لأهمّيته.

جواب السؤال العاشر من الأسئلة التاريخيّة الذي جعل المؤلّف عنوانه (انتباذ مريم)والذي أورد تحته ما تضمّنته الآيات 16- 21 من سورة مريم التي قال اللّه تعالى فيها (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا. فاتّخذت من دونهم حجابا (وقف) فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشرا سويّا.قالت إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّا.قال إنّما أنا رسول ربّك لأهب لك غُلاما زكيّا.قالت أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشرٌ ولم أك بغيّا.قال كذلك قال ربّك هو عليّ هيّنٌ ولنجعلَه آيةً للنّاس ورحمةً منّا وكان أمرا مقضيّا.).

ومن ثمّ فقد راح هذا المعترض يقول (لا يذكر القرآن لنا لماذا انتبذت مريم العذراء من أهلها مكانا شرقيّا واتّخذت من دونهم حجابا قبل أن تُبشّرَ بالمسيح.هل كانت في مشاجرة مع أهلها،وهم المشهورون بالتّقوى ؟ولماذا تسكن فتاةٌ عذراء بعيداً عن أهلها،مع أنّ القرآن يقول إنّها كانت في المحراب في كفالة زكريّا ؟ويقول الإنجيل إنّ مريم كانت في الناصرة وهي مخطوبة ليوسف النجّار (لوقا 1 /26-36).).

فأقول ردّا على هذا الاعتراض العاشر: إنّ فعل (انتبذت) اشتقّ من قولك: انتبذ فلان رفيقه معناه اعتزله وتنحّى عنه ناحية ما.فإذا قلت:انتبذ فلان رفيقه مكانا،معناه أنّ فلانا قد اتّخذ مكانا له بمعزل عن رفيقه.وقد ورد في الحديث الشريف: لا صلاة لمنتبذٍ،أي إذا كانت الصلاة قائمة ،وصلّى أحدكم بمعزل عن الجماعة المصلّية،فلا تُقبل صلاته. (محيط المحيط).واستنادا إلى دلالة فعل انتبذ يعود معنى قول اللّه تعالى في الآية 19 من سورة مريم (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها) أنّ اللّه تعالى يخاطب المسلم ويقول له أيّها القارئ المسلم تذكّر قصّة مريم حين يرويها لك هذا القرآن المجيد الذي أنزله ربّك ليصحّح ما ورد بشأن مريم جميع ما أوردته كتب أهل الكتاب تلك التقيّة التي أحصنت فرجها،وكانت في غاية تقوى اللّه تعالى.فهذا هو معنى (واذكر في الكتاب مريم) ودلّ على هذا المعنى تعريف كلمة (الكتاب) التي تفيد العهد في هذا المقام.فإذا انتقلنا إلى قوله
تعالى (إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا) فالذي تبادر لذهن هذا المؤلّف من هذا الكلام الإلهيّ عبّر عنه وقال متسائلا (ولماذا تسكن فتاة عذراء بعيدا عن أهلها،مع أنّ القرآن يقول إنّها كانت في المحراب في كفالة زكريّا ؟).أي أنّ هذا المؤلّف قد فهم من هذا الكلام الإلهيّ غير دلالته المقصودة.إذ أنّ من خصوصيّات القرآن المجيد المعجزة أنّ ما يتبادر لذهن المرء من نصّ الآية من معنى ، لا يكون هو المعنى الحقيقيّ لها والذي لا يصل المرء إليه إلاّ إذا تدبّر الآية بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.

فقول اللّه تعالى (إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا) ليس المقصود منه أنّ السيّدة مريم عندما كانت عذراء راحت تسكن في مكان بعيد عن أهلها.بل إنّ معنى هذا الكلام الإلهيّ هو أنّ مريم التقيّة كانت قد مالت نفسها لتُمضي جُلّ أوقاتها في العبادة والدعاء،لذلك فقد تنحّت عن مجالسة أهلها في الغرفة التي كانوا يتجاذبون فيها أطراف الحديث،واختارت في دار أهلها مكانا تتّجه فتحة بابه نحو جهة الشرق.فإن سألتني يا عزيزي القارئ أن كيف توصّلنا إلى هذا المعنى الذي بيّنته آنفا ؟ أجيبك وأقول: قد توصّلنا إلى هذا المعنى بسبب أنّي انطلقت من دلالة فعل (انتبذت) فلا يدلّ هذا الفعل على أنّ مريم قد سكنت بعيدا عن أهلها.بل يدلّ على أنّ مريم تنحّت عن مجلس أهلها مختارة واختارت أن تمُضي أوقاتها في مكان غير مكان اجتماع أهلها لتجاذب الأحاديث.وقد اختارت ذاك المكان ليكون (مكانا شرقيّا) وضمن الدار وليس خارجه.

كذلك انطلقت من أنّ اللّه عز وجلّ يصف في هذه الآية المكان الذي اختارته مريم للصلاة والدعاء بأنّه كان (مكانا شرقيّا) بمعنى أنّ باب ذاك المكان مفتوح إلى جهة الشرق.فلِم أطلق القرآن الكريم على ذاك المكان صفة كونه (شرقيا) ؟ وللإجابة على هذا السؤال ينبغي على القارئ أن ينتبه إلى أنّ جهة (الشرق) هي جهة مقدّسة عند اليهود،وهذا على شاكلة المسلمين الذين يتّجهون جهة بيت اللّه العتيق الكائن في مكة المكرّمة.

والدليل على ذلك أنّ الإنسان الذي يدخل إلى كنيسة يلاحظ بأنّ الكاهن الذي يلقي موعظة فيها يتّجه بوجهه إلى جهة الشرق على حين أنّ المصلّين في الكنيسة يتّجهون نحو هذا الكاهن. وذلك بعكس المسلمين الذين نلاحظ بأنّ الإمام الذي يؤمّهم في الصلاة في المسجد يتّجه بوجهه نحو الكعبة،وأنّ المصلّين يقتدون به وراءه،ويتّجهون بوجوههم جميعهم نحو الكعبة أيضا.فالسبب في أنّ كاهن المسيحييّن يتوجّه بوجهه نحو جهة الشرق وهو يعظ المصلّين،السبب في ذلك الأمر هو أنّ هؤلاء المسيحييّن يفعلون ذلك لجهلهم بتاريخ الأديان الذي ابتدأ ببعثة آدم عليه السلام بأوّل رسالة سماويّة.فآدم هو الذي بنى الكعبة بغرض عبادة اللّه تعالى فيها،تلك الكعبة التي أطلق القرآن المجيد عليها اسم بيت اللّه العتيق.بمعنى أنّ حرم الكعبة هو أعتق بيت أقام نبيّ وهو آدم عليه السلام.

فأهل الكتاب قد تناسوا بيت اللّه العتيق، وذلك بتأثير ما ورد في سفر التّكوين من أنّ اللّه عز وجلّ قد ابتدأ خلق الإنسان بآدم وحوّاء في المشرق في جنّة عدن.وقد تسبّب ما ورد في سفر التكوين باعتقاد أهل الكتاب أنّ آدم كان أوّل بشر.على حين قد قام القرآن الكريم بتصحيح اعتقادهم المذكور،وبيّن القرآن بأنّ آدم لم يكن أوّل بشر خلقه اللّه تعالى، بل كان أوّل نبيّ أرسله اللّه تعالى لتهذيب البشر الذين كانوا يعيشون في الكهوف ويمضون عصورهم الحجريّة (راجع مؤلّفي نشوء الإنسان وتطوّره).فأهل الكتاب عادوا وبدافع ما ورد في سفر التّكوين يجهلون هذه الحقيقة ويجهلون أنّ آدم قد ترك بيتا للعبادة اندثرت آثاره مع توالي القرون لابتعاد الناس عن النهج الذي سار عليه آدم عليه السلام.

فأهل الكتاب الذين غابت عنهم حقيقة ما يتعلّق بآدم وما جاء به من تعاليم وما تركه من أثر يذكّر المؤمنين به ، هؤلاء قد راحوا يقدّسون جهة الشرق وحسب.على حين أنّ اللّه عز وجلّ قد أنزل القرآن الكريم ليصحّح ما وقع فيه أهل الكتاب من جهل بحقيقة آدم ورسالته،وليحيي الإسلام ذاك الأثر الذي تركه آدم وهو هذا البيت العتيق الذي تمثّله هذه الكعبة المشرّفة التي يتوجّه المصلّون المسلمون بوجوههم نحوها في صلواتهم إحياء منهم لذكرى جدّهم الروحي الأول وهو آدم عليه السلام.فكاتب سفر التّكوين كتب في

الإصحاح 2/8 يقول (وغرس الربّ الإله جنّة عدن شرقاً وجعل هناك الإنسان الذي جبله.).فلمّا قام ملك العراق بسبي اليهود إلى العراق إلى منطقة بابل،فقد راح اليهود ينشرون قصّة آدم المحرّفة هذه بين أهل بابل. ولذلك فقد عاد البابليّون يقدّسون جهة الشرق هم أيضا، وعلى حسب ما دلّت عليه آثارهم المكتشفة.وقد تجلّى تقديس جهة الشرق أنّ اليهود راحوا يبنون بوابات أمكنة عبادتهم متّجهةً نحو الشرق.حتّى وأنّ كاتب إنجيل متّى زعم بأنّ المجوس رأوا نجما في جهة الشرق فاستبشروا بولادة المسيح وأتوا من بلادهم ليسجدوا له.وهو زعم لا أساس له من التاريخ.وأمثال هذه النصوص التي تكشف للقارئ قداسة جهة (الشرق) في أعين أهل الكتاب من يهود ومسيحييّن.

فهذه الحقائق التاريخيّة قد شكّلت لدينا منطلقا دلّنا على أنّ الحكمة من اختيار مريم العذراء حين اتّخذت (مكانا شرقيا) قد اتّخذته كذلك أي مفتوح بابه تجاه الشرق لتستعمله بمثابة مكان عبادة ولتقوم فيه بالعبادة والدعاء بدافع أنها كانت فتاة تقيّة منذ نعومة أظفارها.هذا وإنّ القرآن الكريم حين ذكر ذلك فقد ذكره بقصد تصحيح ما هو وارد في الأناجيل التي لم تعط مريم منزلتها الروحيّة العظيمة.وفي الوقت نفسه لبيان انجذاب مريم في صباها بتقدير خاصّ من اللّه علام الغيوب نحو العبادة والدعاء،وذلك لأنّ اللّه عز وجلّ كان قد قدّر أن تلد المسيح الناصري بدون أن يمسّها رجل، إشعارا من جانب اللّه تعالى أسباط اليهود بأنّ اللّه تعالى قد قدّر أن ينقطع نسلهم الروحي بولادة المسيح بدون أب وبلا نسب.وإشعارا إيّاهم من جهة أخرى بقرب ظهور النبيّ الذي أنبأت عن بعثته نبوءة سفر (التثنية الإصحاح 18/18) تلك النبوءة التي أوردتها للقارئ خلال رديّ على مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) وذلك في الجزء الأول من الكتاب المشار إليه.

علما بأنّ كاتب إنجيل متّى قد أثبت جهله بهذه الحقيقة التي وضّحتها آنفا وذلك عندما ذكر بأنّ المسيح الذي ولدته مريم بدون أب ذو نسب امتدّ إلى أقدم أجداد اليهود.فهو بيّن ذلك في أوّل إصحاح من إنجيل متّى.وإلى هنا أكون قد بيّنت خطأ الفهم الذي فهمه القسّيس (عبد اللّه عبد الفادي) من قول اللّه تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا).وأنتقل الآن لبيان معنى قول اللّه تعالى بعد ذلك (فاتّخذت من دونهم حجابا) فهو قول يؤكّد المعنى الذي ذهبت إليه حول تفسير (فانتبذت من أهلها مكانا شرقيّا) وتسألني كيف توصّلت إلى هذا ؟ أقول: إنّ أنت راجعت يا عزيزي القارئ دلالة كلمة (دون) في معاجم اللّغة العربيّة تدرك بأنّها تُستعمل نقيض كلمة (فوق).ثمّ إنّ كلمة (دون) موضوعة في الأصل للتّعبير بها عن مكان أسفل الشيء.حيث يقال: هذا دونك،أي أدنى منك.فإذا دخل حرف (من) على كلمة (دون) وكما هو وارد في سورة الأعراف قوله تعالى (إنّ الذين تدعون من دون اللّه عبادٌ أمثالكم) فإنّ معنى (دون) يشير حينئذ إلى أسفل.وعليه فإنّ قول اللّه تعالى (فاتّخذت من دونهم حجابا) يعني صراحة أنّ مريم اعتمدت مكانا خاليا للصلاة والعبادة في قبو دار أهلها وليس في غرفة مجاورة لغرفة جلوسهم فيها.فهذا هو معنى (من دونهم) وليس معناه خارج الدار ولا بعيدا عن أهلها.

وأمّا كلمة (حجابا) فهي صيغة مصدر وتعني (سترا) فالحجاب هو كلّ ما يحتجب به الإنسان.وعليه فإنّ قول اللّه تعالى (اتّخذت من دونهم حجابا) معناه أنّ المكان الذي اتّخذته مريم للصلاة والدعاء كان خاليا وبدون باب يحجبه عن بقيّة القبو.فاتّخذت مريم لذاك المكان (حجابا) أي وضعت على بابه المتّجه نحو جهة الشرق (ستارا) يسترها وهي تصلي وتدعو ربّها داخل ذاك المكان.وفي هذا إشارة إلى أنّ الناس في زمن مريم ما كانوا قد اعتادوا على تقسيم البيت إلى غرف ذات أبواب على مداخلها.بل كانوا يفصلون الغرف عن بعضها البعض بستائر كانوا يعلّقونها على مداخل غرف الدار.وعلى هذه الصورة يكون القرآن المجيد قد اتّفق مع المؤلّف بأنّ مريم كانت تقية.

لكنّ القرآن الكريم قد أضاف وأكّد بأنّ مريم كانت فتاة تقيّة وقد اعتزلت مجالسة أهلها والتفتت للعبادة والدعاء في مكان يقع في قبو الدار وتتّجه فتحة باب ذاك المكان نحو جهة الشرق.وإنّ هذه الإضافة والتّصحيح قد دلّت عليها إشارة (الوقف) الواردة بعد قوله تعالى (فاتّخذت من دونهم حجابا) فأضاف القرآن المجيد من خلال قوله هذا هذه المعلومة الهامّة للتدليل على تقوى مريم التي شاءت أن تتفرّغ لعبادة ربّها والدعاء بين يديه عز وجلّ.علما بأنّ ما صدر عن مريم إنّما يصدر عن كلّ إنسان مؤمن منجذب نحو عبادة اللّه وطلب الفوز بمحبّته سبحانه وقربه ورضوانه. وعلى هذه الصورة فقد تبيّن للقارئ العزيز بأنّ مريم لم تكن في مشاجرة مع أهلها.ولا كانت مريم العذراء قد سكنت بعيدا عن أهلها. وعليه فقد عادت تساؤلات مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) في هذا الصدد لا معنى لها،ولربّما نتجت عن عدم تدبّر هذا المؤلّف لهذه الآيات من سورة مريم بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره من جهة.وبسبب جهل هذا المؤلف بدلالات ألفاظ وصيغ وتراكيب جمل اللّغة العربيّة.وهي حقيقة كشفت عن أنّ المؤلّف المذكور تافه الفهم والتحقيق في نظر القارئ ومهما كان اتّجاهه.وإلى هنا أكون قد أنهيت الإجابة على الاعتراض العاشر من الجزء الثاني من كتاب (هل القرآن معصوم ؟) المشار إليه.

جواب السؤال الحادي عشر من الأسئلة التاريخيّة والذي عنونه المؤلّف المذكور بعنوان (مريم تلد في البريّة ووليدها يكلّمها من تحتها).هذا العنوان الذي أورد المؤلّف المذكور تحته الآيات 22-26 من سورة مريم التي قال اللّه تعالى فيها (حملته فانتبذت به مكانا قصيّا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيا منسيّا. فناداها من تحتها ألاّ تحزني قد جعل ربُّك تحتك سريّا.وهزّي إليك بجذع النخلة تساقِط عليك رُطبا جنيّا فكلي واشربي وقرّي عينا فإمّا ترينَّ من البشر أحدا فقولي إنّي نذرت للرّحمن صوما فلن أكلّمَ اليوم إنسيّا.).

فلمّا فرغ المؤلّف من سرد هذه الآيات كتب يقول (لقد ولدت مريم السيّد المسيح في بيت لحم كما تنبّأ أنبياء التوراة بذلك قبل حدوثه بمئات السنين،وليس بجوار جذع نخلة! ووضعت مريم وليدها في مذود (لوقا 2/1-20)وغريب أن يكلّمها وليدها من تحتها أن تهزّ جذع النخلة وتأكل من البلح وتشرب من الجدول،فإذا مرّ بها أحدٌ تقول إنّي نذرتُ للرحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا.فأين الصوم وهي الآكلة الشاربة المتكلّمة ؟).

فأقول فيالردّ على هذا الاعتراض: لابدّ لك يا عزيزي القارئ المسلم أن لاحظت بادئ ذي بدء كيف أنّ المؤلّف المذكور حين عرض هذه الآيات الكريمة من سورة يوسف،قد عرضها محرّفة.فما هي ناحية التّحريف التي قام بها ؟ أقول إنّه قد قام بتحريف مقصود وعلى عادة علماء أهل الكتاب الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه.فهو استهلّ هذه الآيات بفعل (حملته) وحاذفا من فعل (حملته) فاء الاستئناف الذي استهلّ اللّه عز وجلّ به هذا الفعل (حملته) .فالأصل الوارد في القرآن المجيد هو قوله تعالى (فحملته) وليس حملته مجرّدةً عن فاء الاستئناف.ذلك أنّ المقصود من إيراد فاء الاستئناف في مستهلّ هذا الفعل، هو لتنبيه ذهن القارئ إلى أنّ هذا الكلام يرتبط عضويّا بالكلام الذي هو قبله.وأنّ هذا الكلام ما هو بكلام مستقلٍّ عمّا قبله.أي أنّ هذه الآيات التي سردها المؤلّف المذكور مرتبط بالكلام الإلهيّ الذي سبق هذه الآية والذي قال اللّه تعالى فيه: (فاتّخذت من دونهم حجابا (قف) فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشرا سويّا.).

فقوله تعالى (فاتّخذت من دونهم حجابا) سبق لي أن فسّرته من قبل.وإنّ الذي أريد لفت نظر القارئ إليه هو وجود إشارة (وقف) بعد هذه الفقرة من الآية وكان القصد من إشارة الوقف هذه أن يقف القارئ بعدها ويتأمّل ويفكّر في نتائج تلك الخطوة التي خطتها مريم في شبابها وهي عمليّة الانزواء للصلاة والدعاء.ولتنبيه أذهاننا إلى أنّ الذي يُقدم على مثل هذه الخطوة في حياته، وبدافع تقوى اللّه تعالى وللتقرّب منه وللفوز بمحبّته،فإنّ اللّه عز وجلّ لا يُضيع عمله الصالح هذا الذي لابدّ أن يثمر ثمارا روحيّة مدهشة.وتعلمون كيف أنّ محمّدا بن عبد اللّه (ص) قد تحنّث في غار حراء قرابة عشر سنوات كما هو معروف.

فمريم قد تحنّثت في مكان يقع في قبو أسفل بيت أهلها، وفي غرفة تتّجه بوابتها نحو جهة الشرق،ولتصلح كمكان عبادة حسب معتقدات أهل ذاك الزمان.وأمضت مدّة تحنُّثٍ لم يحدّدها القرآن الكريم لعلاقتها بما كان اللّه تعالى قد قدّره لها من تقدير خاص.وبعد أن أحطنا علما بحكمة ورود إشارة الوقف بعد تلك الفقرة من الآية،فقد استأنف اللّه جلّ شأنه كلامه وقال (فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشرا سويّا.).وبذلك يكون اللّه عز وجلّ قد أخبرنا من خلال قوله المذكور عن أهمّ ما تلقّته مريم من ثمار تحنّثها في ذاك المكان،علما بأنّ القرآن الكريم لم يتعرّض هنا لذكر بقيّة الثمار الروحيّة التي تلقّتها مريم هناك خلال تعبّدها في المكان المشار إليه، وذلك لأنّ تلك الثمار الروحيّة كانت أقلّ شأنا وأهمّية.وبعد ذلك فقد استأنف اللّه جلّ شأنه وقال: (فأرسلنا إليها روحنا) وأشار تعالى من خلال فعل (أرسلنا) أشار إلى مهمّة كان تعالى قد كلّف بها الملَك جبريل،وهو المَلَك الذي عبّر تعالى عنه هنا بكلمة (روحنا) وذلك إشارة إلى أنّ الملَك جبريل هو المخصّص لأداء مثل تلك المهام الربّانيّة.والمعلوم لدى أصحاب التجارب الروحيّة هو أنّ الملَك جبريل عندما يرسله اللّه تعالى بمهمّة يتمثّل أمام عين الطرف المرسل إليه روحيّا بما يتناسب مع المهمّة المكلّف بها.وقد تمثّل الملَك جبريل لمريم (بشراً سويّا) أي تمثّل على هيئة إنسان كامل الهيئة.وحين تمثّل جبريل أمام أعين مريم على هيئة بشرٍ سويٍّ كان لذاك التمثّل ردّة فعل طبيعيّة في نفس امرأة تقيّة تتعبّد، يتمثّل أمام أعينها فجأة رجل بكامل هيئته،فالمنظر يرعبها لأوّل وهلة،بسبب أنّها لا تكون حينئذ متمالكة لكامل قوّتها المفكّرة.ولي في هذا المجال تجاربي الروحيّة العديدة.ولذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ مريم بادرت وقالت، وهي التي فوجئت بظهور جبريل أمام أعينها على هيئة بشر،قالت : (إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّا.).صدرت عنها تلك الألفاظ كردّة فعل لما شاهدته وقبل أن تستعيد رباط جأشها في الموقف المذكور.

فكلمة (الرحمان) الواردة في هذه الفقرة تعني أنّ مريم كانت تعتقد بأنّ اللّه تعالى هو المبدع لكلّ شيء في هذا العالم بدون مقابل وأنّ هذا الرحمان هو المحسن الأعظم لكلّ شيء مخلوق.فهذا الاعتقاد الذي كانت تدين به مريم دفعها للاستعانة باللّه الرحمان في هذا المقام الذي كانت فيه في حالة فزع مفاجئ.ولم تستعن بالرحمن وحسب،بل وناشدت هذا الذي تمثّل أمامها أن يتجنّب الاعتداء عليها إن كان ممّن يخاف اللّه عز وجلّ مثلها.وهنا نقل لنا القرآن الكريم بأنّ الملَك جبريل نطق بكلمات (قال إنّما أنا رسول ربّك لأهبَ لكِ غلاما زكيّا.).وبهذه الكلمات قد هدّأ جبريل من روع مريم التي باتت تُدرك بأنّها في حالة كشف روحيّ.وبعد أن أوصلتك يا عزيزي القارئ إلى هذا الحدّ من البيان،تتوق نفسك لمعرفة دلالة قول جبريل (لأهب لك غلاما زكيّا.) ؟ وقبل أن أشرح لك معنى القول المذكور،أرى أن أنبّه ذهنك إلى التّصحيح الذي قام به القرآن الكريم من خلال معطيات هذه الفقرة من تصحيح لحلقات قصّة السيّدة مريم. ذلك أنّ كاتب إنجيل لوقا كتب يقول في الإصحاح الأوّل وابتداء من الجملة 26 إلى 33 بشأن حادثة الكشف الروحيّ هذا الذي ذكرته هذه الآيات القرآنيّة.قال إنّه حين بلغ حمل امرأة زكريّا عليه السلام شهرها السادس: (أرسل اللّه الملاك جبرائيل إلى مدينة في الجليل اسمها الناصرة،إلى عذراء مخطوبة لرجلٍ من بيت داود اسمه يوسف،واسم العذراء يوسف.فدخل إليها فقال: افرحي أيّتها الممتلئة نعمة الربّ معك.فداخلها لهذا الكلام اضطراب شديد، وسألت نفسها ما معنى هذا السلام.).وعليه فقد قام القرآن المجيد بتصحيح هذا القول المذكور موضّحا بأنّ مريم كانت قد رأت كشفا روحيّا تمثّل لها فيه جبريل على هيئة بشر سويّ، وليس كما رواه إنجيل لوقا.ولقد كان السبب في وقوع كاتب إنجيل لوقا في هذا الخطأ الآنف الذكر بسبب جهله بأحوال الكشوف الروحيّة التي هي من هذا القبيل.

والآن تسألني: ما معنى قول جبريل (لأهبَ لك غلاما زكيّا.) ؟ فأجيب وأقول: إنّك إذا قلت وهبَ فلانٌ فلانا مالا،فمعناه أنّه أعطاه مبلغا من المال.(محيط المحيط) وعليه فالملك جبريل المرسل إلى مريم والذي تمثّل لها في كشف روحيٍّ عندما قال (لأهبّ لك غلاما) لم يكن قد أتى معه بغلام.فهذه القرينة تمنع معنى العطاء المادّي وتنقله إلى معناه المجازيّ وهو أنّ المَلَك جبريل قد حمل لمريم من قبل ربّها بشارة سماويّة كان قد حدّد لها معالمها وهو أنّه مرسل من قبل ربّه ليبشّرها بأنّها ستحمل (غلاما زكيّا).وقد وصف الملك جبريل الغلام الذي بشّرها به بأنّه سيكون (زكيّا) والمقصود من خلال هذه الكلمة (زكيّا) أنّ هذا الغلام سيكون صالحا وفي تنعّم.فأنت تقول:زكا الرجل معناه أنّه صلح وتنعّم وكان في خصب وصار زكيّا (محيط المحيط).وبناء عليه فقد كان في وصف المبشّر به بكلمة (زكيّا) كان في هذا الوصف إشارة إلى أنّ هذا الغلام المبشّر به سيعيش عمرا مديدا ويتنعّم في

شيخوخته تنعّما ظاهرا.وقد تحقّقت تلك الإشارة التي تضمّنها هذا الوصف الذي تضمّنته كلمة (زكيّا) تحقّق من خلال هجرة المسيح من فلسطين بعد حادثة محاولة اليهود إماتته على الصّليب.فاللّه عز وجلّ أنقذ المسيح من ميتة اللّعنة تلك،ودفعه ليهاجر بعدها إلى البلاد التي انتشر فيها اليهود الذين كان قد سباهم ملك العراق لتبليغهم رسالة ربّه عز وجلّ.وظلّ المسيح بعد هجرته تلك يتنقّل من مكان إلى مكان إلى أن وصل هضبة كشمير التي أكمل فيها عمره (في تنعّمٍ وخصب) وهو المعنى الذي دلتّ عليه كلمة (زكيّا)،ووفقا لهذا الوصف الذي حملته بشارة الملَك جبريل عليه السلام.فهذا هو معنى قول جبريل مبشّرا مريم العذراء وقائلا (لأهب لك غلاما زكيّا.).وما إن سمعت مريم هذه البشارة وكانت قد ذهب عنها روعها وأدركت أنّها كانت في حالة كشف روحيٍّ،وأنّ جبريل قد حمل إليها هذه البشارة السماويّة التي أدهشتها.بادرت وقالت وهي مندهشة من تلك البشارة (قالت أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشرٌ ولم أكُ بغيّا.) . وكان في تساؤلها في مثل تلك الحالة تساؤلا طبيعيّا جدّا أيضا.ولا يجوز أن نحمل تساؤلها هذا من قبيل الاعتراض على ما بشّرها به جبريل عليه السلام.بل بالعكس دلّ سؤالها على يقينها ببشارة جبريل يقينا. فمريم حين قالت (أنّى يكون لي غلام ؟) تكون قد استعملت الظرف (أنّى) وهو الظرف الذي يحتمل أكثر من معنى.فيرد الظرف (أنّى) بمعنى نحو.كما يرد بمعنى من أين.كذلك يرد بمعنى كيف.

وبمعنى متى. (راجع معجم محيط المحيط).فلو كانت مريم معترضة على بشارة ربّها لكانت قالت حين سمعت البشارة: هذا مستحيل حصوله،وأنت مخطئ في كلامك.ثمّ إنّ مريم حين أدهشتها تلك البشارة أعملت عقلها وقالت يوجد هناك طريقان للحمل: إمّا أن يلامسها بشر.وإما أن تزني والعياذ باللّه،وهذا معنى قولها (أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشرٌ ولم أكُ بغيّا.).وقد جاء جواب تساؤلها العقلاني على لسان الملَك جبريل عليه السلام (قال كذلك قال ربّك هو عليّ هيّنٌ ولنجعلَه آيةً للنّاس ورحمةً منّا وكان أمراً مقضيّا.) فما هي دلالات هذا الكلام الإلهيّ المنقول على لسان جبريل عليه السلام ؟ إنّ كلمة (هيّن) معناها سهل،واشتُقّت من فعل هان عليه الأمر معناه لان وسهُل.وفي هذا المعنى إشارة إلى أنّ بيضة المرأة وإن كانت القاعدة أنّها تحتاج في نموّها إلى تلقيح منيّ الذكر إيّاها.إلا أنّ اللّه عز وجلّ قد أبدع استثناءً لتلك القاعدة،وهو أنّ تلك البيضة تنقسم من نفسها في

بعض الأحيان وتنمو ويتولّد منها جنين.فإحداث حالة الاستثناء هذه هو شيء سهل وهيّن أن يحدث بأمر من اللّه عز وجلّ الذي أبدع استثناء قاعدة نظام التّزاوج المشار إليه والذي يحدث على جميع صُعُدِ أنواع الأحياء وكما هو معروف لعلماء علم الحيوان والنبات.فهذا هو معنى قول جبريل (قال كذلك قال ربُّك هو عليّ هيّن).وبألفاظ أخرى فإنّ حدوث الظاهرة يكون في توقيت حدوثها،وليس في ظهورها بالذات. فالتبشير بحمل مريم العذراء من دون أن يمسّها بشرٌ ومن دون أن تكون بغيّا.لا ينبغي لك يا عزيزي القارئ أن تظنّ بأنّ إعجاز هذه الظاهرة قد انحصر في حدوثها نفسها،بل أن نفهم بأنّ إعجاز هذه الظاهرة المتعلّقة بحمل مريم العذراء بدون أب،أن تنظر إليه من منظار توقيته وحدوثه في تلك الفترة الزمنيّة بالذات وعن طريق امرأة يهوديّة. فتوقيت هذا الحمل يتضمّنُ الإشارة إلى انقطاع نسل أمّة موسى الروحي فلا يعود يبعث اللّه تعالى فيهم أنبياء ومحدّثين.كما كان ذاك الحدث يشير إلى قرب بعثة النبيّ العربي مصداقا لنبوءة سفر التثنية 18/18 والذي سبق لنا أن شرحناه.وأمّا قوله تعالى (ولنجعلَه آيةً للنّاس ورحمة منّا وكان أمرا مقضيّا.) فإنّ هذا القول يؤكّد المعنى سالف الذكر.فكلمة (آية) قد استُعملت هنا بمعنى العلامة.أي أنّ اللّه عز وجلّ ينبّه ويقول بأنّ حمل مريم العذراء بالمسيح ومن دون أن يمسّها بشر قد أحدثه اللّه جلّ شأنه ليشكّل في ذاك الزمن علامة للناس الذين عاصروا الحدث المذكور،علامة على أنّ اللّه عز وجلّ قد غضب على أمّة موسى بشكل نهائيٍّ،وأنّ اليهود قد حرموا بذلك أنفسهم من بركات توجّه ربّهم نحوهم.

وهذا المعنى دلّ عليه تعريف كلمة (الناس) بأداة التّعريف التي تفيد معنى المعهود في هذا المقام.إلى جانب إدخال لام التّعليل أيضا لتعليل حدوث تلك الظاهرة في ذاك الحين.وأمّا قوله تعالى (ورحمة منا) فمعناه أنّ كلّ يهوديّ يؤمن بهذا المسيح الذي حملته مريم تشمله بعد ذلك رأفة خالقه به ورحمته.وقد أضاف اللّه تعالى وقال في الفقرة الأخيرة وبصورة جازمة (وكان أمراً مقضيّا).أي أنّ هذا هو ما أمر اللّه جلّ شأنه به وقضى أن يتحقّق على بساط الواقع.فلمّا أصل بك يا عزيزي القارئ المسلم إلى هذا الحدّ من البيان.أرى أنّ من واجبي أن أطلِعكَ على ما ورد في الأناجيل بشأن هذا الكشف الروحيّ الذي أطلعنا القرآن المجيد عليه في هذا المقام.فبالرجوع إلى الأناجيل الحاضرة يتبيّن بأنّ كاتب إنجيل لوقا تبسّط في ذكر هذا الحدث.فقد أورد إنجيل لوقا في الإصحاح الأوّل 26-38 يقول :

(وفي الشهر السادس أرسل اللّه الملاك جبرائيل إلى مدينة في الجليل اسمها الناصرة إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف واسم العذراء مريم.فدخل إليها فقال افرحي أيّتها الممتلئة نعمة الربّ معك.فداخلها لهذا الكلام اضطراب شديد وسألت نفسها ما معنى هذا السلام.فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم فقد نِلت حُظوةً عند اللّه فستحملين وتلدين ابنا. فسمّيه يسوع سيكون عظيما وابن العليّ يُدعى،ويوليه الربّ الإله عرش أبيه داود ويملك على بيت يعقوب أبد الدّهر ولن يكون لملكه نهاية. فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا ولا أعرف رجلا ؟ فأجابها الملاك إنّ الروح القدس سينزل عليك وقدرة العليّ تظلّلك
لذلك يكون المولود قدّوسا وابن اللّه يُدعى.وها إنّ نسيبتكِ أليصابات قد حبلت هي أيضا بابن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك التي تُدعى عاقرا.فما من شيء يُعجزُ اللّه.فقالت مريم: أنا أمة الربّ فليكن لي بحسب قولك.وانصرف الملاك من عندها.)

ومن خلال ما نقلته لك يا عزيزي القارئ آنفا،عُدت تُدرك بأنّ هذه الحادثة التي عرَضت لمريم وذكرها القرآن المجيد لها حقيقة تاريخيّة.وأنّ ما أورده كاتب إنجيل لوقا منها قد أورده مشوّها وبعيدا عن الفهم الروحيّ لأمثال هذه الأحداث.فلوقا قد صوّر جبريل وكأنّه في كان في الأرض بذاته،وأنّه كان يتنقّل من مدينة إلى أخرى ليقوم بتبليغ أفراد معيّنين رسالات من اللّه تعالى يحملها إليهم.أمّا القرآن الكريم فقد صحّح أخطاء ما كتبه لوقا حين بيّن بأنّ ما عرَض لمريم العذراء كان كشفا روحيّا.تمثّل فيه جبريل وكأنّه (بشرا سويّا). كما أشعرنا القرآن الكريم بما يحدث للّذين يرون كشوفا روحيّة من هذا القبيل. فملائكة اللّه تعالى لا يفارقون أمكنتهم المقرّرة لهم في المملكة السماويّة.فإن هم كلّفهم ربُّهم بمهمّة فهم يؤدّونها من خلال تمثّلات روحيّة التي لا يكون لها أساس مادّي.وعليه فلولا نزول القرآن العظيم لكانت حقيقة هذا الكشف الروحيّ قد غابت عن البشر، ولكان قد أطبق الجهل الدينيّ على عقول المتديّنين.وبعد هذا التّصحيح الذي قام به القرآن الكريم قال تعالى

(فحملته فانتبذت به مكانا قصيّا.فأ جاءها المخاض إلى جذع النّخلة قالت يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيا منسيّا.فناداها من تحتها ألاّ تحزني قد جعل ربُّك تحتك سريّا.وهُزّي إليك بجِذع النخلة تُساقط عليك رُطبا جنيّا.فكلي واشربي وقرّي عينا فإمّا ترَينّ من البشر أحدا فقولي إنّي نذرت للرّحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا.) وهي الآيات القرآنيّة التي أوردها الكاتب المذكور وحاذفا منها فاء الاستئناف ليوحي لقارئه استقلاليّة هذا النّص القرآنيّ عن سابقه.وعلى عادة ما يقوم به أمثاله من تحريف لكلام اللّه عز وجلّ.وبعد أن أورد الكاتب هذه الآيات جزم وقال بأنّ مريم قد ولدت السيّد المسيح في بيت لحم ولم تلده بجوار جذع نخلة.ووضعت وليدها في مذود وعلى حسب ما ورد في إنجيل لوقا الإصحاح الثاني 1-20).فما هو الردّ الحقيقي على ما بيّنه المؤلّف المذكور ؟

أقول: المعلوم من كتب اللّغة هو أنّ الضمائر أوجدت لتحلّ محلّ الأسماء دفعا لتكرارها. ولذلك فالضمير يعود إلى أقرب الأسماء إليه.فالكلام في الآيات السابقة يدور حول ما حمله جبريل من بشارة إلى مريم.فجبريل والحال هذه والمعبّر عنه بكلمة (روحنا) هو الاسم الوارد في سباق هذه الآيات الوارد فيها قوله تعالى (فناداها من تحتها) وليس المقصود من ضمير (فناداها) هو المولود الذي وضعته مريم وكما ذهب إليه ذهن المؤلّف الذي يجهل هذه القاعدة اللغويّة المتعلّقة بالضمائر.فقول اللّه عز وجلّ هنا (فناداها من تحتها) يعني أنّ جبريل قد تمثّل لمريم تارة أخرى بمناسبة أن جاءها المخاض (إلى جذع نخلة) وفي مكان بعيد عن الحضر وعادت مريم هناك بحاجة إلى الماء بصورة خاصّة.وهي حقيقة نفى المؤلّف المذكور صحّتها.وزعم أنّ مريم ولدت المسيح في بيت لحم،ولم تلده بجوار جذع نخلة.وأنّ إنجيل لوقا الإصحاح 2/1-20 ذكر بأنّ مريم قد وضعت وليدها في مِذود أيضا.

فأقول في مجال حلّ هذا الإبهام الذي وقع فيه المؤلّف المذكور إنّ كلمة (مزود) تعني وعاءً يحمله المسافر قديما وقد خصّصه ليضع فيه ما يحمله من زاد سفر يكفيه طوال سفره. ويُجمع على مزاود (محيط المحيط).فوعاء السفر المشار إليه يشبه حقيبة السفر المعاصرة على وجه التّقريب.فالمزود وعاء يتّسع لمولود وُلد حديثا.وإنّ كاتب إنجيل لوقا الذي كان يكتب على السماع،ولم يكن باحثا يدقّق فيما وصله من أخبار.فهو لم يتساءل في نفسه عن السبب الذي دعا السيّدة مريم أن تضع هذا المولود في وعاء زوّادة السفر،وهو المولود الذي بشّرها به ربّها.فالمولود المبشّر به تحتفي به والدته وتحاول أن تضعه في تخت يليق به أمام أعين الناس.وإلا فوضع مريم المولود في مزود يقلّل من أهمّيته ومن عظمة البشارة المتعلّقة بولادته وبما وراءها من أحداث عظيمة مقبلة.

فإن نحن راجعنا ما كتبه كاتب إنجيل لوقا معلّلا وضع مريم المولود في مزود.نلاحظ بأنّه أورد في الإصحاح الثاني 1-8 يقول (وفي تلك الأيّام صدر أمر عن القيصر أوغسطس بإحصاء جميع أهل المعمور.وجرى هذا الإحصاء الأوّل إذ كان قيرينيوس حاكم سوريّة.فذهب جميع الناس ليكتتب كلّ واحد في مدينته.وصعد يوسف أيضا من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهوديّة إلى مدينة داود التي يُقال لها بيت لحم،فقد كان يوسف من بيت داود وعشيرته ليكتتب هو ومريم خطيبته وكانت حاملا.وبينما هما فيها- أي في بيت لحم- حان وقت ولادتها،فولدت ابنها البكر،فقمّطنه وأضجعته في مزود،لأنّه لم يكن لهما موضعٌ في المضافة.).وهل يُعقل ألاّ يكون في المضافة سرير طفل رضيع ؟ الأمر الذي يدفع المحقّق ليبحث عن السبب الحقيقي الذي دفع السيّدة مريم لتضع المولود في مزود.

فإن نحن راجعنا تاريخ روما، يتبيّن لنا بأنّ ما زعمه إنجيل لوقا حول إجراء تعداد للسكّان في الإمبراطوريّة الرومانيّة زمن ولادة المسيح،لا أساس له من الصحّة.فالمؤرّخ (جوزيفس) والذي كان معتبرا من أكابر المؤرّخين في الفزمن الذي ولد فيه المسيح قد ذكر بأنّ إحصاء سكّان الإمبراطوريّة قد حدث في السنة السابعة بعد ولادة المسيح،وليس سنة ولادته. وكتب المؤرّخ المذكور بأنّ اليهود أدهشتهم عمليّة الإحصاء تلك،فلم يُدركوا الغرض منها على وجه صحيح.كذلك يتبيّن خطأ زعم كاتب لوقا بأنّ الحاكم على سوريّة والذي عاصر موت الإمبراطور أوغسطس،لم يكن (قيرينيوس) بل كان (هيرودز).وأنّ الحاكم الذي سبق هذا الأخير كان اسمه (سينتينس) الذي حكم ما بين السنة التاسعة قبل المسيح وإلى السنة السادسة بعد المسيح.(راجع دائرة المعارف البريطانيّة تحت لفظ –كرانيكل.)

ومن خلال معطيات هذه المراجع التاريخيّة الموثقة،يتبيّن للقارئ العزيز بأنّه لم تجري عمليّة إحصاء سنة ولادة المسيح عليه السلام،وخلافا لما زعمه كاتب إنجيل لوقا الذي كان مشوّش الأفكار ومحاولا ربط الأمور بعضها ببعضها الآخر على غير أساس من الواقع التاريخي.ولذلك فلا يصلح ما علّل به لوقا وضع السيّدة مريم المولود الذي ولدته في مزود.وبناء عليه فهنا يأتي دور عمليّة تصحيح أخبار هذه الحلقة المتعلّقة بولادة السيّدة مريم المسيح عليه السلام.وليثبت بأنّ القرآن المجيد قد أنزله اللّه تعالى مهيمنا ورقيبا على ما هو
وارد في الأناجيل بما يتعلّق بقصّة مريم عليها السلام.فإن شئنا أن نتمكّن من تنظير ما حدث في تلك الفترة من الزمان،نعود إلى ما ذكره كاتب إنجيل متّى،فهو ذكر ما لم يذكره كاتب إنجيل لوقا.فمتّى ذكر في الإصحاح الثاني 1-4 وقال: (ولمّا ولد يسّوع في بيت لحم اليهوديّة في أيّام الملك هيرودس،إذا مجوس قدموا أورشليم من المشرق وقالوا أين ملك اليهود الذي وُلِد ؟فقد رأينا نجمه في المشرق،فجئنا لنسجد له.فلما بلغ الخبر الملك هيرودس ،اضطرب واضطربت معه أورشليم كلّها.فجمع عظماء الكهنة وكتبةَ الشعب كلّهم واستَخبَرَهم أين يولد المسيح.).ومن ثمّ فإنّ متّى كتب يقول في الإصحاح الثاني نفسه 13-15 ما يلي (وكان بعد انصرافهم أن تراءى ملاك الربّ ليوسف في الحلم وقال له: قم فخذ الطّفل وأمّه واهرب إلى مصر وأقم هناك حتّى أُعلمَك،لأنّ هيرودس سيبحث عن الطفل ليُهلكه.فقام فأخذ الطّفل وأمّه ليلا ولجأ إلى مصر.فأقام هناك إلى وفاة هيرودس،ليتمّ ما قال الربّ على لسان النبيّ "من مصر دعوت ابني").

فهذا الحادث الذي ذكره متّى لم يتعرّض لوقا لذكره.وابتدع لوقا موضوع إجراء تعداد سكّان المعمورة سنة ولادة المسيح في بيت لحم،خلافا لما أورده المؤرّخون في تلك الفترة من الزمان.فالعقل والمنطق يقول بأنّ يوسف خطيب مريم وبعد أن مضى على حملها أربعة أو خمسة أشهر،خاف أن يثير لغطاً في بلدته الناصرة من جرّاء ظهورها حاملة وهي لم تزل خطيبته ولم يدخل يوسف عليها في العُرف العام.فقرّر يوسف أن يبتعد عن موطنه عدّة سنوات بقصد تغطية ذاك الحدث.لذلك أخذ يسافر من بلد إلى آخر إلى أن يمّم وجهه نحو مدينة بيت لحم وهناك وقبل وصوله إليها،ولدت السيّدة مريم المسيح.وبعد ولادته سافر يوسف مع زوجته والمولود إلى مصر ليبقى فيها عدّة سنوات وذلك ليشبّ الصبيّ ويضيع تاريخ ولادته عن أعين أهل بلدته الناصرة.والآن لنرجع إلى ما ذكره القرآن المجيد وهو يصحّح أخبار تلك الأحداث التي تعود لفترة ولادة المسيح عليه السلام.

ألا لقد عاد القارئ الكريم يُدرك مدى تخبّط المعلومات الواردة بشأن ترك يوسف وخطيبته مدينة الناصرة وابتعادهما عنها لتغطية حمل مريم بعد تلقّيها بشارة حمل المسيح وبدون أن يمسسها بشر.هذا التخبّط الذي بدا واضحا في ذكر إنجيل متّى بأنّ يوسف وخطيبته مريم سافرا إلى مصر ليبقيا فيها سنوات.وفي إهمال إنجيل لوقا ذكر هذا السفر إلى مصر واستبداله بالسفر إلى بيت لحم موطن عشيرتيهما بدافع أوّل تعداد للسكّان آنذاك. كما تبيّنت معالم هذا التخبّط بعد أن أثبتُّ من خلال تاريخ الإمبراطوريّة الرومانيّة بأنّه لم يجر أيّ تعداد للسكّان بتاريخ ولادة المسيح ،بل حدث بعد ولادته بستّ سنوات.الأمر الذي يدفع هذا القارئ العزيز إلى التوجّه إلى القرآن الكريم لمعرفة الأخبار الصحيحة .

وهنا ينبغي لهذا القارئ أن يتذكّر بأنّ من خصائص القرآن المجيد أنّه لا يدخل في تفاصيل الأحداث بل يورد أهمّ تلك الأحداث،وبما يساعد على تصحيح ما ورد في كتب أهل الكتاب من يهود ومسيحييّن.وإنّ هذه الخصوصيّة بدت واضحة هنا في مجال بيان ما حدث لمريم بعد تلقّيها البشارة وما حدث لها حين جاءها المخاض.فالقرآن المجيد سلّم مع إنجيل متّى بأنّ يوسف وخطيبته مريم قد سافرا بعد حملها المولود إلى مكان قصيّ.وهو ما عبّرت عنه قول اللّه عز وجلّ في أوّل آية أوردها المؤلّف المذكور،وهي (فحملته فانتبذت به مكانا قصيّا.) أي تنحّت عن أهلها إلى مكان قصيّ.ولم يقل أنّها سافرت إلى مكان قصيّ.فالتنحية تفيد ظهور مشيئة الابتعاد لغرض محدّد.ومن ثمّ فقد تناول القرآن المجيد الكلام عمّا حدث لمريم حين جاءها المخاض من أجل بيان السبب الذي دفع مريم لتضع هذا المولود وهو المسيح في الوعاء المخصّص لزاد السفر والذي سمّا إنجيل لوقا وقال (وضعت مريم وليدها في مزود (لوقا 2/1-20).فماذا بيّن القرآن المجيد في هذا المجال ؟

قال اللّه عز وجلّ وهو يصحّح المعلومات الواردة في الأناجيل،قال (فأجاءها المخاض إلى جذع النّخلة قالت يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيا منسيّا.).فإن دقّقت يا عزيزي القارئ في هذه الآية الكريمة تستنتج: أولاً بأنّ مريم كانت وحيدةً عندما جاءها المخاض. وذلك لعدم تعرّض الآية لذكر وجود أيّ معين في نصّ الآية.وتستنتج ثانياً بأنّ مريم أضحت في حرج شديدٍ لبُعد يوسف عنها حين جاءها المخاض ولعدم وجود تجربة لها في موضوع الولادة والمخاض،لكونها ما تزال عذراء بكرا.وهذا الحرج الشديد إذا ما تملّك فتاة في مثل وضعها،يدفعها يقينا لتقول ما قالته مريم وهو (يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيا منسيّا) فمريم في تلك الحالة كانت غير متملّكة رشدها للأسباب التي ذكرتها آنفا.
وتستنتج من جهة ثالثة ومن خلال ورود كلمة (النخلة) معرّفةً بأداة التعريف التي تفيد النخلة المعهودة في الذهن.أقول : تستنتج من خلال هذا التّعريف بأنّ مريم كانت موجودة

في منطقةٍ فيها نخيل.وأنّها اعتادت أن تتنزّه فتصل إلى ذاك المكان الذي توجد فيه نخلة كبيرة كثيرة الفروع وتظلّل الجالس تحتها، وفي زمان كانت فيه تلك النخلة تحمل رطبا متدلّيا بإمكان الإنسان الجالس هناك هزّ تلك الفروع لتساقط عليه رطبا جنيّا.فإن أنت استنتجت هذه الاستنتاجات الثلاثة التي ساعدتك للوصول إليها.تتساءل في نفسك بصورة تلقائيّة: أين لطف اللّه تعالى بمريم في تلك الحال الذي بلغته من ذاك الإحراج الشديد،وهي حاملة بالمسيح الذي بشّرها به جبريل عليه السلام ؟ وتجد الإجابة في الآية التي بعدها والتي قال اللّه تعالى فيها (فناداها من تحتها ألاّ تحزني قد جعل ربُّك تحتك سريّا.) والمعنى بأنّ جبريل قد تمثّل لمريم في تلك الدقائق الحرجة وذكّرها بلُطف ربّها بها أن جعل تحت ذاك المكان الذي اعتادت مريم أن تأتي إليه،قد جعل هناك تحتها (سريّا).

