ماذا تعرفُ عن عقل الإنسان ؟
تعريفه،حدود عمله،ماهيّته
عوامله المساعدة
مقدّمة البحث
لايختلف إثنان من الناس في أنّ الإنسان يختلف عن بقيّة الكائنات الحيّة فيما جهّزه خالقه به بجهاز العقل الذي إذا استعان به هذا الإنسان يُقدِمُ أو يُحجمُ عن أن يفعل ما يريد فعله أو ما يُطلبُ منه أن يفعله بحرّيةٍ تامّةٍ وبإرادةٍ وتصميم ظاهرين . على حين أنّ بقيّة الكائنات الحيّة لا تتّصف بهذه الصفات التي نسبناها لهذا الكائن الإنسان. ولذلك يُطلقُ المفكّرون على بقيّة الكائنات الحيّة مُصطلح (الغريزيّة) ،دلالةً على أنّّ كلّ كائنٍ حيٍّ منها يتصرّف في حياته على نمطٍ واحدٍ في كلّ زمانٍ ومكان. علماً بأنّ هناك من الفلاسفة والعلماء من يرون أنّ الإنسان يمثّل درجة تطوّرٍ عن الحيوانات الثدييّة. وهو موضوع لا يمتّ إلى بحثنا هذا الذي نبحثه في هذا الكتاب بصلةٍ مباشرة . فالإنسان الحاليّ هو إنسانٌ عاقلٌ وكفى سواء أكان هذا الإنسان غير عاقلٍ قبل أن يصل إلى مرحلة تطوّره الحاضرة أم كان غير ذلك .فأنا حدّدت عناوين ما أردت بحثه في مؤلّفي هذا ولا تشملُ تلك العناوين هذه النظريّة التي أشرت إليها ومن باب أنّ بحثي انحصر في موضوع ما يحمله هذا الإنسان من عقلٍ يتحلّى به ويمتاز به عمّا سواه من الكائنات. وسواء أكان هذا الإنسان يمثّل درجة تطوّرٍ عن كائنٍ قبله أو كان مخلوقاً على الشكل الذي هو عليه منذ الابتداء .
هذا وإنّ الذي دفعني إلى كتابة هذا الكتاب ما ألاحظه من بُعد هذا الإنسان عن استعماله لجوهرة عقله استعمالاً موضوعيّاً وبإيجابيّة. ذلك أنّ كلّ من يستعمل شيئاً من الأشياء بدون أن تكون له إحاطةٌ بعلم هذا الشيء بشكلٍ علميٍّ وموضوعيّ فإنّه