ففعل (فناداها) معناه صاح بها بصوت عال لتسمع صوته (محيط المحيط).وعليه يُستفاد من ورود فعل (فناداها) أنّ الذي ناداها كان بعيدا عن مريم وليس تحتها مباشرة.فهذا الفعل (فناداها) ينفي ما ذهب إليه ذهن المؤلّف المذكور من أنّ مولود مريم هو الذي ناداها.فإذا علمنا بأنّ ضمير (فناداها) يعود إلى جبريل الذي كان قد بشّر مريم بهذا الحمل.يعود معنى قوله تعالى (فناداها من تحتها) أن جبريل عليه السلام قد تمثّل لمريم ثانية،ولكن في هذه المرّة ليس أمامها كما في المرّة الأولى،ولكن (فناداها من تحتها) وهي تعاني من ذاك الحرج الذي أخذت تُعانيه عندما جاءها المخاض إلى جذع تلك النخلة التي اعتادت أن تتنزّه تحتها.فما هي دلالة (فناداها من تحتها) ؟ ففعل (ناداها) يدلّ على أنّ جبريل كان بعيدا عن مريم.

هذا من جهة.ومن جهة ثانية فلتحديد الموضع الذي تمثّل فيه جبريل،فقد قدّم القرآن المجيد للإجابة عليه وقال (ألاّ تحزني قد جعل ربُّك تحتك سريّا.) أي أنّ جبريل قد خفّف عن مريم ما انتابها من جذع وحُزن عندما جاءها المخاض وهي وحيدة وهو معنى صياح جبريل بمريم (ألاّ تحزني).وصاح جبريل ملفتا نظر مريم وقال (قد جعل ربُّك تحتك سريّا)
أي أنّ الظرف (من تحتها) قد تكرّر من جديد من خلال قول جبريل (تحتك سريّا) فإذا علمنا بأنّ (سريّا)معناه نبع ماء دافق وصالح للشرب وعظيم المنفعة،وهي الحقيقة التي دلّ عليها تنوين كلمة (سريّا) لتفيد تعظيم هذا النّبع المشار إليه.يعود تكرار ظرف (تحتك) الإشارة إلى وجود منحدرٍ وراء تلك النخلة ينتهي عند ذاك النبع المشار إليه. وأنّ جبريل تمثّل لمريم في أسفل ذاك المنحدر وصاح بمريم ليلفت نظرها إلى وجود الماء هناك بسبب أنّ مريم عادت بعد وضعها حملها بحاجة إلى الماء بشكل خاصّ .وهي ضرورة طبيعيّة في مثل

تلك الحال.وكأنّ جبريل قد قال بألفاظ أخرى: لا تحزني يا مريم ولا يُحرِجك أن تضعي حملك بجانب جذع النخلة،وتحتاجين إلى الماء لتنظيف وليدك وتنظيف نفسك وتُطفئي ظمأك، فقد قدّر لك ربّك أن تتنزّهي في هذا الموضع بالذات، بسبب أنّ فيه نبع ماء في هذا المنحدر من الأرض الذي هو بجانبك وهو نبع ماء مياهه نظيفة وصالحة للشرب.وإلى هنا يكون اللّه عز وجلّ قد وضّح السبب الذي دفع مريم لتضع وليدها في (مزود)، إذ أنّها كانت تحمل (المزود) الذي كان فيه ما تحتاجه في نزهتها من زاد.فلم تجد سواه من وسيلة لتضع فيه وليدها إلا هذا الوعاء الذي يسمّونه (المزود) والذي لم يكن ممتلئا في تلك اللّحظات الحرجة من حيات مريم عليها السلام،بسبب أنّها كانت في نزهة.

وهنا كان لابدّ لي من أن ألفت نظر القارئ إلى أنّ المسيحييّن حين يحتفلون بميلاد المسيح في أيّامنا هذه،يحتفلون به في بيوتهم وكأنّه وُلد في مغارة.فإن راجع هذا القارئ الكتاب المقدّس المطبوع في لبنان على أيدي جمعيّات الكتاب المقدس في المشرق عام 1989م ، وراجع الصفحة 194 من العهد الجديد، فإنّه يلاحظ وجود ملاحظة في حاشية تلك الصفحة وبرقم (10) قد ذكروا فيها [ظهر تقليد المغارة في القرن الميلادي الثاني (المؤرّخ يستينس)].وهذا القول من جانبهم يشكّل اعترافا من جانب المسيحييّن بأنّ المسيح لم يولد في مغارة.وإنّما وُلد في مكان يجهلونه.ولهذا السبب فإنّ القرآن الكريم قد صحّح لأهل الكتاب ما عندهم من علمٍ بهذا الشأن.وبيّن بأنّ مريم وضعت وليدها بجانب نخلة خارج بيت لحم وكانت تتنزّه في جلّ أوقاتها هناك واحتاجت بعدما وضعت حملها إلى أن تضع هذا المولود في (المزود) الذي ذكره إنجيل لوقا ،وهو الوعاء الذي ما كان معها سواه من أداة ووسيلة لحماية المولود من العوامل الجوّية الضارّة،في تلك اللّحظات الحرجة.

ونعود إلى ألفاظ الآية الكريمة وإلى ما ورد فيها مّما صاح به جبريل من ألفاظٍ للتّخفيف عن مريم،فلم يكتف جبريل عليه السلام أن صاح ولفت ذهن مريم الصدّيقة إلى وجود نبع الماء أسفل المنحدر الذي هو بجانبها.بل أضاف جبريل وصاح بمريم قائلا (وهزّي إليك بجذع النخلة تُساقط عليك رُطبا جنيّا.).فإن تساءلنا عن السبب الذي دعا القرآن المجيد لينقل لنا قول جبريل عليه السلام (وهُزي إليك بجذع النخلة تُساقط عليك رُطبا جنيّا)، وهو قول نقل لنا جزئيّات قصّة ولم ينقل لنا القرآن من خلاله أهمّ أحداثها.وعلى خلاف عادته.فإنّه لا يكون قد فعل ذلك إلاّ لحكمة ولتحقيق أهداف معيّنة.فإن نحن دقّقنا نظرنا في ألفاظ جبريل ،يتبيّن لنا الأمور التالية: أولا – أنّ زمن مخاض مريم الصدّيقة كان صيفا وليس شتاء.بسبب أنّ زمن نضوج ما تحمله النخيل من بلح يحدث في الصيف وليس في الشتاء.ثانيا –كما يتبيّن لنا ثانيا بأنّ زمن وضع مريم الصدّيقة لم يكن في أوّل أشهر الصيف،بل قد حدث في أواخر أيّام الصيف.وذلك من منطلق أنّ اكتمال نضوج ثمر

النّخيل وإلى درجة تساقط الرطب لمجرّد تحريك الجذع،لا يكون إلاّ في أواخر أيّام الصيف.
ثالثا – ثمّ يبدو من ألفاظ جبريل أنّ النخلة التي كانت تتنزّه عندها مريم الصدّيقة،كانت نخلة فتيّةً وارفة الظلال من كثرة ما تحمل من رطب.فإن نحن استعرضنا هذه الاستنتاجات الثلاثة آنفة الذكر،تتضّح لأعيننا الحكمة الإلهيّة الكامنة وراء ذكر هذه التفاصيل الجزئيّة من قصّة مريم عليها السلام.وكأنّ القرآن الكريم يخاطب المسيحييّن من خلال ألفاظ جبريل هذه،ويصحّح لهم ما توارثوه من جزئيّات هذه القصّة.فالقرآن الكريم يصحّح الأمور التالية الواردة في الأناجيل خطأ: أولا - فالقرآن الكريم،وإن اتّفق مع كتبة الأناجيل من أنّ المسيح قد ولدته أمّه في بيت لحم،ووضعته في (مزود) ،إلاّ أنّ القرآن الكريم ينبّه أذهانهم إلى أنّ ولادة المسيح لم تتمّ داخل بيت لحم،وفي مغارة منها،وإنّما تمّت ولادة المسيح في ريف بيت لحم وحيث يوجد هناك نخيل،وحيث توجد هناك ينابيع ماء.

ثانيا – والأمر الثاني الذي صحّحه القرآن المجيد،هو أنّ ولادة المسيح لم تتمّ في آخر أيّام كانون الأوّل وهو رأس السنة الميلاديّة وعلى حسب ما هو متداول ومعروف بين السادة المسيحييّن في أيّامنا هذه.بل إنّ القرآن الكريم قد جزم مقرّرا بأنّ ولادة المسيح قد حدثت في أواخر أيّام شهر آب.يوم يكون البلح قد نضج وهو ما يزال معلّقا على أغصان النخيل. فهذه هي حكمة إخبار القرآن الكريم أهل الكتاب بهذه التفاصيل التي تضمّنتها كلمات جبريل عليه السلام.لذلك أحاول الآن إثبات صحّة ما ذهب إليه القرآن المجيد من خلال مُعطيات العهدين القديم والجديد.فإن راجعنا سفر القضاة من العهد القديم نلاحظ بأنّ هذا السفر سمّى منطقة بيت لحم وما حولها، والتي سمّاها إنجيل لوقا أرض اليهوديّة،سمّاها (مدينة النخيل) فقد ورد في الإصحاح الأول من سفر القضاة الفقرة 16 (وصعد بنوا القينيّ حَميّ موسى من مدينة النخيل مع بني يهوذا إلى بريّة يهوذا)فهذا ما يتعلّق بالعهد القديم

وأمّا ما يتعلّق بالعهد الجديد فالقارئ العزيز يذكر ما نقلته له عن إنجيل لوقا الإصحاح 2/8 وكيف أنّ لوقا أنهى ذاك الاقتباس المتعلّق بولادة مريم الصدّيقة المسيح عليه السلام بقوله (فولدت ابنها البكر فقمّطته وأضجعته في مزود لأنّه لم يكن لهما موضعٌ في المضافة.) .وقد استمّر كاتب إنجيل لوقا يقول بعد هذا النصّ الذي نقلناه.يقول لوقا فيه (وكان في تلك الناحية رُعاةٌ يبيتون في البريّة يتناوبون السّهر في اللّيل على رعيّتهم.فحضرهم ملاك الربّ وأشرق مجد الربّ حولهم،فخافوا خوفا شديدا.فقال لهم الملاك: لا تخافوا ها إنّي أبشّركم بفرحٍ عظيم يكون فرحَ الشعب كلّه: وُلِدَ لكم اليومَ مخلّصٌ في مدينة داود وهو المسيح الربّ. وإليكم هذه العلامة: ستجدون طفلا مقمّطا مضجعا في مزود.).
فإن أمعنّا نظرنا فيما ذكره لوقا في هذا النصّ يتبيّن لنا: أولا - بأنّ ولادة المسيح قد حدثت في مكان هو خارج بيت لحم ويُطلّ على البريّة التي كان الرعاة يبيتون فيها إلى جانب أنّهم كانوا يتناوبون السهر في اللّيل على ما كانوا يرعونه.وبدليل أنّ الملاك الذي ظهر لهم قد دفعهم ليتفقّدوا المنطقة القريبة منهم ليجدوا (طفلا مقمّطا مضجعا في مزود) وهو المسيح الذي وضعته السيّدة مريم فيه.ثانيا – ولا يُعقلُ أن ينام يكون الرعاة في بريّة داود، وهي بريّة بيت لحم،وفي آخر أيّام شهر كانون الأوّل ويتناوبون السهر على رعيّتهم في أيّام البرد القارس.بسبب أنّه لا تكون في تلك الأيّام هناك أيّة مراعي،بل تنزل في رأس السنة الأمطار والثلوج ولا تظهر المراعي إلا في أشهر الصيف.وإنّ هذا النصّ المذكور والوارد في إنجيل لوقا يدلّ دلالة قاطعة على صحّة ومصداقيّة ما ذكره القرآن المجيد من أنّ ولادة المسيح قد حدثت في أواخر شهر تموز، وفي المنطقة التي سمّاها العهد القديم (مدينة النّخيل).فهذه حقيقة أوردها القرآن العظيم تصحيحا لتاريخ ولادة المسيح عليه السلام. وعليه فإن أقرّ المسيحيّون بهذه الحقائق المقتبسة من كتابهم المقدّس.فقد عاد من واجبهم أن يحتفلوا بعيد ميلاد المسيح في شهر تمّوز،لا أن يحتفلوا بعيد ميلاد المسيح في رأس السنة،في آخر كانون الأوّل الذي اشتُهر ببرده القارص وبهطول الثلوج فيه.

وأمّا قول جبريل عليه السلام (وهزّي إليكِ بجذع النخلة تُساقط عليك رُطبا جنيّا.). ففعل هزّ معناه حرّك.وما دام قد قال (وهزّي إليك بجذع النخلة) معنى ذلك أنّ تلك النخلة التي كانت مريم الصدّيقة تجلس تحتها،كانت نخلة فتيّةً ومتدلّية الأغصان من جرّاء ما كانت تحمله من عناقيد الرّطب.وليس هذا وحسب.بل وأنّ الرطب كان ناضجا إلى حدّ أنّه كان يتساقط لمجرّد هزّ أغصانه.وعليه فإنّ جبريل حين قال (وهزّي إليك بجذع النّخلة) يكون قد أشار من خلال قوله المذكور إلى هذه الحقيقة التي بيّناها.ويعود معنى القول المذكور أن أمسكي بجذع النخلة وبأطراف أغصانها وحرّكي تلك الأغصان لتساقط عليك من رطب النّخلة (رُطبا جنيّا) أي رُطبا ناضجة طريّة.وهو المعنى المقصود من (جنيّا)

وأمّا قول جبريل (فكلي واشربي وقرّي عينا فإمّا تريِنَّ من البشر أحداً فقولي إنّي نذرت للرّحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا.).فالفقرة الأولى من قوله هذا (فكلي واشربي وقرّي عينا) قد نبّه جبريل من خلالها ذهن مريم الصدّيقة إلى أنّها إذ جاءها المخاض وفعلت ما طلبه منها،فلا تعود في تلك الحالة بحاجة إلى أيّ شيء آخر غير الأكل من الرطب الجنيّ والشرب من ماء الجدول والاستعانة بالماء لغسل وليدها،وللبقاء في حالة مستغنية عن المساعدة من الآخرين.وأمّا الفقرة الثانية وهي (فإمّا ترينَّ من البشر أحدا) ففيها تأكيد بأنّ مريم كانت في نزهة خارج مدينة بيت لحم،وفي مكان من النادر أن يمرّ من هناك بشر إلا إذا كان قاصدا مكانا قريبا منها.وبما أنّ مريم الصدّيقة كانت بعد وضعها وليدها بحاجة إلى الراحة والاطمئنان والعودة إلى حالتها الطبيعيّة.فقد نصحها جبريل عليه السلام وقال في الفقرة الأخيرة من هذه الآية الكريمة (فقولي إنّي نذرت للرّحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا.).فأن تقول (إنّي نذرت صوما) لا يعني أنّها كانت تريد من قولها هذا أنّها قرّرت أداء فريضة صومٍ تمتنع فيه عن الطعام والشراب.فلو كان هذا هو المعنى المقصود من قولها هذا،فلا يعود لقول جبريل (فكلي واشربي) أيّ معنى ولعاد القارئ ينظر إلى جبريل عليه السلام حينئذٍ على أنّه كان قد علّم مريم الصدّيقة الكذب على سائليها.وتسألني يا عزيزي القارئ بعد اقتناعك بمنطقي هذا وتقول: وماذا أراد جبريل إذن من حثّ مريم الصدّيقة على القول (إني نذرت للرحمن صوما) ؟ فأقول في الجواب على سؤالك: إنّ هذه الكلمة (صوما) اشتقّت من فعل صام.وإنّ المراد من الصوم لغةً ليس الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح وحسب.بل وإنّ من معاني (الصوم) الإمساك عن الكلام أيضا (محيط المحيط).وهو المعنى المقصود في هذا المقام.وليس إمساك مريم عن الكلام هو المقصود بالذات،بل المقصود أن تستبدل الكلام مع الناس بالتوجّه إلى ذكر اللّه عز وجلّ خاصّةً في تلك اللّحظات التي هي بأشدّ الحاجة إلى أن يدوم توجّه ربّها نحوها.ووفق قوله تعالى في مقام آخر (اذكروني أذكركم). وهذا المعنى بدليل أنّ جبريل قد نصح مريم الصدّيقة أن تقول (فلن أكلّم اليوم إنسيّا).وحال مريم هنا كحال زكريّا عليه السلام حين قال في الآية 11 من هذه السورة (قال ربّ اجعل لي آية،قال آيتك ألاّ تكلّم الناس ثلاث ليالٍ سويّا.).ولا بأس أن أشرح للقارئ العزيز مضمون هذه الآية التي تضمّنت ما أشار اللّه تعالى به على النبيّ زكريّا عليه

السلام.فزكريّا قال في الفقرة الأولى (ربّ اجعل لي آية) وقد قصد من كلمة (آية) هنا أن يأمره ربّه بالعمل على حكمٍ من أحكامه تعالى ليثمر عمله عليه الثمر الروحيّ المبشّر به من جانب اللّه عز وجلّ.فقد ورد في معجم (محيط المحيط) أنّ من معاني كلمة (آية) حكمٌ من أحكام اللّه تعالى.وإنّ كلب الأنبياء آية من قبل في بني إسرائيل مثالها ما ورد في سفر التكوين الإصحاح 9/9-17 . وفي سفر التكوين أيضا الإصحاح 17/9-11.فطلب علامة أي حكم إلهيّ ليعمل النبيّ عليه ليفوز بشكر اللّه تعالى لمسعاه كان معروفا لدى
أتباع موسى عليه السلام.وقد استجاب اللّه جلّ شأنه لطلب زكريّا (قال آيتُك ألاّ تكلّم الناس ثلاثَ ليالٍ سويّا.).وليس المقصود هنا أن يمتنع زكريّا عن الكلام ثلاث ليالٍ سويّا، بل أن يتوجّه إلى ذكر اللّه تعالى طوال ثلاثثة أيّام.

والدليل على صحّة ما ذهبت إليه هو ما ورد في الآية التي بعدها والتي قال اللّه تعالى فيها (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبّحوا بُكرةً وعشيّا.).فقوله تعالى بحقّ نبيّه زكريّا (فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيّا) فبما يتعلّق بفعل (أوحى) قد ورد في الأساس: إذا قلت وحيت إليه وأوحيتُ إليه يراد به أن تكلّمه بما يُخفيه من غيره.أي تكلّمه همسا.ويعود معنى قوله تعالى (فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيّا) أنّ زكريّا عليه السلام بعد أن تلقّى هذا الحكم من ربّه عز وجلّ وهو ألآّ يكلّم الناس ثلاث ليال سويّا،توجّه نحو الناس من قومه الذين كانوا خارج مكان العبادة فأوصاهم أن يذكروا اللّه طوال تلك المدّة وألاّ يحاورونه في شيء كيلا يلهونه عن ذكر اللّه عز وجلّ.من هذا نستنتج أنّ المنع عن الكلام لم يكن المقصود بذاته،بل المقصود استبدال التحاور مع الآخرين بالتوجّه إلى ذكر اللّه عز وجلّ.وإنّ نفس هذا المعنى ينطبق على ما أشار به جبريل

على مريم الصدّيقة من امتناع عن الكلام،فليس المقصود هو أن تمتنع مريم عن الكلام مع أيّ بشر،بل المقصود أن تتوجّه إلى ذكر اللّه تعالى طوال ثلاثة أيّام.فإذا حاول أحد التكلّم معها أن توحي إليه أي أن تهمس إليه بأنّها في خلوة من ذكر اللّه عز وجلّ.ومعلوم من القرآن الكريم أنّ توجّه المؤمن في الأوقات العصيبة إلى ذكر اللّه تعالى يطمئن قلبه. وعليه فكأنّ جبريل قد قال لمريم بألفاظ أخرى أن يا مريم حاولي في هذه الأوقات العصيبة التي تمرّي منها أن تتوجّهي إلى ذكر ربّك وإلى الدعاء بين يديه،لتثبتي في هذا الوقت العصيب أنّ وجه ربّك لا يغيب عن عينيك،وتشبهين بذلك حال زكريّا عليه السلام أيضا.واستنادا إلى هذا المعنى الذي بيّناه آنفا والذي يتّفق وصياغة الآية البلاغيّة المعجزة ودلالتها،أقول: يعود الاعتراض الذي اعترضه مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) وقال (فأين الصوم وهي الآكلة الشاربة المتكلّمة ؟) أقول: يعود قول المؤلّف المذكور هذا تافهاً ومضلّلا، وينبئ
عن جهل هذا المؤلّف بدلالات هذه الآية الكريمة.وبذلك يفقد اعتراضه قيمته،ويحقّ لنا أن نعدّه من قبيل الاعتراض والتّضليل وأنّ المؤلّف المذكور قد كتب هذا الاعتراض لمجرّد الاعتراض والتّضليل.ويكفي أن نقول بأنّ القرآن الكريم ومن خلال هذه الآيات الكريمة التي اعترض عليها المؤلّف المذكور،قد صحّح اللّه جلّ شأنه للسادة المسيحييّن من خلال هذه الآيات الكريمة ما توارثوه خطأ حول مكان ولادة المسيح الناصريّ عليه السلام، وحول تاريخ ولادته،وأنّ لُطف اللّه تعالى بمريم قد تجلّى في تمثّل جبريل لمريم الصدّيقة في حالة الكشف الروحانيّ الذي أوردته هذه الآيات الكريمة،العناية الإلهية التي تمخّض عمّا أغنى مريم الصدّيقة في تلك اللّحظات عن الحاجة إلى مساعدة أيّ إنسان آنذاك.

وعلى هذه الصورة أكون قد نقضت مضمون الاعتراض الحادي عشر التاريخيّ الذي أورده مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟).وأثبتّ من خلال معطيات العهد القديم أنّ مدينة بيت لحم وما جاورها كانت تّدعى مدينة النخيل.وإنّ كلّ من يسافر إلى بيت لحم فإنّه سيلاحظ وجود ينابيع في شعابها وخاصّة منها النبع الذي يسمّونه نبع سليمان ويستقي منه سكّان بيت لحم ما يحتاجونه من ماء للشرب قديما.ويكفي أن يراجع القارئ (قاموس الكتاب المقدّس) ليتحقّق من مصداقيّة هذه الأمور التي ذكرتها له والمتعلّقة بمنطقة بيت لحم قديما وحديثا.وبهذه المناسبة فقد عاد بإمكاننا أن نفتي للمرأة الحائض أنّ فترة الحيض لا يمنعها من ذكر اللّه تعالى.وأنّه يصحّ للمرأة الحائض تلاوة آي من الذكر الحكيم.

وبهذه المناسبة فليلاحظ القارئ العزيز كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد تجاوز تفاصيل ما حدث لمريم الصدّيقة بعد ولادتها المسيح الناصريّ عليه السلام.وأهمل ذكر رحلة يوسف وخطيبته مريم إلى مصر تلك الرحلة التي تعرّض لذكرها كاتب إنجيل متّى في إنجيله،وأهمل ذكرها كاتب إنجيل لوقا.وكيف أنّه تعالى تناول تصحيح ما جرى ليوسف ومريم والمسيح بعد أن عادوا من مصر.وقال (فأتت به قومها تحملُه قالوا يا مريمُ لقد جئت شيئا فريّا.يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمّك بغيّا.فأشارت إليه (قف) قالوا كيف نكلّمُ مَن كان في المهد صبيّا.قال إنّي عبد اللّه (قف) آتاني الكتاب وجعلني نبيّا.).وقد استعصى على المفسّرين القدماء رحمهم اللّه الإحاطة بمضامين هذه الآيات المصاغة صياغة بلاغيّة.

ولا بأس أن أعطي القارئ المسلم فكرة عامّة عمّا تضمّنته هذه الآيات الكريمة من حقائق صحّحت للسادة المسيحييّن ما غاب عن كتّاب أناجيلهم من تلك الحقائق التاريخية.
ففي الفقرة الأولى قال اللّه عز وجلّ (فأتت به قومها تحمله) ففعل أتى معناه جاء.وفي هذا الفعل دلالة على أنّ مريم كانت بعيدة عن قومها وفي مصر بالذات وفق ما رواه إنجيل متى.والملاحظ هو أنّه تعالى قال (أتت به قومها)وكان الأصحّ أن يقول: أتت قومها تحمله فما هي حكمة إضافة الجار والمجرور (به) في هذا المقام ؟ والمعلوم من كتب اللّغة أنّ لحرف الباء أربعة عشر معنى.ولا يصحّ منها هنا إلاّ معنى الاستعانة.ويصبح المقصود من (به) أنّ مريم الصدّيقة جاءت قومها بهذا الذي ولدته من غير أبٍ ومستعينة به بالذات للدّفاع عن مصداقيّة هذا المولود.وإنّ هذا المعنى بالذات دفع للقول (تحمله).فما معنى فعل (تحمله) ؟

إنّ هناك من ذهب إلى القول أنّ معنى (تحمله) أي أتت به قومها تحمله على حمار.وكأنّ هذا القائل أجاز لنفسه هنا الادّعاء بأنّ اللّه تعالى حذف هذا الجار والمجرور (على حمار).
فلو كان هذا المدّعي ضليعا بعلم البلاغة،لكان علم بأنّ الحذف يُقصد به تصريف الفعل إلى عدّة تصاريف ودلالات.والذي يتدبّر فعل (تحمله) محذوفا منه المضاف.فلا يصحّ أن يصرّفه الإنسان إلى عدّة تصاريف.فلا يصحّ أن يُقال أنّ مريم الصدّيقة أتت بالمسيح تحمله إمّا على حمار وعلى ناقة وعلى بغل على سبيل المثال.فلا مجال هنا للتعدّديّة في ذكر وسيلة النقل لتوسيع معنى فعل (تحمله).وعليه فلا يصحّ أن نفهم من (تحمله) أنّها أتت بالمسيح تحمله على حمار.ثمّ لو كان المقصود من فعل (تحمله) هنا فعل الحمل المعروف،لكان من الواجب أن يرد هذا الفعل بصيغة تمييز ويقول (أتت قومها حاملةً المسيح.) وبهذه الصياغة يثبت حينئذ وجود حذف بلاغيّ.واستنادا إلى هذه المحاكمة اللّغويّة نعود نرفض المعنى هذا المعنى الظاهر للفعل والذي يتبادر للقارئ لأوّل وهلة.واستنادا إلى هذه المحاكمة اللغويّة التي

حاكمناها يُعدّ ما حاكمناه قد شكّل قرينة دالّة على أنّ فعل (تحمله) قد أورده اللّه جلّ شأنه في هذه الفقرة من الآية بمعناه المجازيّ،وليس بمعناه الحقيقي المعروف.وبالإضافة إلى هذه القرينة التي توصّلنا إليها.فلا يجوز لنا أن نفسّر القرآن الكريم بخلاف الثابت تاريخيّا. فالثابت تاريخيّا هو أنّ يوسف وزوجته وابنه قد عادوا من مصر بعد سنوات من هجرتهم إلى مصر.والثابت تاريخيّا أيضا من الأناجيل الحاضرة هو أنّهم عادوا إلى مدينتهم الناصرة وظلّوا فيها أكثر من سنتين. ومن ثمّ توجّه المسيح الناصري فسافر إلى القدس ليعلن دعواه فيها أيضا.وأورد إنجيل متّى يقول في الإصحاح 21/10-11 (ولمّا دخل أورشليم ضجّت المدينة كلّها وسألت: من هذا ؟ فأجابت الجموع: هذا النبيّ يسّوع من ناصرة

الجليل.).فهذه القرائن كلّها قد نقلت الفعل (تحمله) من معناه الحقيقي إلى معناه المجازيّ. فما هو المعنى المجازي لفعل (تحمله) في هذا المقام ؟ وبالعودة إلى استعمالات هذا الفعل في القرآن الكريم نلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ حين ذمّ اليهود في سورة الجمعة،ذمّهم وقال (مثلُ اللذين حُمّلوا التوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا.) ففعل (حُمّلوا التوراة) في هذه الآية لم يقصد به معناه الحقيقي،وإنّما قُصِدَ به معناه المجازي.إذ ليس المقصود من قوله تعالى بحقّ اليهود (حُمّلوا التوراة) أنّ موسى قد وضع على أكتاف اليهود من أمّته كتابا اسمه التوراة.فلا يُستساغ هذا المعنى الظاهريّ في هذا المقام.بل قُصد بفعل حُمّلوا هنا ما بيّنه صاحب معجم مفردات الراغب الذي قال بأنّ قوله تعالى (حُمّلوا ) معناه كُلّفوا أن يقوموا بحقّ التوراة عليهم،فلم يحملوها أي لم يؤيّدوها ولم يحافظوا عليها ولم يعملوا على أحكامها ولا بشّروا بها وأمروا سواهم بالعمل على أحكامها.فحمل الشيء مجازا معناه تأييد هذا الشيء والانتصار له والعمل على تعاليمه.فهذا هو المعنى المجازي لفعل

المضارع (تحمله).فإن أنت راعيت يا عزيزي المسلم دلالة الجار والمجرور (به) الدالّ على معنى الاستعانة من جهة.وراعيت المعنى المجازي المقصود من فعل (تحمله) من جهة أخرى. تصلُ إلى أنّ اللّه جلّ شأنه حين قال (فأتت به قومها تحملُه) فقد كان معناه أنّه تعالى قد استأنف كلامه بحرف الاستئناف، وانتقل لبيان حلقةٍ جديدة من حلقات قصّة مريم عليها السلام.فبيّن بأنّ مريم كانت ممّن آمنوا برسالة المسيح الناصري الذي ولِدته بدون أن يمسّها بشر وبناء على ما بشّرها به جبريل عليه السلام.ولم تؤمن به وبرسالته وحسب،بل كانت تعمل أيضا على ما جاء به من تعاليم وتنصره على هذا الصعيد.فلمّا توجّه المسيح قاصدا مدينة القدس من بلدته الناصرة فلم يأت مدينة القدس وحيدا،بل جاء القدس برفقة والدته وهي (تحمله) أي وهي مؤمنة به وتعمل على ما جاء به من تعاليم.فهذا هو معنى قول اللّه

تعالى (فأتت به قومها تحمله).وهذا المعنى الذي توصّلنا إليه قد استندنا فيه إلى أنّ من الثابت تاريخيّا أنّ المسيح الناصريّ ادّعى النبوّة في سنّ الثلاثين.وإلى أنّه من الثابت تاريخيّا أيضا أنّ المسيح الناصريّ قدم من الناصرة إلى القدس وهو في الثالثة والثلاثين سنة من عمره.واستنادا إلى أنّ الباء من (به) ورد بمعنى الاستعانة،وأنّ فعل المضارع (تحمله) ورد بمعناه المجازيّ ولم يرد بمعناه الحقيقيّ.ويبقى علينا أن نبيّن ناحية التّصحيح التي قام بها القرآن الكريم حين تعرّض لذكر هذه الحلقة من القصّة.ولذلك تسألني يا عزيزي القارئ هنا بعد هذا البيان كلّه عن ناحية التصحيح التي أحدثها القرآن الكريم على ما أوردته الأناجيل في هذه الحلقة من قصّة مريم الصدّيقة عليها السلام. فأقول: إنّ القرآن الكريم عندما أورد بحقّ مريم الصدّيقة قوله تعالى (أتت به قومها تحمله)،فالظاهر من نصّ هذه الآية الكريمة أنّ القرآن الكريم قد تعرّض هنا فيها لذكر تفاصيل من قصّة مريم عليها السلام. مع أنّ من المعلوم أنّ القرآن لا يتعرّض لذكر التفاصيل الصغيرة إلا إذا كان

للقرآن المجيد من وراء ذلك مقصداً.وعليه فقوله تعالى (تحمله) يتبادر منه لذهن القارئ أنّ مريم جاءت بالمسيح تحمله على يدها بسبب أنّه كان المسيح رضيعا بعد.لكنّي أثبتُّ بانّ فعل (تحمله) قد استعمله ربّنا عز وجلّ في هذا المقام بمعناه المجازي الذي أفاد بأنّ مريم كانت مؤمنة بالمسيح وأتت به قومها وهي تابعة له وملتزمة بأوامره.خصوصا وأني أثبتُّ بأنّ مريم حين أتت بالمسيح إلى قومها كان عمره يتراوح حول الثلاثين.وأنّ المسيح قدم إلى القدس وللمرّة الأولى بعد أن أوتي الرسالة وكان عمره قد بلغ الثلاثين.وعلى هذا الأساس فقد كان المقصد من ذكره تعالى لهذه المعلومة التفصيليّة هنا في هذه الآية الكريمة أن يصحّح ما أوردته الأناجيل بحقّ مريم الصدّيقة من أخطاء.فالذي يتبيّن من الأناجيل أنّ مريم أمّ المسيح لم تكن مؤمنة برسالته.بدليل أنّ كاتب إنجيل متّى أورد في الإصحاح 12/46-50 يقول (وبينما-يسوع- بكلّم الجموع إذا أمّم وإخوته قد وقفوا خارج الدار يريدون أن يكلّموه،فقال له بعضهم : "إنّ أمّك واخوتَك واقفون في خارج الدار يريدون أن يكلّموك".فأجاب الذي قال له ذلك: "مَن أمّي ومَن اخوتي ؟" ثمّ أشار بيده إلى تلاميذه وقال: "هؤلاء هم أمّي واخوتي.لأنّ مَن يعملُ بمشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمّي".).فمن خلال هذا النصّ الإنجيليّ يتبيّن للقارئ العزيز أنّ المسيح الناصري لم يكن ينظر إلى أمّه بالمستوى الإيماني الذي كان ينظر فيه إلى تلاميذه وإلاّ ما كان ليردّ المسيح بهذا الردّ المذكور.وهناك أدلّة أخرى أُعرض عن إيرادها خشية الإطالة.وأكتفي بالقول أنّ السادة المسيحييّن لم يقيموا قبراً لوالدة المسيح لزيارته.وهذا دليل عمليّ على عدم اهتمامهم بهذه المرأة الصدّيقة التي يسمّونها (العذراء)،ويقولون في الوقت نفسه أنّها تزوّجت وأنجبت أولادا غير المسيح عليه السلام.وقد نزل القرآن المجيد فصحّح لهم هذه الناحية الخطأ الواردة في أناجيلهم،ومن خلال قوله تعالى (فأتت به قومها تحمله) ووفق المعاني التي بيّنتها آنفا.

وانطلاقا من اعتقادنا بأنّ العهدين القديم والجديد لا يُعتبران مراجع تاريخيّة حقيقيّة وإن وُجدت فيهما بعض الحقائق التاريخيّة.فانطلاقا من هذا ومن كون القرآن الكريم مهيمنا ورقيبا على العهدين المذكورين.فإنّي أتجاوز الأسئلة الأربعة الواردة بعد السؤال الحادي عشر لاعتماد المؤلّف المذكور في اعتراضاته فيها على كتابه المقدّس المنسوخ بالقرآن الكريم والذي لا يعدّ في نظرنا مرجعا تاريخيّا معتمداً في الاعتراضات المشار إليها.وأتناول سؤاله السادس عشر بتفنيده والردّ عليه لحاجة القارئ الكريم إلى تصحيح ما توارثه من مفاهيم تخصّ هذا الاعتراض المستند فيه المؤلّف إلى تفاسير المسلمين القديمة والمخطئة على هذا الصعيد.
الردّ على السؤال السادس عشر من الأسئلة التاريخيّة:لقد أورد المؤلّف المذكور هذا الاعتراض السادس عشر تحت عنوان (موسى والخضر) فأورد الآية 65 من سورة الكهف التي قال اللّه تعالى فيها (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلّمناه من لدنّا علما.) ومن ثمّ أورد ما ذكره البيضاوي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية وقال:
ونحن نسأل: أين موسى الذي عاش في مصر سنة 1500 قبل الميلاد،من إيليا الذي عاش في فلسطين سنة 900 قبل الميلاد،من اسكندر الأكبر الذي عاش في اليونان سنة 332قبل الميلاد ! أين هؤلاء من الشهادة لمحمّد الذي ظهر في بلاد العرب في القرن السابع بعد الميلاد !؟ فبين موسى وإيليا 600 سنة! وبين موسى واسكندر 1200

سنة! وبين موسى وظهور محمّد 2200 سنة! فكيف يتسنّى لهؤلاء الذين نشأوا في ممالك مختلفة وفي قرون متباعدة أن يجتمعوا في زمن واحد وفي صعيد واحد ؟ !
فأقول إجابة على هذا الاعتراض الآنف الذكر: إنّ هذا الاعتراض السادس عشر قد استند المؤلّف فيه إلى تفسير البيضاوي كما هو واضح من نصّ اعتراضه.ولم يقم هذا المعترض بتدبّر الآية 65 من سورة الكهف بنفسه.وبما أنّ فهم مضمون هذه الآية الكريمة المذكورة قد خفيت حقيقته عن المفسّرين المسلمين القدماء رحمهم اللّه.واحتاج الشباب المسلم الناشئ إلى معرفة مضمونها على وجهه الصحيح وللوقوف في وجه المعترضين ممّن لم يؤمنوا بصدق رسالة محمّد (ص) حتّى الآن.فهذا الواقع يفرض عليّ شرح الآية المشار إليها بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره،وللضرورة الزمنيّة.وبعون اللّه تعالى.

فأقول: يعلم كلّ مطّلعٍ على ما أخبرنا به القرآن الكريم عن الأنبياء السابقين،أنّ اللّه عز وجلّ كان يوحي لكلّ نبيٍّ من الأنبياء السابقين ليس بوحيٍ لفظيٍّ كما هو حال وحي هذا القرآن العظيم،إلاّ موسى الذي أوحى تعالى إليه بالوصايا العشر التي هي عبارة عن عشر كلمات.أي أنّه تعالى كان يوحي إلى الأنبياء السابقين من وراء حجاب هذا الوحي الذي يشتمل على الرؤى الصادقة والكشوف الروحيّة التي يتلقّاها عباد اللّه الصالحين. فمن هذا المنطلق فإنّ كلّ من يتدبّر آيات هذا القرآن الكريم ولا تكون له تجارب روحيّة مشتملة على رؤى صادقة ، ولا يكون هذا المتدبّر ملمّا بخصوصيات هذا القرآن المعجزة، ولا محيطا علما بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.فإنّ هذا المفسّر المتدبّر يعجز أن يُلِمَّ بمضامين الآيات التي اشتملت على الإخبار برؤى صالحة أو الإخبار عن كشوف روحيّة.وهي المقوّمات التي كان البيضاوي يفتقدها وعلى حسب ما دلّ عليه تفسيره.

فمن هذا المنطلق وعلى أساس من هذا الفهم فقد كان من واجبي إعطاء القارئ قبل كلّ
شيء فكرة مجملةً حول الخصوصيّة القرآنيّة المتعلّقة ببيان الرؤى والكشوف الروحيّة التي
ورد ذكرها في هذا القرآن والتي كان قد رآها أنبياء سابقون.وهي خصوصيّة لم أتعرّض لذكرها في مؤلّفي (خصوصيّات القرآن الكريم المعجزة).فأقول: إنّ أيّ كاتب ومهما علا شأنه إذا تعرّض لذكر رؤيا أو كشف روحانيّ يتناول هذا الحدث بقوله لقد رأى فلانٌ من الناس كذا وكذا.فهذه خصوصيّة الكتّاب والأدباء.ولقد جاء القرآن الكريم بخصوصيّةٍ مختلفةٍ عن خصوصيّة الأدباء ،وجاءت الخصوصيّة القرآنيّة مقترنةً بصياغة بلاغيّة معجزة. وبحيث يحتاج كلّ من قرأ تلك الصياغة إلى إلمامه بصورة كاملة بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.فإن كان هذا القارئ غير مؤهّلٍ لتدبّر أمثال تلك الآيات التي تضمّنت رؤى وكشوف،فإنّه يتبادر لذهنه من الآيات معاني غير صحيحة.وعلى سبيل المثال فإنّ اللّه عزّ وجلّ حين كان يحاور أهل الكتاب في سورة البقرة.فقد أعلن في الآية 257 وقال (اللّه وليّ الذين آمنوا يُخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم

الطاغوت يُخرجونهم من النور إلى الظلمات،أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.) وقد راح اللّه عز وجلّ بعد هذا الإعلان الذي يتطلّب تقديم دليل مصداقيّته.راح تعالى يقدّم الدليل الأوّل على مصداقيّة ما ادّعاه ونوعيّة الفضل الإلهي الذي يشمل فئة الذين آمنوا من جانب اللّه عز وجلّ.فقدّم اللّه جلّ شأنه قصّة ما جرى لنبيّه إبراهيم عليه السلام حين حاجّ الذي حاوره وذلك في الآية 258 وأثبت من خلال ذلك الحدث كيف أنّ اللّه يثبّتُ المؤمنَ بالقول الثابت.ونُعرض هنا عن الخوض في تفاصيل ذاك الحدث.ومن ثمّ قدّم اللّه عز وجلّ دليلا ثانيا لإثبات نوعيّة الفضل الإلهيّ الذي يتلقّاه العبد المؤمن ويُحرمُ منه من كان كافرا.وهذا الدليل تضمّن ما رآه أحد أنبياء إسرائيل أيّام سبيهم من فلسطين إلى العراق،وذلك في الآية 259 وقال (أو كالذي مرّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها قال أنّى يُحيي هذه اللّه بعد موتها،فأماته اللّه مائة عام ثمّ بعثه قال كم لبثتَ قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آيةً للنّاس وانظر إلى العظام كيف نُنشزها ثمّ نكسوها لحما فلمّا تبيّن

له قال أعلم أنّ اللّه على كلّ شيءٍ قدير.).وقد تضمّنت هذه الآية ذكر رؤيا مبشّرة
رآها أحد أنبياء بني إسرائيل زمن هدم بختنصّر أورشليم القدس وسبي اليهود من فلسطين إلى العراق.وقد أورد اللّه تعالى هذه الرؤيا مُصاغةً صياغة بلاغيّة معجزة ويتبادر منها غير ما تضمّنته.ولذلك فقد أخطأ كلّ من فسّر هذه الآية قديما بما تبادر منها لذهنه.ولم يورد اللّه تعالى هذه الرؤيا على طرز ما سار عليه الكتّاب الأدباء حين يروون رؤى رآها أحد الناس.بل إنّه جلّ شأنه روى لنا هذه الرؤيا وفق خصوصيّة كتابه المعجز على هذا الصعيد. أمّا كيف أدركنا بأنّ هذه رؤيا ؟ فلمخالفة ما ورد فيها من أمور تخالف القوانين الطبيعيّة ولا يستسيغها عقل الإنسان.الأمر الذي دلّ على أنّ ما ورد في هذه الآية من أخبار قد خضع في حقيقة أمره لقوانين تخالف القوانين الطبيعيّة وتخالف المعطيات العقليّة.وهذا الأمر يحدث في رؤيا الإنسان التي يراها النائم.فهو يرى أنّه طار في الهواء أو وُجد في بلدٍ غير بلده وأكل وشرب فإذا استيقظ من منامه يجد نفسه لن يتحرّك من على سريره.

فالمهم في الأمر أن يفهم القارئ المسلم بأنّ القرآن الكريم قد أتى على ذكر رؤى كثيرة وكشوف روحيّة عرضت لبعض الأنبياء والصالحين من العباد.ولكنّه لم يورد تلك الرؤى والكشوف بأسلوب الكتّاب والأدباء.لكنّه تعالى قد أوردها وفقا لخصوصيّة كتابه المعجز وبصياغة بلاغيّة معجزة،ولا يفهم حقيقتها إلا من علّمه ربّه علم منهجيّة القرآن وأصول تفسيره.هذا وإنّ هذه الآية 65 من سورة الكهف،والتي اعترض على مضمونها مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) استنادا لما أورده تفسير البيضاوي.إنّ هذه الآية هي آية من جملة آيات سبقتها ولحقت بها ابتداء من الآية 60 وانتهاء بالآية 82.وقد تضمّنت تلك الآيات المشار إليها ذكر تفاصيل كشفٍ روحيٍّ عرض لموسى عليه السلام في حياته.وهذا الكشف الروحيّ يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ الكشف الروحيّ الذي رآه محمّد المصطفى (ص) في السنوات الأولى من حياته في مكّة المكرّمة وقد ورد ذكره في سورة الإسراء كما هو معروف.

وبعد أن قدّمت للقارئ العزيز هذا التّقديم من البيان.أنتقل الآن للردّ على ما اعترض عليه المؤلّف المذكور وهو الذي اعتبر ما ورد في تفسير البيضاوي شرحا حقيقيّا لهذه الآية 65 من سورة الكهف.فأقول: إذا تدبّرت يا عزيزي القارئ الآيات ابتداء من الآية 60 وانتهاء بالآية 82 تلاحظ الأمور التالية: فالملاحظة الأولى التي يلاحظها متدبّر الآيات 60-64 من سورة الكهف،قوله تعالى (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرحُ حتّى أبلُغَ مجمعَ البحرين أو أمضي حقُبا.فلمّا بلغا مجمَعَ بينهما نسيا حوتهما فاتّخذ سبيله في البحر سربا.فلمّا جاوزا قال لفتاه آتنا غداءَنا لقد لقينا من سفرِنا نصبا.قال أ رأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيتُ الحوتَ وما أنسانيهُ إلاّ الشيطان أن أذكُره واتّخذ سبيله في البحر عجبا.قال ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا على آثارهما قصصا.) فيلاحظ القارئ مخالفة مضامين هذه الآيات تاريخ ما حدث لموسى عليه السلام في حياته فلم يحدث أن رافق موسى فتى وخاض بحرا ميمّما (مجمع البحرين) الوارد ذكره في الآية الأولى.والمعروف هو أنّ لبعثة كلّ نبيٍّ مقصدا ومهمّة على النبيّ أن يلتزم بتأديتها فهل نسي موسى مهمّته السماويّة وشغل نفسه في القيام بجولة بحريّة ؟ فهذه حقيقة تاريخيّة تشكّل بين يدي القارئ المتدبّر قرينة أولى تمنعه من الأخذ بدلالات هذه الآيات المذكورة على ظواهرها وبما يتبادر منها لذهنه.وتدفعه لفهم هذه الآيات الكريمة بمنظار غير المنظار الذي نظر منه إليها،فهذا أوّلا. وأمّا الملاحظة الثانية التي يلاحظها متدبّر الآيات ابتداء من الآية 65 وحتى الآية 70 والتي ورد فيها قوله تعالى (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلّمناه من لدنّا علما.قال له موسى هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا عُلّمت رُشدا.قال إنّك لن تستطيع معي صبرا.وكيف تصبِرُ على ما لم تُحِط به خُبراً.قال ستجدني إن شاء اللّه صابرا ولا أعصي لك أمرا.قال فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتّى أُحدثَ لك منه ذكرا.) فهذه الآيات ذكرت لقاء موسى بعبد صالح أعلم منه وبعلم من لدن اللّه ربّه.وأنّ

موسى طلب منه أن يعلّمه ممّا علّمه ربّه إيّاه.وقد اشترط العبد الصالح على موسى شرط إطاعته إيّاه.ورضي موسى بهذا الشرط.فهل نسي موسى مهمّته التي بعثه ربّه لتأديتها،وتبع فتى لم يكن مكلّفا باتّباعه ؟ فهذا المضمون الذي لا أساس له في تاريخ موسى عليه السلام، والذي يتناقض وحدود رسالة موسى السماويّة وإطار تأديته لتلك الرسالة السماويّة.فهذه الحقيقة تشكّل بين يدي القارئ المتدبّر قرينةً ثانية تمنعه من الأخذ بدلالات هذه الآيات المذكورة على ظواهرها وبما يتبادر منها لذهنه.وتدفعه ليفهم هذه الآيات بمنظار غير المنظار المتّفق عليه والذي يدور في إطار منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.والملاحظة الثالثة التي يلاحظها هذا القارئ الذي يتدبّر الآيات ابتداء من الآية 71 وانتهاء بالآية 77 والتي قال تعالى فيها (فانطلقا (وقف) حتّى إذا ركبا في السفينة خرَقها قال أ خرقتها لِتُغرقَ أهلها لقد جئت شيئا إِمرا.قال ألم أقُل إنّك لن تستطيعَ معي صبرا.قال لا تؤاخذني بما نسيتُ ولا تُرهقني من أمري عُسرا.فانطلقا (وقف) حتّى إذا لقيا غلاما فقتله قال أ قتلتَ نفسا زكيّةً بغير نفس لقد جئتَ شيئا نُكرا.قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معيَ صبرا.قال إن سألتُكَ عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني قد بلَغتَ من لدُنّي عُذرا.) فإنّ القارئ يلاحظ أنّ هذه الآيات المذكورة قد قصّت علينا أفعالا قد أقدم عليها هذا العبد الصالح الذي اتّبعه موسى،وتخالف هذه الأفعال ما علِمه موسى من الشرع الذي أوتيه من قبل ربّه عز وجلّ. ولذلك فقد كان موسى يعترض على كلّ فعل من تلك الأفعال،ومخالفا الشرط الذي اشترطه عليه،وهو أن يطيعه ولا يعترض على شيء يصدر عن هذا العبد الصالح أمام عينيه. فهذه الملاحظة الثالثة تدفع هذا المتدبّر لهذه الآيات أن يتدبّرها بغير دلالاتها الظاهريّة أيضا.وهناك ملاحظة رابعة يلاحظها هذا القارئ المتدبّر للآيات التي انتهت عندها قصّة موسى مع العبد الصالح والتي ابتدأت من الآية 78 وانتهت بالآية 82 وهي الآيات التي ابتدأها اللّه جلّ شأنه بقوله على لسان فتى موسى (قال هذا فراقٌ بيني وبينك سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا.أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردتُ أن أَعيبها وكان وراءهم ملكٌ يأخذُ كلّ سفينةٍ غصبا.وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنَين فخشينا أن يُرهقَهُما طُغيانا وكُفرا.فأردنا أن يبدّلَهُما ربُّهما خيرا منه زكاةً وأقربَ رُحما.وأمّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزٌ لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربُّك أن يبلُغا أشُدَّهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربّك وما فعلته عن أمري ذلك تأويلُ ما لم تسطِع عليه صبرا.).فيلاحظ القارئ كيف أنّ العبد الصالح قد راح يؤوّل لموسى ما أقدم عليه من أفعال،ولا تؤوّل تلك الأفعال إلا إذا كانت قد حدثت في الكشف أو في المنام.أما إذا كانت تلك الأفعال قد حدثت بالفعل،فلا يجوز تأويلها ولكن ينبغي إدخالها في باب معصية اللّه عز وجلّ ومخالفة أحكام شريعته.وإنّ هذه الحقيقة تشكّل في نظر المؤمن المتدبّر لتلك الآيات قرينةً رابعةً دالّةً على أنّ ما أورده اللّه عز وجلّ في هذه الآيات التي اعترض المؤلّف المذكور على مضمون الآية 65 منها والذي راح يذكر تواريخ الأشخاص الذين أشار إليهم تفسير البيضاوي الذي كان قد حمل نصّ هذه الآية على أنّه قد حدث بالفعل في يوم من الأيّام،ويقول معترضا : (فكيف يتسنّى لهؤلاء الذين نشأن في ممالك مختلفة وفي قرون متباعدة أن يجتمعوا في زمن واحد وفي صعيدٍ واحد ؟؟ فهذه القرائن الأربعة الدالّة على خلاف التواريخ المذكورة وخلاف العقل،تعود تؤكّد لهذا المؤمن المتدبّر بأنّ جميع هذه الآيات قد أخبرتنا عن تفاصيل ما رآه موسى عليه السلام في حالة كشف روحانيٍّ هو أقرب إلى كشف الإسراء الروحاني الذي رآه محمّد المصطفى (ص) والمذكور في سورة الإسراء.ولم تُخبرنا عن حادثة تاريخيّة معيّنة. وبكلمة مختصرة أقول: اعلم يا عزيزي القارئ بأنّ هذه الآيات التي قصّت علينا قصّة موسى مع فتاه وما حدث معه مع العبد الصالح ،إنّما وردت مصاغة صياغة بلاغيّة وقد أخبرتنا عن كشف روحيٍّ كان قد رآه موسى عليه السلام،ودفعنا القرآن الكريم لنفهم هذه الحقيقة وفق قوانين الرؤى والكشوف الروحيّة ومنطقها الذي يخالف منطق العقل والقوانين الطبيعيّة المعروفة. فعالم الرؤى والكشوف الروحيّة عالم مستقلٌّ في حدّ ذاته ولا تُفهم حقائقه إلاّ على أساس ما وصلنا من قواعد تأويلها.خصوصا وأنّ العبد الصالح نفسه قد عمد إلى تأويل ما قصّته علينا هذه الآيات من سورة الكهف.وقد ورد كلّ ذلك وفق خصوصيّات القرآن الكريم حين يقصّ علينا رؤى وكشوفا.ويكفي أن أختصر لك يا عزيزي القارئ مضمون هذا الكشف وأنّه قد حمل لموسى عليه السلام نبوءة عن دور أمّته المحدود وأنّ اللّه تعالى سيبعث من بعده نبيّا مشرّعا كمثله لكنّه على مقام أعلى منه ويتلقّى علوما لدنّية أكثر منه.وكما دلّت على ذلك مضامين هذه الآيات الكريمة.

فإن شاء القارئ استقصاء تفسير تلك الآيات على حقيقتها،فما عليه إلا أن يُراجع مؤلّفي (في ظلال دلالات سورة الكهف) فهناك يجد الخبر اليقين.وعلى هذه الصورة أكون قد رددت على الاعتراض السادس عشر من الجزء الثاني من كتاب (هل القرآن معصوم ؟).
وأهمل الردّ على بعض الأسئلة الواردة بعد هذا الاعتراض ، لاعتماد المؤلّف المذكور فيها كتابه المقدّس مرجعا له. وأتناول الاعتراض الرابع والعشرون انطلاقا ممّا كنت قد ذكرته في مقدّمة الردّ على هذا الجزء الثاني،وتدليلا من جانبي على أنّ القرآن الكريم يصحّح لأهل الكتاب ما ورد في كتابهم المقدّس من معلومات ما أنزل اللّه تعالى بها من سلطان.

الردّ على السؤال الرابع والعشرون من الأسئلة التاريخيّة:والوارد تحت عنوان (أبناء يعقوب يطلبون أن يلعب يوسف معهم).فقد أورد المؤلّف المذكور الآيات 11-13 من سورة يوسف،والتي قال اللّه تعالى فيها (قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنّا على يوسف وإنّا له لناصحون .أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنّا له لحافظون.قال إنّي ليحزنُني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكلَه الذئبُ وأنتم عنه غافلون.).ومن ثمّ فقد أورد المؤلّف المذكور يقول:
(ونحن نسأل: من أين جاءت هذه المعلومات،مع أنّ التوراة لا تقول إنّ أخوة يوسف طلبوا من أبيهم أن يرسله معهم ليلعب،ولا اتّهم يعقوب أولاده بالغفلة عن يوسف حتّى يأكله الذئب لكنّ الواقع أنّ يعقوب أرسل يوسف ليسأل عن سلامة إخوته.ولمّا رأوه قالوا: هو ذا هذا صاحب الأحلام قادم.فالآن هلُمَّ نقتُلْه ونطرحه في إحدى الآبار ونقول: وحشٌ رديءٌ أكله.فنرى ماذا تكون أحلامه."تكوين 37 19و 20 ).ولمّا باعوه للإسماعيلييّن أخذوا قميصه ولوّثوه بدم جديٍ وأحضروه لأبيهم ليوهموه أنّ ذئبا
أكله.).
فأقول ردّا على مضمون هذا الاعتراض : لقد أثبتّ في مقدّمة الردّ على هذا الجزء التاريخي من الأسئلة،ومن ضمن ما أقرّ به الذي ترجموا العهدين القديم والحديث ترجمة حديثة وطبعوها في لبنان أنّ أسفار العهد القديم كانت قد أتلفها الذين هدموا أورشليم وأنّه قد أعادوا كتابتها واستنادا إلى الذاكرة قبل المسيح بأربعمائة عام.وعاد من البديهي جدّا أن تكون هذه الأسفار ومنها سفر التكوين الذي روى قصّة يوسف،أن تكون قد شابها كثير من الأخطاء.فهذه الحقيقة باتت تؤكّد كون قصّة يوسف الواردة في سفر التكوين من العهد القديم قد عادت بحاجة إلى تصحيح معلوماتها.وقد قام القرآن الكريم بتخصيص سورة من سوره قد أورد فيها قصّة يوسف عليه السلام على حقيقتها،لهذا الغرض،وهذا هو السببُ في أنّ اللّه عز وجلّ قد أنهى قصّة يوسف بقوله تعالى في الآيات 102/103/104 (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لدَيهم إذ أجمعوا
أمرهُم وهم يمكرون.وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين.وما نسألُهم عليه من أجرٍ إن هو إلاّ ذكرٌ للعالمين.)

وخلاصة مضامين هذه الآيات الثلاثة التي أنهى بها اللّه جلّ شأنه قصّة يوسف عليه السلام هو: أولا – أنّ تفاصيل هذه القصّة لم يكن مرجعها سفر التكوين من العهد القديم الذي نقل قصّة يوسف مشوّهةً وخلاف حقائقها بصورة عامّة.ولكنّ تفاصيل هذه القصّة القرآنيّة استندت آيات سورة يوسف فيما روته منها إلى علمٍ غيبيٍّ محض،وبغرض تصحيح ما ذكره سفر التكوين من هذه القصّة.فهذا هو معنى قوله تعالى آخر القصّة: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهُم وهم يمكرون.) .
ثانيا – وقد نبّه اللّه جلّ شأنه من جهة ثانية إلى أنّ أكثر المسيحييّن لن يؤمنوا لك ،ولو حرصت، على ما رويته لهم من قصّة يوسف عليه السلام.بسبب أنّهم أصيبوا بمرض التّقليد الأعمى وبعقل تقليديٍّ يحول بينهم وبين إعادة النظر فيما توارثوه خطأ.فهذا هو معنى قوله تعالى (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين.).والمقصود من الناس هنا أهل الكتاب .
ثالثا – وقد بيّن اللّه عز وجلّ الحكمة من تجديد حقائق قصّة يوسف عليه السلام.موضّحا السبب في أنّ هذا القرآن المجيد قد جعله اللّه الذي أنزله (ذكرٌ للعالمين) وليس ذكراً لأهل الكتاب خاصّة.الأمر الذي استدعى بيان هذه القصّة التي تدخل في باب آيات اللّه تعالى وتُجلّي تأييد اللّه تعالى لعباده الصالحين في حياتهم الدنيويّة.ولذلك قال في الآية الثالثة : (وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلاّ ذكرٌ للعالمين.).

وعليه فإنّ كلّ مؤمن آمن بصدق رسالة محمّد المصطفى (ص) بحجّة وبرهان،لا يعود ينظر إلى ما ورد في سفر التكوين من قصّة يوسف بنفس المنظار الذي نظر منه إليها مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟).ولا يعود يعتبر ما أورده كاتب سفر التكوين من هذه القصّة على أنّه مرجعٌ تاريخيٌّ مقبول.خصوصا وأنّ التفاصيل تكون على وجه العموم أقلّ شأنا ومرتبةً من شأن ومرتبة العموميّات.فالأمر الإيماني العام هنا هو صدق الرسالة المحمديّة.وهو الأعلى شأنا ومرتبة في الحوار.وأمّا تفاصيل قصّة كقصّة حياة يوسف التاريخيّة،فيعدّ أقلّ شأنا ومرتبة في الحوار ما بين طرفين يتحاوران.فمن هذا المنطلق أتناول الردّ على الاعتراض
المشار إليه.فأقول: الذي تبيّن لنا ممّا أورده اللّه تعالى في الآيات من سورة يوسف عليه السلام،ومن خلال الآيات الثلاثة التي أوردتها آنفا، والتي ختم اللّه تعالى بها هذه السورة، قد تبيّن لنا أنّ ما أورده كاتب سفر التكوين بما يتعلّق بقصّة يوسف عليه السلام،إنّما هو مجموعة أخطاء بعيدة كلّ البُعد عن حقائق قصّة ما حدث ليوسف عليه السلام في حياته. والحقيقة هي أنّ كلّ إنسان طالعَ ما ورد في سفر التكوين بما يتعلّق بقصّة النبي يوسف ،
لا يتبيّن له المكانة الروحيّة التي كانت للنبيّ يوسف، ولا أنّها جسّدت الرحمة الإلهيّة بكلّ جوانبها.على حين أنّ من يقرأ قصّة يوسف القرآنيّة يتراءى له من خلالها مدى توجّه رحمة اللّه عز وجلّ نحو يوسف في ذاك الحين،وإلى درجة تفيض أعين هذا القارئ بدموع أمواج من العواطف التي تتلاطم في نفسه.بالإضافة إلى تأثير تلك الموسيقيّة التي تُحدثها آيات تلك القصّة في نفسه،وبشكل تَلقائيّ.ويكفي أنّ اللّه جلّ شأنه قد أشار إلى هذه الحقيقة عندما استهلّ سورة يوسف قائلا (ألر (وقف) تلك آيات الكتاب المبين.).فأحرف (ألر) المقطّعة

تعني أنا اللّه الذي يرى كلّ شيء غائب عن أذهان الناس ماضيا وحاضرا،وأنا اللّه الذي يرى كلّ ما هو آتٍ في المستقبل،فهذه الأحرف المقطّعة (الر) تدعوا أهل الكتاب خاصّة أن يتمهّلوا للحظات وليتفكّروا في هذه الصفة (ألر) وليدركوا نتيجة لذلك أنّ من مقاصد إنزال هذا القرآن العظيم هو أن يصحّح لأهل الكتاب ما تضمّنته كتبهم من أخطاء على صعيد قصّة النبيّ يوسف والتي جسّدت قصّته رحمة اللّه الواسعة وعلى حسب ما هو مذكورٌ في هذا (الكتاب المبين) المنزل على محمّد المصطفى سيّد بني آدم وخاتم النبييّن (ص) .وتأكيدا من جانب اللّه تعالى لهذه الحقيقة قال في الآية الثالثة (نحن نقصُّ عليك أحسنَ القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله من الغافلين.).فمن خلال قوله تعالى (وإن كنت من الغافلين) يكون اللّه عز وجلّ قد طمأن رسوله الكريم إلى أنّ قومه إذا عاملوه بقسوة مشابهة للقسوة التي عامل بها أخوة يوسف أخاهم المقرّب من اللّه،فإنّ نتائج الأحداث ستكون لصالحك يا محمّد كما حدثت لصالح يوسف من قبل.علما بأنّ سورة يوسف قد أنزلها اللّه تعالى في مكّة المكرّمة.

وهكذا وعلى أساس من هذا الفهم وهذا الاعتقاد فقد عاد من واجب المسلم أن ينطلق
من دلالات هذه الآية الأولى ومن الآيات الثلاثة الأخيرة من قصّة يوسف،وذلك في الردّ على اعتراض هذا المؤلّف المسيحيّ المذكور الذي أورد الآيات 11-13 من سورة يوسف وقال (ونحن نسأل: من أين جاءت هذه المعلومات،مع أنّ التوراة لا تقول إنّ اخوة يوسف طلبوا من أبيهم أن يُرسله معهم ليلعب،ولا ولا اتّهم يعقوب أولاده بالغفلة عن يوسف حتى يأكله الذئب! لكنّ الواقع أن يعقوب أرسل يوسف ليسأل عن سلامة إخوته.).فأقول بناء عليه وموجّها خطابي إلى هذا القسّيس الذي لا يبتغي الحقيقة والذي يتجاهل أنّ القرآن الكريم هو كتاب مقدّسٌ قد أنزله اللّه تعالى ليصحّحَ لأهل الكتاب أخطاء كتبهم التي يقدّسونها.أقول اعلم أيّها القسّبس بأنّ (هذه المعلومات) التي أوردتها الآيات 11-13من سورة يوسف،كان مصدرها اللّه علاّم الغيوب الذي يرى ولا يغيب عن نظره شيء في هذا الوجود المخلوق.من جانب اللّه الذي كان قد اصطفى يوسف من بين أولاد يعقوب وبشّره بما بشّره به ومن ثمّ حقّق كلّ ما بشّره به على وجه الكمال.

فمن هذا المصدر المقدّس (جاءت هذه المعلومات).فإن كنت تشكّ أيّها القسّيس في هذا الادّعاء، فلتستمع إلى ما يثبت لك مصداقيّته.فإن أنت انطلقت الآن من اعتراف الذين ترجموا العهد القديم وطبعوه في بيروت عام 1989م والذين قالوا بأنّ سفر التكوين ليس وحيا،وإنّما هو من نتاج كاتب قصّة.فاعلم أنّ كتابته لقصّة يوسف قد دلّت على مستواه المتدنّي، من منطلق أنّه انطلق فيها من ذكر نسب يوسف ولم ينطلق في كتابته لقصّة يوسف من تلك النبوءة التي حملتها رؤيا يوسف والمتعلّقة بمستقبل حياته وحياة اخوته.فلو كان كاتب سفر التّكوين على درجة روحيّة تعينه على كتابة قصّة يوسف عليه السلام. لكان ينبغي عليه أن ينطلق من نفس المنطلق الذي انطلق منه القرآن العظيم وهو يروي لنا هذه القصّة.وليس أن ينطلق من ذكر حسب يوسف ونسبه.أ فلم يلاحظ هذا القسّيس كيف أنّ القرآن الكريم وبعد تقديمه لهذه القصّة،فقد انطلق يقول في الآية الرابعة مباشرة : (إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إنّي رأيتُ أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.).ومعرضا بذلك عن ذكر حسب يوسف ونسبه الذي لا يوازي مرتبة وعظمة هذه الرؤيا المذكورة ؟ ثمّ إنّ كاتب سفر التّكوين حين روى رؤيا يوسف المذكورة فقد

رواها خطأ،حين نقل عن يوسف أنّه قال في الجملة التاسعة: (رأيتُ حُلما أيضا كأنّ الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدةٌ لي.) فلو صحّ هذا الترتيب الوارد في هذه الرؤيا والذي رتّبه كاتب القصّة، لكان ينبغي أن يتّصل والد يوسف وأمّه بولدهم يوسف في مصر قبل أن يتّصل بيوسف إخوته..لكنّ الذي حدث تاريخيّا،فقد حدث بنفس الترتيب الذي أورده القرآن الكريم والذي قال تعالى فيه (إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.).فالأحد عشر كوكبا قُصد به إخوة يوسف عليه السلام.

فهذه الرؤيا تحقّقت بهذا الترتيب القرآني إذ حضر اخوة يوسف أوّلا إلى مصر ومن ثمّ دعا يوسف أبويه إليه.كذلك فإنّ مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) اعترض على بيان القرآن وقال في اعتراضه المذكور (لكنّ الواقع أنّ يعقوب أرسل يوسف ليسأل عن سلامة اخوته.ولمّا رأوه قالوا: هو ذا صاحب الأحلام قادمٌ.فالآن هلُمَّ نقتله ونطرحه في إحدى الآبار.). فهذا القسّيس افترض أنّ ما أورده كاتب سفر التّكوين هو الواقع الذي كان قد حدث ليوسف.مع أنّ هذا القسّيس لو قام بمحاكمة ما أورده الكاتب المذكور،لكان قد تبيّن له صحّة ما رواه القرآن المجيد، وخطأ ما أورده هذا الكاتب الذي أورد جملة تناقضات.فإن سألني القارئ عن معالم تلك التناقضات فإلى هذا القارئ السائل هذه التناقضات:
أولا – فعلى حين ذكر سفر التكوين أنّ يوسف كان (ابن سبع عشرة سنة وكان يرعى الغنمَ مع اخوته).وذكر من جهة أخرى أنّ والد يوسف كان (يحبُّ يوسف على جميع بنيه لأنّه ابنُ شيخوخته ،فصنع له قميصا موشّى.ورأى اخوته أنّ أباه يحبُّه على جميع اخوته،فأبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلّموه بمودّة.).فإنّ هذين القولين متناقضان.ذلك أنّ

القميص الموشّى يخيطه الوالدان لابنهما حين يكون صغيرا عادةً،لكنّهما لا يخيطان (قميصا موشّى) لولدٍ شابّّ من أولادهما ويرعى الغنم مع اخوته.الأمر الذي يدلّ على أنّ القرآن الكريم حين وضّح حقيقة السنّ الذي كان فيه يوسف وقال على لسان اخوة يوسف (قالوا يا أبانا ما لكَ لاتأمنّا على يوسف وإنّا له لناصحون.أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنّا له لحافظون.)،فبيان القرآن الكريم لهذه الحقيقة هو الصحيح وقد صحّح ما ورد في سفر التكوين بهذا الخصوص.كذلك يبدو تناقض آخر فيما أورده سفر التكوين.فهو وضّح من جهة أنّ اخوة يوسف أبغضوه بسبب القميص الموشّى الذي خاطه له والده.وقد كتب يقول من جهة أخرى أنّّّ (يعقوب أرسل يوسف ليسأل عن سلامة اخوته).فالولد الصغير الذي أبغضه اخوته من المستحيل أن يرسله والده لاستطلاع أخبار اخوته وهم في المرعى بعيدين عن دارهم.خصوصا وأنّه لم يبيّن الكاتب أيّ سببٍ جوهريٍّ قد دعا يعقوب لإرسال ابنه الصغير (ليسأل عن سلامة إخوته).فالصغير المتحلّي بقميص موشّى لا يُرسل وحده لأداء مثل تلك المهمّة التي لا يقوم بها إلا الشباب.فهذا تناقض آخر واضح المعالم،

ويدلّ على أنّ القرآن الكريم حين قال على لسان يعقوب (قال إنّي ليحزنُني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون.).فقد أفاد هذا القرآن الكريم ببيان منطقيٍّ ومعقولٍ قد صحّح بواسطته التناقض الثاني الذي أشرت إليه، والذي وقع فيه كاتب سفر التكوين.وأسوق إلى مؤلّف (هل القرآن معصوم ؟) تناقضا ثالثا وقع فيه كاتب سفر التّكوين. فعلى حين أورد الكاتب المذكور يقول (فصنع له قميصا موشّى.ورأى إخوته أنّ أباه يحبُّه على جميع اخوته.فأبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلّموه بمودّة.).فقد كتب من جهة أخرى يقول: (ولمّا رأوه قالوا هو ذا صاحب الأحلام قادمٌ.فالآن هلمّ نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول: وحشٌ رديء أكله.فنرى ماذا تكون أحلامه ). فلقد كان الأجدر بإخوة يوسف أن يقولوا في تلك المناسبة: (هو ذا صاحب القميص الموشّى قادم).لأنّهم أبغضوا يوسف بسببه.وليس أن يقولوا (هو ذا صاحب الأحلام قادم).

فالاخوة قد حسدوا يوسف بسبب أحلامه ولم يبغضوه بسببها.خصوصا وأنّ كاتب هذا السفر قد اعترف في الجملة 23 وقال (نزعوا عنه قميصه،القميص الموشّى الذي عليه.). فهذا التناقض الثالث قد صحّحه القرآن الكريم حين قال (إذ قالوا ليوسفَ وأخوه أحبُّ إلى أبينا منّا ونحن عُصبةٌ إنّ أبانا لفي ضلالٍ مبين.اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخلُ لكم وجهُ أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين.).ومن خلال هذا النصّ القرآنيّ عُدنا نعلم بأنّ اخوة يوسف قد تآمروا على قتل يوسف أو على طرحه في بئر فارغة،حين كانوا في دار أبيهم.وليس بصحيح ما زعمه كاتب سفر التكوين من أنّ هذا التآمر قد حدث خارج الدار. فالكاتب المذكور قال (ولمّا رأوه قالوا: هو ذا صاحب الأحلام قادم.فالآن هلمَّ نقتله ونطرحه في إحدى الآبار.).وعلى هذه الصورة أكون قد أبرزت للقارئ ثلاثة تناقضات وقع فيها كاتب سفر التكوين وقد صحّحها هذا القرآن العظيم.

وهناك تناقض رابعٌ وقع فيه كاتب سفر التكوين حين كتب يقول من جهة في الجملة 28 (فمرّ قومٌ مدينيّون تجّارٌ فانتشلوا يوسف وأصعدوه من البئر وباعوه للاسماعيلييّن بعشرين من الفضّة).وكتب يقول من جهة أخرى (ورجع رأوبين إلى البئر فإذا يوسف ليس في البئر،فمزّق ثيابه.ورجع إلى إخوته وقال: "الولدُ ليس موجوداً وأنا إلى أين أمضي ؟).فالمعلوم أنّ رأوبين هذا كان محبوبا من والده أيضا، وقد كان يرعى غنم أبيه مع اخوته.فلا يُعقل أن يكون اخوته قد انتشلوا يوسف من البئر وباعوه للإسماعيلييّن من دون أن يلاحظ (رأوبين) ما فعله اخوته بأخيه يوسف.وبالإضافة إلى ذلك فإن كان يوسف في السابعة عشرة من عمره في ذلك الحين فليس من المعقول إلاّ أن ينشب بينه وبين اخوته عراك وهم يحاولون إلقاءه في البئر الفارغة.ويصل صوت ذاك العراك إلى سمع رأوبين.فهذا تناقض رابعٌ وقع فيه كاتب سفر التكوين بسبب أنّه كتب ما كتبه استنادا إلى روايات قد وصلته.وليس استنادا إلى نصوص موثّقة كانت بين يديه.وقد قام القرآن الكريم بتصحيح تلك الروايات التي وصلت الكاتب المذكور وهي متناقضة،وذلك من خلال قوله تعالى (فلمّا ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجبِّ وأوحينا إليه لتُنبّئنّهم بأمرهم هذا

وهم لا يشعرون.).فمن خلال مضمون هذه الآية الكريمة يكون القرآن الكريم قد نبّه إلى أنّ تآمر إخوة يوسف لقتله قد تمّ قبل أن يخرجوا من دارهم ليرعوا غنم أبيهم.وأنّ اللّه عز وجلّ كان قد أوحى ليوسف في تلك الأوقات بما دبّره اخوته ضدّه.ودعاه للصبر والتوكّل على ربّه وبشّره بمستقبله الزاهر وأنّ يوسف سينبئ اخوته بعد ذلك بما فعلوه وهم لا يشعرون وذلك من خلال هذا التقدير الخاص الذي قدّره اللّه عز وجلّ لنبيّه يوسف عليه السلام.وإلى هنا أكتفي بما كشفته للقارئ المسلم من هذه التناقضات الأربعة التي أتيت على ذكرها والتي صحّح مضامينها القرآن الكريم بصياغة بلاغيّة معجزة.ووفق عظيم خصوصيّاته المعجزة.وليعيد القرآن بهذا الأسلوب إلى أذهان القرّاء حقائق ما جرى ليوسف عليه السلام في حياته.وليرفض أهل الكتاب المتحرّرون هذا الذي أورد قصّة النبيّ يوسف مشوّهةً لا توحي بنبوّته،ولا تُظهر تدخّل القدرة الإلهيّة في كلّ ما كان قد جرى ليوسف. بل وتقزّم شخصيّة يعقوب عليه السلام مع أنّه كان نبيّا ووالدا ليوسف عليه السلام وكان على علمٍ بما سيحلّ بابنه يوسف عن طريق الوحي السماويّ أيضا.وعلى هذه الصورة أكون قد وضّحت حقيقة هذا الاعتراض الرابع والعشرون من الجزء الثاني التاريخي.وأثبتّ من خلال محاكمة ما أورده سفر التكوين من معلومات بأنّها كانت معلومات لا تمتّ إلى واقع ما كان قد جرى ليوسف عليه السلام في حياته.وأنّها كانت عبارة عن روايات متناقضة تحطّ من مكانة يوسف وأبيه يعقوب عليهما السلام.بيّنت هذه الحقائق ولا أريد من قوم هذا القسّيس الساذج أيّ أجرٍ على هذه الخدمة الجليلة.

ردودٌ مختصرة تستند إلى أنّ القرآن يصحّحُ ما ورد في العهد القديم والجديد: إنّ الجزء الثاني من الأسئلة التاريخيّة قد طرح فيه المؤلّف اثنين وخمسين سؤالا تاريخيّا.وإنّ أكثريّة هذه الأسئلة مستمدّة إما من اختلاف الطرح القرآني مع ما ورد في كتاب أهل الكتاب من معلومات.وإما استنادا لمزاعم وردت في تفسير البيضاوي.وأنا وانطلاقا ممّا أوردته في مقدّمة هذا الجزء الثاني التاريخي،من أنّ القرآن الكريم قد أنزله ربّنا عز وجلّ لتصحيح المعلومات الواردة فيما يسمّونه العهدين القديم والجديد.تلك المعلومات التاريخيّة التي كتبها كُتابها استنادا إلى روايات وصلتهم على السماع،فوصلتهم مشوّهةً أفرغت كثيرا من الحقائق التاريخيّة من مضامينها.فأنا انطلاقا ممّا اشتملت عليه تلك المقدّمة من حقائق وبراهين ثابتة،سبق لي أن قلت بأنّي سأعرض عن الإجابة عن كلّ سؤال توفر فيه هذان الأمران،ولا أرى من أهمّية للردّ عليه.وهذا ما كنت قد التزمت به حتّى الآن.أمّا وقد كثر عدد الأسئلة التي توفّر فيها هذان الأمران.وهي بحاجة إلى إهمال الردّ عليها.فخشية من أن يظنّ القارئ العزيز أنّي أتهرّب من الردّ على أسئلة لا أملك الإجابة عليها.فقد خصّصت هذه الردود المختصرة السريعة لدرء مثل هذا الظنّ.فأردّ باختصار على :

الردّ على السؤال الخامس والعشرين: عنوانه (اختراع طفل ينطق بالشهادة).وقد أورد الآيات 25-29 من سورة يوسف التي تحكي قصّة ما جرى لزوجة المصريّ المتنفّذ مع يوسف ومحاولتها إغراءه بمفسدة.وقد استند المؤلّف في اعتراضه إلى أنّ البيضاوي فسّر
(شهد شاهد من أهلها) أنّه أشار إلى صبيٍّ كان ابن عمّ المرأة.ومن ثمّ كتب يقول: (ونحن نسأل: من أين جاء هذا الشاهد ؟ هل كان في البيت ؟ ومع من والبيت لم يكن به أحد ).وما دام هذان التساؤلان قد استندا إلى تفسير البيضاوي،وليس إلى القرآن نفسه،لذلك لا يستحقّان الردّ.وقد أضاف المؤلّف يقول: (والكتاب المقدّس يقول إنّها لما أمسكت يوسف من ثوبه تركه معها وهرب ؟فكيف القول إنّها قدّته وهرب هو به ؟).أقول : سبق لي أن وضّحت هذه الحقيقة في ردّي على السؤال السادس من هذه الأسئلة التاريخية، فليراجعه.وأضاف المؤلّف وقال: (وكيف يُعلن فوطيفار براءة يوسف وذنب امرأته ثمّ يُبقيها هي ويوسف في البيت ويرضى بهذا العار ؟ وكيف بعد أن يحكم فوطيفار ببراءة يوسف،وبعد أن تصرّح زوجته أنّها راودته عن نفسه فاستعصم،تعود فتهدّد يوسف بالسجن إن لم يفعل ما أمرته به من فحشاء،فيقبل فوطيفار أن يسجنه لا لشرّه بل لعفّته ؟) فأقول: ليراجع هذا القسّيس الذي لا يطلب الحقيقة إجابتي على سؤاله السادس الذي سبق لي أن أجبت به عليه ليتبيّن له مدى تخبّطه فيما طرحه وتساءل به،وكفى .

الردّ على السؤال السادس والعشرين: عنوان هذا السؤال (وليمة نسائيّة وهميّة) أورد بعده الآيات 30- 33 من سورة يوسف وانتهى منها ليقول: (ونحن نسأل: هل يُعقل أنّ زوجة ضابط كبير تهيّئ وليمة خصّيصا وتدعو سيّدات أشراف المدينة لِتُعلن أمامهنّ غرامها وهيامها بعبدها.وتكشف عن وجهها برقع حياء دون أن تخشى فضيحة ؟). فأقول: إنّ هذا المؤلّف انطلق في اعتراضه هذا من قيم بيئته في القرن العشرين.وليقيس عليها بيئة ما قبل عدّة ألوف من السنوات.يوم لم يكن تشريع موسى قد عرف النور.ولم يقدّم في الوقت نفسه وجود قيَمٍ في تلك الأزمان تُشبه قِيَمَ زمانه.فأخطأ في هذا القياس. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنّ الآيات القرآنيّة لم تصرّح بأنّ زوجة الضابط الكبير قامت بتهيئة وليمة دعت سيّدات أشراف المدينة لتُعلن أمامهنّ غرامها وهيامها بعبدها. فهذا فهم خاطئ لمضامين الآيات القرآنيّة.فالآية الثلاثون استهلّها ربّنا عز وجلّ بقوله تعالى (فلمّا سمعت بمكرهنّ أرسلت إليهنّ..).ففعل (سمعت) اشتُقّ من سمع بأمرٍ، ومعناه أنّ هذا الأمر الذي بلغه قد اشتُهر بين الناس.الأمر الذي يدلّ على وقوع أمورٍ استدلّت منها نسوة
تلك البيئة بأنّ تلك المرأة قد شغفها يوسف حبّا.وما دام شيوع مثل هذه الملاحظات في زماننا هذا تُضخّمها النساء وتُعطيها أبعاداً غير حقيقيّة،وتتناقلها ألسنة النسوة في مجالسهنّ.فما بال هذا المؤلّف أن تكون ملاحظة قد لاحظتها امرأة قبل ألوف السنوات،ونشرتها بين نساء مجتمعها ؟ فإلى هذه الحقيقة أشارت الفقرة الأولى من هذه الآية.وعليه يصبح ادّعاء المؤلّف في تساؤله الذي أسلفناه من قبيل الكذب والافتراء.
ثمّ إنّ المؤلّف حين أضاف وقال (وكيف يُعقل أنّ النسوة ينشغلن بجمال يوسف حتّى يقطّعن أيديهنّ بالسكاكين من غير إحساسٍ من شدّة الذهول ؟ أليس هذا من الخيالات السقيمة ؟).فأقول: إنّ قوله تعالى في الفقرة الثانية من الآية الثلاثون (وأعتدت لهُنّ مُتّكأ وآتت كلّ واحدة منهنّ سكّينا،وقالت اخرج عليهنّ).لم يكن القصد من مضمونها أنّ المرأة المضيفة أرادت أن تقطع النسوة أصابعهنّ.فلو كان هذا هو المقصد من مضمون هذه

الفقرة، لكان القارئ قد لاحظ وجود إشارة وقف بعد تلك الألفاظ.لكنّ خلوّ هذه الفقرة من إشارة الوقف يعني بألفاظ أخرى بأنّ اللّه عز وجلّ أراد بمناسبة تلك الحادثة أن يفهّمنا بأنّه كان من عادة الناس في الزمن القديم وضع سكاكين على المائدة قبل إحضار الطعام. وعلى شاكلة ما هو شائع في زماننا الحاضر.وأقول أيضا: إنّ هذا الذي قاله هذا المعترض في الفقرات الأخيرة من اعتراضه هذا.إنّما هو نتيجة حتميّة لفهمه الخاطئ الذي أبداه أوّلا وأثبتنا بُطلانه آنفا.وهو نتيجة حتميّة أخرى لفهمه الخاطئ لمضمون قول اللّه عز وجلّ في الفقرة الأخيرة من الآية المذكورة (فلمّا رأينه أكبَرنه وقطّعن أيديهنّ وقُلن حاش للّه ما هذا بشرا،إن هو إلاّ ملكٌ كريم.).فلم يكن اللّه عز وجلّ قد أراد من قوله هنا (وقطّعن أيديهنّ) معناه الحقيقي المتبادر منه لذهن القارئ.بل أراد منه دلالته على ما هو شائع استعماله في المحاورة العربيّة،ومن قبيل ما هو شائع بين العرب من أمثال.فالعرب تقول بحقّ الإنسان الذي فوجئ بمنظر وأخذته منه دهشة كبيرة وندم على ما أقدم عليه.فالعرب تقول
ندم فلانٌ وعضّ أنامله ندما.وإنّ ما يُثبت حدوث مثل هذا الشيء في تلك المناسبة هو أنّه ورد في (التلمود) لدى اليهود: أنّ زوجة العزيز وضعت النارنج أمام النسوة،وأمرت يوسف بخدمتهنّ.فلما دخل عليهنّ شخصت أعين النسوة في يوسف مندهشة،ولم تفارقه،
حتى جرحت بعض تلك النسوة أيديهنّ من دون أن تشعرن بما فعلته.فإلى هذه الحقيقة أشارت ألفاظ هذه الفقرة الأخيرة من هذه الآية الكريمة ليس إلاّ.وأكتفي بهذا الردّ.

الردّ على السؤال السابع والعشرين: وعنوانه (لماذا طال سجن يوسف ؟) فقد اورد المؤلّف المذكور الآية 42 من سورة يوسف التي قال اللّه تعالى فيها (وقال للّذي ظنّ أنّه ناجٍ منهما اذكرني عند ربّك فأنساه الشيطان ذِكرَ ربّه فلبثَ في السجن بضعَ سنين.)
فاستند في تساؤله إلى تفسير البيضاوي الذي أورد (رحم اللّه أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربّك لما لبث في السجن سبعا بعد الخمس.)ومن ثمّ قال (ونحن نسأل: هل حرامٌ أن يستعين الإنسان بأخيه وقت الشدائد ؟ لم ينس يوسف ربّه عندما كلّف الساقي أن يذكره لدى فرعون ليُنصفه ويخرجه من السجن.كما لم ينس بولس الرسول ربّه عندما استغاث من اليهود واستأنف قضيّته إلى محكمة قيصر.وماذا يقولون في محمّد الذي استعان بعليٍّ وألبسه ثوبه تعميةً لأهل قريش،فنجا محمّد بعد أن كان عُرضةً للخطر ؟أما ذكر الساقي ليوسف أمام فرعون فيدلّ على حكمة يوسف،وعلى واجب الساقي،من غير وقوع أي ضررٍ على أحد.). فأقول: إنّ هذا المعترض استند في اعتراضه هذا على قول البيضاوي في تفسيره.ولم يعترض استنادا إلى القرآن المجيد. هذا وإنّ تفسير البيضاوي لا يُعدُّ حجّةً على مضمون هذه الآية من سورة يوسف التي تخلو من هذا الادّعاء الذي أورده البيضاوي.ولذلك فلا حاجة بي للتوسّع في الردّ على هذا السؤال.

الردّ على السؤال الثامن والعشرين: وعنوانه (عدم سجن بنيامين).وقد أورد المؤلّف المذكور الآيتين 83/84 من سورة يوسف.ومن ثمّ أورد ما ورد في تفسير البيضاوي قوله تفسيرا لقوله تعالى (عسى أن يأتيني بهم جميعا) أن يأتيني بيوسف وبنيامين وأخيهما الذي توقّف في مصر.).ومن ثمّ فقد راح هذا المعترض يسأل ويقول: (لكنّ الكتاب المقدّس يخبرنا أنّ إخوة يوسف العشرة جاءوا إلى مصر ليشتروا قمحا،فعرفهم يوسف ولكنّه تنكّر لهم...إلى آخره).ويكفيني أن أقول هنا بأنّ قول البيضاوي ليس بحجّة على القرآن الكريم.وأنّ ما أورده القرآن الكريم فقد أورده لتصحيح الأخطاء التاريخيّة الواردة في كُتب أهل الكتاب بما يتعلّق بقصّة يوسف عليه السلام.ولذلك فلا أجد من حاجة للإطالة.
الردّ على السؤال التاسع والعشرين: وعنوانه (قميصٌ سحريّ) أورد المؤلّف المذكور الآية 93 من سورة يوسف الوارد فيها (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين.).واستند هذا المؤلّف فيما سيعترض عليه إلى ما ورد في التفاسير القديمة من أنّ القميص كان قميص إبراهيم عليه السلام،وغيره من المزاعم التي روّجوها في تفاسيرهم خطأ وبلا دليل يسندها.ومن ثمّ اعترض وقال: (ونحن نسأل: كيف يلبس سكّان الأرض ثياب سكّان السماء ؟وكيف يصحب القميص عمل المعجزات على أيدي الذين توارثوه أيّا كانوا وأنّى كانوا ؟ وما هو مصير هذا القميص الآن ؟ ألا نسخر من الذين يُلبسون أولادهم وبهائمهم تعاويذ ؟ هل يتساوى الأنبياء والآباء الكرام إبراهيم واسحق ويعقوب ويوسف بمن يستعملون التعاويذ ؟).ويلاحظ القارئ كيف أنّ هذا المعترض استند في اعتراضه هذا إلى ما ورد في التفاسير القديمة التي لا تُعدُّ حجّةً على القرآن الكريم.وقد فعل هذا من دون أن يتدبّر دلالة هذه الآية التي أوردها .

فأقول: إنّ هذا الاعتراض لا يستحقُّ الإجابة عليه لعدم استناد مضمونه إلى مضمون هذه الآية من سورة يوسف،والتي لم يفهم حقيقة دلالتها المفسّرون القدماء رحمهم اللّه.فقد كان القميص ،قميص يوسف عليه السلام،ووفق نصّ هذه الآية الكريمة.وقد كان قصد يوسف من إرسال قميصه إلى أبيه إشعاره بأنّ ما سبق لربّه أن أنبأه بما سيجري ليوسف من قبل وأنّ ربّه أوصاه بالصبر الجميل،قد تحقّق على بساط الواقع وأنّ ابنه يوسف ما يزال حيّا يُرزق.وقد تأمّل يوسف من وراء هذه الخطوة التي خطاها أن يرفع الغمّة عن أبيه وليدفعه إلى العفو عن اخوته وللدعاء لهم بالمغفرة من ربّه عز وجلّ.فهذا المعنى دلّ عليه قوله تعالى (فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا),وفعل (بصيرا) اشتقّ من قولك فلان رجل (بصير) ولا يعني أنّه أعمى.بل يعني أنّ هذا الرجل عالم بحقائق الأمور.إشارة إلى أنّ والد يوسف كان،واستنادا إلى ما أوحي إليه،فقد كان مؤمنا بتحقّق هذه العاقبة الحسنة.وبعد أن أعطيت القارئ فكرة واضحة عن دلالة مضمون هذه الآية أُبدي أسفي على هذا المؤلّف القسّيس الذي شاء أن يصطاد في الماء العكر.فانقلب السحر على الساحر وفُضح فعله.وما عاد بي من حاجة إلى المزيد في الردّ على هذا السؤال التاسع والعشرين.

الردّ على السؤال الثلاثين: وعنوانه (ابنة فرعون،أو زوجته).وقد أورد المؤلّف المذكور الآية التاسعة من سورة القصَص وهي (وقالت امرأة فرعون قُرّة عينٍ لي ولكَ لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً وهم لا يشعرون.).ومن ثمّ قال مستندا فيما يعترض عليه إلى كتابه المقدّس: (ويعلّمنا الكتاب المقدّس أنّ ابنة فرعون هي التي نزلت إلى نهر النيل لتغتسل لأنّهم كانوا يعتبرونه إلها يطهّرهم من النجاسة.فرأت سفطا من البرديّ بين الحلفاء ففتحته وإذا صبيّ يبكي ، فاتّخذته ابنة فرعون ابنا لها.ولكنّها لم تكن زوجة فرعون.وقال موسى (في سفر الخروج الإصحاح الثاني 5-10 إنّها ابنة فرعون،وهو أعلم بمن ربّته!). فأقول ردّا على ما زعمه: اعلم أيّها القسّيس بأنّ القرآن يصحّح لكم ما أورده كاتبوا كتابكم المقدّس.هذا الكتاب المؤلّف من جملة معلومات مستندة إلى روايات وصلت مشوّهةً وبطريق السماع،وليس بطريق التوثيق.فحاول الاستفادة من هذا التصحيح القرآنيّ قبل أن يعاجلك أجلُكَ،وتموت وأنت عاصيا لربّك ومنكرا لإحسانه.وهذا يكفي.

الردّ على السؤال 31 : وهو بعنوان (طرح الأولاد في النهر صدر قبل ولادة موسى لا بعد إرساليّته).وقد أورد المؤلّف المذكور الآية 127 من سورة الأعراف (وقال الملأ من قوم فرعون أتذرَ موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرَك وآلهتك قال سنقتل ُ أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنّا فوقهم قاهرون.).كما أورد الآيات 4-7 من سورة القصص الوارد فيها (إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيَعا يستضعفُ طائفةً منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين.ونريد أن نمنّ على الذين استُضعفوا في الأرض ونجعلَهم أئمّةً ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض ونُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين.).ومن ثمّ اعترض هذا القسّيس وقال: (تقول سورة الأعراف إنّ المصرييّن اشتكوا لفرعون من تصرّف موسى،فأمر بقتل أبناء العبرانييّن واستحياء نساءهم.وتقول سورة القصص إنّ فرعون قبل ولادة موسى أمر بذبح الأولاد واستحياء النساء حتىّ خافت أمّ موسى عليه وخبّأته في صفد البردي إلى أن انتشلته ابنة فرعون.فالآيتان متناقضتان.).

فأقول: إنّ القارئ الذي يطالع هذا العنوان الذي رفعه هذا القسّيس قبل أن يطرح اعتراضه ويتّهم الآيات القرآنيّة بالتناقض.ينطلق ممّا فهمه من هذا العنوان ويندفع مع هذا القسّيس لتبيّن ناحية التناقض بين الآيات القرآنية التي أوردها له.وبديهيّ أنّ هذا الفعل الذي أقدم عليه هذا القسّيس قد قصد به تضليل أذهان السذّج من الناس.أمّا الإنسان العاقل المتبصّر الذي لا يؤخذ بهذا الأسلوب من التّضليل،ويحاول تدبّر الآيات بنفسه وبشكل موضوعيٍّ.فإنّ هذا الإنسان المتدبّر لا يرى بعد عمليّة تدبّره لهذه الآيات حدوث أيّ تناقض ما بين مضامينها.من منطلق أنّ الآيات من سورة القصص قد قصّت علينا نهج فرعون الذي كان عليه في تعامله مع قومه الذي كان عليه قبل بعثة موسى عليه السلام. وبدليل أنّ هذه الآيات قد صيغت بصيغة الماضي (إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا..).ففعل (علا) وفعل (جعل) صيغتا فعل ماضي،وقد وردت كذلك لتقصّ على

القارئ كيف كان سلوك فرعون مع قومه.ولذلك فإنّ صيغة الماضي هذه قد استبدلها ربّنا عز وجلّ في الآية التي بعدها بصيغة الحاضر (ونريد) وقال تعالى (ونريد أن نمنَّ على الذين استُضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّةً ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض ونُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.) فجميع الأفعال الواردة في هذه الآية قد وردت بصيغة المضارع.وقد كان القصد من ذلك بيان أنّ اللّه تعالى قد شاء أن يرأف بحال الإسرائيلييّن المستضعفين في أرض مصر.ومن ثمّ فقد عاد اللّه جلّ شأنه إلى صيغة الماضي وقال بعد ذلك (وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه فإذا خفتِ عليه فألقيهِ في اليمّ ولا تخافي ولا تحزني إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين.). وليشعرنا ربّنا عز وجلّ أنّ بني إسرائيل كانوا مستضعفين في أرض مصر في زمن ذاك الفرعون يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم.وقد قدّر اللّه تعالى أن يمنّ على بني إسرائيل المستضعفين في أرض مصر،فيبدّل ضعفهم بسيادة.

لذلك نلاحظه تعالى وقد عاد تعالى إلى صيغة الماضي وقال (وأوحينا إلى أمّ موسى ..) أي أنّ الوحي إلى أمّ موسى قد حدث أيّام كان فرعون يقتل أبناء الإسرائيلييّن،فقد اتّخذ اللّه عز وجلّ قدرا خاصّا في تلك الأوقات بنجاة موسى من عمليّة القتل تلك،وبهذا الأسلوب الذي نصّت عليه هذه الآية.وبذلك نجا موسى من القتل في مهده. وترعرع وكبُر في أحضان بيت فرعون نفسه. وحدث ما حدث وفرّ موسى إلى مدين ومن ثمّ عاد وقد بعثه اللّه ربّه رسولا إلى بني إسرائيل ليخرجهم من مصر وليرفع عنهم ذاك الابتلاء.وحدث ما حدث بعد ذلك بينه وبين فرعون.وإنّ الآية 127 من سورة الأعراف قد وضّحت لنا بأنّ فرعون،وبعد أن استفزّه الملأ من قومه،علما بأنّ كلمة (الملأ) تعني لغةً حاشية فرعون المؤلّفة من أعالي قومه.فقد توعدّ فرعون الملأ من قومه بأنّه سيقطع نسل الإسرائيلييّن بعد تلك المبارزة التي حدثت ما بين سحرة فرعون وما بين موسى عليه السلام وبشكل قاطع

وحاسم.وذلك بقتل كلّ ولدٍ من أولادهم وباستحياء جميع نسائهم.وقد أنهى فرعون توعّده هذا بقوله (وإنا فوقهم قاهرون.) ومعناه أنّ فرعون لا حول له ولا قوّة فهو وحيد أمامنا وليس بإمكانه أن يفعلَ بعد ذاك التاريخ إلا ما فعله.وكأنّ فرعون ، ومن خلال ما قدّمه للملأ من قومه من حلولٍ ، قد أبدى ضعفه تجاه موسى من جهة.وقد توعّد بالضرب بيد حديديّة على قوم موسى في الوقت نفسه كعلاج للإشكال الذي أوقعه فيه موسى عليه السلام.فمن خلال معطيات هذه الآيات جميعها يعود القارئ لا يرى ما بين الآية من سورة الأعراف،وما بين الآيات من سورة القصَص أيّ تناقض في مضامينها جميعها.فهذه الآيات قد بيّنت أنّ نهج سلوك فرعون كان قبل وما بعد بعثة موسى لم يتغيّر.وكلّ ما في الأمر هو أنّه كان يحدث بعض التراخي قبل بعثة موسى.لكنّ فرعون قد شدّد بعد بعثة موسى على ضرورة الالتزام التزاما مطلقا بهذا السلوك مع الإسرائيلييّن.إلى جانب ضرورة التشدّد في استخدامهم كعبيدٍ مستخدمين.وإنّ هذه الحقيقة التي وضّحتها آنفا أيّدها ما ورد في العهد القديم بهذا الخصوص.لكنّ هذا القسّيس أراد أن يصطاد في الماء العكر،ليزيد من سيّئات أفعاله وليستحقّ عند ربّه مصير الجحيم.وكفى اللّه المؤمنين القتال.

الردّ على السؤال 32 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (صداقُ امرأة موسى).وقد أورد المؤلّف المذكور الآية 27 من سورة القصص الوارد فيها على لسان حميّ موسى عليه السلام (قال إني أريد أن أنكحكَ إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حججٍ فإن أتممتَ عشراً فمن عندك وما أريد أن أشُقّ عليك ستجدني إن شاء اللّه من الصالحين.).
ومن ثمّ كتب هذا المؤلّف يزعم ويقول،ومستندا فيما زعمه وقاله إلى ما ورد في سفر التكوين الإصحاح 29/18، قال (ومعروف أنّ يثرون حما موسى كان له سبع بنات لا اثنتين ،وزوّجه واحدةً بدون أن يخدمه ثماني سنوات أو عشرا.وأمّا الذي خدم حماه كصداق لامرأته فهو يعقوب الذي خدم حماه سبع سنين.).فأقول دحضا لهذا الاعتراض أنّه قد اتّضح للقارئ بأنّ هذا القسّيس قد استند فيما اعترضه إلى ما ورد في العهد القديم.

مع علمنا بأنّ العهد القديم مشوّش الأقوال.لذلك أقول: لم يأت القرآن الكريم على ذكر تفاصيل ما جرى مع موسى في مدين إلاّ لتصحيح معلومات العهد القديم.فهذه هي عقيدتنا،ولا مجال هنا للحوار في هذه المعلومات التي أوردها هذا القسّيس في هذا الاعتراض.وهذا من منطلق ما بيّنته وورد في مقدّمة هذا الجزء الثاني التاريخي.

الردّ على السؤال 33 من الأسئلة التاريخيّة: عنوانه (لم ترث إسرائيل مصر).وقد أورد المؤلّف المذكور الآيتين 128/129 من سورة الأعراف (قال موسى لقومه استعينوا باللّه واصبروا إنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين.قالوا أوذينا من قبلِ أن تأتينا ومن بعدِ ما جئتنا قال عسى ربّكم أن يُهلكَ عدوّكم ويستخلفكم في الأرض فينظرَ كيف تعملون.).ومن ثمّ نقل قول البيضاوي وهو يفسّر (والعاقبة للمتّقين) قوله: (وعدٌ لهم بالنصرة،وتذكير لما وعدهم بإهلاك القبط وتوريثهم ديارهم.قال عسى ربّكم أن يُهلكَ عدوّكم ويستخلفكم في الأرض – رُويَ أنّ مصراً ممّا فُتِحَ لهم في زمن داود عليه السلام.).وقد استند هذا القسّيس إلى قول البيضاوي الآنف الذكر وراح يقول (ومعروفٌ للجميع أنّ بني إسرائيل ورثوا أرض كنعان وليس أرض مصر.).فيتبيّن من خلال قوله هذا أنّ سند هذا القسّيس مرجعه تفسير البيضاوي وليس مرجعه هذا القرآن العظيم.لذلك
أقول ردّا على هذا الاعتراض: قم أيّها القسّيس بمحاسبة البيضاوي الذي لا نعتبره نحن حجّة على هذا القرآن الكريم.فلو كانت هاتان الآيتان هما اللتان نصّتا على ما زعمه البيضاوي في تفسيره لكان لك الحق فيما اعترضته.ولكان قد صحّ عنوان (هل القرآن معصوم ؟) .لكنّ هذا الذي زعمه البيضاوي لا أصل له في القرآن العظيم.

الردّ على السؤال 34 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (ضربات مصر عشر لا تسع).
وقد أورد هذا المؤلّف الآيات 101-104 من سورة الإسراء والتي قال اللّه عز وجلّ
في الآية الأولى منها (ولقد آتينا موسى تسع آيات بيّناتٍ فسأل بني إسرائيل إذ جاءهم
فقال له فرعون إنّي لأظنّك يا موسى مسحورا.).فاعترض هذا القسّيس على ما ورد في
هذه الآية الكريمة التي حدّدت الآيات التي أظهرها اللّه عز وجلّ على أيدي موسى والتي نصّت الآيات القرآنيّة على أنّها كانت تسع آيات فقط.واستند فيما زعمه هذا القسّيس إلى كتابه المقدّس المشوّش الأفكار والذي أنزل اللّه عز وجلّ القرآن الكريم ليصحّح ما ورد فيه من معلومات تاريخيّة خاطئة،وقال هذا المعترض (يقول الكتاب المقدّس إنّ الضربات التي ضرب اللّه المصرييّن عشر آيات لا تسع،وإنّ بني إسرائيل بعد هلاك فرعون وجيشه في البحر لم يسكنوا في أرض مصر بل في أرض كنعان،وإنّ فرعون لم يكن يريد أن يخرج اليهود من مصر بل أراد أن يستعبدهم فيها.)

فأقول ردّا على هذا الاعتراض : إنّه كان لزاما عليّ ألاّ أتعرّض لمضمون هذا السؤال، لاستناد المعترض فيه إلى ما ورد في كتابه المقدّس، ووفقا لما كنت أوردته في مقدّمة هذا الجزء التاريخي.لكنّ الذي دفعني للردّ عليه هو أنّ جمعيّات الكتاب المقدّس في المشرق الذين ترجموا الكتاب المقدّس ترجمة جديدة وطبعوها في بيروت عام 1989م قد تبيّن لهم صدق هذا القرآن العظيم فيما طرحه في موضوع الآيات التي أظهرها اللّه عز وجلّ على أيدي موسى عليه السلام وحدّدوها بتسع آيات،وليس بعشر آيات.فليراجع هذا القسّيس هذه الترجمة الجديدة المذكورة ليدرك مدى جهله بمضامين كتابه المقدّس بهذا الخصوص.وقد حدّدوا معالم هذه الآيات التسع، ابتداء من الإصحاح السابع من سفر الخروج وانتهاء بالإصحاح العاشر منه.وعليه فليعترض هذا القسّيس على جمعيات الكتاب المقدّس الذين فهموا من معطيات العهد القديم موافقته لمعطيات القرآن الكريم.وقم بعد ذلك فصحّح معلوماتك على ضوء ما قالوه قبل أن تعترض على الآخرين.

الردّ على السؤال 35 من الأسئلة التاريخيّة:فالمؤلّف المذكور اعترض هذا الاعتراض تحت شعار (صخرة حوريب ليست آبار إيليم).ومن ثمّ أورد الآية 60 من سورة البقرة وهي (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجرَ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علمَ كلُّ أُناسٍ مشربهم.).وأورد بعدها الآية 160 من سورة الأعراف (وقطّعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجرَ فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علمَ كلُّ أناسٍ مشربهم.).ومن ثمّ اعترض هذا المؤلّف وقال (وجاء في الكتاب المقدّس " ثمّ جاؤوا إلى إيليم وهناك اثنتا عشرة عين ماء وسبعون نخلة.فنزلوا هناك عند الماء" (خروج 15/27)." ثمّ ارتحلوا من إيليم.وأتى كلّ جماعة بني إسرائيل إلى بريّة سين (التي بين إيليم وسيناء) (خروج 16/1) ثمّ ارتحل كلّ جماعة بني إسرائيل من بريّة سين بحسب مراحلهم على موجب أمر الربّ ونزلوا في رفيديم.ولم يكن ماءً ليشربَ الشعب.فخاصم الشعبُ موسى وقالوا: اعطونا ماءً لنشرب!فقال لهم موسى: لماذا تخاصمونني ؟ لماذا تجرّبون الربّ ؟ وعطش هناك الشعب إلى الماء وتذمّر الشعب على موسى وقالوا: لماذا أصعدتنا من مصرَ لتميتَنا وأولادنا ومواشينا بالعطش ؟ فصرخ موسى

إلى الربّ: ماذا أفعلُ بهذا الشعب ؟ بعد قليلٍ يرجمونني ! فقال الربُّ لموسى: مُرَّ قدّام الشعب وخذ معك من شيوخ إسرائيل.وعصاك التي ضربتّ بها النهر خذها في يدك واذهب.ها أنا أقفُ أمامك هناك على الصخرة في حوريب، فتضربُ الصخرةَ فيخرجُ منها ماءً ليشربَ الشعب.ففعل موسى هكذا أمام أعيُن عُيون شيوخ إسرائيل." (خروج 17/1-6).) وبعد أن نقل هذا القسّيس هذه الاقتباسات من كتابه المقدّس قال: فليست الاثنتا عشرة عينا التي في إيليم هي الصخرة التي في حوريب ! ).واكتفى القسّيس بكلماته هذه

فأقول ردّا على هذا الاعتراض الذي استند فيه هذا القسّيس إلى ما ورد في كتابه المقدّس من معلومات مشوّهة جاء القرآن الكريم فصحّحها لعلاقتها بقصص أنبياء اللّه الكرام وحفاظا على تاريخهم نظيفا ممّا ورد مشوّها في هذا الكتاب المقدّس الذي يقدّسه هذا القسّيس.أقول ما لك أيّها القسّيس تنسى أنّك نقلت عن العهد القديم بأنّ مخاصمة الشعب لموسى لم تحدث عند حلوله وقومه عند اثنتي عشرة عينا وضمن دوحة من النخيل.وإنّما حدثت تلك المخاصمة ما بين موسى وقومه بعد أن تجاوزوا تلك المرحلة وحلّوا عند رفيديم حيث لم يكن هناك ماء للشعب ليشرب.كيف تناسيت هذا الذي نقلته عن العهد القديم ورحت تتّهم الآيات القرآنيّة وكأنّها تكلّمت عن المرحلة الأولى المشار إليها ؟ أوليس في هذا الذي زعمت في سؤالك هذا افتراء على القرآن الكريم ؟ ومتى صرّح القرآن الكريم بهذا الذي ذهبت إليه في اعتراضك ؟ ألا فاعلم بأنّ هذا الذي زعمت في هذا السؤال لا أصل له من الحقيقة، وأنّ هذه الآيات القرآنيّة قد أشارت إلى موقع رفيديم.

الردّ على السؤال 36 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (لوحا الشريعة).وقد أورد هذا القسّيس تحت هذا العنوان الآية 145 من سورة الأعراف الوارد فيها قول اللّه عز وجلّ :
(وكتبنا له في الألواح من كلّ شيء موعظةً وتفصيلا لكلّ شيء.).ومن ثمّ قال: (ومعروف أنّ موسى كتب الشريعة على لوحين لا على ألواح ! وعلى اللّوحين كتب الوصايا العشر فقط وليس تفصيل كلّ شيء. (خروج 31/18).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض : مسكين أنت أيّها القسّيس.كيف يقبل عقلك ما ورد في سفر الخروج الإصحاح 31/18 الذي أورد فيه كاتبه: (ولمّا انتهى اللّه من مخاطبة موسى على جبل سيناء،سلّمه لَوحي الشهادة،لوحين من حجر،مكتوبين بإصبع اللّه.) ؟
فلماذا لوحين وليس ثلاثة ألواح ؟ ولماذا ألواح من حجر كما تقولون،وليس من شيء آخر ؟ فهل يُعقل أن تكتُب أصابع اللّه على حجر تقيل الوزن لِيُثقلَ اللّه تعالى على موسى حملهما من فوق الجبل إلى أسفله ؟ ولماذا كُتبت الألواح بأصابع اللّه ،ونسي موسى أن يُعطي ذينك اللّوحين قداسةً بسبب أنّهما كُتبا بإصبع اللّه عز وجلّ ؟ ألا لو كنت أيّها القسّيس ضليعا في لغة الضادّ،ومحيطا علما بعلم البلاغة،لكنت قد تدبّرت هذه الآية القرآنيّة بنفسك وأدركت مضمونها الذي صحّح لكاتب سفر الخروج ما كتبه في هذا الموضوع

خلافا للحقيقة وخلافا للمعقول.فموسى الذي تربّى في أحضان فرعون كان يكتب ويقرأ يقينا.وعندما ناداه ربّه ليصعد إلى جبل سيناء لابدّ أن يكون تعالى قد طلب منه أن يُحضر معه ألواحا للكتابة عليها إمّا من الخشب أو من العظام أو من ورق البرديّ.فإلى هذه
الحقيقة قد أشارت صيغة الجار والمجرور (في الألواح).فكلمة (ألواح) جمعٌ مفرده لوح. واللّوح الذي يُكتبُ عليه إمّا أن يكون في تلك الأيّام من خشب أو يكون من عظمٍ أو يكون من البرديّ (محيط المحيط).وما دامت الوصايا العشر هي عشر كلمات.فلابدّ أن يكون موسى قد كتبها على عشرة عظام أو على عشرة ألواح خشبيّة وبخطٍّ جليّ.فهذا هو التّصحيح الذي أتى به مضمون هذه الآية القرآنيّة.أمّا قول اللّه تعالى (وكتبنا له في الألواح) فليس معناه أنّ اللّه عز وجلّ قد كتب بإصبعه في تلك الألواح.بل إنّ فعل (كتبنا) أورده القرآن الكريم بمعنى قدّرنا وقضينا.ومثال ذلك قوله تعالى (وكتبنا على بني إسرائيل أنّ السنّ بالسنّ والعين بالعين..).وانطلاقا من دلالة فعل (كتبنا له) يكون المعنى أنّ اللّه تعالى كان قد قدّر وقضى أن يلتزم بنوا إسرائيل بهذه الوصايا العشر التي كتبها لهم

موسى في تلك الألواح التي رافقته،وبأمر من جانب ربّه عز وجلّ.هذا من باب أنّ الّلام في الجار والمجرور (له) هي لام الاختصاص.دلالة على أنّ العمل بالوصايا العشر قد اختصّ أمره ببني إسرائيل.وأمّا قوله تعالى (من كلّ شيء) فمعناه أنّ تلك الوصايا العشر تتعلّق بكلّ شيء يحتاجه بنوا إسرائيل من تعاليم في تلك الفترة من الزمان.فبنوا إسرائيل الذين خرجوا من مصر برفقة موسى كانوا عبارة عن شراذم من العبيد المستضعفين في أرض مصر.وكان كلّ ما يحتاجونه من تعاليم هو الالتزام بمضامين تلك الوصايا العشر،التي كان ينبغي على كلّ إسرائيليّ عبدٍ منهم أن يحفظ تلك الكلمات العشر عن ظهر قلب.وأمّا قول اللّه تعالى في الفقرة الأخيرة (موعظةً وتفصيلا لكلّ شيء) فالموعظة اسمٌ اشتقّ من فعل وعظه،بمعنى نصحه وذكّره بما يُليّنُ قلبه من الثواب والعقاب وما يسوقه إلى التوبة إلى اللّه وإصلاح السيرة وأمره بالطاعة ووصّاه بها.وفي هذا القول إشارة إلى حال بني إسرائيل الذين كانوا يحملون نفسيّة عبيد فلا يفرّقون بين الحلال والحرام ولا بين السرقة والقتل وغيرها من الكبائر.وعليه فإنّ اللّه عز وجلّ ومن خلال قوله تعالى (موعظةً وتفصيلا لكلّ

شيء) يكون قد أراد تعالى بأنّ تلك النصائح التي تضمّنتها تلك الوصايا العشر،كانت تتضمّن تفصيلا لمعالجة كلّ شيء غير أخلاقيٍّ انحطّ إليه بنوا إسرائيل في تلك الفترة من الزمان على المستوى الأخلاقي والعملي.ولذلك فقد تابع اللّه تعالى يقول في نفس هذه
الآية التي أوردتها أنت أيّها القسّيس وأشكل عليك فهمها وقمت بحذف تتمّتها.فقد
تابع تعالى يقول في نفس هذه الآية الكريمة (فخذها بقوّةٍ وأمر قومكَ يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين.) والقصد من ذلك أنّ اللّه عز وجلّ قد أمر نبيّه موسى عليه السلام أن يتمسّك هو نفسه بتلك الوصايا العشر وهو معنى (فخُذها بقوّة).فموسى كان وبدافع من عصبيّته القوميّة كان قد ارتكب جرم قتل ومن دون أن يدري أنّ في ذلك معصية اللّه عز وجلّ وكما هو معروف.ولذلك ورد في مكان آخر من كتاب اللّه عز وجلّ (الآن جئت على قدر يا موسى لقد صنعتك على عيني.).ومن ثمّ أمر اللّه تعالى موسى بالالتزام بتلك الوصايا العشر،فقد أضاف وقال آمرا موسى (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) أي أنّ مهمّتك يا موسى أن تأمر قومك أن يلتزموا هم أيضا بتلك الوصايا المثاليّة.حتى إذا دخلتم أرض كنعان فقد عاد بإمكان قومك أن يلاحظوا حينذاك الفرق الكائن ما بينهم وما بين أولئك الكنعانييّن الذين كانوا في تلك الفترة من الزمان من الفاسقين البعيدين عن هذه التعاليم السماويّة بصورة عمليّة.فهذه هي دلالات هذه الآية من سورة الأعراف والتي صحّحت ما ورد في سفر الخروج من ترّهات غير معقولة.

الردّ على السؤال 37 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (هل طلبوا رؤية اللّه ؟) وقد أورد هذا القسّيس بعد ذلك العنوان الآيتين 55/56 من سورة البقرة التي قال تعالى فيهما (وإذ قُلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون.ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون.)كما أورد بعد ذلك الآية 153 من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب أن تُنزّلَ عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك فقالوا أرِنا اللّه جهرةً فأخذتهم الصاعقة).فلمّا انتهى من إيراد هذه الآيات القرآنيّة راح يعترض ويقول (ولكنّ الكتاب المقدّس يُعلّمنا أنّ بني إسرائيل خافوا من اللّه وقالوا لموسى : تكلّم أنت معنا،ولا يتكلّم معنا اللّه لئلاّ نموت (خروج 20/19) فعكسَ القرآن الموضوعَ وقال إنّ بني إسرائيل طلبوا أن يروا اللّه فأماتهم بالصاعقة،ثمّ بعثهم ثانية. ولعلّ الدافع على هذا أن يُخيف العرب الذين سألوا محمّدا أن ينزل لهم كتابا من السماء.).وعليه يلاحظ القارئ كيف أنّ مرجع هذا القسّيس هو كتابه.
فأقول تفنيدا لهذا الافتراء: إنّ هاتين الآيتين من سورة البقرة لا تفيدان ما ذهب إليه هذا القسّيس من أنّ اللّه عز وجلّ قد أمات بني إسرائيل بالصاعقة.فلكلمة الصاعقة عدّة معاني ودلالات.وقد استُعملت هذه الكلمة هنا في هاتين الآيتين بمعنى المغشيّ عليه.بمعنى أنّ بني إسرائيل حين طلبوا من موسى رؤية ربّهم فقد تجلّى عليهم ربّهم بتجلّي غُشي عليهم من جرّائه.الأمر الذي قوّى إيمانهم بوجود ربّهم. ولذلك قال تعالى في الآية الثانية (ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون.) أي أنّكم يا بني إسرائيل كنتم قبل طلبكم المذكور أمواتا من الوجهة الروحيّة،فتجلّينا عليكم بذاك التجلّي لتقوية إيمانكم ولعلّكم تزدادوا شكرا للّه ربّكم عز وجلّ.وبهذه المعاني يكون القرآن الكريم قد صحّح ما كتبه كاتب سفر الخروج من أنّ بني إسرائيل قالوا لموسى (تكلّم أنت معنا ولا يتكلّم معنا اللّه لئلاّ نموت.)

الردّ على السؤال 38 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (قورح لا قارون) وقد أورد هذا المعترض الآيتين 76/81 من سورة القصص (إنّ قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم...فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئةٍ ينصرونه من دون اللّه وما كان من المنتصرين.).ومن ثمّ قال (ومعروف أنّ قارون القرآن هو كروسوس ملك ميديا "56ز- 546 ق.م" وهو علمٌ على الغِنى بين العرب وغيرهم.ولا يوجد ما يبرّر خلطه بقورح الذي ورد ذكره في التوراة.فلا علاقة لقارون بقورح الذي ثار مع داثان وأبيرام على موسى،ففتحتِ الأرض فاها وابتلعتهم "العدد 16" ).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: إنّ هذا القسّيس لم يورد الآيات بنصّها الحقيقي بل اقتبس منها ما ساعده على هذا الافتراء الذي أتى على ذكره.فقارون الوارد ذكره في هذه الآيات من سورة القصص ليس هو (كروسوس ملك ليديا) الذي اشتُهر بغناه.وإلى القارئ

هذه الآيات القرآنيّة بكامل نصّها والتي قال اللّه تعالى فيها: (إنّ قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إنَّ مفاتحَهُ لتنوء بالعصبة أولي القوّة إذ قال له قومه لا تفرح إنّ اللّه لا يحبُّ الفرِحين.وابتغِ فيما آتاك اللّه الدار الآخرةَ ولا تنسَ نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسنَ اللّه إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض إنّ اللّه لا يحبُّ المفسدين.قال إنّما أوتيتُه على علمٍ عندي أولَم يعلم أنّ اللّه قد أهلك من قبله من
القرون مَن هو أشدُّ منه قوّةً وأكثرُ جمعا ولا يُسألُ عن ذنوبهم المجرمون.فخرج على
قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليتَ لنا مثلَ ما أوتيَ قارونُ إنّه لذو حظٍّ عظيم.وقال الذين أوتوا العلم وَيلكم ثوابُ الآخرة خيرٌ لِمن آمن وعمل صالحا ولا يُلقّاها إلا الصابرون.فخسفنا به وبداره الأرض (وقف) فما كان له من فئةٍ ينصرونه من دون اللّه وما كان من المنتصرين.).فالواضح من هذه الآيات الكريمة أنّ اللّه عز وجلّ يتكلّم عن قارون الذي كان من قوم موسى،وكان موظّفا مسؤولا ماليّا وليس من الأغنياء علما بأنّ مفاتيح الخزائن في زمنه كانت مصنوعة من الخشب.ولذلك قال تعالى في الآية الأولى (ما إنَّ مفاتحهُ لتنوء بالعصبة أولي القوّة) ويُستدلُّ من هذه الآيات أنّ قارون المشار

إليه كان مُستغلاّ لمركزه وباغيا في الأرض،ومتباهيا بأنّه قد نال مركزه بجهده الشخصيّ. وكان قارون المشار إليه يلبس ويتحلّى بأنفس الثياب حين يطلُّ على قومه.وانتهى به الأمر إلى ما ذكرته الآية الأخيرة الوارد فيها (فخسفنا به وبداره الأرض) والتي تعني أنّ قارون المشار إليه قد عزله الملك فجأةً وسُحِب البساط من تحت أرجله وأرجل قومه الذين كان قد غضب عليهم ملكهم لسببٍ من الأسباب،أي أنّ قوله تعالى (خسفنا به وبداره الأرض) قد ورد هنا على سبيل المجاز والاستعارة،وليس على سبيل الحقيقة.وبدليل قوله تعالى (فما كان له من فئةٍ ينصرونه من دون اللّه،وما كان من المنتصرين).أي ما دام الناس كانوا يكرهونه.وقد طرد من وظيفته لغضب الملك عليه وعلى قومه،فما كان له بعد ذلك من فئةٍ ينصرونه لاستعادة هيبته.وبالإضافة إلى هذا الذي ذكرته،فإنّ ورود إشارة (وقف) بعد فقرة (فخسفنا به وبداره الأرض) دلالتها على أنّ الحكمة من ذكر ما ورد ذكره في هذه الآيات هو لتذكير المؤمن بأنّ كلّ من يغترّ بمنصبٍ دنيويٍّ ويدفعه هذا المنصب ليبغي على الناس ويظلمهم فإنّ عاقبته تكون كمثل عاقبة قارون المشار إليه.وعلى هذه الصورة تكون هذه الآيات الكريمة قد صحّحت ما ذهب إليه ذهن هذا القسّيس،فهذا من جهةٍ،ومن جهة أخرى تكون هذه الآيات قد صحّحت ما ورد في سفر (العدد16) أيضا الذي أشار إليه هذا القسّيس.وأكون قد أثبتّ بطلان ما اعترض عليه هذا القسّيس.

الردّ على السؤال 39 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (سليمان أو أبشالوم) وقد أورد المعترض تحت هذا العنوان الآيتين 78/79 من سورة الأنبياء (وداودَ وسليمانَ إذ يحكمان في الحرث إذ نفشتِ فيه غنمُ القوم وكُنّا لحُكمهم شاهدين.ففهَّمناها سليمانَ وكلاّ آتينا حُكما وعِلما وسخّرنا مع داود الجبال يُسبِّحْنَ والطير وكنّا فاعلين.).وبعد أن أورد هذا المعترض هاتين الآيتين،فقد أورد يقول: (قال ابن عبّاس والبيضاوي وغيرهما إنّ رجلين دخلا على داود.أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم.فقال صاحب الزرعإنّ غنم هذا دخلت زرعي ليلا فوقعت فيه فأفسدته فلم تُبق منه شيئا.فأعطاه رقاب الغنم بالزرع. فخرجا فمرّا على سليمان،فقال:كيف قضى بينكما ؟ فأخبراه.فقال سليمان: لو رأيت أمركما لقضيت بغير هذا.ويروى أنّه قال غير هذا رفقا بالفريقين،فأخبر بذلك داود.فدعاه واستفهم منه عن الأرفق بالفريقين ؟قال ادفع الغنم لصاحب الحرث ينتفع بِدُرّها ونسلها وصوفها ومنافعها.ويدفع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه.فإذا صار الحرث كهيئة يوم أُكِل دُفِعَ إلى صاحبه،وأخذ صاحب الغنم غنمه.فقال داود: القضاء ما قضيت.وكان

عمر سليمان يوم حكَم إحدى عشرة سنة.وبعد أن نقل هذا القسّيس ما ذكرناه،انبرى ليقول: (كان داود من الأنبياء الملهمين والملوك الحكماء.فلا يُعقلُ أنّ سليمان كان يتعقّبُ أحكامه وهو والده.ولا نظنّ أنّ داود الملهم يعجز عن حلّ قضيّة كهذه ! أما الذي انتقد أحكام أبيه فكان أبشالوم وليس سليمان،فإنّ أبشالوم لمّا عزم على الثورة ضدّ والده كان يسترقُّ قلوب بني إسرائيل ويقول: من يجعلني قاضيا في الأرض لأنصف المظلوم ! فكان يقبّل الواحد ويكرمه ويعظّمه فاستمال الناس ثمّ قام بانقلاب فاشلٍ على والده "2 صموئيل 15/1-6").
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: كنت قلت في مقدّمة هذا الجزء بأنّ أقوال المفسّرين لا تُعدُّ حجّة على هذا القرآن المجيد،فهذا أولا.والأمر الثاني هو أنّ هذه الآيات بسباقها وسياقها كالت لداود وسليمان المديح وأوحت للقارئ بأكثر ممّا نسبه هذا القسّيس لهما من صفات.والأمر الثالث فإنّ الآية الأولى قد أنهاها اللّه عز وجلّ بقوله تعالى (وكنّا لحكمهم شاهدين). وقد حذف تعالى مفعول فعل (شاهدين) ليصرّفه إلى أمرين: الأول أنّ


ما حكم به داود وسليمان في قضيّة الغنم المشار إليها التي كان اللّه تعالى شاهدا على أنّ حكمهما كان عادلا.والأمر الثاني هو ضرورة تصحيح ما ورد في العهد القديم بشأن الحكم المذكور والذي أورده كاتبه خطأ.وهذا القول الوارد في هذه الآية الكريمة قد ورد بدون الدخول في تفاصيل الحادثة.وأمّا في الآية الثانية فقد صرّح اللّه تعالى فيها بأنّه تعالى قد فتح على سليمان الأسس التي كان عليه أن يلتزم بها لحلّ أمثال هذه القضايا التي تُعرض عليه.فهذا هو معنى (ففهّمناها سليمان).وقد أكمل تعالى وقال (وكلاّ آتينا حكما وعلما) فسوّى تعالى بذلك ما بين داود وسليمان في مرتبة اتّخاذ الأحكام وما تلقّياه من علمٍ لدنّي.وقد أكّد تعالى هذه الحقيقة عندما أضاف وقال أخيرا (وسخّرنا مع داود الجبال يسبّحن والطير وكنّا فاعلين.).وقد أراد تعالى هنا من كلمة (الجبال) دلالتها على أسياد القوم (محيط المحيط).وأراد تعالى من كلمة (الطير) هنا دلالتها على الرجال الروحانييّن وليس على الطيور المعروفة (راجع مؤلّفي الجنّ حقيقة أم خيال).وعليه فما عاد هناك بعد هذا الذي بيّنته من مجال للاعتراض على مضامين هذه الآيات الكريمة.

الردّ على السؤال 40 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (هاجر أو السيّدة العذراء ؟) وقد أعاد هذا القسّيس تحت هذا العنوان الآيات 22-26 من سورة مريم التي كان قد أوردها في سؤاله الحادي عشر،وكتب يقول: (وفي هذا خلط بين مريم العذراء وهاجر أمّ إسماعيل. فهاجر هربت إلى البريّة بإسماعيل.ولمّا عطشت هيّأ لها اللّه عين ماء فشربت.أمّا العذراء فلم تهرب إلى بريّة ولا احتاجت إلى الماء،ولا كانت تحت نخلة.).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: بما أنّني كنت قد أجبت ردّا على السؤال الحادي عشر على هذا الذي اعترض عليه هذا القسّيس.وبيّنت هناك كيف أنّ السيّدة مريم لم تلد في بيت لحم،وإنّما ولدت على مشارف بريّة بيت لحم.وكنت قد أدليت هناك بالأدلّة القاطعة التي تثبت ذلك.فاستنادا إلى هذه الحقيقة،فلم يعد بي من حاجة لتكرار ما كنت قد بيّنته هناك. وعلى القارئ مراجعة إجابتي تلك إن كان لم يقرأها.وفي هذا كفاية في هذا المقام.

الردّ على السؤال 41 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (لم تنزل مائدةً من السماء) وقد أورد هذا المعترض الآيات 112-115 من سورة المائدة التي قال اللّه تعالى فيها: (إذ قال
الحواريّون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك أن ينزّلَ علينا مائدةً من السماء قال اتّقوا اللّه إن كنتم مؤمنين.قالوا نريد أن نأكلَ منها وتطمئنَّ قلوبنا ونعلمَ أن قد صدَقتنا ونكونَ عليها من الشاهدين.قال عيسى ابن مريم اللّهمّ ربّنا أنزل علينا مائدةً من السماء تكون لنا عيدا لأوّلنا وآخرنا وآيةً منك وارزقنا وأنت خير الرازقين.قال اللّه إنّي مُنزلها عليكم فمن يكفُر بعدُ منكم فإنّي أعذّبه عذابا لا أعذّبهُ أحدا من العالمين.). وبعد أن سرد المعترض هذه الآيات الكريمة فقد راح يعترض ويقول: (لا يقول الإنجيل إنّ تلاميذ المسيح طلبوا منه آيةً من السماء،ولا يقول إنّ مائدةً نزلت من السماء ! ولكنّ الذين تبعوا المسيح ليسمعوا تعاليمه فقد مكثوا معه وقتا طويلا، ولم يُرد المسيح أن يصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق.فأخذ خمس خبزات وسمكتين وبارك وكسر وأطعمهم جميعا وزادت عن الآكلين اثنتا عشرة قُفّة.ولعلّ قصّة القرآن عن نزول مائدة من السماء نشأت عن عدم فهم بعض آيات الإنجيل،فوردت في متّى 26/20-29 ومرقس 14 /17- 25 ولوقا 22/14-30 ويوحنّا 13/1-30 قصّة العشاء

الربّاني الذي رسمه المسيح تذكارا لصلبه.فورد في لوقا 22/30 بخصوص مائدة المسيح "لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي وتجلسوا على كراسي لتُدينوا أسباط إسرائيل الإثني عشر" .).فقد قال هذا القسّيس ما ذكرته متناسيا أنّ أناجيله قد كتبها كُتّابها بعد قرابة قرن من الزمان من زمن بعثة المسيح عليه السلام،واستنادا إلى روايات وصلتهم مشوّهةً وعن طريق الرواية والسماع،وليس عن طريق نصوصٍ مكتوبة وموثّقة.وأنّ اللّه عز وجلّ قد أنزل هذا القرآن العظيم ليصحّح تلك التشوّهات حفاظا على تاريخ أنبيائه الكرام
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: إنّ هذا القسّيس ،وعلى عادته،قطع هذه الآيات عن
سباقها وسياقها.هذا السباق والسياق الذي يفسّر للقارئ حقيقة المائدة التي طلب الحواريون من عيسى ابن مريم إنزالها من السماء.فاللّه عز وجلّ قال في سباق هذه الآيات الكريمة التي أوردها هذا القسّيس،قال (وإذ أوحيت إلى الحوارييّن أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأنّنا مسلمون.).فوضّح القرآن للقارئ من خلال آية السباق هذه بأنّ الحوارييّن كانوا قد استخاروا ربّهم في موضوع نبوّة عيسى ابن مريم،فأوحى اللّه تعالى إليهم من وراء حجاب أنّه صادق،فاستجابوا لوحي ربّهم وأشهدوا نبيّهم على تصديقهم إيّاه وأشهدوه على تسليمهم برسالته.وهذا هو السبب في أنّ هؤلاء الحوارييّن قد لازموا

نبيّهم حيثما كان يتنقّل للتّبشير بدعوته السماويّة.وبألفاظ أخرى فإنّ الحوارييّن كانوا موحّدين مؤمنين بإله واحد.وإنّ طلبهم من نبيّهم أن ينزّل عليهم (مائدةً من السماء) فلا يعني طلبهم هذا أنّهم طالبوا نبيّهم أن يُنزل عليهم طاولةً مليئة بالطعام.للأسباب التالية: أولا - أنّهم لم يكونوا جوعانين بحاجة إلى الطعام.ثانيا – أنّ عيسى عليه السلام قد ربط إنزال مائدة من السماء بتقوى اللّه تعالى وليس بجوع الإنسان وحاجته إلى الطعام لقوله:
(اتّقوا اللّه إن كنتم مؤمنين.). ثالثا – ثمّ إنّ الحوارييّن لو كانوا قد طلبوا طعاما،لكانوا طلبوا أن يُنزل عليهم ربّهم طعاما وليس مائدة.فالمائدة قد تكون خالية من الطعام،وقد تكون مليئة بالطعام. رابعا – ثمّ إننا لو راجعنا معاجم اللّغة العربيّة لتبيّن لنا بأنّ لكلمة
(المائدة) أكثر من معنى.ومن معانيها التي تتّفق وما تفيده هذه الآية الكريمة هو دلالة كلمة (المائدة) على الدائرة من الأرض.وهذا يعني بألفاظ أخرى أنّ الحواريّين الذين أمضوا ثلاث سنوات مضطهدين من اليهود كانوا يتوقون ليحصلوا على دائرة من الأرض يحكمونها

وتكون لهم مأوى ودار قرار.وإلى هذا المعنى أشار قولهم (قالوا نُريد أن نأكلَ منها وتطمئنَّ قلوبنا ونعلمَ أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين).فقولهم (نُريد أن نأكلَ منها) قد ورد فعل (نأكل) هنا بمعناه المجازي.فأنت تقول أريد أن آكلَ من ثمرات عملك يا بنيّ. وهذا المعنى المجازي بقرينة قولهم (وتطمئنُّ قلوبنا) ولم يقولوا ونسدُّ رمقنا.وأما دعاء عيسى ابن مريم في الآية الثالثة (اللّهمَّ ربّنا أنزل علينا مائدة تكون عيدا لأوّلنا وآخرنا وآيةً منك وارزقنا وأنت خيرُ الرازقين.).فهو دعاء مؤكّد مصداقيّة المعاني التي ذهبت إليها.فهل يُعقل أن يدعو المسيح لمائدة عليها من الطعام لا ينفذ على مدى الدهر ؟ وإن كان طلبه قد حصره في الطعام ، فما معنى أن يضيف ويقول (وارزقنا وأنت خير الرازقين) ؟ فالرزق موجود على المائدة التي ذهب إليها ذهن هذا القسّيس.والحقيقة هي أنّ المسيح قد دعا لقومه أن تكون لهم دولتان وليس دولة واحدة.فالدولة الرومانيّة قد شكّلت الدولة الأولى للمسيحييّن،والتي سبق وجودها الإسلام وابتدأت بدخول الملك

قسطتطين في دين المسيحيّة.والدولة الثانية ظهرت ملامحها بعد انتهاء القرون الوسطى وظهور بوادر النهضة الصناعيّة المعاصرة في أوروبا والتي قدّر اللّه تعالى أن يعذّب أهلها عذابا لا يعذّبه أحدا من العالمين.لنسيان أهلها عقيدة التوحيد وانحرافهم عنها نحو عقيدة تثليث ما أنزل اللّه تعالى بها من سلطان.وإنّ هذا العذاب المشار إليه في الآية الخامسة قد بات قريبا إن شاء اللّه العزيز.والآية هي (قال اللّه إنّي مُنزلها عليكُم فمن يكفر بعدُ منكم فإنّي أعذّبه عذابا لا أعذّبهُ أحدا من العالمين.).وإنّ حقائق الإنباء عن هاتين الحكومتين المشار إليهما قد وردت مفصّلة في سورة الكهف.ولذلك فليراجع هذا القسّيس كتابي (في ظلال تفسير سورة الكهف) ليطّلع على تفصيل كلّ ما يريد معرفته.وأضيف وأقول: إنّ ما ذكره القرآن المجيد ،فقد ذكره ليصحّح هذا الذي أورده كاتب إنجيل متى ،والذي كرّره هذا القسيس وقال بأنّ المسيح لم يرد أن يصرف تلاميذه صائمين.فأخذ خمس خبزات وسمكتين وبارك وكسر وأطعمهم جميعا.وزادت عن الآكلين اثنتا عشرة قفّة.هذا الكلام المبالغ فيه والذي ينتقص من حكمة اللّه عز وجلّ.فهل من الحكمة أن يبارك اللّه تعالى في خمس خبزات وسمكتين إلى هذه الدرجة التي ذكرها كاتب إنجيل متّى وصدّقها القسّيس المعترض من دون أن يُحاكم ذلك بميزان تعاليم الأديان كلّها.فالأديان جميعها قد نهت عن التبذير في كلّ شيء حتى أنّ القرآن الكريم سمّى المبذّرين (أخوان الشياطين).فإلى من ترك المسيح اثنتا عشرة قفّة من الخبز والسمك ؟ فشتّان ما بين بيان القرآن وما بين بيان الإنجيل الذي شوّه صورة المسيح ابن مريم القدسيّة من خلال إيراده أمثال هذه الترّهات.



الردّ على السؤال 42 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (أصحاب القرية).فأورد آيات من
سورة (يس) وتفسير البيضاوي لها،وناقشه وكأنّه يمثّل مضمون الآيات التي أوردها.وسبق
لي أن قلت بأنّ تفسير البيضاوي لا يعتبر حجّة على القرآن الكريم.فأترك الردّ عليه.

الردّ على السؤال 43 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (هود وعاد).وقد أورد هذا المعترض الآيات 50-59 من سورة هود.ومن ثمّ أورد تفسير البيضاوي لها.وراح بعد ذلك يقول: (ولا تذكر التوراة أنّ نبيّا قام بين نوح وإبراهيم،ولا تذكر بين ذرّية نوح رجلا اسمه عاد،ولا تذكر عقابا بانقطاع المطر ثلاث سنوات إلا في أيّام النبي إيليّا).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: ليس بشرط أن يذكر كُتّاب التوراة جميع ما أورده هذا القرآن الكريم من أسماء أنبياء سابقين.فالتوراة التي بين أيدينا هي مشوّهة وناقصة الأخبار ولم تعط قصص الأنبياء حقّها من المكانة والصحّة.وقد أنزل اللّه تعالى هذا القرآن الكريم لتصحيح هذا النقص الذي اتّصفت به التوراة المعاصرة.ومادام هذا المعترض يركّز اعتراضه على تفسير البيضاوي من جهة،وعلى عدم ورود اسم عاد في توراته،فلا حاجة للردّ عليه. وإلاّ فإنّ الآثار تدلّ على وجود قومي عاد وثمود،ووفق ما أورده القرآن الكريم.

الردّ على السؤال 44 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (قصّة ذي الكفل).وأورد هذا المعترض الآية 85 من سورة الأنبياء الوارد فيها أسماء (إسماعيل وإدريس وذا الكفل) كما أورد الآية 48 من سورة (ص) الوارد فيها (واذكر اسماعيل واليسعَ وذا الكفلِ وكلٍّ من الأخيار.).ومن ثمّ أورد ما قاله البيضاوي بشأن (ذو الكفل) وما ذكرته بعض التفاسير بشأنه هي أيضا.ومن ثمّ قال : (ولا تذكر التوراة ذا الكفل ولكنّها تذكر أنّ الرجل الذي عال مائة من الأنبياء هو عوبديا وزير الملك أخآب،وكان يخشى الربّ جدّا. وخبّا هؤلاء المائة وقت أن قتلت الملكة إيزابل أنبياء الربّ (1 ملوك 18: 1-16)).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: إنّ رجوع هذا القسّيس إلى تفسير البيضاوي وغيره من التفاسير،يثبت بأنّه يصطاد في الماء العكر على الدوام.فالتفاسير القديمة لا تُعتبر حجّة على معطيات آيات هذا القرآن العظيم.ولذلك فأنا أبتعد عن الدفاع عن تلك التفاسير القديمة.
لكنّ الذي اضطرّني للردّ على هذا القسّيس هو أنّه نفى وجود اسم (ذو الكفل) في التوراة
المعاصرة.متناسيا أنّ القرآن المجيد قد عرّب كثيرا من الأسماء الواردة فيها.ومن جملة هذه

الأسماء المعرّبة،اسم هذا النبيّ (ذو الكفل) والمترجم عن اسم النبيّ (حزقيال).والمخصّص له في العهد القديم سفر حزقيال النبي.ولربّما يصعقُ هذا القسّيس حين نفاجئه بهذه الحقيقة. ويطالبنا بالدليل على مصداقيّة ما ذكرناه له.ولا أبخلُ عليه بتقديم الدليل المطلوب.
فأقول: إذا راجع هذا المعترض معنى كلمة (حزقيال) يتبيّن له أنّها تعني (مَن كفله اللّه تعالى وقوّاه).ولذلك استبدل القرآن الكريم اسم (حزقيال) باسم (ذي الكفل) الدالّ على المعنى الذي تضمّنه الاسم المذكور.وإنّ ما يزيد في مصداقيّة ما ذكرته وذهبت إليه هو أنّ اللّه تعالى قد أورد قبل ذكره اسم (ذا الكفل) مباشرة،ذكر اسم إدريس.وهو الذي يسمّيه العهد القديم باسم (إشعيا).ومعلوم لدى هذا القسّيس بأنّه توجد هناك رابطة تربط ما بين إشعيا وما بين حزقيال النبيّ،ولذلك نلاحظ بأنّ المؤلّفين اليهود يقارنون ما بين إشعيا وما بين حزقيال النبيّ الذي يعتبرونه أحد الأربعة الأنبياء الكبار،وعلى اعتبار أنّه سليل عائلة متديّنة وأنّه قد تلقّى تعليمه في أورشليم القدس.فهل يكفيك أيّها القسّيس ما ذكرناه ؟

الردّ على السؤال 45 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (أصحاب الرسّ).وقد أورد هذا المعترض الآية 38 من سورة الفرقان التي قال اللّه تعالى فيها (وعاداً وثمودَ وأصحاب الرّس وقرونا بين ذلك كثيرا.).ونقل عن البيضاوي أنّه قال (أصحاب الرسّ قوم كانوا يعبدون الأصنام،فنعث اللّه تعالى إليهم شعيبا فكذّبوه.فبينما هم حول الرسّ –وهي البئر غير المطويّة-انهارت فخُسفَ بهم وبديارهم.وقيل الرسّ قرية بجهة اليمامة كان فيها بقايا ثمود فبُعث إليهمنبيٌّ فقتلوه فهلكوا.وقيل الرسّ الأخدود.وقيل الرسّ بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجّار.وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبيّ.ابتلاهم اللّه تعالى بطيرٍ عظيم كان فيها من كلّ لون.وسمّوها عنقاء لطول عنُقها.وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح أو دمخ،وتنقضُّ على صبيانهم فتخطفهم إذا أعوزها الصيد،ولذلك سُمّيت مغريا فدعا عليها حنظلة،فأصابتها الصاعقة.ثمّ أنّهم قتلوه فأهلِكوا.وقيل هم قوم كذّبوا نبيّهم ورسّوه أي دسّوه في البئر.).ومن ثمّ انتهى هذا المعترض من ذلك ليسأل،قال: (ونحن نسأل: ما هذه الرسّ ؟وفي أيّ بلاد ؟ وفي أيّ زمن ؟ لماذا لم يوضّح لنا القرآن ذلك إن كان للرسّ

وجود ؟) . ولابدّ أن لاحظ القارئ كيف أنّ أسئلة هذا المعترض تسبّبت بها روايات البيضاوي الكثيرة التي أوردها في تفسيره والمتناقضة في آن واحد.
فأقول ردّا على هذا السؤال: إذا راجعت أيّها القسّيس المعاجم العربيّة،فإنّك ستلاحظ بأنّهم ذكروا بأنّ كلمة (الرسّ) اشتُقّت من قولك: رسّ فلانٌ البئر،ومعناه حفرها.ثمّ إنّ معجم (بحر المحيط) قد ذكر بأنّ أصحاب الرسّ كانوا البقيّة الباقية من قوم ثمود.فإذا راجعت كتاب (العرب قبل الإسلام) لمؤلّفه المؤرّخ جرجي زيدان،فقد ذكر المؤلّف المذكور أنّ أصحاب الرسّ كانوا يشكّلون بقيّة قوم ثمود.وقد هاجر هؤلاء إلى جنوبي فلسطين،وذلك بعد أن انتشر نسل النبيّ إسماعيل عليه السلام في شبه جزيرة العرب.وهي حقيقة أوردها معجم (محيط المحيط) أيضا.فهذه هي إجابات أسئلتك المتعدّدة.أمّا قولك: (لماذا لم يوضّح لنا القرآن ذلك إن كان للرسّ من وجود ؟).فاعلم بأنّ القرآن الكريم ليس هو كتابٌ في التاريخ.فهو يُطلعنا على الأشياء الهامّة ويترك لنا إكمال البحث فيها.ثمّ إنّه لو أراد اللّه تعالى سرد تفاصيل الأمور التاريخيّة في كتابه العزيز،لاحتاج إلى مجلّدات.

الردّ على السؤال 46 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (حتّى لقمان نبيّ).وأورد هذا القسّيس الآيتين 12/13 من سورة لقمان (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر للّه ومن يشكر فإنّما يشكر لنفسه ومن كفر فإنّ اللّه غنيٌّ حميد.وإذ قال لُقمان لابنه وهو يعظه يا بنيّ لا تُشرك باللّه إنًَّ الشرك لظُلمٌ عظيم.).ومن ثمّ راجع تفسير البيضاوي الذي قال : (لقمان بن باعوراء من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته،وعاش حتّى أدرك داود عليه الصلاة والسلام،وأخذ منه العلم،وكان يفتي قبل مبعثه.).وبعد أن اقتبس هذا القسّيس ما ذكرناه من تفسير البيضاوي راح يتساءل ويقول: (فكيف يكون لقمان هذا نبيّا ؟ وكيف يعتبره البيضاوي أنّه عاصر أيوب وعاصر داود،وبين أيوب وداود ما يقرب من 900 سنة؟ وأين بلاد عوص حيث عاش أيوب من بلاد فلسطين حيث عاش داود ؟).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: أمّا ما ذكره البيضاوي فلم يذكره هذا القرآن الكريم. والبيضاوي لا يُعدّ تفسيره حجّة على القرآن المجيد.أمّا تساؤلك أيّها القسّيس: (فكيف يكون لقمان هذا نبيّا ؟),فاعلم أنّ ما ذكره القرآن،فقد ذكره لتصحيح عهدك القديم.

الردّ على السؤال 47 من الأسئلة التاريخية: وعنوانه (إسكندر الأكبر نبيّ !).ومن ثمّ أورد الآيات 83-88 من سورة الكهف (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا.إنّا مكّنا له في الأرض وآتيناه من كلّ شيء سببا.فأتبع سببا. حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذّب وإما أن تتّخذ فيهم حُسنا.قال أما من ظلمَ نفسه فسوف نعذّبه ثمّ يُردّ إلى ربّه فيعذّبه عذابا نُكرا.).ومن ثمّ نقل ما ذكره تفسير البيضاوي الذي لم يفهم مضامين هذه الآيات الكريمة على حقيقتها.والذي ممّا ذكره وقاله: (واختُلِفَ في نبوّته مع الاتّفاق على إيمانه وصلاحه.).ومن ثمّ فقد راح هذا القسّيس يقول: (ونحن نسأل كيف يجعل القرآن إسكندر الأكبر الملك اليوناني الوثني نبيّا يخاطبه اللّه ويوحي إليه ؟ وكيف يعزو إليه زيارة سدود تحت الأرض وآبار تغيب فيها الشمس ! وإذا كان اسكندر عمّر جيلين كما قال البيضاوي فما كان أقصر أعمار أهل زمانه ؟ فالتاريخ يقول إنّ اسكندر توفّي ابن ثلاث وثلاثين سنة في مدينة بابل سنة 323 ق.م.وكيف كان نبيّا ومؤمنا وقد كان من عبدة الأوثان وادّعى أنّه ابن آمون إله المصرييّن ؟ وإن كانت الشمس تغرب في بئر،فهل تدور الشمس حول الأرض أم الأرض حول الشمس ؟ أمّا السدّ الذي بناه اسكندر من زبُر (قطع) الحديد والنحاس بين جبلين،أحدهما مأهولٌ بأمّةٍ صالحةٍ والآخر بأمّة متوحّشة فلا نجد له أثرا.).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: لابدّ أن لاحظ القارئ كيف أنّ هذا القسّيس قد استند في كلّ ما اعترض عليه إلى أقوال البيضاوي التي لا تُعدُّ حجّةً على القرآن الكريم.ويذكر هذا القارئ كيف أنّي حين رددت على السؤال الأوّل من الأسئلة الجغرافيّة والذي كان عنوانه (مغيب الشمس في بئر حمئة)، فقد شرحت دلالات هذه الآيات العائدة إلى سورة الكهف.والتي نقضت من خلالها ما اعترض عليه هذا القسيس.لذلك فلا حاجة للتكرار.

الردّ على السؤال 48 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (الكعبة مقام إبراهيم).وقد أورد هذا المعترض الآيتين 96/97 من سورة آل عمران (إنّ أوّل بيت وُضعَ للناس للّذي ببكّة (مكّة) مباركا وهدى للعالمين.فيه آياتٌ بيّناتٌ مقامُإبراهيم ومن دخله كان آمنا وللّه على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا.).وبعد أن سرد هاتين الآيتين الكريمتين فقد أورد هذا القسّيس يقول: (ويقول الدكتور الخربطلي في كتابه "تاريخ الكعبة" إنّ الوثنييّن هم الذين بنوا الكعبة لعبادة زحل والأصنام.وكان العرب يحجّون إليها لتعظيم أصنامهم فيها،بدليل أنّ محمّدا لمّا تغلّب على أهل قريش كسر تلك الأصنام.ومعلوم أنّ إبراهيم كان يسكن أرض كنعان ولم يذهب إلى بلاد العرب.فمن الخطأ أن يُقال إنّ الكعبة بيت اللّه أو مقام إبراهيم.فأين بيت اللّه من بيت الأصنام ؟ وأين العبريّ من العربيّ ؟ وأين فلسطين من الحجاز ؟ وقد أورد الدكتور طه حسين هذه الفكرة في كتابه "الشعر الجاهلي".).أي أنّ هذا القسّيس قد استند في اعتراضه هذا إلى ما كتبه الدكتور الخربطلي وما أورده طه حسين وليس إلى القرآن الكريم.

فأقول ردّا على هذا الاعتراض: إنّ تساؤلاتك التي استدعتها أقوال الخربطلي وطه حسين هي تساؤلات وجيهة.أمّا القرآن الكريم فلم يؤيّد أقوال الكاتبين المذكورين بحال من الأحوال.بل الذي قاله هذا القرآن المبارك (إنّ أوّل بيت وُضع للنّاس للّذي ببكّة مباركا وهدى للعالمين.).وقد أشار القرآن من خلال قوله هذا إلى زمن أوّل نبيٍّ بعثه اللّه تعالى في هذه المنطقة من العالم وهو (آدم) عليه السلام.والذي صحّحت قصّته القرآنيّة قصّة (آدم) التوراتيّة التي زعمت أنّ آدم أوّل إنسان صنعه اللّه تعالى بيده كنحّات، وخلافا لمعطيات العلم الحديث الذي ثبت من خلاله أنّ البشر لم يوجدوا من إنسان واحد.وهي الحقيقة التي أثبتّ مصداقيّتها في مؤلّفي (نشوء الإنسان وتطوّره) فليرجع القارئ إليه.ثمّ إنّ اللّه عز وجلّ قد وصف هذا البيت الأوّل الذي أقامه النبيّ آدم لعبادة اللّه تعالى،قد وصفه بكونه (مباركا) من جهة، وأنّه تعالى قد جعله (هُدى للعالمين) من جهة أخرى.علما بأنّ كلمة البركة تعني لغةً ثبوت الخير الإلهيّ في الشيء ودوامه (محيط المحيط).وأمّا وصفُ اللّه تعالى لهذا البيت العتيق الذي أقامه النبي آدم عليه السلام بأنّه (هدى للعالمين)،فكلمة (هدى) تعني لغةً البيان والرشاد والدلالة ضدّ الضلال (محيط المحيط).وأمّ كلمة (العالمين) فتعني لغة الإنس والجنّ (محيط المحيط).وعليه فإنّ وصف اللّه تعالى أوّل بيت وُضع للناس الذي هو في
مكّة بأنّه (هدى للعالمين)،معناه أنّ كلّ إنسانٍ قد أراد أن يتبيّن تاريخ الأديان وأن يتلمّس الرشاد في حياته،فإنّ من واجبه حجّ البيت إن استطاع سبيلا،ومن منطلق أنّ هذا الحاجّ ستتبيّن له هناك في حرم هذا البيت الذي أقامه آدم لعبادة اللّه (آياتٌ بيّناتٌ مقام إبراهيم ومَن دخله كان آمنا).أي ستتبيّن لهذا الحاجّ عند حجّه (آيات) أي علامات على كون هذا البيت يعود إلى زمن آدم عليه السلام.فالحجر المحفوظ في زاوية حائط هذا البيت، هو علامة أولى لكونه (حجر الأساس) الذي وضعه آدم عند بنائه هذا البيت العتيق بيده. والعلامة الثانية الدالّة على تاريخ الأديان هو وجود (مقام إبراهيم) هناك في صحن هذا البيت العتيق.الأمر الذي يدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام قد أعاد تعمير هذا البيت العتيق وبمساعدة ابنه إسماعيل،وبأمر من ربّه عز وجلّ.ومعلوم أنّ إبراهيم يسمّونه أبو الأنبياء.وأنّ إبراهيم قد علّم أتباعه حجّ هذا البيت ما استطاعوا إليه سبيلا.وقد تناسى اليهود والنصارى هذه الوصيّة الإبراهيميّة،التي يذكّرهم بها وجود مقام إبراهيم في هذا البيت بالذات.وأضف إلى هذه العلامات التي ذكرناها علامة أخرى بارزة،وهي أنّ اللّه تعالى كان قد أوصى آدم وأتباعه أن يجعلوا هذا البيت العتيق آمنا فلا يُحدثوا فيه أيّة نزاعات.وبدليل أنّ أحفادهم من العرب تواصوا بهذه الوصيّة ليجعلوا هذا البيت العتيق آمنا.فالأمان الذي اتّصف به هذا

البيت العتيق هناك قد تحقّق عن طريق ما وصّى اللّه تعالى به نبيّه آدم عليه السلام.واستنادا إلى هذه المعاني والدلالات التي أفادتها هاتان الآيتان اللتان أوردهما هذا القسّيس،وأهملها هذا القسّيس ليعترض على ما ذكره الخربوطلي وطه حسين.أقول بصراحةٍ زائدة: ألا إنّ اللّه عز وجلّ قد أورد هاتين الآيتين الكريمتين من سورة آل عمران، من قبيل تذكير أهل الكتاب ببعض انحرافاتهم عن طريق الهدى،ومنها نُسيانهم فريضة حجّ البيت العتيق الذي بناه آدم عليه السلام ما استطاعوا إليه سبيلا.وقد قدّم اللّه عز وجلّ لأهل الكتاب وجود (مقام إبراهيم) دليلا على مصداقيّة هذا الطرح.فليخش ربّه هذا القسّيس بعد الذي سمعه مني من بيّنات تصحّح له معلومات كتابه المقدّس كيلا يصير حاله إلى جهنّم وبئس المصير.

الردّ على السؤال 49 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (امرأة أيّوب).وقد أورد هذا المعترض الآية 44 من سورة (ص) التي ورد فيها (وخذ بيدك ضِغثا فاضرب به ولا تحنث
إنّّا وجدناه صابرا نعم العبد إنّه أوّاب.).ومن ثمّ أورد يقول: (قال البيضاوي "الضغث" الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه_فاضرب به ولا تحنث- روي أنّ زوجة أيّوب ليا بنت يعقوب .وقيل رحمة بنت أفرايم بن يوسف ذهبت لحاجة فأبطأت.فحلف إن برئ يضربها مائة ضربة.فحلل اللّه يمينه بذلك.وهي رخصةٌ باقية في الحدود.).ومن ثمّ فقد راح هذا القسّبس يعترض على ما ذكره البيضاوي ويقول: (ونحن نسأل: كيف يصحّ لأيّوب البار الصبور على ضياع أولاده وعبيده ومواشيه أن يغضب على زوجته،وهو المشهود له في التوراة باللطف والحلم وخاصة مع زوجته،إذ قال لها تتكلّمين كلاما كإحدى الجاهلات! الخير نقبلُ من عند اللّه والشرّ لا نقبل"(أيوب 2: 10)وكيف يصحّ لأيّوب أن يتوعّد زوجته بالضرب مائة ضربة لمجرّد إبطائها ؟ وكيف يحلف ليضربها مائة سوط فينصحه اللّه أن يأخذ حزمة فيها مائة عود يضربها بها ضربة واحدة فلا تقع يمينه! وأين أيّوب من يعقوب حتّى يتزوّج ابنته،أو من يوسف حيث يتزوّج حفيدته؟والمعروف أنّ أيّوب سابق ليعقوب ويوسف تاريخيّا,وهذه القصّة موجودة في خرافات اليهود القدماء)

فأقول ردّا على هذا السؤال: ألا إنّ أسئلة هذا القسيس انصبّت على ما أورده البيضاوي في تفسيره،هذا التفسير الذي لا يعتبر حجّة على القرآن الكريم.وقد اعترف هذا القسيس في آخر كلامه بأنّ (هذه القصّة موجودة في خرافات اليهود القدماء).الأمر الذي يوضّح بأنّ البيضاوي قد أورد ما أورده بالرجوع إلى القصّة اليهوديّة المشار إليها.خصوصا وأنّ البيضاوي هو عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي.وُلد في مدينة (البيضا) بفارس قرب شيراز حيث وصل السبي اليهوديّ الذين نفاهم بختنصّر إلى العراق.وهناك انتشرت هذه الأفكار اليهوديّة التي أثّرت على تفكير البيضاوي وتفسيره لكتاب اللّه العزيز،وكأنّها حقائق ومسلّمات.فأقول لهذا القسيس إنّ هذه الآية التي اقتبسها من سورة (ص) لا تحتمل هذه المعاني التي أوردها البيضاوي.فاللّه عز وجلّ قد راح يمتدح عبده أيّوب ويقول: (واذكر عبدنا أيّوبَ إذ نادى ربّه أنّي مسّني الشيطان بنُصبٍ وعذاب.اركض برجلك هذا مُغتسلٌ باردٌ وشراب.ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمةً منّا وذكرى لأولي الألباب.وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنّا وجدناه صابرا نعمَ العبدُ إنّه أوّاب.)
ولقد اختصر القرآن المجيد أحداث عبده أيوب من خلال مضامين هذه الآيات الأربعة التي ذكرناها.مبيّنا بأنّ قوم أيوب لم يؤمن منهم معه إلاّ بقدر أفراد عائلته.وقد اضطهده قومه ومسّوه بنُصبٍ وعذاب،وإلى درجة ما عاد يحتمل تلك الحال الذي أوصلوه إليها. فعرض حاله على ربّه عز وجلّ.فأمره ربّه أن يهاجر من تلك الأرض إلى مكان فيه مُغتسلٌ باردٌ وشراب،يكفيه للإقامة هناك،وأهله وجماعة المؤمنين الذين معه.كما أمره وقال (وخُذ بيدِكَ ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنّا وجدناه صابرا نعم العبد إنّه أوّاب.).فالضغث معناه غصنُ شجرة في رأسها أوراق كأوراق النخيل.ومعنى الآية أنّ اللّه عز وجلّ قد أوصى عبده أيّوب أن يرحل بسرعة فائقة،وذلك بقطع غصنٍ في رأسه أوراق ليهشّ به على فرسه ليُسرعوا قدر ما استطاعوا بعيدا عن قومهم،وإلى المكان الذي دلّه عليه.وقد قدّم اللّه عز وجلّ حيثيّات أمره المذكور وقال (ولا تحنث إنا وجدناه صابرا).أي أنّ اللّه عز وجلّ قد أمر عبده أيوب أن يترك تبشير قومه ويهاجر من مسكنه لكثرة ما صبر أيوب على قومه وكثرة ما احتمل منهم من اضطهاد وعذاب.وعاد من الضروري أن يُنزل تعالى بهم عذابه.وبعد أن برّر تعالى أمره الذي أصدره إلى عبده أيوب أنهى الآية وقال مادحا إيّاه (نعمَ العبدُ إنّه أوّاب.).فهذه هي معاني معاني هذه الآيات فأين ما ذكره البيضاوي من أنّ أيوب توعّد زوجته بضربها مائة سوط ؟؟ بل قولوا بأنّ هذه القصّة المختصرة لحياة أيّوب قد صحّحت ما أورده العهد القديم حول حياة النبي أيوب من ترّهات غير معقولة.

الردّ على السؤال الخمسين من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (فرعون بنى برج بابل بمصر). وقد أورد هذا المعترض الآية 38 من سورة القصص (وقال فرعون يا أيّها الملأ ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري فأوقد يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلّي أطّلعُ إلى إلهِ موسى وإنّي لأظنّه من الكاذبين.).وبعد أن أورد هذا القسّيس الآية التي أوردناها آنفا، نسي أن ينقل لنا،وعلى عادته،ما ذكره البيضاوي في تفسيره لهذه الآية الكريمة.فتجاوز ذلك وقال: (ومعلوم أنّ البرج الذي كان بنو آدم يبنونه ليمسَّ رأسه السماء،وقد صنعوه من الطوب اللّبن المشوي بالنار،وهو برج بابل في بلاد الكلدانييّن.وقد شرعوا في بنائه عَقبَ حادثة الطوفان (تكوين 11: 1-9) فلا يمكن أن يكون الآمر بالبرج هو
فرعون! كما أنّ البرج لم يُبنَ في مصر! ولا يمكن أن يكون وزير فرعون هو هامان الوزير الفارسيّ! وقد بُني برج بابل قبل فرعون بقرونٍ طويلة !).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: إنّ هذه الآية الكريمة لم تذكر بأنّ برج بابل قد بناه المصريّون.فالعجب من هذا القسّيس أنّ تعصّبه قد أعمى بصيرته،فأفلت لسانه بما ذكره افتراء على نصّ هذه الآية الكريمة.والويل لمن يفتري الكذب على اللّه جلّ شأنه يقينا.

الردّ على السؤال 51 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (الطوفان على المصرييّن).ولقد أورد هذا المعترض الآية 133 من سورة الأعراف (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم آياتٍ مفصّلاتٍ فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين.).ومن ثمّ قال: (معلومٌ أنّ اللّه ضرب المصرييّن على يد موسى عشر ضربات هي: 1- الدمّ (خروج 7:20) .
2- الضفادع (خروج 8: 6). 3- البعوض (خروج 8: 17). 4- الذبّان (خروج 8: 24). 5- موت المواشي (خروج 9: 6). 6- الدمامل (خروج 9: 10). 7- البَرَد (خروج: 9: 23 ). 8- الجراد (خروج 10: 14). 9- الظلام (خروج 10: 23).- 10- موت الأبكار (خروج 12: 29و30). أمّا الطوفان فلم يُصِب مصر زمن فرعون،بل كان حدثا مشهورا حلّ بقوم نوح كما جاء بالأعراف 7: 63 و64).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: لقد سبق لي أن أجبت على مضمون هذا السؤال حين أجبت على السؤال 34 والذي عنوانه (ضربات مصر عشر لا تسع).لذلك فلا حاجة بي للتكرار.وقد طلبت من هذا القسّيس هناك أن يحاور جمعية الكتاب المقدّس بالمشرق بخصوص مصداقيّة ما ذكره القرآن العظيم بشأن تلك الضربات.

الردّ على السؤال 52 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (شاول الملك أو جدعون القاضي).
ومن ثمّ أورد هذا القسيس الآيات 247-251 من سورة البقرة وهي (وقال لهم نبيّهم إنّ اللّه قد بعث لكم طالوت ملكا.قالوا أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحقُّ بالملك منه ولم يؤت سعة من المال.قال إنّ اللّه اصطفاه عليكم وزاده بسطةً في العلم والجسم واللّه يؤتي مُلكهُ من يشاء واللّه واسعٌ عليم.وقال لهم نبيّهم إنّ آية مُلكِهِ أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربّكم وبقيّةٌ ممّا ترك آل موسى وآل هارون تحملُهُ الملائكة إنّ في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين.فلما فصل طالوت بالجنود قال إنّ اللّه مبتليكم بنَهَر فمن شرب منه فليس منّي ومن لم يطعمه فإنّه مني إلا من اغترف غُرفةً بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم.فلمّا جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.قال الذين يظنون أنّهم ملاقو اللّه كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن اللّه واللّه مع الصابرين.ولمّا برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربّنا أفرغ علينا صبرا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.فهزموهم بإذن اللّه وقتلَ داود جالوت وآتاه اللّه المُلك والحكمة وعلّمه ممّا يشاء.).وبعد أن سرد هذه الآيات الكريمة كتب يقول معترضا: (والقصّة أنّ صموئيل النبيّ مسح شاول الملك (الذي يسميه القرآن طالوت) لطول قامته ملكا على بني إسرائيل.وفي أيّامه بارز دادد جالوت (الذي هو جليات) وقتله. ونصر اللّه بني إسرائيل.غير أنّ القرآن خلط هذه القصّة بحكاية جيش جدعون الذي امتحنه بالشرب من النهر عندما حارب المديانييّن (قضاة 7: 1-8) واعتبر أنّ شاول أو طالوت هو جدعون،واعتبر أنّ الحرب مع الفلسطينييّن هي الحرب مع المديانييّن،مع أنّ بين الحادثتين زمن مديد! ؟).

فأقول ردّا على هذا الاعتراض: إنّ هذا القسّيس يتّهم القرآن الكريم بأنّه خلط في هذه الآيات ما بين قصّة مبارزة الملك داود مع جالوت وتغلّبه عليه.تلك القصّة التي حدثت قبل المسيح بألف واربعمائة عام،خلطها بقصّة جدعون الذي حارب المديانييّن،والذي حدثت قصّته بعد تلك القصّة بمائتي عام تقريبا.ولم يقدّم هذا القسّيس أيّ دليلٍ على ما زعمه وادّعاه.فالقرآن لم يتكلّم في هذه الآيات الكريمة عن تلك القصّة القديمة المعروفة قصّة مبارزة داود مع جالوت.بل تكلّمت هذه الآيات عن جدعون الذي حارب المديانييّن. ولعلّ الذي خدع هذا القسّيس قول اللّه تعالى عن تاريخ هذه القصّة (من بعد موسى). فظنّ أنّ القرآن يتكلّم عن القصّة التي حدثت من بعد موسى بسنوات.مع أنّ البعديّة لا تفيد الزمن القريب من موسى،بل تفيد الزمن القريب والبعيد منه أيضا.فحادثة داود قد
حدثت من بعد موسى.وإنّ حادثة جدعون قد حدثت من بعد موسى هي أيضا ،وذلك بغضّ الطرف عن الفاصل الزمني الذي يفصل بين القصّتين.أضف إلى ذلك أنّ هذه الآيات الكريمة ذكرت علامات لهذه القصة المتعلّقة بجدعون تميّزها عن قصّة مبارزة داود جالوت.
التي كانت قد حدثت زمن الملك (شاول).فمن أبرز تلك العلامات الفوارق أنّ الآيات ذكرت (إنّ اللّه مبتليكم بنهر).أي أنّ اللّه تعالى امتحن الجنود في هذه القصّة عن كيفيّة شربهم من النهر الذي وصلوا إليه.على حين أنّ مبارزة داود مع جالوت لم يحدث حين وقوعها مثل هذه العلامة الفارقة.بل وردت هذه العلامة في سفر القضاة الإصحاح السابع.
كذلك ذكر القرآن الكريم علامة فارقةً أخرى وهي اعتراض قوم النبيّ الذي قال (إنّ اللّه قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنّى يكون له الملك ونحن أحقّ بالملك منه ولم يؤت سعة من المال).فالقوم اعترضوا على تعيين النبيّ جدعون بسبب أنّه كان فقيرا.وداود لم يكن فقيرا حين آتاه اللّه الملك.أمّا تسمية القرآن الكريم لجدعون باسم (طالوت) فقد وردت هذه التسمية على سبيل الوصف وليس على سبيل الحقيقة.ومن باب أنّ كلمة طالوت العربيّة تحمل نفس معنى كلمة جدعون العبريّة.فكلمة طالوت اشتقّت من طول القامة والتفوّق على الآخرين.وكلمة جدعون العبريّة تفيد نفس هذه المعاني.ولم ينتبه هذا القسّيس إلى هذه الحقيقة بسبب عقله التقليديّ وابتعاده عن التحقيق بنفسه في كلّ معلومة يقدّمها في مؤلّفه.هذا وإنّ جميع ما تبقّى من معلومات أوردتها هذه الآيات من سورة البقرة تؤكّد بأنّ النصر الذي تحقّق كان قد تحقّق على أيدي جدعون.وعلى هذه الصورة يكون القرآن الكريم قد صحّح لأهل الكتاب حقيقة هذه القصّة من تاريخهم بأسلوبٍ بيانيٍّ معجزٍ وبصياغة بيانيّة معجزة وردت وفق الأصول التي قام عليها هذا القرآن العظيم.فالمتبادر لذهن القارئ منه لا يكون هو المعنى المقصود.فراجع أيها القسّيس مؤلّفي (منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره) لتطّلع على تلك الأصول التي ينبغي التقيّد بها عند فهمك لمضامين الآيات القرآنيّة.وليس أن تراجع تفسير البيضاوي الفارسي وتفاسير غيره من القدماء.

الردّ على السؤال 53 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (يتكلّم في المهد).وقد أورد هذا المعترض الآية 46 من سورة آل عمران (ويكلّم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين.)
والآية 110 من سورة المائدة (إذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيّدتك بروح القدس تكلّم الناس في المهد وكهلا).والآية 29 من سورة مريم: (فأشارت إليه قالوا كيف نكلّم مَن كان في المهد صبيّا.).وبعد أن أورد هذه الآيات الثلاثة راح يقول: (ويقول الكتاب المقدّس إنّه لما جاء المسيح في الجسد كان ينمو نموّا طبيعيّا،سواء في بدنه أو عقله وتفكيره.فقال الإنجيل: وأمّا يسوع فكان يتقدّم في الحكمة والقامة والنعمة،عند اللّه والناس (لوقا: 2: 52).فلم يحدث أن تكلّم المسيح في المهد.). فقال هذا القسّيس مقولته هذه وسكت.وكأنّه فهم الآيات والأناجيل.

فأقول ردّا على اعتراضه: المؤسف جدّا أن يكون هذا القسّيس على هذا المستوى من الغباء.فلا هو حقّق فيما اعترض عليه حتّى الآن بنفسه.ولا هو استعرض جميع ما في العالم الإسلاميّ من تفاسير تسدّ نقاط الاعتراض الذي ملأ صفحات كتابه بها.ولا يبدو من خلال اعتراضاته أنّه يطلب الحقيقة.بل لابدّ أنّ القارئ قد لاحظ حتّى الآن كيف أنّ هذا القسّيس يعترض لمجرّد الاعتراض والطعن في هذا القرآن الكريم الذي صحّح لهذا القسّيس ومن وراءه من أهل الكتاب جميع أهمّ الأخطاء التي وقعَ فيها كُتّاب أسفار وأناجيل كتابه المقدّس وطهّر تاريخ أنبياء اللّه الكرام ممّا ألحقه أولئك الكتبة بتاريخهم من تشويه يندى له الجبين.فأقول : إنّ الآيتين من سورة آل عمران والمائدة،قد أوردت تقابلا كلاميّا فورد فيها قول اللّه تعالى (في المهد وكهلا).وأمّا الآية من سورة مريم فلم تورد هذا التقابل الكلاميّ ، بل بيّنت حقيقة.فكلمتا (المهد واللّحد) كلمتان يقابل إحداها الآخر وتشيران إلى فترتين زمنيتين من حياة هذا الإنسان.فالمهد كلمة تشير إلى فترة ما قبل الأربعين من عمر الإنسان. واللّحد كلمة يُشار بها إلى فترة ما بعد الأربعين من عمر هذا الإنسان.فهذه حقيقة لغويّة وضّحتها جميع معاجم اللّغة.ولا حاجة لمناقشتها.وننتقل إلى ما ورد في سورة مريم التي ورد فيها أنّ المسيح الناصري عندما حضر إلى القدس وأخذ يبشّر بدعوته.التفّ علماء اليهود حول أمّ المسيح متعجّبين ومستنكرين ما صدر عنه.قالوا (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سَوء وما كانت أمّك بغيّا.) أي أنّك يا مريم من أبوين صالحين،فمن أين

أتيت بهذا الابن الذي نسمع ما نسمع منه ؟ وبما أنّ السيّدة مريم كانت مؤمنة بدعوة ابنها المسيح والذي رأت في حملها إيّاه من دون أب معجزة سماويّة.فلم تجب علماء اليهود على سؤالهم تأدّبا أمام ابنها المسيح عليه السلام.ويقول القرآن الكريم (فأشارت إليه،قالوا كيف نكلّم مَن كان في المهد صبيّا.).فالكلام في هذه الآية كلام علماء اليهود،وليس هو كلام المسيح أو أمّه.فقولهم (كيف نكلّم من كان في المهد صبيا). فكلمة (كيف) تستعمل على وجهين في اللّغة العربيّة.إما أن تكون شرطا،فتستلزم ورود فعلين بعدها غير مجزومين.كأن تقول كيف تصنعُ يا فلان أصنع.وإمّا أن تكون استفهاما،ويكون قصد قائلها حينئذ توبيخ المخاطب المستفهم منه.وكما هو الحال في هذه الآية الكريمة (محيط المحيط).وورد توبيخ علماء اليهود السيّدة مريم،بعد أن رفضت الردّ على ما اتّهموها به من اتّهام شنيع.وبدلا من الإجابة (فأشارت إليه) أي دعتهم للاستفهام من السيّد المسيح نفسه.وهنا وبّخ علماء
اليهود مريم وقالوا (كيف نكلّم من كان في المهد صبيّا).وإنّ هذا القسّيس لم يتدبّر بنفسه ألفاظ هذه الآية الكريمة.بل فهم منها ما كان قد قرأه في التفاسير القديمة من أنّ المسيح تكلّم وهو في سنّ الرضاعة.على حين أنّ ألفاظ هذه الآية الكريمة لا تفيد ما ذهب إليه

المفسّرون القدماء من معنى يخالف مُعطيات ألفاظها.فالآية أوردت كلمة (المهد) الذي سبق أن قلت أنّه يُطلق على زمن ما قبل الأربعين من العمر.وفي مقابل كلمة (اللّحد).كذلك أوردت الآية كلمة (صبيّا) على لسان علماء اليهود.وقد ورد في معجم (محيط المحيط): إذا قلت صبا فلان فمعناه أنّه مال إلى جهلة الفتوّة.والصبوة مصدر وتعني جهلة الفتوّة.فالصبيّ إذن يشير إلى سنٍّ دون سنّ الفتى.وما دام علماء اليهود قد استعملوا كلمة (صبيا) على سبيل توبيخ السيّدة مريم والاستهزاء بها.فالمستهزئ لا يورد السنّ الحقيقيّ للمستهزأ به،بل يورد السنّ الأقلّ من سنّه الحقيقي لتصغيره والاستهزاء به.وهو ما فعله علماء اليهود في هذا المقام.وما داموا قد قرنوا كلمة (المهد) بكلمة (صبيّا) فقد نبّهوا في الوقت نفسه إلى أنّ الذي يصبح عالما ونبيّا ينبغي أن يكون قد جاوز سنّ المهد من حياته ودخل في سنّ شيخوخته.من هنا عُدنا نُدرك بأنّ المسيح الناصري كان في ذاك الموقف في سنّ فتوّته وشبابه يقينا.ويكون القرآن الكريم بهذا قد اتّفق مع ما أورده كتّاب الأناجيل من أنّ المسيح الناصري حين قدم إلى القدس كان يناهز الثلاثين من عمره.كذلك اتّفق مع ما طرحه هذا القسّيس وقال (فلم يحدث أن تكلّم المسيح في المهد) .ويكون قد ثبت في الوقت نفسه خطأ ما فهمه المفسّرون القدماء من أنّ المسيح تكلّم وهو رضيع.

الردّ على السؤال 54 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (يصنع من الطين طيرا).وقد أورد هذا المعترض الآية 110 من سورة المائدة (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخُ فيه فيكون طيرا بإذني.).ومجاء في الآية 49 من سورة آل عمران (قد جئتكم بآيةٍ من ربّكم أنّي أخلقُ لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخُ فيه فيكون طيرا بإذن اللّه.)؟ ومن ثمّ كتب يقول: (ويقول المسلمون إنّ المسيح لما كان صبيا خلق من الطين طيرا.ويؤمن المسيحيون أنّ المسيح كلمة اللّه،وهو الذي "كلّ شيء به كان،وبغيره لم يكن شيء ممّا كان".(يوحنا 1: 3).ولكنّهم يؤمنون أنّ المسيح لمّا تجسّد لبث ثلاثين سنة قبل أن يبدأ
في الكرازة وعمل المعجزات (لوقا 3: 23).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: إنّ هذا القسّيس يتّخذ ما أورده المفسّرون القدماء من تفاسير وما أوردوه من روايات مصدرا لجميع اعتراضاته،وكأنّ تفاسيرهم ورواياتهم حججٌ على القرآن الكريم.وإنّ ما يتّهم المسلمين به في اعتراضه هذا مُستفادٌ من تلك التفاسير.أما أنا الذي فتح اللّه تعالى عليّ (منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره)،وكتبت مؤلّفا يشرح ذلك ،فأنا لا أفهم من مضموني الآيتين التين أوردهما هذا القسّيس،ما فهمه المفسّرون القدماء منهما رحمهم اللّه تعالى.وإلى هذا القسّيس ما فهمته من هاتين الآيتين،وما اعتقدته من خلالهما من عقيدة هي عقيدة المسلم الحقيقي.

وأورد للقارئ العزيز الآية 110 من سورة المائدة بكاملها (إذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيّدتك بروح القدس (وقف) تكلّم الناس في المهد وكهلا وإذ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلقُ من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتُبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرجُ الموتى بإذني وإذ كففتُ بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبيّنات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحرٌ مبين.).وهنا ينبغي على القارئ أن ينتبه إلى إشارة (الوقف) الواردة بعد قول اللّه تعالى (إذ أيّدتكَ بروح القدُس).إذ أنّ من خصائص إشارة الوقف هذه،أنّها حيث وردت في كتاب اللّه القرآن الكريم فيكون المقصد منها دعوة القارئ ليتوقّف عن التلاوة وليتفكّر فيما يفيده الكلام الذي سبقها على وجهه الصحيح.وعليه فإنّ إشارة الوقف هذه تدفعنا لنفهم معنى قوله تعالى (إذ أيّدتك بروح القدس).ذلك أنّ المسيحييّن يعُطون كلمتي (روح القدس) دلالتهما على الإقنيم الثالث من عقيدة التثليث خطأ.وخلاف دلالتهما اللّغويّة الحقيقيّة.فبما يتعلّق بكلمة (الروح) بضمّ الراء، فقد قال أبو البقاء في الكلّيات إنّ من معاني كلمة (الروح) أنّها تشير إلى جزء النفس الذي تحصل به الحياة واستجلاب المنافع ودفع

المضارّ.كما استُعير لفظ (الروح) في القرآن الكريم دلالة على الوحي الإلهي،نحو (تنزّل الملائكة والروح) – (محيط المحيط)-.وأمّا كلمة (القُدُس) فهي اسمٌ ومصدرٌ وتعني الطُهر
(محيط المحيط).وعليه يصبح معنى (روح القدُس) الوحي الإلهي الطاهر غير المشوب بشيء
وإنّ إشارة الوقف إذن قد نبّهتنا إلى أنّ المسيح ابن مريم وإن كان شابا حين أوتي الرسالة،فقد كان ملهما ومؤيّدا بوحي اللّه الطاهر.وعلى أساس من هذا الفهم يفسّرُ كلّ ما يرد بعد إشارة الوقف المذكورة من دلالات.وينبغي هنا علينا أن نتذكّر بأنّ اللّه عز وجلّ لا يذكر أمرا متعلّقا بأهل الكتاب وأنبيائهم إلا لتصحيح ما هو شائع بينهم خطأ. وإلاّ فالقرآن الكريم ليس هو بكتاب تاريخيٍّ أو كتاب قصصي.فمن هذا المنطلق وعلى أساس من دلالة قوله تعالى (إذ أيّدتك بروح القدس)،أتناول فقرة (تكلّم الناس في المهد وكهلا) أتدبّرها.فإذا علمنا أنّ المهد واللّحد كلمتان تُطلقان على أوّل العمر وآخره.فإنّ هذه الفقرة تفيد أنّ المسيح قد نجّاه ربّه من ميتة اللّعنة على الصليب فنزل حيّا وهاجر من فلسطين إلى البلاد التي كان ملك العراق قد سبى اليهود من فلسطين إلى العراق فانتشروا في تلك البلاد.وأنّ المسيح قد عاش عمرا مديدا،بدلالة (وكهلا)،وأنّه مات في تلك البقاع التي هاجر إليها.وهذه حقيقة بإمكان القارئ معرفتها بالتفصيل إذا طالع مؤلّفي (هل مات المسيح على الصليب ؟).

وأنتقل لأتدبّر قوله تعالى (وإذ تخلُق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني).ففعل (تخلق) اشتقّ من قولك خلق الشيء،ومعناه ملّسه وليّنه (محيط المحيط).وقد أخذنا بهذا المعنى من منطلق أنّ عمليّة الخلق التي يقوم بها اللّه عز وجلّ، يستحيل أن يقدر على القيام بها مخلوق من دونه سبحانه وتعالى.فاللّه (خلاّق) وهذه إحدى صفات تنزيه ذاته المقدّسة.وأمّا كلمة الطين.فقد استُعملت هنا في هذه الآية استعارة للدلالة على معنى مجازيّ.ففي سورة الأعراف الآية 12 ورد عن لسان إبليس (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين).دلالة على أنّ خاصّية آدم عليه السلام كانت أشبه بخاصيّة الطين. فآدم ليّن الطبع يستجيب لصوت ربّه بسهولة ويُسر.على حين أنّ خاصيّة إبليس أشبه بخاصّية النار.من العسير تليينها وتطويعها للصوت السماويّ.وأمّا قوله تعالى (كهيئة الطير)
فالكاف كاف التشبيه.وقد وردت هذه الكاف لتشبيه عمليّة الخلق التي تفيد التليين معنى مجازيّ أيضا وهو أنّ كلّ من سيحاول المسيح تربيتهم وتليين طباعهم وعاداتهم بإذن ربّهم وفق تعاليم السماء،سيعودون يُشبهون الطير بسبب أنّهم سيصبحون أناسا روحانييّن دينياً يحلّقون في سماء الروحانيّة ويتقرّبون من خالقهم ويجذبون محبّته ورضوانه بإذن ربّهم أيضا.ومن باب أنّ اللّه تعالى هو الهادي الحقيقيّ،وليس المسيح الذي هو أداة بين يديه عز وجلّ.فإشارة إلى هذه الحقيقة تكرّر ورد لفظ (بإذني).تنبيها إلى أنّ المسيح ،هو كسائر رسل اللّه تعالى،لا يملك قوّة الهداية والخلق الشخصيّة.والدليل الذي يثبت صحّة هذه المعاني التي بيّنتها وذهبت إليها ، هو أنّ اللّه جلّ شأنه أكمل وقال (فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني.).أي أنّ اللّه تعالى أورد ضمير (فتنفخ فيها) مؤنّثا،على حين أنّ (الطين) مذكّر.فلو كان تعالى قد استعمل (تخلق من الطين) بمعناه الحقيقي.لكان ينبغي أن يقول فتنفخ فيه، وليس أن يقول فتنفخ فيها.فعمليّة النفخ تتمّ في خاصيّة النفس البشريّة وليس في كيانها المادّي.فهذه هي معاني هذه الآيات التي أوردها هذا القسّيس،ومستندا فيما طرحه إلى فهم المفسّرين القدماء رحمهم اللّه تعالى البعيد عن حقيقة مضامين هذه الآيات الكريمة.فالمسيح الناصري كان بشرا ورسولا إلى بني إسرائيل وكان قد صدر عنه من الآيات ما كان يصدر عن كلّ رسول سماويٍّ من آيات.وبهذه المعاني يكون القرآن الكريم حين أورد ما أورده بحقّ المسيح الناصري.فقد أورده ليصحّح هذه المزاعم التي أوردها كُتاب الأناجيل بشأن شخصيّة المسيح عليه السلام.

الردّ على السؤال 55 من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (إنكار الصّلب).وقد أورد هذا القسّيس في سؤاله الأخير هذا، الآيات 157/158 من سورة النساء التي قال اللّه عز وجلّ فيها: (وقولهم (اليهود) إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّهَ لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباعَ الظنّ وما قتلوه يقينا. بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزا حكيما.).ومن ثمّ فقد راح هذا القسّيس يقول: (فلماذا يُنكر القرآن صلب المسيح وقتله بأيدي اليهود،مع أنّ اليهود يعترفون بذلك،والنصارى يؤكّدونه ويفتخرون به ؟ والإنجيل كلّه هو خبر صلب المسيح والبشارة به كفادٍ للبشر ؟ وفي القرآن عشرات الآيات التي تفيد أنّ القرآن جاء مصادقا لِما مع اليهود والمسيحييّن من التوراة والإنجيل ؟ ويذكر القرآن في مواضع أخرى موت المسيح وقيامته وارتفاعه إلى السماء كقوله: (إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ) (سورة آل عمران 3: 55).وفيه يقول المسيح: (لمّا توفّيتني

كُنت أنت الرقيب عليهم) (سورة المائدة : 117).ويقول أيضا: (والسلام عليّ يوم وُلِدتُ ويوم أموت ويوم أُبعثُ حيّا) (سورة مريم: 33). أليس غريبا أن يجيء مَن يُنكر صلب المسيح بعد حدوثه بستمائة سنة ؟ إنّ حادثة الصلب حقيقة تاريخيّة سجّلها الرومان واليونان واليهود والمسيحيّون.وفي مجمع نيقيّة الذي انعقد سنة 325 م كتب أساقفة العالم المسيحي قانون الإيمان مقرّرا صلب المسيح لأجل خلاصنا،وهو القانون الذي يتلوه كلّ مسيحيّ في كلّ كنيسة في كلّ مكان وزمان ! وآثار المسيحييّن في القرون العشرين الفائتة في كلّ أنحاء العالم تحمل شارات الصليب ؟ فكيف يُنكِر أحدٌ تاريخيّة الصليب ؟).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: إذا كنت يا عزيزي القسّيس عبد اللّه عبد الفادي منطلقا فيما ذكرته واعترضت عليه مّما يعتقده أغلب مسلمي عصرنا من عقيدة بشأن المسيح ابن مريم من أنّ القرآن المجيد قد نفى أن يكون قد صُلب أو يكون قد قتل.فأنا أعذرك وجميع من سار على أثرك من أتباعك.ولكنّي أختلف مع هذه الغالبيّة من المسلمين ممّن يعتقدون هذا الاعتقاد الشائع بينهم خطأ والذي لا تُقرّه مُعطيات الآيتين 157/158 من سورة النساء.فحقّ لك أن تتساءل (أليس غريبا أن يجيء من يُنكر صلب المسيح بعد حدوثه بستمائة سنة ؟). وقولك (أنّ اليهود يعترفون بذلك ويؤكّدونه ويعترفون به ؟).فأنتم أهل الكتاب من يهود ومسيحييّن تعتقدون جازمين بأنّ المسيح مات على الصليب الذي كان بيلاطس قد أمر بتعليقه عليه إرضاء لمطالبة اليهود الذين كانوا يتعاملون مع كلّ مدّعٍ للنبوة بهذا التعامل.فيقتلونه وذلك لإثبات كذب نبوّته.ويكون دافع سلوكهم هذا هو ما ورد في سفر التثنية 18/20 من معيار وهو ( أنّ النبيّ الكاذب يُقتل).ويموت ملعونا.

لكن الرجاء يا عزيزي القسّيس أن تُصغي إليّ ولتحيط علما بما أفهمه من هاتين الآيتين المذكورتين.هذا إن كنتَ طالب حقيقة وتريد وجه اللّه وخاتمة حسنة لحياتك الدنيويّة.فأنا فهمت من مضمون هاتين الآيتين المذكورتين،بأنّهما اتفقتا مع اليهود والنصارى من أنّ المسيح الناصري نفسه قد علّقوه على الصليب بقصد إماتته عليه،وليس أحدا غيره.وأنّ ما نفته هاتان الآيتان،لم يكن تعليق المسيح على الصليب ولكن نفي موته عليه.فالمسيح لم يتمّ موته على خشبة الصليب).بل كانوا قد أنزلوه حيّا، ودفنوه حيّا،وإنّ هذا التعبير الذي دأب كتبة الأناجيل على ترديده وهو (وقام من بين الأموات) قد وصفت حالة راهنة وليس معناها أنّ المسيح كان ميتا وقام.فالمسيح وهو على الصليب كان مخدّرا بذاك السائل المخدّر الذي سقوه إيّاه وهو على خشبة الصليب وقال (أنا عطشان).وإنّ كتبة الأناجيل ما كانوا يدرون هذه الحقيقة والواقع الذي كان عليه حال المسيح.بسبب أنّهم توارثوا ما كتبوه،ولم يشاهدوا الحادثة بأعينهم.وإنّ اصطلاح كتبة الأناجيل (قام من بين الأموات) كان يدفعهم بطبيعة الحال ليصيغوا جميع ما كتبوه بحقّ نهاية المسيح على أساس من هذا الفهم الذي توارثوه وكانوا عليه وجاء القرآن الكريم لتصحيح مضمونه.

فإن أنت وَعيتَ هذه الحقيقة التي بيّنتها لك يا عزيزي القسّيس المعترض،فقد حقّ لك أن تطالبني بعد هذا الذي بيّنته لك هنا بالذات بتقديم الدّليل على مصداقيّة ما طرحته على مسامعك آنفا.وهو الطرح الذي جهله المفسّرون المسلمون القدماء الذين كانوا قد تأثّروا بما كان رائجا بين مسيحيي زمانهم من اعتقاد خاطئ.والذين لم يتدبّروا هاتين الآيتين بأنفسهم وبمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.وبداية تعال معي أختصر لك هذا الدليل الذي تطالبني به ، فأنا استنبطته من مُعطيات الأناجيل الأربعة المعاصرة التي هي بين يديك وتكرز بها ليل نهار.فافتح إنجيل متّى على الإصحاح 12: 38 تلاحظ بأنّ كاتبه ذكر وقال (حينئذٍ أجاب قوم من الكتبة والفرّيسيين قائلين يا معلّم نريد أن نرى منك آية.فأجابهم وقال لهم:جيلٌ شرّيرٌ فاسقٌ يلتمس آية،ولن يُعطى سوى آية النبي يونان.فكما بقي يونان في بطن الحوت ثلاثة أيّام وثلاث ليال،فكذلك يبقى ابن الإنسان في جوف الأرض ثلاثة أيّام وثلاث ليال..).فإن كُنت يا عزيزي القسّيس غير ذاكر ما ورد حرفيّا في سفر يونان،فأنا أعيد نصّه على مسامعك مجدّدا.فقد ورد هناك (فأعدّ الربّ حوتا عظيما لابتلاع يونان،فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيّا وثلاث ليالي.فصلّى يونان إلى الربّ من جوف الحوت..فأمر الربّ الحوت،فقذف يونان إلى اليابسة..).وإنّ حقيقة هذا النصّ قد أكّدها القرآن العظيم من خلال قول اللّه تعالى في الآيات من سورة الصافّات (فالتقمه الحوت وهو مليم.فلولا أنّه كان من المسبّحين.للبث في بطنه إلى يوم الدين.فنبذناه غب العراء وهو سقيم.).

والآن فسأحاول أن أثبت لك بأنّ نبوءة إنجيل متّى 12/37 لم تتحقّق من الوجهة الزمنيّة، التي هي ثلاثة أيّام وثلاث ليال،بل تحقّقت من حيث دخول المسيح بطن القبر الذي وضعوه فيه حيّا وخروجه منه حيّا.فإن أثبتّ لك ما ذكرته لك آنفا أكون قد أثبتّ لك بأنّ المسيح لم يكن ميتا حين أنزلوه من على الصليب.والآن لتطالع يا عزيزي القسيّس
ما ورد في نفس إنجيل متى الإصحاح 27 فقد ورد فيه (فأخذ يوسف الجثمان،ولفّه في كتّان خالص ووضعه في قبرٍ له جديد كان قد حُفِر في الصّخر،ثمّ دحرج حجرا كبيرا على باب القبر وانصرف...وفي الغد أي بعد يوم التهيئة للسبت،ذهب عظماء الكهنة والفريسيون معا إلى بيلاطس وقالوا له:يا سيّد تذكَّرْنا أنّ ذاك المضلّل قال،إذ كان حيّا: سأقوم بعد ثلاثة أيّام.فمُر بأن يُحفظ القبر إلى اليوم الثالث،لئلا يأتي تلاميذه فيسرقوه ويقولوا للشعب: قام من بين الأموات.فيكون التّضليل الآخر أسوأ من الأوّل.فقال لهم بيلاطس: عندكم حرسٌ،فاذهبوا واحفظوه كما ترون.فذهبوا وحفظوا القبر،فختموا الحجر وأقاموا عليه حرسا.ولمّا انقضى السبت وطلع فجر يوم الأحد،جاءت مريم المجدليّة ومريم الأخرى تنظران القبر،فإذا زلزالٌ شديدٌ قد حدث.ذلك بأنّ ملاك الربّ قد نزل من السماء وجاء إلى الحجر فدحرجه وجلس عليه,وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج.فارتعد الحرس خوفا منه وصاروا كالأموات.فقال الملاك للمرأتين: لا تخافا أنتما،أنا أعلم أنّكما تطلبان يسّوع المصلوب،إنّه ليس ههنا، فقد قام كما قال.تعاليا فانظرا الموقع الذي كان قد وُضع فيه.وأسرعا في الذهاب إلى تلاميذه وقولا لهم: إنّه قام من بين الأموات،وهاهو ذا يتقدّمكم إلى الجليل، فهناك ترونه،ها إنّي قد بلّغتكما.).
ومن خلال هذا النصّ يتبيّن لك يا عزيزي القسيّس بأنّ المسيح دُفن مساء يوم الجمعة عند غياب الشمس.أي وقت انتهاء يوم الجمعة وابتداء يوم السبت،ولذلك سمّوا ذاك الوقت باسم (يوم التهيئة) وفيه كان اليهود يهيّئون للاحتفال بيوم السبت.(الكتاب المقدّس حاشية 34).ويتبيّن لك يا عزيزي القسّيس بأنّه لم يكن لجسد المسيح من وجود صباح يوم الأحد عندما زارته مريم والأخرى معها.فإن أنت قُمتَ الآن بعمليّةٍ حسابيّة صغيرة، يتبيّن لك بأنّ المدّة الواقعة ما بين مساء الجمعة وما بين فجر يوم الأحد،لا تتجاوز نهاراً وليلتين.فإن أنت قارنت هذه المدّة مع ما ورد في سفر يونان الذي قال (فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيّام وثلاثة ليالي..)،يتبيّن لك وجود فارق زمنيٍّ يقارب نصف المدّة المطلوبة.والتي ذكرها سفر يونان.ولا يُعقل أن يكون المسيح الناصريّ كاذبا في نبوءته
(جيلٌ فاسدٌ فاسقٌ يطلب آية،ولن تُعطى له سوى آية يونان ..) فتلك الزيادة في هذه النبوءة التي أوردها كتبة الأناجيل،قد كتبوها بدافع ما في واقعة سفر يونان النبيّ من شرح لذلك ذكروا بأنّ المسيح سيدخل القبر بعد حادثة الصلب ميّتا ويظلّ فيه ثلاثة أيام وثلاثة ليالي.مع أنّ القصد من هذه النبوءة التي تنبّأ بها السيّد المسيح،كان القصد منها أنّ المسيح سينزل من على الصليب حيّا ويدخل القبر حيّا مخدّرا،ويخرج من قبره حيّا بعد أن تزول عنه حالة التخدير الذي كانت قد تملّكته.فإن أنت سلّمت معي يا عزيزي القسيّس بهذا التحليل والاستنباط الذي ذكرته لك.ففي هذه الحالة لا نعود ندقّقُ معا في طول المدّة التي بقي المسيح خلالها في القبر الذي وضعوه فيه.

وعلى هذه الصورة يكون القرآن الكريم قد نبّه إلى هذه الحقيقة التي بيّنتها لك آنفا،وذلك من خلال قوله تعالى بعد ستمائة سنة من حادثة الصلب (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم وإنّ الذي اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علم إلاّ اتّباع الظنّ.).والمعنى هو أنّ اليهود وإن زعموا أنّهم أماتوا المسيح على الصليب.فالحقيقة هي أنّهم لم يتيقّنوا من موت المسيح على الصليب.وأنّ عمليّة صلب المسيح كانت ناقصة.فلا يسمّى مصلوب إلاّ كلّ من علّقوه على الصليب وأماتوه عليه.ووفق معيار العهد القديم نفسه.فإن أنت وَعيتَ يا عزيزي القسيّس بأنّ كلّ من وقع في الماء ولم يغرق فيه ولم يمت،فلا يُسمّى غريقا.وأنّ كلّ من علّقوه على حبل المشنقة،وانقطع به حبل المشنقة،فلا يُسمّى مشنوقا.يعود تُدرك بأنّ ما ورد في القرآن الكريم (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم) لم يكن القصد منه أنّ المسيح لم يُعلّق على الصليب.بل معناه أنّ اليهود وإن تمكّنوا من تعليق المسيح على الصليب فلم يتمكّنوا من إماتته عليه.وأنّ المسيح بقي على الصليب حيّا وأنزلوه من عليه حيّا.وأنّ اللّه العزيز قد حفظه بذلك من ميتة اللّعنة التي أرادها اليهود للمسيح عليه السلام لإثبات كونه كاذبا فيما ادّعاه.واستنادا إلى هذا المنطلق يكون إخواننا المسيحيّون الذين لم ينتبهوا إلى هذه الحقيقة التي بيّنتها آنفا قد اعتقدوا بموت المسيح على الصليب خطأ. على

حين أنّ المسيح كان قد تخدّر من خلال كمّية المخدّر التي شرّبوه إيّاها بواسطة إسفنجةٍ مربوطة برأس قصبة،وذلك بعد أن نادى وهو على الصليب وقال (إنّي عطشان).
فإذا أردت يا عزيزي القسّيس الاستزادة من المعلومات حول هذا الطرح الذي طرحته هاتان الآيتان المذكورتان من سورة النساء.فما عليك إلاّ أن تراجع مؤلّفي الذي بات مشهورا في وطني سوريّة الحبيبة منذ عدّة سنوات،والذي لم يستطع أيّ رجل كنيسة أن يردّ عليه.وعنوانه (هل مات المسيح على الصليب ؟).وبإمكانك أن تطلبه منّي عن طريق البريد الألكترونيّ،وحسب لأصول.وتعال ندعو اللّه تعالى بعد هذا البيان معا من هو على خطأ ومن هو على صواب.وننظر على من تنزل لعنة اللّه تعالى،التي لا تنزل إلا على الكاذبين المضلّلين.أمّ استدلالك يا عزيزي القسّيس بالآية (بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزا حكيما).فلا تعني هذه الآية بأنّ المسيح قد رفعه ربّه إلى السماء.والدليل على مصداقيّة ذلك أنّ فعل الرفع إذا ورد بعده صلة (إلى) فلا يعني إلاّ معنى التقريب كأن تقول رفعني الملك إليه، بمعنى قربني منه (راجع معجم محيط المحيط).وأمّا استدلالك بقوله تعالى (إنّي متوفّيك ورافعك إليّ..) فكلمة التوفّي إذا كان المتوفّى إنسان.وكان المتوفّي هو اللّه تعالى فلا تعني إلا الموت (راجع معجم أقرب الموارد ومحيط المحيط) ويكون معنى (إني متوفّيك ورافعك إليّ أنّي مميتك ومقرّب روحك منّي إثباتا من طرفي أنّك نبيٌّ صادق.ففكّر يا عزيزي القسّيس بكل كلمة ذكرتها لك،وأمعن نظرك جيّدا في دلالاتها،وأعد حسابك مع مُعتقداتك،والعاقبة للمتّقين. وبهذا أكون قد أنهيت الردّ على أسئلة الاعتراضات التاريخيّة.

[الردّ على الجزء الثالث المشتمل على أسئلة أخلاقيّة]

وأنا حين استعرضت الأسئلة الأخلاقيّة التي عرضها هذا القسيس في الجزء الثالث من مؤلّفه (هل القرآن معصوم ؟).فقد لاحظت بأنّه يسير على نفس منهجه الذي سار عليه في الجزأين الماضيين.فهذا القسّيس لا يتدبّر مضامين الآيات القرآنيّة بنفسه.بل يعتمد تفسير البيضاوي خاصّة فيما يعترض عليه،ولذلك فلا يصحّ أصلا أن يُعنون مؤلّفه بعنوان (هل القرآن معصوم ؟) بسبب أنّه لا يردّ على القرآن أصلا ولكنّه يردُّ على ما أورده البيضاوي في تفسيره.هذا المفسّر الأعجميّ الذي لم ينتهج في تفسيره منهجا معيّنا واضحا، ولم يعتمد أصولا للتفسير نابعة من كتاب اللّه العزيز نفسه.ومع ذلك أتواضع وأحاول في الردّ على ما اشتمل عليه هذا الجزء الثالث من اعتراضات،تفنيد ما أورده القسّيس منه.

الردّ على السؤال الأوّل من الأسئلة الأخلاقيّة: وعنوانه (تحليل إنكار اللّه).وقد أورد هذا المعترض الآية 106 من سورة النحل التي ورد فيها (من كفر من بعد إيمانه إلا مَن أُكره وقلبه مُطمئنُّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذابٌ عظيم.).وأضاف وقال : (وفسّرها البيضاوي بقوله: :روي أنّ قريشا أكرهوا عمّارا وأباه ياسرا،وأمّه سُميّة على الارتداد.فربطوا سُميّةَ بين بعيرين ،وجيء بحربة بقلبها، وقالوا إنّك أسلمت من أجل الرجال.فقُتِلَت.وقتلوا ياسرا.وهما أوّل قتيلين في الإسلام. وأعطاهم عمّارٌ بلسانه ما أرادوا مُكرَها.فقيل: يا رسول اللّه إنّ عمّارا كفر.فقال: كلا إنّ عمّارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه،واختلط الإيمان بلحمه ودمه.فأتى عمّار رسول اللّه وهو يبكي.فجعل رسول اللّه يمسح وهو يقول: إن عادوا إليك فعُد لهم بما قُلت.وهو دليلٌ على جواز التكلّم بالكفر عند الإكراه.". وبعد أن أورد هذا القسّيس ما أورده البيضاوي. فقد استند إلى مضمونه وراح يقول: (ونحن نسأل: هل من الأمانة أن يزوّرَ الإنسان في عقيدته وينكر إلهه الحيّ في سبيل إرضاء الناس ؟ قال المسيح "ومن أنكرني قُدّام الناس يُنْكَرُ قُدّام ملائكة اللّه (لوقا 12: 9 ) ). قال هذا وكأنّه قد أحدث إنجازا عظيما.


فأقول ردّا عليه: لنناقش أولا مضمون ما استدلّ به القسيس من قول للمسيح الوارد في إنجيل لوقا،واستدلّ به على إثبات ما اعتبره نقصا وعيبا أخلاقيّا في القرآن المجيد.فهذا المعترض نقل لنا بأنّ المسيح قال (ومن أنكرني قُدّام الناس يُنْكَرُ قُدّام ملائكة اللّه).قال هذان وفي وقتٍ كان قد خاطب فيه المسيح بطرس الرسول في مكان آخر قائلا (عليك تقوم كنيستي).فأقول قد ورد في إنجيل متّى الإصحاح 26: 34-35 عن المسيح وهو يخاطب بطرس (قال له يسوع الحقَّ أقول لك إنّك في هذه اللّيلة قبل أن يصيح ديكٌ تُنكرني ثلاثَ مرّات. قال له بطرس: ولو اضطررتُ أن أموت معك لا أُنكرُك).وبعد أن أورد كاتب إنجيل متّى قصة إلقاء القبض على المسيح الناصري في هذا الإصحاح.فقد أورد في نفس الإصحاح يقول: (أمّا بطرس فكان جالسا خارجا في الدار.فجاءت إليه جاريةٌ قائلةً وأنت كُنتَ مع يسّوع الجليلي. فأنكر قُدّام الجميع قائلا: لست أدري ما تقولين.ثمّ إذ خرج إلى الدهليز رأته أُخرى فقالت للذين هناك: وهذا كان مع يسّوع الناصري.فأنكر أيضا بقسَمٍ إنّي لستُ أعرف هذا الرجل.وبعد قليلٍ جاء القيامُ وقالوا

لبطرس حقّا أنت أيضا منهم فإنّ لُغتك تُظهِرُك.فابتدأ حينئذ يلعنُ ويحلفُ إنّي لا أعرفُ الرجل.وللوقت صاح الديك.فتذكّر بُطرس كلامَ يسّوع الذي قال له إنّك قبل أن يصيح الديك تُنكرني ثلاث مرّات.).هذا وإنّ إنكار بطرس للمسيح أورده إنجيل مرقس أيضا في الإصحاح 14: 30-31 ،وعليه فهو حقيقة قائمة بذاتها ومستندة إلى تنبّؤ المسيح ذاته بحدوثها.بل وأورد إنجيل مرقس في الإصحاح 8: 33 عن المسيح انّه (فانتهر بطرس قائلا اذهب عنّي يا شيطان.لأنّك لا تهتمُّ بما للّه لكن بما للنّاس.).فانطلاقا ممّا أورده هذا القسّيس المعترض من أنّ الذي يُنكر المسيح قدّام الناس ينْكَرُ قدّام ملائكة اللّه.فها أنّ بُطرس الرسول الذي أنكر المسيح ثلاث مرّات قدّام الناس.وكان المسيح قد سمّاه شيطان أيضا ووفق رواية إنجيل مرقس التي أوردناها آنفا. فإنّ كاتب إنجيل يوحنا أورد يقول في الإصحاح 21 : 14 – 17 (هذه مرّةٌ ثالثةٌ ظهر يسّوع لتلاميذه بعد ما قام من الأموات.فبعد ما تغدّوا قال يسوع لسمعان بن يونا: أتحبُّني أكثر من هؤلاء.قال له نعم ياربّ أنت تعلمُ أنّي أحبّك.قال له ارعَ خرافي.قال له أيضا ثانيةً: يا سمعان بن يونا أتحبُّني.قال له نعم يا ربّ أنت تعلمُ أنّي أُحبُّك.قال له ارعَ غنمي.قال له ثالثةً يا سمعان بن يونا أتحبُّني.فحزن بطرس لأنّه قال له ثالثةً أتحبُّني،فقال له يا ربّ أنت تعلمُ كلَّ شيء.أنت تعرف أني أحبُّك. قال له يسوع : ارع غنمي.).
وفي حال وجود هذه المتناقضات من النصوص والأقوال،نسأل هذا القسّيس: فبأيّ نصٍّ نأخذ: أ نأخذ باعتراضك الذي قلت فيه بأنّ الذي يزوّر عقيدته وينكر إلهه الحيّ في سبيل إرضاء الناس يُنْكرُ قدّام ملائكة اللّه.واستنادا لاعتراضك هذا فإنّ بطرس الرسول سيُنكر أمام ملائكة اللّه.ومع ذلك فقد خاطب المسيح الناصري بطرس الرسول وبعدما ظهر لتلاميذه بعد حادثة الصّلب،وبعد أن أنكر بطرس الرسول المسيح ثلاث مرّات.خاطبه المسيح،ومتناقضا مع نفسه،وقال له: يا سمعان بن يونا ارعَ غنمي، ومكرّرا هذه الجملة ثلاث مرّات ؟ أم نكذّب كاتب إنجيل يوحنا الذي أورد هذه الرواية التي تتناقض مع ما ذكرته أنت،ومستندا فيه إلى ما أورده كاتب إنجيل لوقا الإصحاح 12: 9 ؟ فالأسف أنّ تعصُّب هذا القسّيس أعمى بصره عن وجود جميع هذه النصوص الإنجيليّة المتناقضة.فلم يتدبّر النصّ القرآني بنفسه، واعترض عليه ،ولمجرّد الاعتراض،وبدافع تعصّبه الدينيّ.

ومع ذلك فإنّي أحاول تدبُّر هذا النصّ القرآني الوارد في الآية 106 من سورة النحل، وأقول: إنّ هذا القسّيس قد اعتاد أن يقطع بعض النصوص عن سباقها وسياقها، وليُعطيها معانٍ ودلالات لا تفيدها تلك النصوص.ومنها هذا النصّ بالذات.وأورد للقارئ الآيات التي ورد هذا النصّ القرآني في سياقها ،وهي: (إنّ الذين لا يؤمنون بآيات اللّه لا يهديهمُ اللّهُ ولهم عذابٌ أليمٌ.إنّما يفتري الكذبَ الذين لا يؤمنون بآيات اللّه وأولئك هم الكاذبون.مَن كفرَ باللّه من بعد إيمانه إلا مَن أُكرهَ وقلبهُ مُطمئنٌّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدْرا فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذاب عظيم.ذلك بأنّهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة وأنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين.أولئك الذين طبع اللّه على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون.لا جرم أنّهم في الآخرة هم الغافلون.). فالملاحظ من هذه الآيات أنّها قد صيغت بصياغة عامّة وشاملة الدلالات،وبصياغة بلاغيّة دستوريّة.وقد نبّه اللّه تعالى أذهاننا فيها إلى أنّ الذين ينطلقون في تفكيرهم من مُنطلقٍ


مادّيٍ بحت ، معتقدين بأنّ هذا الكون وما فيه وُجد من نفسه،ولا توجد هناك علامات مؤشّرة على أنّ هذا الكون مخلوق وأنّ كلّ من فيه مخلوق أيضا.وهذه إشارة إلى شريحة الملحدين من الناس المتواجدين في كلّ مكان من هذا العالم.فاللّه عز وجلّ ينبّه أذهان هؤلاء ويقول لهم إن هم ظلّوا ثابتين على إلحادهم،وغير عابئين بجميع هذه العلامات التي دلّت على وجود خالق لهذا العالم.ويكون تعالى قد أشار بذلك إلى ظهور سلسلة الرسل والأنبياء الذين بعثهم ربّهم لهداية خلقه.والذين قاومهم الملحدون والتّقليديّون بجميع ما أوتوا من قوّةٍ،ومع ذلك فإنّ رسل اللّه وأنبياءه انتصروا في نهاية المطاف، بالرغم من قلّة عددهم وقلّة عَتادهم.فينبّ اللّه عز وجلّ هؤلاء إلى آيات اللّه تعالى التي ظهرت عبر تاريخ البشريّة والدالّة على وجوده سبحانه،فيطلعهم على قَدره الأزليّ وهو (لا يهديهم اللّه ولهم عذابٌ أليم.).ولا يقف اللّه جلّ شأنه عند هذا الحدّ من بيان قدره القدريّ.بل وأضاف بيان حقيقةٍ متعلّقةٍ بهذه الشريحة من الناس وقال (إنّما يفتري الكذبَ الذين لا يؤمنون بآيات اللّه وأولئك هم الكاذبون.).بمعنى أنّ افتراء الكذب من شيمِ هذه الشريحة من الناس وخاصّةً منهم فئة السياسييّن،الذين لا يعرفون للصدق معنى في تعاملهم مع الآخرين. فأولئك يفترون الكذب على الناس لمحاربة رسل اللّه وأنبيائه الكرام.ولذلك فقد أنهى تعالى هذه الآية وقال (وأولئك هم الكاذبون) .

فلمّا فرغ اللّه عز وجلّ من بيان هذه الحقيقة التي بيّنتها آنفا،وبصياغة بلاغيّة دستوريّة ، فقد راح تعالى يستدرك ويستثني فئةً صغيرةً من هذه الشريحة التي تكلّم عنها،قائلا (مَن كفر باللّه من بعد إيمانه إلا مَن أُكرهَ وقلبه مُطمئنٌّ بالإيمان ولكن مَن شرح بالكفر صدرا فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذاب عظيم.). وهذه هي الآية التي اقتطعها هذا القسّيس عن سباقها الذي بيّناه،واستند هذا القسّيس في اعتراضه إلى ما فهمه منها البيضاوي في تفسيره.فأقول: إنّ سباق هذه الآية الكريمة يدلّ على أنّ اللّه عز وجلّ في قوله هذا قد استثنى فئة من الملحدين ورثت الإيمان بوجود اللّه تعالى عن الآباء لكنّ الأنظمة الإلحاديّة التي انضمّ هؤلاء إليهم في الحكم وتصريف الأمور،اضطرّتهم ليتّخذوا الإلحاد لهم منهجا حياتيّا،فكفروا بوجود اللّه تعالى من بعد إيمانهم الذي ورثوه بصورة
تقليديّة.فهذه الفئة من الناس قلوبهم مطمئنّةٌ إلى عقيدة وجود اللّه تعالى،لكنهم مُكرهين على التظاهر بالإلحاد والكفر بوجود اللّه عز وجلّ.فيقول اللّه تعالى إنّ هذه الفئة من الناس لا ينطبق عليها القدر الإلهي الذي بيّنه سبحانه وتعالى من قبل وهو (لا يهديهم اللّه ولهم عذابٌ أليم.) بل من الجائز أن يصدر عن هؤلاء ما يستدعي من ربّهم هدايتهم إلى الحقّ وبالتالي يُستثنَون من العذاب الأليم.

ومن ثمّ استدرك اللّه تعالى من جديد وقال (ولكن مَن شرح بالكُفر صدرا فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذابٌ أليم.).علما بأنّ اللّه عز وجلّ كان قد حذف حرف الاستدراك (لكن) من صدر هذه الآية الكريمة لئلا يتكرّر ورود حرفا استدراك في آية واحدة.وبعد أن فرغ اللّه تعالى من بيان هذا الاستدراك المصاغ بهذه الصياغة البلاغيّة المعجزة،تابع وقال :
(ذلك بأنّهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة وأنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين. أولئك الذين طبع اللّه على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون.).بمعنى أنّ هذه الشريحة الملحدة باللّه تعالى والمنكرة لوجوده،لا يبحثون في الأصل عن الحقيقة.وكلّّ همّهم الاغتراف من ملذّات هذه الحياة الدنيا،وكأنّها هي المآل والمصير،وليس بعدها من حياة آخره.فأولئك الناس ما عادوا يُصغون إلى أصوات أفئدتهم التي تستشعر وجود خالق لهذا الكون.وما عادوا يُصغون بآذانهم إلى ما يُقدّم لهم من أدلّة عقليّة تثبت وجود خالق. وما عادت عيونهم تُبصر مُجريات الأمور ببصيرة نافذة.وهذا هو معنى قوله تعالى (طبع اللّه على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم).وإنّ ما يؤكّد مصداقيّة هذا المعنى الذي ذهبنا إليه،هو أنّ اللّه تعالى أنهى هذه الآية بقوله تعالى (وأولئك هم الغافلون.). ومن باب أنّ فعل غفلَ عنه،معناه: تركه وسها عنه.فهو غافل. (محيط المحيط).أي أنّ هذه الشريحة

الملحدة الكافرة بوجود اللّه تعالى عادت والحال هذه غافلة قلوبها وسمعهم وأبصارهم عن كلّ ما يمتُّ إلى موضوع التحقيق في الصوت السماويّ الذي يناديهم عن طريق رسل اللّه وأنبيائه الكرام.وعلى هذه الصورة أكون قد رددتُ طعن هذا القسّيس إلى نحره.من خلال كشفي تلك التناقضات الإنجيليّة التي أتيت على ذكرها.ومن خلال هذا الشرح لهذه الآية القرآنيّة التي استدلّ بها هذا القسّيس خطأ،وبدافع من قصور فهمه لمضمونها،وبدافع من تعصّبه الديني وعقله التقليدي.
الردّ على السؤال الثاني من الأسئلة الأخلاقيّة: وعنوانه (تحليل الحنث في القسم).وأورد هذا المعترض الآية 225 من سورة البقرة الوارد فيها (لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قُلوبكم واللّه غفور حليم.).ومن ثمّ عمد إلى تقديم تفسير البيضاوي لكلمة (اللّغو) والقائل عن اللّغو (الساقط الذي لا نعتدّ به من كلامٍ وغيره.ولغو اليمين ما لا عقد معه.كما سبق به اللّسان أو تكلّم به جاهلا معناه.كقول العرب: لا واللّه وبلى واللّه لمجرّد التأكيد.لقوله (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) والمعنى لا يؤاخذكم اللّه بعقوبة ولا كفّارةٍ بما لا قصد منه.ولكن يؤاخذكم بهما أو بإحداهما بما قصدتم من الإيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم.وقال أبو حنيفة: اللّغو أن يحلِفَ الرجل
بناء على ظنّه الكذب.والمعنى لا يؤاخذكم بما أخطأتم فيه من الإيمان ولكن يعاقبكم بما تعمّدتم الكذب فيه.).
وبعد أن نقل هذا القسّيس تفسير البيضاوي للآية 225 من سورة البقرة،فقد راح يعترض ويقول: (ونحن نسأل: هل من مقوّمات النبل والشرف أن يكذب الإنسان ؟ يقول المسيح: "ليكُن كلامكُم نعم، نعم،لا ، لا .وما زاد على ذلك فهو من الشرّير" (متى: 5/37، ويعقوب 5 / 12).

فأقول ردّا على هذا الاعتراض: ورد في إنجيل متّى الإصحاح: 26: 73 – 74 بشأن أعظم تلاميذ المسيح وهو بطرس الرسول ما يلي: (وبعد قليلٍ جاء القيام وقالوا لبطرس حقّا أنت أيضا منهم فإنّ لُغتك تُظهرُك.فابتدأ حينئذ يلعنُ ويحلفُ إنّي لا أعرف الرّجل. وللوقت صاح الديك.فتذكّر بطرس كلام يسوع الذي قال له إنّك قبل أن يصيح الديك تُنكِرني ثلاث مرّات.فخرج وبكى بُكاء مُرّا.).ويتبيّن من هذا النصّ الإنجيلي بأنّ بطرس الرسول قد أقسم كذبا وخلافا لمقوّمات النبل والشرف.ومع ذلك فقد أوكله المسيح الناصري أن يرع خرافه في غيابه بعد حادثة الصلب،وبعد أن ظهر المسيح لتلاميذه للمرّة الثالثة،وكما هو وارد في الإصحاح الأخير من إنجيل يوحنّا.فكيف كان قد أحلّ المسيح لسمعان بطرس أن يحلف ويكذب، ومع ذلك تغاضى عنه ،وطلب منه أن يرعى خرافه الضالّة الذين التحقوا به من خراف بني إسرائيل ؟ فبطرس بميزان هذا القسّيس غير نبيل ولا هو بشريف.ومع ذلك فعليه تقوم كنيسة المسيح.وأنا لا أريد أن أضرب أمثلة أخرى غير هذا المثال المفحم لهذا المعترض،ومن كتابه المقدّس أيضا.ومع ذلك أتواضع لأردّ على ما اعترض به هذا المعترض على مضمون الآية 225 من سورة البقرة،
فأقول: لنتدبّر هذه الآية بدايةً.ففعل (لا يؤاخذكم) اشتقّ من قولك:آخذه بذنبه عاتبه ولامه عليه وعاقبه.والمأخذ هو المنهج والمسلك جمعه مآخذ.وأمّا قوله تعالى (باللّغو في أيمانكم) فالباء للاستعانة.وأمّا كلمة (اللّغو) فهي مصدر ومالا يُعتدُّ به من كلام وغيره. وفي التعريفات: اللّغو من اليمين هو أن يحلف الإنسان على شيءٍ وهو يرى أنّه كذلك، وليس كما يُرى في الواقع.(معجم محيط المحيط)

فهذه هي دلالات ألفاظ هذه الآية 225 من سورة البقرة.والآن لنرجع إلى الآية التي وردت قبلها وفي سباقها.فاللّه عز وجلّ قال في السباق: (ولا تجعلوا اللّه عُرضةً لأيمانكم أن تبرّوا وتتّقوا وتُصلحوا بين الناس واللّه سميعٌ عليم.).والظاهر من دلالات هذه الآية الكريمة هو أنّ اللّه عز وجلّ يعظ فئة المؤمنين باللّه ورسوله أن يُصلحوا أنفسهم وذلك بأن يبتعدوا عمّا اعتاد عليه العرب في الجاهليّة الذين يُقسمون على الإنسان الذي يريدون أن يبرّوه ويساعدوه،ويُقسموا لبيان أنّهم يُقدمون على ما يُقدمون عليه بقصد الإصلاح بين الناس،فيقولون لا واللّه وبلى واللّه.فاللّه عز وجلّ يعظ المؤمنين ليبتعدوا عن تلك العادة السيّئة التي تُحطُّ من قدْر اللّه تعالى.وقد نبّههم اللّه جلّ شأنه وقال (واللّه سميع عليم) بمعنى أنّ اللّه تعالى هو (السميع) فهو يسمع ما تقولونه وتُقدمون عليه.وهو (العليم) أي وأنّه يعلم هل أنّكم أقسمتم بتأثير ما ورثتموه من عادة سيّئة،أم أنّكم أقسمتم لتحقيق مقصدٍ في أنفسكم ومن أجل إقناع المخاطب بما تريدون أن تُقنعوهم به.واستنادا إلى ما ورد في هذا السباق يصبح معنى قوله تعالى (لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم واللّه غفور حليم.).أنّ اللّه الذي من أسمائه الحسنى أنّه (غفور) وأنّه (حليم) وبصيغة الاستدراك.بمعنى أنّه تعالى يغفر ما يصدر عن عبده من لغو، ويحلم عليه إلى أن يرجع عن عاداته السيّئة.فإنّه جلّ شأنه لن يتعجّل بلومكم ومعاقبتكم على ما يصدر عنكم من عادة اللّغو بالقسم في تلك الحالات الثلاثة.بل سيعاملكم بالعفو والغفران لما يصدر عنكم من لغو في أيمانكم،ما دمتم تسعون لترك تلك العادة المتوارثة ، ولتقسموا إذا أقسمتم في الموقع المناسب لليمين.فهذا هو مضمون هذه الآية 225 من

سورة البقرة التي استدلّ بها هذا القسّيس لإثبات أن القرآن الكريم يحلّل الحنث في القسم. على حين أنني أثبتّ بأنّ مضمون هذه الآية الكريمة إذا ربطناه بسباقه وسياقه فلا يُفهم منه ما فهمه هذا القسيس منه ولا مافهمه منه مرجعه البيضاوي الذي لم يفهم مضمون هذه الآية وفقَ ما توصّلت إليه.فهذه الآية تنهى عن عادة جاهليّة سيّئة اعتاد العرب عليها في أحاديثهم وهم يتحاورون بينهم.فهذه الآية تنهى عن اللّغو في الأيمان،ولا تحلّها ولا تشجّع عليها إطلاقا.علما بأنّ هذا الوعظ الذي وعظته هذه الآية والتي قبلها ورد بصدد حلف اليمين على الزوجة بالطلاق تسرّعا وبدافعٍ من هذه العادة السيّئة المتوارثة.ولا يجوز قطع مضمون هذه الآية والتي قبلها عن محلّها الموضوعيّ من التسلسل الموضوعيّ لمضامين الآيات الكريمة. وعلى هذه الصورة أكون قد أفحمت هذا القسّيس ممّا هو وارد في أناجيله من تناقضات تخالف ما استدلّ به ردّا على مضمون الآية الخطأ فهذا من جهة.ومن جهة ثانية فقد أفحمته من خلال بياني المعاني الحقيقيّة لهذه الآية التي استدلّ بها خطأ.فهل سيتّعظ هذا القسّيس بما أتيت على بيانه مدعّما بالحجج والبراهين الساطعة ؟ علما بأنّي وضّحت في مؤلّفي (نظام الزواج في الإسلام) بأنّ الذي يتعجّل ويلقي يمين الطلاق على زوجته،فلا يُعمل على يمينه المذكور.ومن باب أنّ الجهة التي عقدت عقد الزواج هي المخوّلة بفسخ عقد الزواج الذي عقدته، ولكن وفقا لتعاليم القرآن الكريم.


الردّ على السؤال الثالث من الأسئلة الأخلاقيّة: وعنوانه (تحليل الإغراء بالمال).وقد أورد هذا المعترض الآية 60 من سورة التوبة التي قال اللّه تعالى فيها (إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل اللّه وابن السبيل فريضةً من اللّه واللّه عليمٌ حكيم.).وأضاف ما فسّر به البيضاوي هذه الآية وهو: (المؤلّفة قلوبهم "قومٌ أسلموا ونيّتهم ضعيفة فيه فيستألف قلوبهم.أو أشراف قد يترقّب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نُظرائهم.وقد أعطى رسول اللّه عُيينة بن حصن والأقرع بن بن حابس والعباس بن مرداس لذلك.وقيل أشرافٌ يُستألفون على أن يُسلموا فإنّه(ص) كان يُعطيهم.وقد عُدّ منهم من يؤلّف قلبه بشيء منها على قتال الكفّار وما نعي الزكاة.وقيل كان سهم المؤلّفة لتكثير سواد الإسلام.فلمّا أعزّه اللّه وأكثر أهله سقط.ومن ثمّ فقد راح هذا القسّيس يعترض ويقول: (ونحن نسأل: هل يبيح الدين الإغراء بالمال للدخول فيه ؟ وهل يؤجر الناس ويُرشَون ليهددوا ويقتلوا الذين لا يرغبون فيه ؟ وهل هذا المال يُعتبر زكاة وصدقةً أم يُعتبر رشوةً ومفسدة ؟ ).

فأقول ردّا على هذا الاعتراض: أفلا يلاحظ القارئ العزيز كيف أنّ هذا القسّيس يرجع عند محاولته فهم مضامين الآيات القرآنيّة إلى تفسير البيضاوي خاصّة ؟ ولا يُحمّلُ نفسه عبء مراجعة ألفاظ كلّ كلمة وردت في تلك الآيات على أقلّ تقدير ؟ ولينظر القارئ كيف اعترض هذا القسّيس على كلمة (المؤلّفة قلوبهم) الواردة في هذه الآية وفق ما فهمها البيضاوي الذي اعتمد في فهمها على القال والقيل،وليس حسب دلالتها اللّغويّة ؟ والدليل الذي يؤكّد بأنّ البيضاوي فهم (المؤلّفة قلوبهم) استنادا لما وصله من قال وقال.ولم يرجع في فهمه لهذا المصطلح القرآني إلى معاجم اللّغة العربيّة،هو أنّ البيضاوي وبعد أن عدّد لنا بعض أسماء من كانوا قد أُعطوا من أموال الصدقات كغُيينة بن حصن،والأقرع ،والعباس بن مرداس.فإنّه أردف يقول: (وقيل أشرافٌ يُستألفون على أن يُسلموا.).وبعد أن فرغ من ذكرهم عاد يقول: (وقيل كان سهم المؤلّفة لتكثير سواد الإسلام.فلما أعزّه اللّه وأكثر أهله سقط.).فقول البيضاوي وهو يفسّر (المؤلّفة قلوبهم) وقيل وقيل.يؤكّد بأنّ البيضاوي قد اعتمد في تفسيره لها على روايات قيل وقيل.وهل يؤخذ بمعاني استند صاحبها إلى روايات قيل وقيل وبعيدا عن منهجيّة القرآن الكر يم وأصول تفسيره ؟
وبعد هذا التّقديم لهذا الردّ على هذا المعترض أحاول إفحامه بدليلٍ إلزاميٍّ مُستمدٍّ من كتابه

المقدّس نفسه.فقد ورد في إنجيل متّى الإصحاح 15: 21-28 قول كاتبه: (ثمّ خرج يسّوع من هناك وانصرف إلى نواحي صور وصيدا.وإذا امرأةٌ كنعانيّة خارجةٌ من تلك التخوم صرخت إليه قائلة ارحمني يا سيّد يا ابن داود.ابنتي مجنونة جدّا.فلم يُجبها بكلمة. فتقدّم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين اصرفها لأنّها تصيح وراءنا.فأجاب وقال لم أُرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة.فأتت وسجدت له قائلةً يا سيّد أعنّي.فأجاب وقال ليس حسنا أن يؤخذ خُبزُ البنين ويُطرحَ للكلاب.).فقول المسيح الناصري (لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة) يتبيّن منه بأنّ المسيح عليه السلام كان نبيّا قوميّا ولم يكن نبيّا عالميّا كما يزعم هذا القسّيس ومن على شاكلته.ويتبيّن بأنّ كلّ نصّ إنجيليٍّ يخالف هذا النصّ يكون مدسوسا من عند كاتبيه.وإنّ ما يؤكّد هذه الحقيقة هو أنّ المسيح عندما راح في الإصحاح العاشر من نفس إنجيل متى متوجّها لوعظ تلاميذه.ففي الإصحاح 10: 5-7 أورد كاتب إنجيل متى يروي ويقول: (هؤلاء الإثنا عشر أرسلهم يسّوع وأوصاهم قائلا: إلى طريق أممٍ لا تمضوا وإلى مدينة للسامرييّن لا تدخلوا.بل اذهبوا بالحريّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة.).ويتبيّن من خلال هذين النصّين الإنجيليين أنّ المسيحيّة ليست دين دعوة إلى سبيل اللّه تعالى.بل كانت تعاليم المسيح محصورة في موضوع السعي لإصلاح خراف بيت إسرائيل الضالة.ولذلك فقد حُرمت تعاليم المسيحيّة من بركات هذا المصطلح القرآنيّ (المؤلّفة قلوبهم).فهو مصطلح دين عالميّ.وليس بمصطلح دين قوميّ.

فلما أصل بك يا عزيزي القارئ إلى هذا الحدّ من التشكيك في المعنى الذي ذهب إليه ذهن البيضاوي قديما.وإلى قرن هذا المصطلح القرآني بدين دعوةٍ عالميّ.تلتفت إليّ لتسألني عن المعنى الحقيقي لقول اللّه تعالى عند تعداده المستحقّين من أموال الصدقات،وأنّ منهم (المؤلّفة قلوبهم). فلا أبخل عليك،بل أستجيب لطلبك توضيحا لدلالة هذا المصطلح
القرآنيّ فأقول: إذا راجعت يا عزيزي القارئ معاجم اللّغة العربيّة يتبيّن لك بأنّك إذا قلت: آلفت فلانا على مكان كذا معناه: جعلته يألفه.وآلفته مؤالفةً معناه آنسته وعاشرته. وتآلف القوم معناه اجتمعوا.واستنادا إلى هذه المعاني، ومن منطلق أنّ دين الإسلام الحنيف هو دين دعوة إلى سبيل اللّه تعالى بالحجّة والبرهان،وبالموعظة الحسنة،وليس هو بدين يحضّ على نشر العقيدة بالقتال والسنان.فإنّ اللّه عز وجلّ قد أوجد وسائل وطرقا موصلة إلى تحقيق مقاصد الدعوة إلى سبيل اللّه تعالى.ومن هذه الطرق التي سنّها سبحانه وتعالى،هو هذا الطريق الذي اصطلح القرآن الكريم على تسميته (المؤلّفة قلوبهم).وإليك تفصيل دلالة هذا المصطلح القرآنيّ الفريد في عظمته.فأنت تعلم يا عزيزي القارئ بأنّ الاختلاف في العقيدة يشكّل حاجزا نفسيا يفصل ما بين الواحد والآخر من الناس.فقد يقطن مسلمٌ في دار مجاورة لدار مسيحيّ أو يهوديٍّ أو ملحدٍ.وإنّ الحاجز النفسيّ الذي شكّله اختلاف عقيدة كل واحد منهم عن الآخر،يحول في غالب الأحيان دون تعارف هؤلاء الجيران على بعضهم بعضا،كما يحول دون تحاورهم فيما يعتقدونه.وهو أمر طبيعيٌّ جدّا.وقد استنّ اللّه عز وجلّ وسيلةً لكسر هذا الحاجز النفسيّ المشار إليه واصطلح لتسميتها هذا المصطلح الوارد في هذه الآية 60 من سورة التوبة وهو مصطلح (المؤلّفة قلوبهم) ويشمل هذا المصطلح جميع الأشخاص الذين يؤانسهم المسلم ويعاشرهم بنيّة جعلهم يألفونه،ويحترمونه ولا يعودون ينظرون إليه نظرة من يفصل بينه وبينهم حاجز نفسي قد تكلّمنا عنه،وبالتالي فقد عاد من السهل أن يحاوروه فيما اختلف فيه معهم من أفكار ومعتقدات كانت تفرّق

بينه وبينهم.وبهذه الوسيلة يتمكّن هذا المؤمن من جعل هؤلاء يستمعون إلى صوت السماء وذلك بعقول متفتّحة بعيدة عن التحجّر والتقليد الأعمى لمن سبقهم من آباء وأجداد. فكيف بإمكانك يا عزيزي المسلم أن تعمل على مضمون هذا المصطلح القرآنيّ على المستوى الفردي والجماعيّ ؟ أما من الجانب الفرديّ فبإمكانك أن تقوم بدعوة جيرانك ممّن تختلف معهم في العقيدة إلى دارك،وأن تدعوهم إلى حفلة طعام أو إلى حفلة فرح.فإن استجابوا لطلبك تكون قد خطوت أوّل خطوة لتحطّم بها هذا الحاجز النفسيّ الذي يفصل ما بينك وما بينهم،على أن تُقرن ذلك بالدعاء من اللّه تعالى الذي استنّ مصطلح (المؤلّفة قلوبهم) أن يحقّق على يديك ما في هذه الوسيلة الإنسانيّة من مقاصد وأهداف سامية.ولا تقف عند هذا الحدّ من التحرّك بل بإمكانك أن تقوم بمساعدة جيرانك على جميع صُعُدِ الحياة،فتستميل أفئدتهم إليه ليحاوروك فيما أنت معتقد ولعلّ اللّه تعالى يحدث بهذا الأسلوب أمرا.وأما على الجانب الجماعيّ فمن واجب المسؤولين في الدولة أو الجماعة حيثما كانوا أن يستضيفوا جماعات من الذين لا يعتقدون معتقداتهم ولا يدينون بدينهم،أن يدعوا شرائح من تلك الجماعات إلى مركزهم أو إلى دولتهم.فيستضيفونهم على حسابهم ومجّانا ويقدّمون لهم ما لديهم من منشورات ومطبوعات كهدايا.ويدعونهم يتجوّلون حيث شاءوا ليطّلعوا بأنفسهم على كلّ شيء يتعلّق بالبيئة المؤمنة عندهم.وبهذه الوسيلة يعود هؤلاء يستأنسون بهذا المجتمع المسلم،ولا يجدون بعد ذلك من حاجز نفسيٍّ يفصل بينهم وبين هذا المجتمع المسلم يحول دونهم ودون إجراء حوار هادئ وسليم للحوار.

ولا تظنّ يا عزيزي بأنّي ابتدعت هذا المعنى لمصطلح (المؤلّفة قلوبهم) من عند نفسي.كلا بل أطلب منك أن تتذكّر كيف كان محمّد رسول اللّه (ص) يُعامل جيرانه من أهل الكتاب وغيرهم.فقد كان يكمن وراء سلوكه المشار إليه هذا المعنى الذي دللتُك عليه.وهو المعنى الذي دلّ عليه مصطلح (المؤلّفة قلوبهم).أمّا المسلم الذي فهم هذا المصطلح وفق ما فهمه البيضاوي فيعسُرُ عليه فهم هذا المصطلح الذي اعترض عليه هذا القسّيس المحرومة تعاليم كتابه المقدّس من هذا التعليم الذي تضمّنه مصطلح (المؤلّفة قلوبهم).خصوصا وأنّ تعاليم دينه ليست هي تعاليم دعوة إلى سبيل اللّه تعالى ، بل هي تعاليم قوميّة محدودة في أفراد قومه من بني إسرائيل أصلا.خصوصا وأنّ المسيح سبق وقال (ما جئت لأنقض الناموس، بل لأكمِل.).فهذه كلمات مشهورة لدى المسيحييّن وقد نصّت عليها أناجيلهم أيضا.وعلى هذه الصورة أكون قد أفحمت هذا القسّيس من مُعطيات أناجيله المعاصرة التي يقدّسها. هذا من جهةٍ،ومن جهةٍ أخرى أكون قد عذرته فيما اعترض عليه استنادا إلى تفسير البيضاوي.وبيّنت له في الوقت نفسه المعنى الحقيقي لهذا المصطلح القرآني العظيم.هذا المصطلح الذي يحمل دلالات سامية وإنسانيّة يفخر بها الدين الإسلاميّ الحنيف.

الردّ على السؤال الرابع من الأسئلة الأخلاقيّة: وعنوانه (تحليل القتل).وأورد المعترض فقرة من الآية 65 من سورة الأنفال الوارد فيها (يا أيّها النبيّ حرّض المؤمنين على القتال).كما أورد فقرة من الآية 217 من سورة البقرة الوارد فيها (يسألونك عن الشهر الحرام قتالٌ فيه قُل قتالٌ فيه كبير).كذلك اقتطع من الآيتين 41-73 من سورة التوبة، قوله تعالى (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل اللّه ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون...يا أيها النبيّ جاهد الكفّار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنّمُ وبئس المصير).ونقل من الآيات 4-6 و35 من سورة محمّد (فإذا لقيتمُ الذين كفروا فضربَ الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوَثاق فإمّا منّا بعدُ وإما فداء حتى تضعَ الحربُ أوزارها ذلك ولو يشاء اللّه لانتصر منهم ولكن ليبلوَ بعضكم ببعض والذين قُتلوا في سبيل اللّه فلن يُضلَّ أعمالهم سيهديهم ويصلحُ بالَهم ويدخلُهم الجنّة عرَّفها لهم... فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلونَ واللّه معكم ولن يتِركم أعمالكم.كذلك اقتطع من الآيتين 216و244 من سورة البقرة (كُتب عليكم القتال وهو كُرهٌ لكم... وقاتلوا في سبيل اللّه واعلموا أنّ اللّه سميعٌ عليم).

وأورد الآية 60 من سورة الأنفال الوارد فيها (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباط الخيل تُرهبون به عدوّ اللّه وعدوّكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم اللّه يعلمهم وما تُنفقوا من شيء في سبيل اللّه يوفَّ إليكم وأنتم لا تُظلمون.).كما اقتطع هذا القسّيس فقرات من الآيات 12،13،39 من سورة الأنفال وهي (أُلقي في قلوب الذين كفروا الرّعبَ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان ذلك بأنّهم شاقّوا اللّه ورسوله ومَن يُشاققِ اللّه ورسوله فإنّ اللّه شديدُ العقاب...وقاتلوهم حتّى لا تكونَ فتنةٌ ويكون الذين كلّه للّه فإن انتهوا فإنّ اللّه بما يعملون بصير.).كذلك اقتطع هذا القسّيس فقرات من الآيتين 29،111 من سورة التوبة قوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون...إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّةَ يُقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويُقتلون.).كذلك فإنّ هذا
القسّيس سدَر في تضليله القارئ فاقتطع من الآية 121 من سورة آل عمران قوله تعالى (وإذ غدَوتَ من أهلك (أي من حجرة عائشة) تُبوِّء المؤمنين مقاعد للقتال واللّه سميعٌ

عليم.).كذلك أورد الآية 67 من سورة الأنفال الوارد فيها (ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يُثخنَ في الأرض تريدون عَرَضَ الدنيا واللّه يريد الآخرة واللّه عزيزٌ حكيم.).وبعد أن نقل هذا القسّيس جميع ما اقتطعه من فقرات عن سباقها وسياقها ليوحي من تلك الفقرات للقارئ ما أراد أن يضلّله بها من معاني غير مقصودة.فقد توجّه بالسؤال قائلا: (ونحن نسأل: وهل يُكرهون الناس على قبول الدّين بالسيف ؟ وإذا كان القتلُ مُحلَّلا فما هو الحرام ؟ وكيف يُحرّضُ نبيٌّ على القتال،وانتهاك الأشهُر الحرُم،وتجهيز القبائل بالعتاد والسيوف ليقتُل وينهب،ويقول إنّ هذا في سبيل اللّه والدين ،ويُغري أتباعه بالغنائم،وأخذ الجزية في الدنيا والجنّة وحور العين في الآخرة ؟؟ ولقد جاء في حديث مسلم أنّ محمّدا قال " اغزوا باسم اللّه في سبيل اللّه.فاقتلوا مَن كفرَ باللّه.اغزوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليدا." ).

فأقول ردّا على هذا الاعتراض: يقول المثل العربيّ "من كان بيته من زجاج فلا يرمي أحدا بحجر".ولقد تناسى هذا القسّيس ما أورده كاتب إنجيل متّى على لسان المسيح أو نسي ما ورد في الإصحاح العاشر من إنجيل متى 34-37 على لسان المسيح الناصري:
(لا تظنّوا أنّي جئت لأُلقي سلاما على الأرض.ما جئتُ لألقي سلاما بل سيفا.فإنّي جئت لأفرّق الإنسانَ ضدّ أبيه والابنة ضدّ أمّها والكنّة ضدّ حماتها.وأعداء الإنسان أهلُ بيته.مَن أحبّ أبا أو أمّا أكثر منّي فلا يستحقُّني ومن أحبّ ابنا أو ابنةً أكثر منّي فلا يستحقُّني.ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقُّني.).وهل يقرأ امرؤ هذا النصّ الذي أورده إنجيل متّى،ومن ثمّ يقبل ما تردّده مختلف كنائس الأرض من أنّ المسيح الناصري كان رائدا في توطيد السلام في الأرض ؟؟ فالذي يفرّق ما بين الوالدين وأبنائهما،والذي يحرّض الكنّة على حماتها ، هل يُعقلُ أن يكون داعية سلام ؟؟ ثمّ إنّ هذا الكلام الذي نقله كاتب إنجيل متى على لسان المسيح أورد فيه (ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقّني)

فلو صحّ هذا الكلام الذي أصدره المسيح قبل حادثة الصلب بمدّة ليست قليلة.لكان ينبغي أن تصوّر الكنائس حواريي المسيح يحمل كلّ واحد منهم صليبا ويمشي وراءه.لكنّ هذا لم يحدث على الإطلاق في زمن المسيح عليه السلام.

وبالرغم من وجود هذا النصّ الإنجيليّ المليء بالتناقضات والذي يثبت منه أنّ بيت هذا القسّيس من زجاج سريع العطب. فأتواضع لأكشف للقارئ العزيز عن وجه التّضليل الذي أقدم عليه هذا القسّيس.وقبل تفنيد ما أورده من فقرات مقتطعة من آيات سامية التعاليم،أتوجّه بتوجيه عدّة أسئلة هامّة إلى هذا القسّيس لتساعد أجوبتها القارئ على استيعاب ما سأردّ به عليه.فالسؤال الأوّل هو لو صحّ أنّ تعاليم القرآن الكريم تحلّلُ قتل الناس ونهب أموالهم،فلماذا تحمّل محمّد والذين آمنوا معه مختلف أنواع الاضطهاد في مكّة المكرّمة من جانب زعمائها والآمرين فيها طوال ثلاث عشرة سنة ومع ذلك فلم يحدث أنّ مؤمنا قتل كافرا من أهل مكّة ولا حدث أن نهب أحدٌ من المؤمنين مال أحد من الكافرين ولا حدث أن حرّض محمّد أحدا من أتباعه على اغتيال أحدٍ من أعدائه فيها ؟ فهل حدث هذا صُدفةً إن كانت تعاليم الإسلام تحلّلُ قتل الناس ونهب أموالهم ؟؟ ولا يجد الباحث جوابا على هذا السؤال إلاّ أن يقول بأنّ السبب هو أنّ تعاليم الإسلام لا تأمر بالقتل ولا تأمر بنهب أموال الآخرين.والسؤال الثاني هو لماذا أُنزلت الآية الكريمة بعد أن استقرّ الحكم لمحمّد (ص) في المدينة المنوّرة والتي يقول اللّه تعالى فيها (أُذن للذين يُقاتلون بأنّهم ظُلموا وأنّ اللّه على نصرهم لقدير..) فهل نزلت هذه الآية الكريمة تأمر بالقتل ونهب الأموال،أم أنّها أذنت بالقتال للّذين ظلمهم أعداؤهم طوال ثلاث عشرة سنة في مكّة المكرّمة،ولاحقوا هؤلاء المظلومين لقتلهم والقضاء عليهم في المدينة المنوّرة أيضا ؟؟ ولا يجد الباحث إجابة على هذا السؤال الثاني إلاّ أن يعترف بأنّ الإسلام قد أمر بحرب دفاعيّة ولم يأمر بحرب هجوميّة غادرة فتعاليم الإسلام ليست هي تعاليم قتل للنفس البشريّة ولا هي بتعاليم نهبٍ لأموال الآخرين.والسؤال الثالث هو لماذا نزل قوله تعالى بعد ذلك يقول مخاطبا المؤمنين (كُتبَ عليكم القتال وهو كُرهٌ لكم ..) هذا بفرض أنّ تعاليم الإسلام تأمر بقتل الأعداء ونهب أموالهم.فبماذا تعلّلون قوله تعالى (وهو كُرهٌ لكم) ؟؟ ولا يجد الباحث إجابة على هذا السؤال الثالث إلا أن يعترف بأنّ تعاليم الإسلام كانت تدعو إلى السلام وتكرّه المؤمنين بالحرب والقتال وسفك الدماء.فهذه هي دلالة قول اللّه جلّ شأنه (وهو كُرهٌ لكم) حين كتب اللّه جلّ شأنه القتال على المؤمنين.

والسؤال الرابع هو ما معنى أن ينزل قول اللّه تعالى بعد ذلك كلّه (وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها وتوكّل على اللّه إنّه هو السميع العليم.) وهل يجنح المنتصر الذي سنحت له الفرصة لقتل أعدائه ونهب أموالهم أن يجنح إلى السلم ويتوكّل على اللّه ولا يخشى غدر هؤلاء الذين جنحوا إلى السلم من أعدائه ؟؟ ولا يجد الباحث لهذا السؤال الرابع إجابة إلا أن يعترف بأنّ تعاليم الإسلام هي تعاليم سلام وليست بتعاليم قتل ونهب وسفك دماء. فهذه أسئلة أربعة يستحيل على هذا القسّيس الإجابة عليها بإجابات موضوعيّة ومنطقيّة ومدعّمة بالحججِ والبراهين الساطعة إلا أن يجيب عليها بما أجاب الباحث المتدبّر المحايد عليها من إجابات صريحة وواضحة لا تقبل المراجعة ولا الخطأ. بسبب أنّ الذي يحيط علما بوجود هذا التدرّج في نزول تلك الأحكام القرآنيّة،وهو التدرّج الذي تمثّل فيما اشتملت عليه هذه الآيات الكريمة التي أوردتها،يستحيل عليه أن يتّهم تعاليم الإسلام على أنّها تعاليم تأمر بقتل الأعداء ونهب أموالهم . لكنّ الذي يتدبّر مضامين هذه الآيات الكريمة يتيقّنُ بأنّ تعاليم الإسلام هي إن أمرت بقتال الأعداء فإنما أمرت بذلك دفاعا عن شريحة أفرادٍ آمنوا بوجود اللّه الذي لا إله إلا هو الأحد المتفرّد في ذاته وفي صفاته بدليل أنّه هو الصمد وهو

الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.وليس هذا وحسب بل وواضح أنّ تعاليم الإسلام قد أمرت المؤمنين بالقتال دفاعا عن حرّية العقيدة ودفاعا عن جميع مقدّسات بني نوع الإنسان.هذه الشريحة من الناس المؤمنين والذين بفقدانهم يعمّ الشرك بنوعيه بين الناس ويصير حال الناس إلى ما صار إليه حال هذا القسّيس التائه،ومن سار على نهجه ومعتقداته من الناس التائهين.ألا إنّ تاريخ الإسلام شاهد حيٌّ على أنّ المسلمين ما قاتلوا إلا الذين قاتلوهم بدليل قول اللّه تعالى (وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) وهذا تعليم واضح المعالم لكلّ إنسان محقّقٍ محايد.فلولا أن كانت جيوش الروم قد بادرت بقتل مندوبي محمّد رسول اللّه (ص) الخمسة عشر في مؤته.ولولا أن قام شرحبيل بن عمرو الغسّاني الذي
كان واليا من ولاة قيصر،قد قام بقتل الحارث بن عمير الأزديّ والذي كان يحمل رسالة
رسول اللّه إلى القيصر يشكوه فيها قتل عُمّاله الخمسة عشرة من أصحابه في مؤته.ولولا تتابُع تلك الأحداث التي كانت قد أثبتت اعتداء الروم وعملاؤهم على حدود الدولة الإسلاميّة في ذاك الحين،فما كان هناك من سببٍ يدفع المسلمين لمقاتلة الرومان.وبالرغم

من أنّ جيوش روما كانوا هم المعتدون في ذاك القتال وتلك الحروب التي استمرّت حتى سقوط القسطنطينيّة وهي عاصمة روما،فما جنح الروم المعتدون إلى السلام ولا طالبوا بإيقافه.مع أنّ اللّه عز وجلّ كان قد أمر في الآية 61 من سورة الأنفال قائلا (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على اللّه إنّه هو السميع العليم.).فالروم استمروا في عدائهم للإسلام وفي مقاتلتهم المسلمين،واستمرّ انهزام جيوشهم الجرّارة في مواجهة جيوش المسلمين التي كانت أقل منهم عددا وأقلّ عتادا.وحدث ذلك كلّه بسبب تسلّط قساوسة المسيحيّة على قيصر الروم والحيلولة دونه ودون إيمانه بمحمّد رسول اللّه ،وذلك بعد أن صرّح هرقل الروم بذلك بعد تسلّمه رسالة محمّد الوارد فيها (بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمّد عبد اللّه ورسوله إلى هرقل الروم.سلامٌ على من اتّبع الهدى.أما بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام.أسلم تسلم.يؤتك اللّه أجرك مرّتين.فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الفرّيسييّن. يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا اللّه ولا نُشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللّه.فإن تولّوا ، فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون.)-بخاري والزرقاني والحلبيّة.لكنّ الذين أضلواّ هرقل الروم هم قساوسة أمثال هذا القسّيس الذي يحاول في عصرنا القيام بنفس ما كان قد قام به أولئك القساوسة الأقدمون.وعليه فإنّ تعاليم الإسلام ما هي بتعاليم قتل ونهب كما زعم هذا القسّيس الذي اجتزأ ما اجتزأه من فقرات من آيات عديدة ، ومن دون أن يراعي في عرضه للموضوع التدرّج في نزول الآيات التي أسلفت ذكرها والتي تثبت خلاف ما زعم.

وبعد أن أوصلت القارئ إلى هذا الحدّ من البيان،فقد عاد من السهل جدّا على القارئ المسلم فهم مضامين تلك الفقرات القرآنيّة التي اقتطعها هذا القسّيس من آيات عديدة ومن سورٍ مختلفة والتي تحضّ جميعها على القتال وعلى طلب الشهادة في سبيل اللّه تعالى.وذلك على ضوء هذا التدّرج في نزول أحكام الآيات القرآنيّة.خصوصا وأنّ من المعلوم لدى كلّ مفكّرٍ هو أنّه بعد أن تقع حرب بين طرفين، فلابدّ أن يقوم كلّ طرفٍ منهما بإعلان التّعبئة العامّة وبتقوية معنويّات المقاتلين وبالإعداد بكلّ دقّة لكسب المعركة والفوز بالنصر المبين . وهي الحقائق التي دلّت عليها جميع هذه الآيات الكريمة التي اقتطع هذا القسّيس منها فقرات غير متّصلة بسباقها وسياقها وتسلسلها الموضوعي.وعلى هذه الصورة أكون قد كشفت حقيقة بطلان زعم هذا القسّيس بأنّ تعاليم الإسلام أكرهت الناس على قبول الدين بالسيف،وأنّها حرّضت على انتهاك الأشهر الحرم،وجهّزت أتباعها بالعتاد والسيوف للقتل والنهب وبمختلف أنواع الإغراء.فتعاليم الإسلام بريئة من جميع هذه الاتّهامات الباطلة.فالإسلام يقول صراحة في الآية 256 من سورة البقرة (لا إكراه في الدين وقف قد تبيّن الرّشد من الغيّ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن باللّه فقد استمسك بالعرة الوثقى لا انفصام لها واللّه سميعٌ عليم.).فأين هذا التّعليم السامي الذي يحترم عقيدة المرء ويحفظ

إنسانيّته وإرادته الشخصيّة، من ذاك التّعليم الذي أورده كاتب إنجيل متّى زاعما فيه أنّ
المسيح قال (لا تظنوا أنّي جئت لألقي سلاما على الأرض،ما جئت لألقي سلاما بل سيفا.فإني جئت لأفرّق الإنسان ضدّ أبيه،والابنة ضدّ أمّها،والكنّة ضدّ حماتها).هذا الكلام الذي يتناقض مع قول المسيح بصورة جليّة (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس،بل لأكمل).كما يتناقض مع قول المسيح (لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة).فهل يستسيغ عقل هذا القسّيس الجمع بين هذه المتناقضات من الأقوال المنسوبة إلى المسيح عليه السلام ؟؟ ثمّ إنّه كيف كان بإمكان المسيح أن يجمع خراف بيت إسرائيل الضالّة وفي وقتٍ جاء فيه ليلقي سيفا على الأرض ويفرّق بين أفراد اليهود ؟ أضف إلى ذلك أنّه كيف كان بإمكان المسيح ألا ينقض ناموس موسى إن هو كان قد جاء ليُلقي سيفا على الأرض وليس سلاما ؟؟ فمن خلال هذه التساؤلات تبدوا التناقضات ما بين هذه الأقوال المنسوبة إلى المسيح الناصري.كما يبدو من المنطقيّ جدّا حرمان تعاليم العهدين القديم والجديد من وجود حكم دينيٍّ يشابه هذا الحكم القرآنيّ وهو حكم (المؤلّفة قلوبهم) وبالمعنى الذي سبق لي أن شرحنه وبيّنته.وللمزيد من المعلومات فليتفضّل هذا القسّيس بمطالعة مؤلّفي الموجود على الأنترنيت وعنوانه (الإسلام علّم السلام والجهاد والقتال).

الردّ على السؤال الخامس من الأسئلة الأخلاقيّة: وعنوانه (تحليل النّهب).وقد اجتزأ هذا القسّيس من الآيتين 41/69 من سورة الأنفال الفقرات التالية (واعلموا أنّما غنمتم من شيء فإنّ للّه خمُسهُ وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم باللّه وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان واللّه على كلّ شيء قدير... فكلوا ممّا غنمتُم حلالا طيّبا واتّقوا اللّه إنّ اللّه غفورٌ رحيم.).
وبعد أن فرغ من عمليّة الاجتزاء هذه قال: (ونحن نسأل: هل يأمر اللّه بقتل الناس ونهب أموالهم ويقول إنّ هذا حلالٌ طيّب ؟ هل يحلّلُ اللّه أموال الغير ؟ ).
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: سبق أن قلت لك إنّ الذي بيته من زجاج لا يحاول رشق عدوّه بالحجارة.فأنت أيّها القسّيس قد تناسيت أنّ المسيح الناصري قال (ما جئت لأنقض الناموس بل لأكمل).بمعنى أنّ تعاليم موسى عليه السلام هي الأصل والمرجع لكم
معشر القساوسة.وأنا أورد لك الآن ما نصّت عليه تعاليم موسى الواردة في الإصحاح 31
من سفر العدد.حيث حضّ موسى في هذا الكتاب الذي تقدّسونه على قتل المديانييّن من عرب فلسطين وحضّ على نهب أموالهم ،وتقسيم تلك الغنائم ما بين المحاربين.فقد ورد

في الإصحاح المذكور 9- 12 (وسبى بنوا إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكلّ أملاكهم.وأحرقوا حميع مدنهم بمساكنهم وجميعَ حصونهم بالنار.وأخذوا كلّ الغنيمة وكلَّ النهب من الناس والبهائم.وأتوا إلى موسى وألعازر الكاهن وإلى جماعة بني إسرائيل بالسبيِ والنهب والغنيمة إلى المحلّة إلى عربات مؤاب التي على أردنّ أريحا.).وورد في نفس الإصحاح في 25- 28 (وكلّم الربّ موسى قائلا أحص النّهب المسبيّ من الماس والبهائم أنت وأليعازر الكاهن ورؤوسُ آباء الجماعة.ونصّف النّهب بين الذين باشروا القتال الخارجين إلى الحرب وبين كلّ الجماعة.وارفع زكاةً للرب.)ّ.فهذه نصوص من كتابك المقدّس الذي تقدّسه وتكرز به.وهي نصوص تُعلنُ بألفاظ صريحة بأنّ تعاليمكم يا معشر القساوسة تقوم على مبادئ قتل الناس ونهب أموالهم واعتبارها غنائم يجب تقسيمها بين الأفراد المقاتلين وغير المقاتلين.فكيف تجرّأت يا عزيزي القسّيس أن تتساءل وتقول (هل يأمر اللّه بقتل الناس ونهب أموالهم ويقول هذا حلالٌ طيّبٌ ؟ هل يحلّلُ اللّه أموالَ الغير ؟) فكيف تطرح هذا السؤال وكتابك المقدّس يحلُّ لكم قتل الناس ونهب أموالهم بالصراحة التي تضمّنتها تلك النصوص التوراتيّة التي نقلتها لك ؟ إلا أنّك تريد تضليل الناس بسؤالك المذكور ؟ فأنا أكتفي بهذا الدليل الإلزاميّ في ردّ اعتراضك التافه.ألا إنّ تعاليم الإسلام أمرت أتباعها أن يعاملوا العدوّ بنفس ما كان يعامل به هذا العدوّ المسلمين ليس إلاّ. لكنّها لم تأمر بقتل الناس ولا أمرت بنهب أموالهم .

الردّ على السؤال السادس من الأسئلة الأخلاقيّة: وعنوانه (تحليل الحلف).وقد كتب هذا المعترض تحت هذا العنوان يقول: (جاء في سورة الفجر 1-5 "والفجر وليالٍ عشر والشفع والوتر واللّيل إذا يسرِ هل في ذلك قسمٌ لذي حجر.".فصاحب القرآن يُقسمُ بالفجر واللّيالي العشر الأخيرة من رمضان وبالأشياء كلّها شفعها ووترها،وباللّيل المُدبر. ويقول إنّ أقسامه هذه لذي عقل.وجاء في سورة الشمس 1-9 "والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاّها واللّيل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرضِ وما طحاها ونفسٍ وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها.".وفي هذه الآيات يُقسمُ صاحب القرآن بالشمس والقمر والنهار واللّيل والسماء والأرض والنفس.وجاء في سورة الضحى 1-3 "والضحى واللّيل إذا سجى ما ودّعك ربُّك وما قلى ". وفي هذه الآيات يُقسمُ بالضحى واللّيل . وجاء في سورة التين 1-4 "والتّين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين".وفي هذه الآيات يُقسم بالتين والزيتون وجبل سيناء ومكّة.وجاء في سورة الطارق 1-4 "والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كلّ نفس لمّا عليها حافظ".وفي هذه الآيات يُقسم بالسماء وبالنجم المضيء .).وبعد أن أورد هذا المعترض ما أورده كتب يعترض قائلا (ونحن نسأل: لماذا يحلف صاحب القرآن ويُقسمُ بكلّ شيء – بالشمس والقمر والنهار واللّيل والسماء والأرض والنفس والضحى

والتين والزيتون وجبل سيناء ومكّة والنجم وغير ذلك ؟ هل يحتاج صاحب القول الصادق إلى قَسَمٍ يؤيّد كلامه ؟ قال المسيح: " لاتحلفوا البتّة، لا بالسماء لأنّها كُرسيّ اللّه،ولا بالأرض لأنّها مَوطئ قدميه،ولا بأورشليم لأنّها مدينة الملكِ العظيم،ولا تحلِف برأسِك،لأنّك لا تقدر أن تجعلَ شعرةً واحدةً بيضاء أو سوداء.بل ليكُن كلامكم: نعم نعم،لا لا . وما زاد على ذلك فهو من الشرّير" (متّى 5: 34-37).فما الذي دعا صاحب القرآن ليحلِفَ بكلّ شيء ؟ ) .
فأقول ردّا على هذا الاعتراض: إنّ قسّيسا يقدّس كتابا متضمّنا عهدين القديم والحديث وهما من كتابة كُتّابٍ جاءوا بعد أزمنة تعاليم موسى بمددٍ مختلفة وبعيدةٍ وكتبوا ما كتبوه على شكلِ قصصٍ منسوبة إلى موسى وعيسى عليهما السلام فمن المعقول جدّا أن يخلو الكتاب المقدّس المذكور من ورود قسمٍ إلهيٍّ فيه.وعليه فهذا القسّيس معذور حين تساءل وقال: (فما الذي دعا صاحب القرآن ليحلفَ بكلّ شيء ؟ ).لكنّ هذا القسّيس غير معذور من جهة أنّه لم يرجع إلى معاجم اللّغة العربيّة التي أنزل اللّه تعالى بها هذا القرآن العظيم،ولم يحاول أن يطّلع على فلسفة القسم نفسه.الأمر الذي يضطرّني لأشرح لهذا القسّيس فلسفة القسم في لغة الضادّ.فأقول: اعلم يا عزيزي القسيس بأنّ الإنسان حين يقول : أُقسم باللّه معناه أنّه حلف باللّه تعالى وجعل اللّه عز وجلّ رفيع القدر والمطّلع على السرائر شاهدا على ما قال. والقَسمُ هو اسمٌ من أقسمَ،وجمعه أقسام. وأحرف القسم عند النحاة هي الباء والواو والتاء.والباء هي الأصل،لذلك انفردت بجواز ذكر فعلها،ولا يجوز ذلك مع غيرها فلا يُقال أُقسم واللّه.وقيل أنّ الواو بدلٌ من القسم والتاء بدلٌ من الواو كما في تجاهٌ وتراث.وأمّا جواب القسم فهو ما يُساق لإثبات ما أقسم الإنسان عليه أو لنفيه. نحو واللّه إنّ زيدا فاضلٌ.واستنادا إلى هذا المعنى الذي يدلّ عليه القسم فقد ورد في كتب الفقه أنّ البيّنة على من ادّعى وأنّ اليمين على من أنكر.وهي مقولة معمول بها في جميع محاكم الأرض.فهذا الذي بيّنته يتعلّق بالإنسان إذا أقسم.أما تساؤل هذا القسّيس،

فهو يتعلّق باللّه العظيم إذا حلف وأقسم.ولذلك سأل وقال: (فما الذي دعا صاحب القرآن ليحلف بكلّ شيء ؟).ولكي نحيط علما بفلسفة القسم الإلهيّ فما علينا إلاّ أن نتدبّر ما يرد بعد أحد أحرف القسم من أمورٍ يُقسم اللّه عز وجلّ بها.فتلك الأمور تكشف للقارئ وجه الفلسفة التي ارتكزت عليها فلسفة الأقسام الإلهيّة.وهي أمور يستحيل على هذا الإنسان أن يُقسم بها.وهذا الطرح الذي طرحته يتطلّب الشرح والتفصيل وضرب الأمثلة لبيان حقيقته الواقعة.ولكي لا نذهب بعيدا في ضرب الأمثلة،فإنّنا نتناول أوّل آية قرآنيّة استدلّ بها هذا القسّيس على مصداقيّة تساؤله،وهي الآيات 1-5 من سورة الفجر ، تلك التي أقسم اللّه عز وجلّ فيها وقال (والفجر. وليال عشر. والشفع والوتر. واللّيل إذا يسر. هل في ذلك قسمٌ لذي حجر).فاللّه عزّ وجلّ قد جعل كلّ قَسَمٍ من هذه الأقسام الأربعة آيةً مستقلّةً بعينها.ومن ثمّ ختمها تعالى بقوله : (هل في ذلك قسمٌ لذي حجر.).والملاحظ هو أنّ اللّه تعالى لم يورد كلمة القسم في هذه الآية الخامسة بصيغة الجمع للدلالة على أربعة أقسام.بل أوردها بصيغة المفرد (قسمٌ) وكان المقصود من ذلك تنبيه أذهاننا إلى أنّ هذه الأقسام الأربعة تشكّل كلاًّ موضوعيّا ولا يدلّ كلّ قسم منها على موضوع مستقلّ.ولكن ما معنى قوله تعالى (قسمٌ لذي حجر) ؟ وهنا يتبيّن لنا من مراجعة معاجم اللّغة بأنّ (ذو أو ذي )هما اسما موصول وليتوصّل القارئ عن طريقهما إلى وصف المعارف بالجُمل.وأمّا كلمة (الحجر) فتعني العقل.وقد سمّي العقل بالحجر لأنّ العقل يحجر صاحبه عمّا لا ينبغي فعله.ويعود معنى قوله تعالى (هل في ذلك قسمٌ لذي حجر) أنّ اللّه عز وجلّ يخاطب عقل قارئ آيات سورة الحجر وحاضّا إيّاه أن يتدبّر ما تحمله هذه الأقسام الأربعة التي أقسم بها اللّه عز وجلّ.تلك الأقسام التي تشكّل كلاّ لا يتجزّأ والتي تتعلّق بالمستقبل.والتي قدّم اللّه عز وجلّ كلّ قسمٍ منها شهادة على ما أراد إثباته.فهو تعالى يخاطب عقل القارئ ويقول له:إن تحقّقت تلك الأنباء التي تحملها هذه الشهادات الأربعة أفلا يؤثّر تحقّقها على عقلك ليحجره عن تكذيب نبوّة محمّد بن عبد اللّه الذي أُنزلت عليه آيات هذه السورة ؟ ونتساءل بعد ذلك عن دلالة كلّ قسم.

أقول: لقد استهلّ اللّه عز وجلّ هذه الآيات من سورة الفجر بالقسم بقوله (والفجر). وأنهاها بقوله تعالى (واللّيل إذا يسرِ.).إشعارا إيّانا بوجود (ليلٍ) مخيّمٍ سيزول لينبثق من بعده (فجر).وقد قدّم تعالى ذكر القسم بالفجر على ذكر القسم باللّيل إذا يسر،لتهدئة أعصاب الذين يتلوّون ألما من جرّاء ما يلاقونه من اضطهاد من قبل قومهم بعد اعتناقهم الإسلام. وليقوّي عزائمهم على الصبر مدّة عشر سنوات انتظارا لزمن ظهور فجر الإسلام.وليصبح زوال سنوات الاضطهاد وبزوغ فجر الإسلام شهادة على أنّ اللّه عز وجلّ هو علاّم الغيوب وهو مسبّب الأسباب وفعّال لما يريد.وعليه فإنّ كلمتي (الفجر واللّيل) لم تستعملا في هذه الآيات الكريمة بمعناهما الحقيقيّ،بل استعملتا بمعناهما المجازيّ. ومن باب أنّ الفجر واللّيل ليسا بشيئين مادّيين يُستشهد بهما وهذه قرينة منعت معناهما الحقيقي ونقلتهما إلى معناهما المجازي.وانطلاقا من هذا المعنى الذي توصّلنا إليه عاد من السهل علينا التوصّل إلى دلالات الآيات التي أقسم تعالى فيها والتي توسّطت هذين القسمين المذكورين.وبهذه المناسبة كان من واجبنا أن نعلم بأنّ علماء الأمة الإسلاميّة وحتّى المستشرقين قد اتفقوا على أنّ نزول سورة الفجر قد حدث ما بين السنة الثالثة والرابعة من سنيّ ظهور الإسلام في مكّة المكرّمة .فإذا كنّا قد علمنا بأنّ محمّدا (ص) بقي

في مكّة المكرّمة ثلاث عشرة سنة قبل هجرته إلى المدينة المنوّرة.فمعنى ذلك أنّ اللّه عز وجلّ قد أشار من خلال قسمه (وليالٍ عشر) إلى تلك السنوات العشرة التي بقي فيها في مكّة بعد نزول سورة الفجر.تلك السنوات العشرة التي ذاق فيها المؤمنون الأمرّين من جانب زعماء مكة وأتباعهم.فاللّه عز وجلّ كان قد بشّر عُصبة المؤمنين حين أنزل سورة الفجر بأنّهم إذا استمرّوا في تحمّلهم اضطهاد قومهم إيّاهم،فإنّ اللّه جلّ شأنه يبشّرهم بطلوع فجر الإسلام بعد تلك السنوات المشار إليها في القسم (وليال عشر).وهنا نتساءل ماذا حدث بعد مضيِّ تلك السنوات الأليمة العشرة؟ فإن نحن استعرضنا تاريخ ظهور الإسلام، فالحادث البارز الذي حدث بعد مضيّ تلك السنوات الأليمة العشرة ، هو هجرة محمّد رسول اللّه (ص) من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة برفقة صديقه أبو بكر الصدّيق (رض).فاقتران هجرة هذين الاثنين معا إلى المدينة المنوّرة، كان الحادث الذي عبّر عنه قسم اللّه تعالى (والشفع).حيث تقول شفعت ما بين فلان وفلان بمعنى صيّرتهما زوجا بإضافة أحدهما إلى الآخر (محيط المحيط).وإنّنا نسمع كلّ سنة حين يحتفل المسلمون بذكرى هجرة رسول اللّه (ص) من مكّة إلى المدينة بأنّ ذاك الحدث كان حدثا فاصلا غيّر مجرى الأحداث لصالح تأسيس دولة إسلاميّة في المدينة المنوّرة.وقد أكّد القرآن الكريم هذه الحقيقة حين قال اللّه تعالى في الآية 39 من سورة التوبة (إلاّ تنصروه فقد نصره اللّه إذ

أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ اللّه معنا فأنزل اللّه سكينته عليه وأيّده بجنودٍ لم ترَوها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمةُ اللّه هي العليا واللّه عزيز حليم.).فحادث هجرة هذا الشفع من الرجال من مكّة إلى المدينة،هو الحادث الذي أقسم اللّه تعالى به بصيغة (والشفع).وبقي علينا أن نبحث عن الحادث الذي عبّر عنه القسم بكلمة (الوتر).هذه الكلمة التي اشتقّت من قولك : وتر القوم بمعنى وحّدهم وجعلهم وترا واحدا.(محيط المحيط).وهذا القسم (والوتر) قد قدّم عمليّة التوحيد ما بين (المهاجرين) وما بين أهل المدينة من الذين آمنوا والذين اصطلح محمّد رسول اللّه (ص) على تسميتهم (الأنصار).وعاد المهاجرون والأنصار وكأنّهم جسد إسلاميٌّ واحد (وتر) بسبب أنّ الإسلام قد وحّد بين قلوبهم وجعلهم (وترا) . وقد أعقب ذلك حدوث معركة (بدر الكبرى) التي انتصر فيها المسلمون،وهزم اللّه تعالى فيها جيش المشركين وقضى فيها على زعمائهم البارزين.وبذلك فقد عدّ المؤرّخون معركة بدر الكبرى الحدث الفاصل في بزوغ فجر الإسلام الذي أنبأت عنه سورة الفجر من خلال آياتها الأولى التي تضمّنت تلك الأقسام الأربعة التي شكّلت كلاًّ لا يتجزّأ.الأمر الذي أشار إليه هنا استبدال صيغة الجمع بصيغة المفرد في قول اللّه عز وجلّ (هل في ذلك قسمٌ لذي حجر).هذا القول الذي سبق لنا أن شرحناه من قبل.هذا القول الذي استهلّه جلّ شأنه

بحرف (هل) الذي يُورد ليفيد معنى التّصديق.وبالإضافة لقوله تعالى (لذي حجر) أي إنّ في تحقّق هذه النبوءات التي تضمّنتها آيات القسم السابقة دلائل بيّنة وبراهين قاطعة إن هي قد تحقّقت وتحمل في مضمون تحقّقها دلالة واضحة على وجود اللّه عالم الغيب ومسبّب الأسباب والفعّال لما يريد.هذا الإله الذي تنبّأ عمّا سيؤول إليه حال الإسلام بعد تلك المعاناة الشديدة يؤول إلى مصير مشرقٍ يبدأ عنده فجر الإسلام بالظهور والصعود والارتقاء.وإنّ ما يؤكّد مصداقيّة أنّ هذه الأقسام الأربعة كانت تشتمل على نبوءات مستقبليّة بحقّ فئة الكفّار وفئة المؤمنين.هو أنّ اللّه عز وجلّ قد راح يقول بعد ذلك (ألم تر كيف فعل ربُّك بعادٍ.إرَم ذات العماد.التي لم يُخلق مثلها في البلاد.وثمود الذين جابوا الصخر بالواد.وفرعون ذي الأوتاد.الذين طغوا في البلاد.فأكثروا فيها الفساد.فصبّ عليهم ربُّك سوط عذاب.إنَّ ربَّك لبالمرصاد.).وقد ذكّر اللّه عز وجلّ من خلال قوله هذا أقول ذكّر الذين كذّبوا محمّدا رسول اللّه (ص) بما حاق بالأمم التي خلت من قبلهم، أمم عاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد، أي بقوم فرعون الذي اشتهر ببناء الأهرامات.وعلى هذه الصورة أكون قد قدّمت لهذا القسّيس مثالا ممّا أورده من أقسام،ودالاً على أنّ اللّه تعالى حين يُقسم،فهو يقدّم ما يورده في قسمه شهادة تشهد على عظمته وعلى إحاطته بعلم الغيب وعلى قدرته التي لا تُحدّ. فإن لم يكتف هذا القسّيس بهذا المثال الذي ضربته له.أقدّم له مثالا آخر تضمّنته آيات سورة الطارق،التي هي آخر مثال قدّمه هذا القسّيس لإثبات اعتراضه.فهذا القسّيس اعترض على ما ورد في الآيات 1-4 من سورة الطارق التي قال اللّه تعالى فيها بصيغة القسم: (والسماء والطّارق.وما أدراك ما الطارق.النجم الثاقب.إن كلّ نفس لمّا عليها حافظ.)وأضاف هذا القسيس وقال معترضا: (وفي هذه الآيات يُقسم بالسماء وبالنّجم المضيء.).وأكرّر القول بأنّ الكتاب المقدّس الذي يقدّسه هذا القسّيس هو مجموعة قصص كتبها كُتّاب في مختلف أزمنة تاريخ بني إسرائيل وأتباع المسيح الناصري،وباعتراف من جانبهم بهذه الحقيقة.ولذلك تخلوا تلك الأسفار من أيّ قسمٍ إلهيّ شبيه بما هو وارد في القرآن الكريم الذي هو كلام اللّه تعالى المنزل على محمّد خاتم النبييّن(ص).فالقسم الإلهيّ القرآنيّ هو ظاهرة صيغِ نبوءات شاهدة على أنّ اللّه الذي صاغها قد أنبأ فيها بنبوءات متعلّقة بالماضي تارة وعن المستقبل تارة أخرى.وهذه حقيقة فريدة في نوعها في تاريخ هذا الإنسان.فإن تناولنا أول آية من آيات سورة الطارق وهي التي أقسم فيها اللّه عز وجلّ وقال (والسماء والطارق)والتي تعني أنّ اللّه عز وجلّ يقدّم (الطارق)شاهدا على إحاطته تعالى بعلم الغيب. فبالرجوع إلى معاجم اللّغة يتبيّن أنّ لكلمة

(الطارق) ثلاثة معاني وأنّ المعنى الأوّل هو (الآتي ليلا). وأنّ المعنى الثاني هو النجم الذي يُقال له (نجم الصبح).وأنّ المعنى الثالث هو (الضارب بالحصى).وإنّ من أصول التّفسير أننا إذا واجهنا للكلمة أكثر من معنى.فما علينا إلاّ مراجعة السباق والسياق والتسلسل الموضوعي للآية الواردة فيها تلك الكلمة لتقرير أيّة المعاني تناسب مقام وجودها في ذاك التسلسل الموضوعي.فإن نحن راجعنا سورة البروج التي سبقت سورة الطارق تلاوةً،نلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ قد أقسم فيها وقال (والسماء ذات البروج واليوم الموعود. وشاهد ومشهود.).بمعنى أنّ اللّه عز وجلّ يقدّم البروج الثلاثة عشرة المعروفة في السماء شاهدا على أنّه ستمضي على ظهور الإسلام ثلاثة عشرة قرن من الزمان ليحلّ بعدها (اليوم الموعود)فيه بظهور مثيلٍ للمسيح الناصري ولإعادة إحياء الدين الإسلاميّ الذي تخلّف أتباعه وغابت عن عيونهم أنوار تعاليم الإسلام الحقيقيّة. فيبعث اللّه هذا المثيل الذي عبّر عنه وقال (وشاهد ومشهود) أي شاهد على تخلّف الأمّة ومشهود له بإحيائها.ونلاحظ أيضا بأنّ اللّه عز وجلّ قد أنهى سورة البروج وقال (بل الذين كفروا في تكذيب.واللّه من ورائهم محيط.).بمعنى أنّ الذين كذّبوا محمّدا من أهل الكتاب سيثبتون على تكذيبهم له ولرسالته الإسلاميّة بدافع وضع ما آل إليه حال أمّته. وبالتالي فقد ترتّب على ذلك النبأ ضرورة الكلام عن شخصيّة صاحب اليوم الموعود،لذا فقد استهلّ اللّه عز وجلّ سورة الطارق بهذه الآيات التي تضمّنت هذا القسم الإلهيّ : (والسماء والطارق.وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب.إن كلّ نفس لمّا عليها حافظ) فإن نحن أخذنا بعين اعتبارنا هذا التسلسل الموضوعي للآيات الواردة في سورتي البروج والطارق.فإنّ هذا التسلسل الموضوعي يفرض علينا الأخذ بالمعنى الأوّل لكلمة (الطارق)، وهو (الآتي ليلا).وعليه يصبح معنى القسم (والسماء والطارق) أنّ اللّه عزّ وجل وهو الذي كنّت عنه كلمة (والسماء)،يقدّم لهذا القارئ شخصيّة (الآتي ليلا) المُنبأ عن ظهوره في (اليوم الموعود) الذي كان قد أقسم تعالى به في الآيات الأولى من سورة البروج.وأضاف تعالى موضّحا المقام الروحيّ لهذا الآتي ليلا وقائلا (إن كلّ نفس لمّا عليها حافظ.).بمعنى أنّ شخصيّة هذا الموعود الآتي ليلا هي من زمرة الشخصيّات الروحيّة التي عرفتها البشريّة والتي يخضع وجودها وتحرّكاتها لحفظ اللّه تعالى وعنايته.وبهذا الشرح المقتضب لأقسام سورة الطارق أكون قد قدّمت شرحا واضحا لها.وهي الآيات التي اعترض عليها القسّيس المذكور.وبهذه المناسبة أذكّر هذا القسّيس بالجمل الأخيرة من نبوءة سفر التثنية الإصحاح 18 21-22 فقد ورد هناك (وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلّم به الربّ.فما تكلّم به النبيّ باسم الربّ ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلّم به الربّ بل بطغيانٍ تكلّم به النبيّ فلا تخف منه.).أي أنّ جميع هذه الأقسام الإلهيّة متضمّنة نبوءات غيبيّة. خصوصا وأنّ نبوءة سورة الفجر قد تحقّقت بحذافيرها.وأنّ نبوءة آيات سورة الطارق المتعلّقةً بزماننا المعاصر قد تحقّقت هي أيضا.وهذا القسّيس غافل عن تحقّقها.فقد ثبت من خلال ذلك كلّه بأنّ نبوءة سفر التثنية منطبقٌ على شخصيّة محمّد رسول اللّه يقينا.فتدبّر.
الردّ على السؤال السابع من الأسئلة الأخلاقيّة: وعنوانه (تحليل الكذب).وقد أورد هذا المعترض الآية 89 من سورة المائدة التي قال اللّه تعالى فيها (لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تُطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام ذلك كفّارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم.).كما أورد الآية 106 من سورة النحل التي قال اللّه تعالى فيها (من كفر باللّه من بعد إيمانه إلاّ من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذابٌ عظيم.).ومن ثمّ أورد يقول: (قال الربيع ابن سليمان.. عن أمّ كلثوم بنت عقبة: "ما سمعت رسول اللّه يرخّص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: كان رسول اللّه يقول:لا أعدّه كاذبا الرجل يُصلِحُ بين الناس يقول القول ولا يريد به إلاّ الإصلاح،والرجل يقول في الحرب،والرجل يحدّث امرأته والمرأة تحدّث زوجها." (رواه أبو داود في سُننهِ في كتاب الأدب،ورواه أبو حنبل في مُسندِه باب 6). وقال محمّد: "إذا أتاكم عنّي حديث يدلُّ على هدى أو يردُّ عن ردّي فاقبلوه،قلته أو لم أقُله.وإن أتاكم عني بحديث يدلُّ على ردّي أو يردُّ عن هدى فلا تقبلوه فإنّي لا أقول إلاّ حقّا.".وبعد أن أورد هذه الأحاديث المدسوسة اعترض وقال (ألا تفتح هذه الأقوال الباب للكذب على مصراعيه ؟ هل الأخلاق الكريمة وصنع السلام يقوم على الأكاذيب ؟ وكيف يكون حال بيتٍ يكذب فيه الزوجان على بعضهما ؟وكيف يكون حال الأبناء فيه ؟ يقول الإنجيل: "وأمّا الزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتّقدة بنارٍ وكبريت،الذي هو الموتُ الثاني (رؤيا 21/8)

فأقول ردّا على هذا الاعتراض: لقد سبق لي أن شرحت الآيتين اللّتين أوردهما هذا المعترض في الردّ على السؤال الثاني.وبيّنت هناك اقتطاع هذا القسّيس ألفاظ هاتين الآيتين عن سباقهما وسياقهما ليوحي للقارئ المسلم غير ما أريد بهما.ولذلك فلا حاجة بي للردّ في هذا المقام.خصوصا وأنّ هذا القسّيس لم يرتكز في اعتراضه السابع إلى مضمون هاتين الآيتين،بل استند فيه إلى مضامين أحاديث موضوعة وغير صحيحة.ويكفي أن أذكّر هذا القسّيس بأنّ كتاب اللّه القرآن العظيم لم يفرّق ما بين أنواع الكذب ، بل وذمّ الكذب بمختلف أنواعه في عشرات الآيات الكريمة وبمختلف المناسبات.وقد جعل اللّه تعالى اللّعنة على الكاذبين.وهل يُعقل بعد هذا التواتر في ذمّ الكذب في كتاب اللّه العظيم أن يحلّل محمّد رسول اللّه (ص) الكذب في ثلاثة مواضع ؟ فأنا أعذر هذا القسّيس إن أخذ بهذه الأحاديث الموضوعة ومذكّرا إيّاه بتعاليم القرآن العظيم.وأكتفي بهذا الردّ في هذا المقام.

الردّ على السؤال الثامن من الأسئلة التاريخيّة: وعنوانه (تحليل الانتقام).وقد اقتطع هذا القسّيس من الآية 194 من سورة البقرة قوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم).ومن ثم كتب يقول: ونحن نرى الأثر السيّء لمبدأ الأخذ بالثأر متفشّيا بسبب هذا القول،وكم تعب رجال الشرطة من نتائجه وبُحّت أصوات المعلّمين في التّعليم ضدّه! وهل الاعتداء على من اعتدى علاج للجريمة ؟ إنّ العنف يولّد المزيد من العنف.فلمّا فرغ راح يقول: (قال المسيح: أحبّوا أعداءكم .باركوا لا عنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم،وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم (متى 5: 44) وقال أيضا "سمعتم أنّه قيل:عينٌ بعين وسنٌّ بسنّ.وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرّ،بل مَن لطمكَ على خدّك الأيمن فحوّل له الآخر أيضا".(متى 5: 38/39).وقال الرسول بولس: لا تنتقموا لأنفسكم أيّها الأحبّاء،بل أعطوا مكانا للغضب،لأنّه مكتوب:ليَ النقمة أنا أُجازي يقول الربّ.فإن جاع عدوّك فأطعمه.وإن عطش فاسقه.لأنّك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه.لا يغلبنّك الشرّ بل اغلب الشرّ بالخير"رومية 12: 19-21).وقال بطرس الرسول:"المسيح أيضا تألّم لأجلنا،تاركا لنا مثالا لكي تتّبعوا خطواته.الذي لم يفعل خطيّةً،ولا وُجدَ في فمه مكرٌ،الذي إذ شُتِمَ لم يكن يشتم عوضا وإذ تألّم لم يكن يُهدّد بل كان يسلّمُ لمن يقضي بعدل" (1بطرس 2: 21-23).

فأقول ردّا على هذا الاعتراض: إنّ هذا القسّيس ، وعلى عادته في كلّ ما أقدم عليه حتّى الآن من اعتراضات ، قد اجتزأ كلمات هذه الفقرة (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) من الآية 194 من سورة البقرة التي قال اللّه تعالى فيها : (الشهر الحرام بالشهر الحرامِ والحُرمات قصاصٌ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل
ما اعتدى عليكم واتّقوا اللّه واعلموا أنّ اللّه مع المتّقين.).علما بأنّ مضمون هذه الآية يدخل في موضوع أحكام الحرب والقتال،ولا علاقة له بأحكام الثأر والتعامل الفردي. وعلى هذه الصورة تتبيّن للقارئ بدايةً ملامح التّضليل الذي أقدم عليه هذا القسّيس.ومن المعلوم تاريخيّا أنّ المسيح الناصري لم يصبح حاكما ولم يصبح لأتباعه دولة إلا بعد انقضاء ثلاثمائة سنة وزادوا تسعا وذلك بعد دخول القيصر قسطنطين حاكم روما في المسيحيّة. وإنّ جميع ما أورده هذا القسّيس من أقوال للمسيح ولبعض تلاميذه،إنّما تتعلّق تلك المواعظ بالسلوك الفردي للمؤمن،ولا تدخل في أحكام الحرب والقتال.وقد سبق لي أن اقتبست للقارئ المسلم حين رددت على السؤال الخامس المتعلّق (بتحليل النّهب) نصوصا من سفر العدد الإصحاح 31: 9-12 و 25-28 تثبت بأنّ تعاليم الحرب والقتال التي شرّعها الربّ على زعمهم لموسى عليه السلام تأمر بالقتل وتدمير كلّ شيء وسبي النساء ونهب الأموال. ولا تعلّم أتباعها أن يعتدوا بمثل ما اعتدى المديانيّون العرب الفلسطينيون عليهم.فأين قوانين الحرب والقتال ،من أحكام الثأر والتعامل الفردي ؟ فعمليّة الاجتزاء التي قام بها هذا القسّيس،وعمليّة الخلط ما بين قوانين الحرب والقتال وما بين أحكام

التعامل الفردي ، فيها كلّ الدلالة على أنّ هذا القسّيس قد أراد تضليل القارئين.ومع أني كشفت للقارئ حقيقة هذه الخطوة التي أقدم عليها هذا القسّيس ممّا لا يليق أن يقدم عله رجل دين تقيّ يخشى اللّه ويوم الحساب. فإنّي أتجاوز ما فعله هذا المعترض وما أقدم عليه وأناقش ما قدّمه من أقوال منسوبة إلى المسيح الناصري وإلى تلميذيه.فأقول: إنّ هذه التعاليم التي قدّمها هذا المعترض ونسبها إلى المسيح الناصري وتلاميذه، إنّما هي تعاليم غير صالحة للتّطبيق على الصعيد العمليّ.ولا تستند إلى أصلٍ دستوريٍّ عادلٍ ومنطقيّ.وبدليل أنّ العالم المسيحيّ المعاصر بأكمله ، يخلوا من وجود فئة من أفراده التزمت بهذه التّعاليم المذكورة.فهذا دليل عمليٌّ معاصر يدلّ دلالة يقينيّة على أنّ هذه التعاليم المذكورة غير عمليّة وغير صالحة للتّطبيق.هذا وإنّ العالم المعاصر أجمع قد ضجّ من سلوك مسيحييّ زماننا المعاصرين والمخالف لهذه التعاليم التي يتباهى بها هذا القسّيس.وأقول هذا بأسى كبير.
وفي مقابل هذا فقد أردت أن أدلّ هذا القسّيس على تعاليم الإسلام التي يصلح العمل عليها في كلّ زمان ومكان.والتي أحلّها الإسلام محلّ تعاليم المسيح العسيرة على التّطبيق.

فأقول: إنّ هذه التعاليم التي تباهى بها هذا القسّيس تدور حول البغي الذي يلحق الإنسان من جانب إنسان آخر.والذي يلحق قوما من جانب قومٍ آخر.وعلى هذه الصورة فالبغي يكون إمّا على المستوى الفردي وإمّا على المستوى الجماعيّ.ثمّ إنّ البغي في مفهومه يدور حول الظلم والجرم والجناية والتعدّي والعصيان.وإنّ الإنسان الذي يصيبه بغي،معناه أنّه عاد له حقٌّ شخصيٌّ لدى هذا الباغي مادّيا كان أو معنويّا.فعندما نطبّق قول المسيح الذي تباهى به هذا القسّيس وهو (من لطمك على خدّك الأيمن فحوّل له الآخر أيضا) فقد فتح هذا التّعليم باب هضم حقوق الأفراد على مصراعيه.بسبب أنّ هناك من يُخطئ ويتجرّا على أخذ القانون بيده ويضربك على خدّك. فإذا أدرت له خدّك الأيسر بعد أن لطمك على خدّك الأيمن،وكان خجولا.فإنّ هذا يستحي من نفسه وقد يُقدم على الاعتذار أيضا. أمّا إذا كان هذا الضارب لا يعرف الخجل،فإنّه يزداد عتوّا وبغيا على من أدار له خدّه الأيسر.ولمّا كانت تعاليم الإسلام، تعاليم ذات صفة علميّة ومراعية للقوانين الطبيعيّة التي تهيمن على هذا الكون.فقد راعت تعاليم الإسلام هذه الأحوال التي ذكرتها،وسنّت لجماعة المؤمنين تعليما ذات صفة دستوريّة،وليكون هذا التّعليم مرجعا للمؤمن في جميع أحواله. وقد تضمّنت الآيات 39-43 من سورة الشورى هذا التّعليم الدستوري الذي أشرت

إليه.وهي الآيات التي قال اللّه عز وجلّ فيها: (والذين إذا أصابهم البغيُ هم ينتصرون. وجزاء سيّئةٍ سيّئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه إنّه لا يحبُّ الظالمين.وَلَمَنِ انتصر بعد ظُلمهِ فأولئك ما عليهم من سبيل.إنّما السبيل على الذين يظلمونَ الناسَ ويبغونَ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ أولئك لهم عذابٌ أليم.ولَمَن صبر وغفرَ إنّ ذلك لمن عزم الأمور.).فتعليم الإسلام قد فتح من خلال مضامين هذه الآيات الكريمة باب العفو عن الباغي،وباب الانتصار من الباغي للمظلوم الذي حلّ به ظلمه عليه.وترك لاجتهاد هذا المؤمن فرصة العمل ولينظر هل يُقدم على تحصيل حقّه من هذا الباغي أو أن يعفو عنه ويصفح طالبا أجره من ربّه عز وجلّ.وهذا التّعليم من باب أنّ هناك من يفيد معه العفو عنه،وهناك من لا يفيد العفو معه على هذا الباغي وعلى حسب ما كنت قد شرحته آنفا.

فإن نحن عُدنا الآن إلى الفقرة التي اقتطعها هذا القسّيس من الآية 194 من سورة البقرة وهي (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثلِ ما اعتدى عليكم) .فمن المناسب أن أنقل للقارئ تلك الآية بكاملها،وبصحبة الآيات التي سبقتها والتي حدّدت مضمونها.فإنّ اللّه عز وجلّ قد أورد في الآيات 190-194 من سورة البقرة يقول (وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبُّ المعتدين.واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشدّ من القتل ولا تُقاتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يُقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين.فإن انتهوا فإنّ اللّه غفورٌ رحيم.وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكونَ الدّين للّه فإن انتهوا فلا عُدوانَ إلاّ على الظالمين.الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرُماتُ قِصاصٌ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثلِ ما اعتدى عليكم واتّقوا اللّه واعلموا أنَّ اللّه مع المتّقين.).فإن نحن تدبّرنا هذه الآيات نلاحظ وجود الأحكام التالية: أولا – نلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ قد أورد في الآية الأولى حكما عاما وشاملا تضمّنه قوله تعالى (ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبُّ المعتدين) وعليه فإنّ من واجبنا تفسير جميع ما يرد في الآيات التي تلي هذا الحكم العامّ والشامل ، أن نفسّره بما لا يتضادّ مع مُعطياته.كيلا ننسب وجود التضادّ في القرآن الكريم.

ثانيا- ولذلك فإنّه عندما أمر اللّه تعالى وقال في الآية الثانية (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوكم من حيث أخرجوكم .. إلى آخره) فقد أنهى جلّ شأنه جميع أحكامها بقوله تعالى (كذلك جزاء الكافرين).والقصد من قوله تعالى هذا بيان أنّ تلك الأحكام التي تضمّنتها هذه الآية الكريمة هي من قبيل (الجزاء) وليست من قبيل الاعتداء.خصوصا وأنّ اعتداء هؤلاء الكفّار يدخل في باب إحداث فتنة في الدين وفي البيئة المؤمنة.ولذلك فقد لاحظنا كيف أنّه تعالى قال في الآية الثالثة (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكونَ الدين للّه فإن انتهوا فلا عُدوان إلا على الظالمين.).وقد أورد تعالى كلمة (عُدوان) هنا في هذه الآية الكريمة بمعنى الجزاء والقصاص وليس بمعنى الاعتداء.وهو المعنى الذي لا يتضادّ مع معطيات الحكم الأوّل العامّ والشامل والذي أوردته الآية الأولى من هذه الآيات الكريمة. ثالثا- وعلى أساس من جميع ما ذكرناه آنفا فإنّ اللّه عز وجلّ راح يختصر في الآية الرابعة وهو يُعطينا فكرة عامّة عن أحكام الجزاء والقصاص التي تضمّنتها الآيات سالفة الذكر قال: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحُرُماتُ قصاص ) منبّها أذهاننا فيه إلى أنّ أحكام الجزاء والقصاص في تعاليم الإسلام تقوم على المعاقبة بالمثل،وبعيدا عن أيّ نوعٍ من أنواع العدوان.فلمّا فرغ جلّ شأنه من هذا البيان أتى بفاء الاستئناف وقال (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم،واتّقوا اللّه واعلموا أنّ اللّه مع المتّقين.).فهذه هي الآية الكريمة التي اقتطع منها هذا القسّيس فقرة (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) اقتطعها ليوحي إلى القارئ بأنّ تعاليم الإسلام تُجيزُ مبدأ الأخذ بالثأر.هذا المبدأ الذي لا علاقة له بمضمون هذه الفقرة القرآنيّة إطلاقا.خصوصا إن نحن نظرنا إلى موقعها من سباقها وسياقها الموضوعيّ في هذه الآيات القرآنيّة الجليلة القدر، وعلى حسب ما سبق لنا أن بيّناه وشرحناه آنفا في هذه الآيات التي نصّت على حدود القصاص في الإسلام.فلما أصل بالقارئ إلى هذا الحدّ من البيان،يبادر ويسألني: ما دامت هذه الآيات قد نصّت على أحكام الجزاء والقصاص،فلمَ لم يورد اللّه تعالى كلمة (الجزاء) أو كلمة (القصاص) عوضا عن كلمة (الاعتداء) في هذه الفقرة من الآية دفعا لهذه الشبهة التي قد تتبادر من خلال قوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ؟ فأجيب هذا السائل وأقول: إنّ اللّه عز وجلّ قد أورد هنا كلمة (الاعتداء) بمعنى الجزاء والقصاص،كيلا يبدو وجود تكرار يُخلُّ بالميزان البلاغيّ لصياغة هذه الآيات الكريمة من جهة.وبسبب أنّ كلمة (الاعتداء) هذه تُستعمل في لغة الضادّ بمعنى الجزاء والقصاص أيضا. حيث أورد مؤلّف معجم (أقرب الموارد) يقول بأنّ هذا اللّفظ (الاعتداء) هو من باب المشاكلة.وقد أورد مثالا على مصداقيّة ما طرحه الشاعر عمرو بن كلثوم القائل
(ألا لا يجهلنَّ أحدٌ علينا فنجهلْ فوق جهلِ الجاهلينا) والمعنى أنّ من يرتكب بحقّنا ظلما فإننّا نقاصصه وننزلُ به ظلما يوازي الظلم الذي أنزله بنا.وفي القرآن الكريم آيات كثيرة هي من هذا القبيل.وخلاصة القول هو أنّ تعاليم العهد الجديد التي يتباهى بها هذا القسّيس لا تصلح للعمل عليها إطلاقا.في مقابل ما جاء به هذا القرآن الكريم من تعاليم صالحة لكلّ زمان ومكان وقوانين للعمل عليها على مستوى القصاص الفردي والجماعي.


الردّ على السؤال التاسع من الأسئلة الأخلاقيّة: وقد وضع له عنوانا (تحليل الشهوات). وأضاف فأورد الآية الثالثة من سورة النساء والمتعلّقة بتعدّد الزوجات وهي قوله تعالى فيها (فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألاّ تعولوا.).ومن ثمّ اقتطع هذا المعترض من الآيتين 230/ 236 من سورة البقرة،وبما يتعلّق بالمطلّقة،قوله تعالى (فإن طلّقها فلا تحلُّ له من بعدُ حتّى تنكِحَ زوجا غيره فإن طلّقها فلا جُناح عليهما أن يتراجعا إن ظنّا أن يقيما حدودَ اللّه يبيّنها لقوم يعلمون... لا جُناحَ عليكم إن طلّقتمُ النساء ).ومن ثمّ أورد هذا المعترض الآية 50 من سورة الأحزاب وعن زواج محمّد (يا أيّها النبيّ إنّا أحللنا لك أزواجك الّلاتي آتيت أُجورهنَّ وما ملكت يمينك ممّا أفاء اللّه عليك وبنات عمّك وبنات عمّاتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأةً مؤمنةً إن وهبت نفسها للنبيّ إن أرادَ النبيُّ أن يستنكحها خالصةً لك من دونِ المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكي لا يكونَ عليكَ حرجٌ وكان اللّه غفورا رحيما.). وأضاف وقال: وجاء في سورة الواقعة الآيات 20-23 عن حور الجنّة (وفاكهةً ممّا يتخيّرون ولحمِ طيرٍ ممّا يشتهون وحورٌ عينٌ كأمثالِ اللّؤلؤ المكنون).فلمّا فرغ من ذلك

كلّه أورد يقول: (ونحن نسأل: هل يبيح دينٌ من عند اللّه تعدّد الزوجات بخلاف شريعة اللّه الذي في البدء خلق الإنسان ذكراً وأنثى وجعلهما جسدا واحدا ؟ وكيف يبيح تابٌ من عند اللّه لرسول من عند اللّه أن يتزوّج بمن ملكت يمينه من الأسرى،وبأيّة امرأة تهواه فتهبه نفسها إن وقع هو في هواها ؟ وهل جنّة اللّه مكانٌ للّهو مع حورِ العين ؟ ! ومن ثمّ أضاف (قال المسيح: "لأنّهم في القيامة لا يزوِّجونَ ولا يتزوّجون ، بل يكونون كملائكة اللّه في السماء" (متّى 22: 30).
فأردّ على هذا الاعتراض التاسع وأقول: من المستغرب أن يؤمن هذا القسّيس بالعهد القديم الذي يتضمّن كلّ ما يريد المرء معرفته حول تعاليم موسى وأحوال أنبياء بني إسرائيل من بعده.ومن ثمّ يقول متسائلا (هل يبيح دين من عند اللّه تعدّد الزوجات ؟) يتساءل هذا السؤال وهو يعلم بشكل يقينيٍّ بأنّ تعدّد الزوجات كان شائعا قديما،ومُسلّما
به بصورة عمليّة بين أنبياء بني إسرائيل.ومن لا يعرف قصّة إبراهيم أبو الأنبياء الذي تزوّج بامرأتين: فالأولى كان اسمها (ساره) ،وهي التي لم تُنجب لإبراهيم أولادا في صباها،فارتأت (سارة) أن تزوّج بعلها بجاريتها المصريّة (هاجر) فقالت له (ادخل على جاريتي.لعلّي أُرزقُ منها بنين.فسمع أبرامُ لقول ساراي.فأخذت ساراي امرأة أبرام هاجر المصريّة جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان،وأعطتها لأبرام رجُلِها زوجة له.فدخل على هاجر فحبلت) سفر التكوين الإصحاح السادس عشر 1-3فلو كان تعدّد الزوجات يخالف شريعة اللّه في نظر إبراهيم عليه السلام،لكان قد اعترض على زوجته سارة الذي زوّجته خادمتها المصريّة وجعلته زوجا لامرأتين . أمّا قول هذا القسّيس إنّ (اللّه الذي في البدء خلق الإنسان ذكرا وأنثى وجعلهما جسدا واحدا) فهذا قول نابعٌ من مُعطيات سفر التكوين الذي تكلّم عن خلق الإنسان من آدم وخلق زوجته من ضلعه. وقد تجاهل هذا القسّيس أنّ العلم الحديث قد أثبت بُطلان هذه النظريّة التي ابتدعها كاتب سفر التكوين_وللتحقّق من مصداقيّة ذلك فإنّ عليه مراجعة مؤلّفي (نشوء الإنسان وتطوّره).وأمّا قول هذا القسّيس (وكيف يبيح كتاب من عند اللّه لرسول من عند اللّه أن يتزوّج بمن ملكت يمينه من الأسرى).فقد ردّ على هذا الاعتراض زواج إبراهيم عليه السلام بالسيّدة (هاجر) وكانت ممّن ملكت يمينه وخادمة لزوجته سارة.ومعلوم أنّ إبراهيم عليه السلام هو الجدّ الأعلى لأنبياء بني إسرائيل.فقد ورد في سفر التكوين

الإصحاح السادس عشر 1-11 (وأما ساراي امرأة أبرام فلم تلد له.وكانت لها جارية مصريّة اسمها هاجر. فقالت ساراي لأبرام هو ذا الربّ قد أمسكني عن الولادة.أدخل على جاريتي لعلّي أرزق منها بنين.فسمع أبرام لقول ساراي.فأخذت ساراي امرأة أبرام هاجر المصريّة جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان وأعطتها لأبرام رَجُلِها زوجةً له.فدخل على هاجر فحبلت... فلما رأت أنّها حبِلت صغُرت في عينيها...فأذلّتها ساراي.فهربت من وجهها.فوجدها ملاكُ الربّ على عين الماء في البريّة...فقال لها ملاك الربّ ارجعي إلى مولاتك واخضعي تحت يديها.وقال لها ملاك الربّ تكثيرا أُكثّرُ نسلك فلا يُعدّ من الكثرة. وقال لها ملاكُ الربّ ها أنت حُبلى فتلدين ابنا.وتدعين اسمه إسماعيل لأنّ الربّ قد سمع لمذلّتك.).فهذه حقيقةٌ نصّ عليها العهد القديم فلو كان دين اللّه لا يبيح تعدُّد الزوجات، ولا يبيح للنبيّ أن يتزوّج بمن ملكت يمينه،وعلى حسب ما زعمه هذا القسّيس.فكيف سمح إبراهيم عليه السلام لنفسه أن يستجيب لطلب زوجته العاقر سارة، ولماذا لم يقل لها حين عرضت عليه ذلك العرض،فلماذا لم يعظ زوجته سارة ويقول لها: خافي اللّه يا سارة.كيف تطلبين منّي أن أتزوّج هاجر،على حين أنّ شريعة اللّه لا تسمح بذلك؟فهذا القسّيس أعمى بصره حقده على الإسلام الحنيف فأنساه قصّة تعدّد الزوجات التي حدثت على أيدي أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وعلى حسب ما نصّ عليه كتابه المقدّس.وأنا أكتفي بذكر هذا المثال الذي يُعتبر دليلا إلزاميّا ضدّ هذا القسّيس ومن كتابه المقدّس أيضا.وإنّ من يراجع تاريخ كثير من أنبياء بني إسرائيل فإنّه سيعثر على كثير من الأمثلة تدلّ على إباحة تعدّد الزوجات في شريعة موسى عليه السلام.فلو كانت شريعة موسى قد حرّمت تعدّد الزوجات.فلكان إبراهيم وغيره من الأنبياء قد التزموا بتلك التعاليم السماويّة.لكنّ واقع تصرّفاتهم يدلّ على عكس ذلك تماما.وأما باقي اعتراضه، فهو مجرّد ادّعاءات لا تسندها أدلّة وبراهين. فأدعها ولا أخوض في الردّ عليها.وأنا وبعد أن أفحمت من جانبي هذا القسّيس بأدلّة ضمنيّة مستقاة من كتابه المقدّس وتدحض ما قدّمه من اعتراض. فأرى أن أُعطيه فكرة صحيحة عن حكم تعدّد الزوجات الذي فتحته الآية الثالثة من سورة النساء والتي أوردها القسّيس بصدد أنّ الإسلام أباح تعدّد الزوجات.

فأقول: اعلم يا عزيزي القسّيس بأنّ تعاليم الإسلام والفطرة البشريّة التي فطر اللّه عز وجلّ الناس عليها إنّما هما وجهان لعُملةٍ واحدة.وإنّ هذه الفطرة البشريّة ترفض نظام تعدّد الزوجات بصورة طبيعيّة فالمرأة التي يتزوّج عليها زوجها امرأة ثانية وثالثة،تعود تلك المرأة وكأنّها (معلّقةً) لا تعلم أهي متزوّجة أم هي غير متزوّجة.بسبب أنّ زوجها لا يأتي إلى بيتها يوميّا.لكنّ هذه الحقيقة التي ذكرناها يعترضها أحوال ضرورات هي بحاجة إلى أحكام تنظّم أحوالها.ومن تلك الضرورات أحوال لا تُعالج إلا بفتح باب حكم تعدّد الزوجات. وإنّ مثال إبراهيم عليه السلام وزواجه ممّا ملكت يمينه السيّدة (هاجر) لأكبر وأعظم مثال على مصداقيّة هذا الطرح الذي طرحته آنفا.فزوجة إبراهيم كانت عاقرا.وقد أحسّت من نفسها بضرورة تزويج بعلها زوجة ثانية ليكون له نسلٌ يُبقي على اسمه وذكراه.فعرضت عليه تزويجه بخادمتها،لتحقيق هذه الغاية وبداعي تلك الضرورة المشار إليها.فإن وعى هذا القسّيس هذه الحقيقة أنتقل به للكلام عن حكم تعدّد الزوجات الذي أتت به الآيات من سورة النساء. فالآيات الأوائل من سورة النساء قد وضعت بين أيدينا مثالا واضحا على مصداقيّة هذا الطرح المتعلّق بمبدأ الضرورات وأحكامها التي تعالج تلك الضرورات.فإن تدبّر هذا القسّيس الآية الأولى التي استهلّ اللّه عز وجلّ بها سورة النساء.وهي قوله تعالى (يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالا كثيرا ونساء.) يتبيّن له بأنّ حكمة استهلال سورة النساء بهذه الآية الكريمة التي نصّت على أنّ الرجل والمرأة من نفس واحدة لا فرق بينهما في العقل ولا في القوى ولا في الحواس وغيرها إلا في أجهزة التناسل.أقول يتبيّن له بأنّ اللّه عز وجلّ قد استهلّ سورة النساء بهذه الآية لتصبح بين يدي المفسّر للآيات القرآنيّة أصلا تفسيريّا،لا يجوز تفسير الآيات إلا من مُنطلق مُعطيات هذا الأصل التفسيري وعلى ضوء الحقيقة التي تضمّنها هذا الأصل التفسيري والمتعلّقة بالفطرة البشريّة التي فطر اللّه الإنسان عليها. وكانت الحكمة من ذلك بيان ما تقتضيه الضرورات الحادثة في وقت من الأوقات. وبعد هذا التّقديم أسأل: وهل يوجد هناك مؤرّخٌ في العالم يُنكر بأنّ الحروب التي خاضها أصحاب رسول اللّه الذين استشهدوا فيها بعشرات الألوف ،وتركوا وراءهم أعدادا هائلة

من الأولاد اليتامى إلى جانب تركهم أعدادا هائلة من النساء الأرامل والأسيرات من مُلك اليمين.حتّى باتت كلّ دار من دور المسلمين تعجّ بأعداد من أولئك الأولاد اليتامى وتلك النساء الأرامل والإماء الأسيرات.فبالنظر إلى تلك الحقيقة التي أشرت إليها،فقد تولّدت آنذاك في البيئة الإسلاميّة معضلات اجتماعيّة هي بحاجة إلى معالجتها.وشكّلت المعضلات الاجتماعيّة المشار إليها ضرورات هي بحاجة إلى أحكام شرعيّة تعالجها وتنظم أحوالها.وقد عالجتها الشريعة الإسلاميّة بأحكام مرحليّة وخاصّة بمعالجة تلك المعضلات الاجتماعيّة. ولتلك الفترة الزمنيّة بالذات،وإن خالفت تلك الأحكام مبدأ مساواة الرجل بالمرأة الذي نصّت عليه الآية الأولى من سورة النساء.ومن باب أنّ للضرورات أحكامها المرحليّة المرتبطة بمعالجتها وحسب.فهذا هو التفسير الصحيح والمنطقيّ لطرح مبدأ أصوليٍّ في الآية الأولى من سورة النساء. ومن ثمّ التعرّض للكلام عن الأرامل واليتامى وحقوقهم في الآيتين الثانية والثالثة من سورة النساء.وفتح باب تعدّد الزوجات فيهما مرفقا بشروط ولمعالجة معضلات اليتامى والأرامل وما ملكت أيمانهم تلك التي ذكرناها وأشرنا إليها والمعروفة من جانب المؤرّخين والباحثين لتلك الفترة الزمنيّة من تاريخ الدعوة الإسلاميّة. وعلى هذه الصورة فقد تبيّن لهذا القسّيس بأنّ حكم تعدّد الزوجات الذي نصّت عليه الآية الثالثة من سورة النساء والتي أوردها في اعتراضه.قد تبيّن له بأنّ حكم تعدّد الزوجات المذكور لم يكن حكما شرعيّا دائما.ولكنّه كان حكما وقتيّا لمعالجة تلك المعضلات الاجتماعيّة وامتصاصها بصورة عمليّة منظّمة وناجحة ليس إلاّ.فإن طالبني هذا القسّيس بالدليل الذي يثبت بأنّ الحكم الشرعيّ المذكور ليس بدائم.فأقدّم له الدليل على مصداقيّة ما طرحته على مسامعه،وبدليل من سورة النساء نفسها.فأقول: أ فلم تلاحظ يا عزيزي القسّيس كيف أنّ الآية التي فتحت باب تعدّد الزوجات لمعالجة تلك المعضلات الاجتماعيّة التي ذكرناها،كيف أنّ اللّه جلّ شأنه قد اشترط فيها شرطا واضحا وقال (فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً) وبمعنى أنّ الذي يريد العمل على مبدأ تعدّد الزوجات آنذاك ، فإنّ من

واجبه أن يعدل بين زوجاته التي يعقد عليهنّ نكاحه.وإلا فإن كان لا يستطيع العدل بينهنّ فإنّ من واجبه الاكتفاء بالزواج بواحدة.ولاحظ يا عزيزي القسّيس كيف أنّ تلك الآيات الأوائل من آيات سورة النساء لم تصرّح بأنّ من المستحيل على الزوج أن يعدل بين زوجاته.وقد أخّر اللّه عز وجلّ بيان تلك الحقيقة،فوضّحها من بعد ذلك في الآية 129 وقال هناك (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم،فلا تميلوا كلّ الميل فتذروها كالمعلّقة وإن تُصلحوا وتتّقوا فإنّ اللّه كان غفورا رحيما.).فإن أنت يا عزيزي
القسّيس أمعنت نظرك في عمليّة تأخير بيان هذه الحقيقة،تعود تدرك الحكمة من ذلك وهي أنّ حكم تعدّد الزوجات الشرعي كان موقّتا ولامتصاص تلك المعضلات الاجتماعيّة التي سبق أن ذكرناها لك.وتدرك بالتالي أنّ تعاليم الإسلام الحنيف لا تقول بالزواج بأكثر من امرأة واحدة.إلا حين تعرض معضلات وضرورات تفتح باب تعدّد الزوجات.وهذه الحقيقة تشرح لك ما عرض لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام من معضلة اضطرّته ليعمل على مبدأ تعدّد الزوجات.فتدبّر.
وعلى هذه الصورة أكون قد رددت على الجزء الثالث من الأسئلة الأخلاقية.

الرد على الجزء الرابع (أسئلة لاهوتيّة)

الردّ على السؤال الأوّل من الأسئلة اللاهوتيّة: وعنوانه (يجهلون الثالوث الأقدس). وأورد الآية 116 من سورة المائدة (وإذ قال اللّه يا عيسى أ أنت قُلتَ للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه ؟).والآية 171 من سورة النساء (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على اللّه إلا الحقّ إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه فآمنوا باللّه ورسله ولا تقولوا ثلاثةٌ انتهوا خيراً لكم إنّما اللّه إلهٌ واحدٌ سبحانه أن يكون له ولدٌ له ما في السماوات وما في الأرض وكفى باللّه وكيلا.) والآية 73 من سورة المائدة (لقد كفر الذين قالوا إنّ اللّه ثالثُ ثلاثة وما من إلهٍ إلا إلهٌ واحدٌ وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّنَّ الذين كفروا منهم عذابٌ أليم.). ومن ثمّ كتب يقول: يتّضح من هذه الآيات أنّ محمّدا سمع من بعض أصحاب البدَع من النصارى أنّه يوجد ثلاثة آلهة.هم اللّه ومريم وعيسى،فردّ على هذه البدعة وكرّر المرّة بعد الأخرى أنّ اللّه واحد.وكلّ من له إلمامٌ بالتوراة والإنجيل يعرف أنّ وحدانيّة اللّه هي أساس الدين المسيحي،فقد قالت التوراة والإنجيل: "الربُّ إلهنا ربٌّ واحد" (تثنية 6: 4 ومرقس 12: 29).ولم يقل مسيحيٌّ حقيقيّ قطّ إنّ العذراء مريم إله (مع كلّ التّقدير والمحبّة لها)

فالمسيحيون لا يعبدون ثلاثة آلهة،بل إلها واحدا في وحدانيّة جامعة : هو الآب والابن والروح القدس.أو بعبارة القرآن " اللّه وكلمته وروحه".والكلّ في ذات واحدة.وقد اتّفق القرآن مع الكتاب المقدّس في إسناد الفعل وضمير المتكلّم في صيغة الجمع إلى اللّه.ولم يرد في الكتاب المقدّس ولا في القرآن كلام مخلوقٍ كائنا من كان تكلّم عن نفسه بصيغة الجمع ممّا يدلّ على وحدة الجوهر مع تعدّد الأقانيم في الذات العليّة.فمثلا ورد في سورة البقرة الآية 23 (نزّلنا على عبدنا) بصيغة الجمع.وورد في سورة الأعراف الآية 196 (اللّه الذي نزّل الكتاب ) بصيغة المفرد.فتشير الصيغة الأولى إلى جمع الأقانيم.وتشير الصيغة الثانية إلى توحيد الذات.ومن أسماء اللّه الحسنى أنّه الودود،لقوله في سورة البروج الآية 14 (وهو الغفور الودود).فالودّ صفةٌ من صفاته.ومن معرفتنا أنّ هذه الصفة أزليّة نستدلُّ أنّ هناك تعدّد أقانيم في الوحدة الإلهيّة لتبادل الودّ بينها قبل أن يُخلق شيء.وإلا ففي الأزل اللانهائي،كانت صفة الودّ عاطلة عن العمل.وابتدأت تعملُ فبدأ اللّه " يودّ " بعد أن خلق الملائكة والناس.وحاشا اللّه أن يكون قابلا للتّغيير ! وهل نستطيع أن نوفّق بين الإيمان بصفات اللّه الأزليّة كالسمع والتكلّم دون الإيمان بثلاثة أقانيم في إله واحد ؟ولا نستطيع أن نملأ الفجوة الهائلة بين علاقة الإنسان باللّه على غير قاعدة الأبوّة والبنوّة وحياة الشركة المعلنة في عقيدة الثالوث القويمة ! . إنّ الإيمان بالتوحيد المجرّد بدون أنسٍ روحيٍّ باللّه هو إيمان الشياطين. "أنت تؤمن أنّ اللّه واحد" . حسنا تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرّون" (يعقوب 19:2).ومثل التثليث مثل العقل والفكر والقول،فهذه ثلاثة أشياء متميّزة غير منفصلة لشيء واحد ! والنار والنور والحرارة ثلاثة أشياء متميّزة غير منفصلة لشيء واحد. فهل نستبعد وجود ثلاثة أقانيم متميّزة غير منفصلة في إلهٍ واحد حسب إعلان كتابه المقدّس ؟

فأقول ردّا على هذا الاعتراض الأوّل من الأسئلة اللاهوتيّة: إنّ ما طرحه هذه القسّيس تحت هذا العنوان إنّما هو مجموعة مغالطات وتناقضات.وسيكون نهجي في الردّ عليه استعراض أقواله فقرة فقرة ومناقشتها وبيان ما اشتملت عليه من مغالطات وتناقضات. ومن ثمّ إجمال ما تناولته من مواضيع والردّ على ذلك كلّه بأسلوب علميٍّ وموضوعي.فلقد استهلّ هذا القسّيس مغالطاته المؤسفة بزعمه (أنّ محمّدا سمع من بعض أصحاب البدع من النصارى أنّه يوجد ثلاثة آلهة،هم اللّه ومريم وعيسى،فردّ على هذه البدعة وكرّر المرّة بعد الأخرى أنّ اللّه واحد).وقد تضمّن زعمه هذا ، ومن طرفٍ خفيٍّ ، ادّعاءً كاذبا بأنّ القرآن المجيد هو من تأليف محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم،وليس هو بوحيٍ سماويّ.وبما أنّه لم يجعل هذه المغالطة في صلب اعتراضه.لذلك فإنّي أترك الردّ عليها إلى مقام آخر سوى هذا المقام.والمغالطة الثانية التي زعمها هذا القسّيس من طرف خفيٍّ في قوله المذكور أيضا.هو أنّ محمّدا بن عبد اللّه ما كان متّزنا اتّزانا علميّا.ولذلك فهو ، وعلى حسب ما زعمه هذا القسّيس ،فقد (سمع محمّد من بعض أصحاب البدع من النصارى أنّه يوجد ثلاثة آلهة هم اللّه ومريم وعيسى فردّ على هذه البدعة وكرّره المرّة بعد الأخرى أنّ اللّه واحد).أي أنّ محمّدا بن عبد اللّه ما كان يعتمد على وثائق مكتوبة فيما أقام عليه تعاليمه ومعتقداته.وكان تأسيسه لأفكاره ومعتقداته يقوم على السماع. ولذلك فإنّ ما طرحه محمّد بن عبد اللّه من أفكار في هذه الآيات التي أوردها هذا القسّيس وعلى زعمه مغلوطة وغير متّزنة.فهاذان أمران دسّهما هذا القسّيس وأوحى بهما إلى القارئ من طرفٍ خفيّ، وعلى عادته في الدسّ والافتراء.والمغالطة الثانية التي شاء هذا القسّيس التضليل بها، تضمّنها قوله (فقد قالت التوراة والإنجيل: "الربّ إلهنا واحدٌ" (تثنية 6:4 ومرقس 12: 29).ولم يقل مسيحيٌّ حقيقي قط إنّ العذراء مريم إله (مع كلّ التّقدير والمحبّة لها).وحين راجعت سفر التثنية الإصحاح الرابع الآية السادسة فلم أجد فيها شعار (الربّ إلهنا ربٌّ واحد). على حين أني عندما راجعت إنجيل مرقس الآية 29 تبيّن لي بأنّ اليهود سألوا المسيح عن أوّل وصيّة أوصى بها موسى عليه السلام.(فأجابه يسّوع إنّ أوّل كلّ الوصايا هي اسمع يا إسرائيل. الربُّ إلهنا ربٌّ واحد.وتحبُّ الربَّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك ومن كلّ قُدرتك.هذه هي الوصيّة الأولى.). ويتبيّن من هذه المغالطة الثانية أنّ هذا القسّيس قد شاء أن يوهم القارئ بأنّ شعار (الربّ إلهنا ربٌّ واحد) هو شعار العهد القديم وشعار العهد الجديد معا.مع أنّه قد تبيّن للقارئ بأنّ كلمات هذا الشعار، وردت على لسان المسيح الناصري،وهو يتكلّم من جانبه عن الوصيّة الأولى التي كان قد أوصى بها النبي موسى عليه السلام.ولم تكن هذه الوصيّة صادرة عنه في مواعظه. فلو كان هذا الشعار هو شعار المسيحييّن الحقيقي ،وعلى حسب زعم هذا القسّيس.فإنّ هذا الشعار يتناقض تماما مع الشعار الذي يورده المسيحيّون على غلاف العهد الجديد المترجم من اللّغة اليونانيّة والمطبوع على نفقة جمعيّة التوراة الأميركانيّة .فهم يكتبون كما يلي (كتابُ العهدِ الجديدِ لربِّنا ومخلّصنا يسّوع المسيح).فعلى حين أنّ المسيح نفسه لم يدّع أنّه كان مصداق الوصيّة الأولى الموسويّة.فإنّ الذين طبعوا العهد الجديد قد جعلوا المسيح نفسه مصداق هذه الوصيّة الموسويّة الأولى.وبذلك يكونون قد ابتدعوا من جانبهم عقيدة (ألوهيّة المسيح).
وأمّا ما زعمه هذا القسّيس في مغالطته الثالثة من أنّه (لم يقل مسيحيٌّ حقيقيٌّ قطّ إنّ العذراء مريم إله (مع كلّ التقدير والمحبّة لها).فلو صحّ مضمون مغالطته الثالثة هذه.فإنّي أطالبه بدوري أن يدلّنا على قبر السيّدة مريم إن كان صادقا فيما قاله وادّعاه من أنّ للسيدة مريم في قلبه وقلب كلّ مسيحيٍّ المحبّة والتقدير وكما يزعم ويقول.فعدم وجود قبر معلوم للسيّدة مريم ويقرّ العالم المسيحي بأنّه قبرها.ويقومون بإشعال الشموع عليه حسب تقاليدهم،فهذا دليلٌ عمليٌّ ومن صلب واقع هذا العالم المسيحي ، ويحمل دلالة واضحة وصريحة على أنّ المسيحي الحقيقي لا يقيم للسيّدة مريم المحبّة والتقدير بصورة عمليّة.وإنّ من يراجع هذه الأناجيل الأربعة المعاصرة لا يجد فيها ما يؤيّد مدّعى هذا القسّيس.فليراجع كلّ قارئ قصّة تعليق المسيح الناصري على الصليب.فلا يوجد فيها ما يدلّ على أنّ أحدا كان يحترم السيّدة مريم والدة المسيح.خصوصا وأنّهم عندما أنزلوه من على الصليب فقد كان أحرى بهم أن يسلّموا جثّته لأمّه،وعلى الأقل أن ينادوها لتودّعه. لكنّ شيئا من هذا لم يحدث.هذا وإنّ المجدّد الذي بعثه اللّه تعالى في شبه القارة الهنديّة على رأس القرن الماضي وهو الإمام أحمد.قد أعلن للمسيحييّن ، وعلى رؤوس الأشهاد، بأنّ قبر مريم موجود في كشمير وعلى رأس جبلٍ سُمّي باسمها أيضا وهو جبل مريم (كوه مري). ومع ذلك فلو كان المسيحيّون يكنّون كلّ التقدير والمحبّة للسيّدة مريم،لكانوا سارعوا إلى القبر المشار إليه وأجروا أبحاثا ليثبتوا إما كذب الادّعاء المشار إليه،أو ليثبتوا حقيقته. ولكنّ عالم الكنائس المسيحيّة لم يفعلوا شيئا على هذا الصعيد.وإنّي أناشد هذا القسّيس أن يقوم بهذه المهمّة إن كان صادقا فيما قاله وزعمه. ويكفي تذكير هذا القسّيس بأنّ البابا السابق أعلن ضرورة الاعتقاد بأنّ مريم قد صعدت إلى السماء برفقة المسيح.وحجّته في ذلك عدم وجود قبر لها في الأرض.ولا حاجة للتوسّع من جانبي أكثر من ذلك في الردّ على هذه المغالطة.

وأتناول بالردّ على المغالطة الرابعة التي قال هذا القسّيس فيها (فالمسيحيّون لا يعبدون ثلاثة آلهة،بل إلها واحدا في وحدانيّة جامعة: هو الآب والابن والروح القدس.). ونحن نتّفق مع هذا الطرح بأنّ المسيحييّن ابتدعوا هذه الوحدانيّة الجامعة التي لا أصل لها في العهد القديم. هذه الوحدانيّة الجامعة التي فنّدها القرآن المجيد وأثبت بُطلانها.ولننظر فيما يقدّمه لنا هذا القسّيس ممّا ظنّ أنّه سيُقنعنا من خلاله من وجود حقيقيّ لهذه الوحدانيّة الجامعة.وعليه فليدقّق معي القارئ الباحث في كلّ كلمة سيوردها هذا القسّيس لإثبات مغالطته الرابعة سالفة الذكر. فهو أورد يقول (بعبارة القرآن "اللّه وكلمته وروحه" والكلّ في ذات واحدة.وقد اتّفق القرآن مع الكتاب المقدّس في إسناد الفعل وضمير المتكلّم في صيغة الجمع إلى اللّه.ولم يرد في الكتاب المقدّس ولا في القرآن كلام مخلوق كائنا من كان تكلّم عن نفسه بصيغة الجمع ممّا يدلُّ على وحدة الجوهر مع تعدّد الأقانيم في الذات العليّة.) وقد راح هذا القسّيس يقدّم مثالا يدعم مغالطته الرابعة هذه وقال: (فمثلا ورد في سورة البقرة الآية 23 "نزّلنا على عبدنا" بصيغة الجمع. وورد في سورة الأعراف الآية 196 "اللّه الذي نزّل الكتاب" بصيغة المفرد.فتشير الصيغة الأولى إلى جمع الأقانيم،وتشير الصيغة الثانية إلى توحيد الذات) وأوّل ما يلاحظه الباحث في العبارات الأولى لهذه المغالطة الرابعة هو أنّ هذا القسّيس سبق له أن كان قد أشار من طرف خفيٍّ إلى اعتقاده بأنّ هذا القرآن المجيد هو من تأليف محمّد بن عبد اللّه نفسه.والآن جاء يتناقض مع نفسه حين يقدّم مثالا من سورة البقرة الوارد فيها (نزّلنا على عبدنا) بصيغة الجمع زاعما أنّها صيغة جمع أقانيم. وكأنّها منزلة من اللّه عز وجلّ وليس من تأليف محمّد بن عبد اللّه.وهذا تناقض أوقعه فيه تعصّبه الدينيّ.وقدّم مثالا من سورة الأعراف زاعما أنّ اسم الجلالة (اللّه) قد ورد فيها بصيغة المفرد (اللّه الذي نزّل الكتاب) للدلالة على توحيد الذات.فلو كان محمّد بن عبد اللّه هو مؤلّف هذا القرآن العظيم.فأنّى كان له أن يصيغ هذه الصياغة التي تتراوح ما بين صيغة (جمع الأقانيم) وصيغة المفرد الدالة على (توحيد الذات)،وأن تكون صياغة مؤهّلة للاستدلال بها على مصداقيّة ما اعتقده هذا القسّيس؟وفي وقت قد راح فيه محمّد يثبت في مواضع كثيرة بأنّ المسيح كان بشرا رسولا، وأنّ المسيح ما كان يحمل أيّة صفة تُدخله في مفهوم (وحدة الأقانيم) ؟ وعليه فهذا تناقض فاضحٌ وقع فيه هذا القسّيس أيضا من حيث يشعر أو لا يشعر، وهو يحاول إيهام القارئ بأنّه قام بتقديم دليل من القرآن المجيد نفسه على صحّة ما زعمه من وجود (وحدة أقانيم) للّه عز وجلّ ، ووجود اسم الجلالة (اللّه) لتوحيد ذات اللّه جلّ شأنه.والحقيقة هي أنّ حكمة اختلاف الصيغ الواردة في هذين المثالين من سورتي البقرة والأعراف.هو أنّ اللّه عز وجلّ يورد صيغة الجمع (أنزلنا) حين الكلام عن إنجاز من إنجازاته سبحانه وتعالى أو حين يصدر حكما من الأحكام. ومن باب كون اللّه تعالى هو ملك الملوك في هذا الكون.وهذا على شاكلة ما يفعله الملك أو قاضي المحكمة يورد لنفسه (صيغة الجمع نحن) فيما أصدره من مراسيم وقرارات.وأمّا اسم الجلالة (اللّه) فهو اسمٌ تفرّدت به اللّغة العربيّة ،وللدلالة على وجود ذات إلهيّة متفرّدة في ذاتها وفي صفاتها والخالقة لهذا العالم الذي خُلِقنا ونعيش فيه. وهو اسم جامد لا يتصرّف في لغتنا
العربيّة.إلى جانب أنّ لفظ الجلالة (اللّه) فيه الدلالة على اتّصاف اللّه تعالى بالأسماء الحسنى.
ومن جملة مغالطاته فيما أورده من قول أعلاه قوله الذي استهلّ به مغالطته المذكورة،قال: (بعبارة القرآن "اللّه وكلمته وروحه والكلّ في ذاتٍ واحدة).ذكر هذا ولم يدخل في التفاصيل وذكر المراجع.وكأنّ ما ذكره هو حقيقةٌ لا مجال لمناقشتها.وأورد ذلك تفسيرا لزعمه الذي سبق أن زعمه وهو (فالمسيحيون لا يعبدون ثلاثة آلهة،بل إلها واحدا في وحدانيّةٍ جامعة).علما بأنّ الذي طالع ردّي على ما ورد في الأجزاء الثلاثة الماضية يعثر على تفنيد زعمه المذكور والمنسوب إلى (عبارة القرآن) المجيد.وليتذكّر القارئ بأنّ هذا القسّيس ، وبعد أن قدّم هذا الذي ذكرناه وناقشنا ما ورد فيه من مغالطات ، فقد أتى بمغالطة خامسة وقال: (ومن أسماء اللّه الحسنى أنّه الودود،لقول اللّه تعالى في سورة البروج الآية 14 (وهو الغفور الودود).فالودّ صفةٌ من صفاته.ومن معرفتنا أنّ هذه الصفة أزليّة نستدلّ منها أنّ هناك تعدّد أقانيم في الوحدة الإلهيّة لتبادل الودّ بينها قبل أن يُخلق شيء.وإلا ففي الأزل اللانهائي،كانت صفة الودّ عاطلة عن العمل،وابتدأت تعمل فبدأ اللّه "يودّ" بعد أن خلق الملائكة والناس.وحاشا للّه أن يكون قابلا للتّغيير ! وهل نستطيع أن نوفّق بين الإيمان بصفات اللّه الأزليّة كالسمع والتكلّم دون الإيمان بثلاثة أقانيم في إله واحد ؟ولا نستطيع أن نملأ الفجوة الهائلة بين علاقة الإنسان باللّه على غير قاعدة الأبوّة والبنوّة وحياة الشركة المُعلنة في عقيدة الثالوث القويمة!).وقد طرح هذا القسّيس في مغالطته الخامسة هذه فلسفةً سفسطائيّة تتهافت ويثبت بطلانها لمجرّد مناقشتها ومحاولة إسقاطها على بقيّة أسماء اللّه الحسنى يقينا.فهذا القسّيس اعترف من جهةٍ بأنّ صفات اللّه تعالى أزليّة.وزعم من جهة ثانيةٍ أنّه لا يجوز الادّعاء بأنّ صفات اللّه تعالى كانت عاطلة عن العمل في عالم الأزل اللانهائيّ.وقد راح من جهة ثالثة يستدلّ على أنّ صفة اللّه (الودود) لم تكن عاطلة عن العمل.بل كان يملؤها الودّ القائم ما بين الأبوّة والبنوّة وحياة الشركة المعلنة في عقيدة الثالوث القويمة على حدّ زعمه.فلو كانت فلسفة السفسطائيّة التي استند إليها هذا القسّيس صحيحة وحقيقيّة.فقد كان ينبغي أن يصحّ إسقاط هذه المعلومة على جميع ما للّه تعالى من صفات تشكّل أسماؤه الحسنى.وعلى سبيل المثال،فمن أسماء اللّه الحسنى أنّه (الشافي).وصفة الشفاء هذه أزليّة وعلى حسب اعتراف هذا القسّيس صاحب
الفلسفة السفسطائيّة المذكورة.ولا ينبغي أن تكون هذه الصفة عاطلة عن عملها في الأزل اللانهائي.وهنا نتساءل: هل كانت صفة اللّه (الشافي) عاطلة عن العمل في يوم من الأيّام ؟ فإن كانت أزليّة فهل كانت بنوّة اللّه المزعومة تُصاب بالأمراض في الأزل وفي ظلّ الأبوّة الأزليّة الوجود لتقوم صفة اللّه (الشافي) بعملها ؟ وهل كان عالم الأبوّة والبنوّة المشار إليهما عالما روحيّا أم كان عالما مادّيا تُشاع فيه الأمراض، ومحتاجا لعمل هذه الصفة وهي صفة اللّه (الشافي) ؟؟ وبالتالي فكيف تكون صفة اللّه الشافي الأزليّة غير معطّلة عن عملها في الأزل اللانهائي وفي وقت تكون فيه صفة اللّه (الودود) تعمل في البعد غير المنظور، وغير معطّلة. فبهذا الأسلوب من محاكمة هذه الفلسفة السفسطائيّة نستطيع إثبات بُطلانها يقينا.فعالم الذات الإلهيّة ،وكما هو معلومٌ من قبل جميع تعاليم الديانات السماويّة المعروفة، هو عالم بعيد عن المادّة المحدودة الأبعاد.ولذلك فلا تحدث في عالم الذات الإلهيّة أمراض هي بحاجة إلى عمل صفة اللّه (الشافي).ولنتناول الآن صفة اللّه (التوّاب) ونناقشها بمثل ما ناقشنا به صفة اللّه (الشافي).فصفة اللّه (التوّاب) أزليّة وعلى حسب اعتراف هذا القسّيس صاحب هذه الفلسفة السفسطائيّة المذكورة.فهل كانت صفة اللّه (التوّاب) عاطلة عن العمل في يوم من الأيّام ؟ فإن كانت أزليّة وغير عاطلة في الزمن اللانهائي ، فهل كانت البنوّة الأزليّة تصدر عنها الزلاّت إثر الزلاّت،وترتكب الحماقات إثر الحماقات ولذلك

كانت هي بحاجة إلى أن تشملها صفة اللّه (التوّاب) برحمتها وعطفها ورأفتها،وتمحو عنها ما تركته زلاّتها وحماقاتها من آثار جهنّميّة ؟ وهل كان يحدث ذلك في عالمٍ مادّيٍ أو أنّه كان يحدث في عالمٍ روحيّ ؟؟ ومن خلال مناقشة موضوع صفة اللّه (التوّاب) هذه وبهذا الأسلوب من المحاكمة العقليّة ، يعود بإمكاننا إثبات بُطلان هذه الفلسفة السفسطائيّة التي ابتدعها القسّيس المذكور.وقس أيّها القارئ المسلم على ذلك بقيّة أسماء اللّه الحسنى وزنها بهذا الميزان وبمثل هذه المحاكمة العقليّة التي ناقشنا بها هذه الفلسفة السفسطائيّة التي ابتدعها هذا القسّيس بغرض أن يُثبت عن طريقها، عقيدته التي سمّاها (عقيدة الثالوث القويمة) الباطلة وعلى حسب ما نطق به وزعمه فيما أورده في اعتراضه وتحت عنوان (يجهلون الثالوث الأقدس) هذا العنوان الذي رفعه من أجل أن يضلّل به السذج من الناس.
وليستمع القارئ إلى المغالطة السادسة الأخيرة التي تضمّنها قول هذا القسّيس قبل أن يختم اتّهامنا بأننّا نجهل الثالوث الأقدس المزعوم.فهو تجرّأ وقال: (إنّ الإيمان بالتوحيد المجرّد بدون أُنسٍ روحيٍّ باللّه،هو إيمان الشياطين."أنت تؤمن أنّ اللّه واحدٌ.حسنا تفعل.والشياطين يؤمنون ويقشعرّون" (يعقوب 19: 2). ومَثَلُ التّثليث مثلُ العقل والفكر والقول،فهذه ثلاثة أشياء متميّزة غير منفصلة لشيءٍ واحد ! والنار والنور والحرارة ثلاثة أشياء متميّزة غير منفصلة لشيءٍ واحد. فهل نستبعد وُجود ثلاثة أقانيم متميّزة غير منفصلة في إله واحد حسب إعلان كتابه المقدّس ؟).فهل أمعنت نظرك يا عزيزي القارئ في قول هذا القسّيس (ومثَلُ التّثليث مثَلُ العقل والفكر والقول،فهذه ثلاثة أشياء متميّزة غير منفصلة لشيءٍ واحد) ؟ فالعقل في نظر هذا القسّيس متميّزٌ.وكلامه هذا هو كلام جميل.لأنّنا بالعقل نفرّق ما بين الإنسان وما بين الحيوان.ثمّ إنّ الفكر في نظر هذا القسّيس متميّزٌ.وهذا كلام غير مفهوم.فأيّ فكر يقصد ؟ فهل كان يقصد فكر القسّيس نفسه الذي ابتدع هذا الثالوث الأقدس ؟ أم أنّه قصد به الفكر الماركسيّ الذي أنكر وجود خالق لهذا الكون ؟ أم أنّه قصد فكر النفاق وفكر التّضليل الذي انتهجه هذا القسّيس نفسه،حين لجأ إلى جميع هذه المغالطات والتناقضات التي كشفنا عنها الغطاء ، وقد لجأ إليها بقصد الدفاع عن الباطل والتّعتيم على نور الحقّ المضيء ؟ وبقي علينا أن نربط ما بين العقل والفكر،وما بين القول، فلا نهتدي إلى سبيل.فالقول هو في حقيقة أمره ثمرة من ثمرات العقل والفكر.وإلاّ فإنّ القول ما هو بشيء منفصلٍ لنتّفق مع هذا القسّيس من أننّا أمام مثال يشهد على وجود ثالوث مقدّس.والقول يتعلّق في حقيقة أمره بجهاز النّطق.وكم توجد في هذا العالم أعدادٌ من أفرادٍ محرومين من النطق والقول، مع أنّهم يفكّرون ويعقلون ؟ ومن جهة ثانية فالمعلوم أنّ النطق هو خاصيّة من خصائص هذا الإنسان والتي تفرّقه عن الحيوان.والقول نتيجة من نتائج هذه الخاصّية.فها أننّا إذا قسنا عقيدة (الثالوث المقدّس على هذه الحقيقة، فقد عاد بإمكاننا الزعم بأنّ (البنوّة) كانت إحدى خصائص الذات الإلهيّة ؟فإن صحّ هذا الزعم فمعناه أنّه كان ينبغي أن تتعدّد (البنوّة) وليس أن تنفرد في وحدانيّتها.فهذا المثال الذي ضربه هذا القسّيس،هو في حقيقته مثال ناقص ولا يصحّ تقديمه لإثبات وجود ثالوث مقدّسٍ وعلى حدّ زعمه.فلو أنّنا قبلنا مثاله سالف الذّكر فقد عاد بإمكاننا تقديم أمثلة ثالوثيّةٍ مُقرفة.فالرجل الذي تدفعه شهوته الجنسيّة.والمرأة التي يسوقها هواها.وجريم الزنا التي يرتكبانها تشكّل هذه الثلاثة في واقع الأمر (ثالوث) لكنّه ثالوث غير مقدّس.وقس بهذه المحاكمة العقليّة وبهذا الميزان يا عزيزي القارئ مثال (النار والنور والحرارة) ذلك المثال الذي قدّمه لك هذا القسّيس ليُقنعك بوجود (ثلاثة أقانيم) في ذات اللّه عز وجلّ. هذا الطرح الذي نستعيذ باللّه تعالى ممّا ينتج عنه من آثارٍ سيّئة في نفس هذا الإنسان،الذي يعود يعتقد بوجود إله من روح وجسد.وأنّ روح هذا الإله تفارقه لتتجسّد في عالم دنيويّ على شكل إنسان يولد من فرج امرأة ويموت ويقوم من بين الأموات ولمجرّد اعتقادنا بأنّ روح اللّه المزعومة أنّها ابن اللّه ومن روحه أيضا.وكأنّ روح اللّه، أعاذنا اللّه من ذلك الاعتقاد،كان بالإمكان أن تتجزّأ.مع أنّ الروح كيان مستقلٌّ لا يتجزّأ. وعلى هذه الصورة فإنّ الإنسان الذي يدخلُ هذه الدّوامة التي تُدخلنا فيها عقيدة (الثالوث الأقدس)،قد يغرق حاملها في داخلها في أغلب الأحيان يقينا.ويستحيل أن ينجو منها إلاّ من كان قد كتب اللّه جلّ شأنه له النجاة منها بمعجزة خارقة.وعلى هذه الصورة أكون قد ناقشت أقوال هذا القسّيس سالفة الذكر وجميع تلك الأقوال التي طرحها تحت عنوان (يجهلون الثالوث المقدّس) هذه الأقوال المملوءة بكثير من المغالطات والتناقضات.فأكون قد ناقشتها بمنطقٍ علميٍّ موضوعيٍّ وبمحاكمة عقليّة سليمة،وأثبت من خلال ما قمت به من جهد بكشف حقيقة تناقضاة أقوال هذه القسّيس ومغالطاته التي أودعها أقواله المذكورة.لذلك تجدني أنتقل من ذلك كلّه،ووفق خطّة النهج الذي أعلنته في مستهلّ الردّ على هذه الشبهة الأولى من الأسئلة اللاهوتيّة. أنتقل لنقض ما طرحه هذا القسّيس من طرح باطل وذلك من ضمن ما اشتمل عليه كتابه المقدّس المؤلّف من العهد القديم ومن العهد الجديد،هذا العهدان المؤلّفان من قصص كتبها بعض الكتّاب على مرّ التاريخ.والتي جمعها بعض كتبة اليهود وبعض فرّيسيهم.وبعض قساوسة العالم المسيحي.ولتشكّل هذه الأسفار والقصص المشار إليها ، هذا الكتاب الذي يقدّسه العالم المسيحي.والذي يسمّونه (الكتاب المقدّس) أيضا. على حين أننا إذا عُدنا إلى قرن من الزمان من بعد حادثة الصلب المعروفة،فلم يكن لهذا الكتاب المقدّس من وجود.بل ولم تكن لهذه الأناجيل الأربعة المطبوعة في زماننا هذا من وجود على الصورة التي هي بين أيدينا.فلذلك كلّه أنتقل للردّ عليه بأسلوب موضوعيّ،
فأقول: إنّ هذا القسّيس المعتقد بالثالوث المقدّس والذي يزعم جهلنا به.قد لخّص عقيدته المذكورة بوجود وحدانيّة ذات ، ووجود وحدانيّة جامعة في نظره.فاستدلّ على وجود (توحيد الذات) بوجود صيغة مفردٍ يعبّر عنها بكلمة (اللّه) كما في سورة الأعراف (اللّه الذي نزّل الكتاب).كما استدلّ على وجود (وحدة الذات) بوجود صيغة الجمع كما في سورة البقرة (نزّلنا على عبدنا).وبألفاظ أخرى فهذا القسّيس يزعم بأنّ هذا القرآن المجيد يقول بوجود توحيد الذات ووحدة الذات المؤلّفة من الآب والابن والروح القدس،وعلى حدّ زعمه.أي أنّ هذا القسّيس عوضا عن أن يستدلّ بما ورد في أسفار العهد القديم على ما يؤيّد زعمه المذكور.وهي الأسفار التي تضمّنت جميع التّعاليم التي نادى بها أنبياء بني إسرائيل من قبل بعثة المسيح الناصري.فقد حاول هذا القسّيس وبأسلوب مضلّلٍ ومتناقض الاستدلال على مصداقيّة عقيدته من القرآن المجيد وهو الكتاب الذي هو ،على حدّ زعمه من تأليف محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.وقد جاءت محاولته هذه فاشلةً وتمثّل تناقضا معيبا،لا يليق بقسّيس عالمٍ في الدين،وعلى حسب ما أثبتُّ ذلك من خلال مناقشتي لأقواله وما طرحه بأسلوب منطقيٍّ وعلميٍّ وعقلانيّ.وسبق لي أن قلت إنّ من المنطق أن يُثبت لنا هذا القسّيس مصداقيّة عقيدته في وجود التثليث الأقدس المزعوم ، ليس من هذا

القرآن العظيم،ولكن أن يثبت صحّة وجوده من العهد القديم الذي يشكّل أكثر من ثلثي كتابه المقدّس وكما هو معلوم.فإن عجز هذا القسّيس عن القيام بهذه المهمّة.يكون قد أثبت من خلال عجزه هذا أنّ عقيدته في التثليث الأقدس المزعومة إنّما هي عقيدة ابتدعتها مختلف كنائس المسيحيّة،على مرّ الزمن من بعد بعثة المسيح الناصري.والمسيح الناصري بريء من هذه العقيدة براءة يوسف من الدم الذي لوّث إخوانه به قميصه وقدّموه إلى أبيهم زاعمين أنّ الذئب قد أكل يوسف عليه السلام.فالمسيح الناصري ووفق مُعطيات أقواله الواردة في هذه الأناجيل الأربعة كان نبيّا وكان رسولا موحّدا ومرسلا إلى بني إسرائيل وحدهم من بين مجموعة الشعوب المحيطة بخراف بيت إسرائيل الضالّة.والمسيح لم يقل بعقيدة التثليث الأقدس المزعومة هذه إطلاقا،هذه العقيدة التي جاء هذا القسّيس يزعم جهلنا بها،وكأنّها عقيدة ثابتة من خلال مُعطيات أسفار العهدين القديم والجديد.وهنا ينبغي على القارئ أن يعلم بأنّ أسفار العهد القديم،بالرغم من جميع ما لحقها من تحريف
فإنّ الباحث يلاحظ بأنّ تلك الأسفار جميعها قد حافظت على إعلان عقيدة التوحيد التي يرجع زمنها،ليس إلى النبيّ موسى نبي بني إسرائيل.بل يرجع تاريخها إلى زمن إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام.فليراجع كلّ قارئ أوّل سفر من أسفار هذه التوراة المعاصرة.وليلاحظ ما أورده كاتب هذا السفر في الإصحاح 1: 26 فقد ورد هناك: (وقال اللّه لِنصنعِ الإنسان على صورتنا كمثالنا.).ومن ثمّ أورد في الإصحاح 2: 7 يقول: (وجبل الربُّ الإله الإنسان ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نَسمةَ حياة،فصار الإنسان نفساً حيّةً).ولاحظ يا عزيزي القارئ جملة (وجبل الربّ الإله الإنسان) فالكاتب أورد كلمة (الإله) مفسّرة لكلمة (الربّ).ولم يقرن هذه الكلمة بكلمة (روح القدس) الأمر الذي يُشير إلى أنّ كاتب سفر التّكوين كان موحّدا ولم يكن معتقدا بعقيدة هذا القسّيس.واستمرّ هذا الكاتب يستعمل مصطلح (الربّ الإله) حتى الإصحاح الثاني عشر الذي تضمّن سيرة إبراهيم عليه السلام.وحين كان هذا الكاتب يروي سيرة إبراهيم كان يستعمل نفس المصطلح الأوّل.فقد أورد في الإصحاح 13: 14 (وقال الربّ لأبرام ..) أورد هذا بعيدا عن عقيدة التثليث.ومعبّرا بكلمة (الربّ) عن الإله وليس عن شيء آخر سواه.وقد كتب هذا الكاتب في الإصحاح : 17 يقول: (ولمّا كان أبرام ابنَ تسعٍ وتسعين سنة،تراءى له الربّ وقال له: "أنا اللّه القدير،فسِر أمامي وكُن كاملا.").وقد استبدل الكاتب كلمة

(الربّ) هنا بكلمة (أنا اللّه القدير).الأمر الذي يدلّ على أنّ هذه الكلمة (الربّ) كانت تعني في اعتقاد كاتب سفر التكوين (اللّه القدير) وبصيغة المفرد أيضا.دلالة على عقيدة توحيد اللّه عز وجلّ وبعيدا عن عقيدة التثليث الأقدس التي يعتقدها هذا القسّيس.واستمرّ الكاتب على نفس المصطلح إلى النهاية وهو يروي لنا (سيرة إبراهيم) عليه السلام.ومن ثمّ انتقل هذا الكاتب ليروي لنا سيرة إسحاق ويعقوب.وبعد أن استعرضنا ما اعتقده كاتب سفر التكوين من وجود إله ربٍّ واحد لا شريك له،وبعيدا عن عقيدة الثالوث الأقدس التي ابتدعها قساوسة الدين المسيحيّ،وخلافا للمتوارد من التوحيد الذي تضمّنه العهد القديم الذي يشكّل ثلثي الكتاب المقدّس الذي يقدّسه هذا القسّيس.وبعد أن علمنا من سيرة أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام من أنّه كان موحّدا بنفس التوحيد الذي أتت به قصّة خلق آدم وحوّاء.فالسؤال الذي يطرح نفسه بعد الذي علمناه هو: إن كان مفتاح دخول جنّة
الخلد والحفظ من دخول جهنّم مرتبطا ارتباطا عضويّا بعقيدة التثليث الأقدس المؤلّفة من الآب والابن وروح القدس،فما معنى أن يدع اللّه الخالق آدم وحوّاء وأبو الأنبياء إبراهيم محرومين من هذا الاعتقاد ؟ ولماذا لم يخبرهم اللّه تعالى بأنّه كان منذ الأزل يوادّ ابنه وروح القدس،إلى أن خطر بباله أن يخلقهم ويمنّ عليهم بالوجود من العدم ؟ فهل كان يرتبط دخول هؤلاء جميعهم في الجنّة بالزمن الذي يبعث اللّه تعالى فيه المسيح الناصري،وإلاّ فهؤلاء جميعهم كانوا قديما من أهل جهنّم ؟ فهل أنّ في قدرة هذا القسّيس مواجهة هذه الحقيقة التي كشفت له عنها ويستحيل عليه الإجابة عليها بإجابةٍ صريحة وواضحة ؟؟
وأنتقل من ذلك لمراجعة سيرة الأنبياء المشهورين من أنبياء بنو إسرائيل،وهي سيرة إسحاق ويعقوب عليهما السلام.

يتبع
عــــودة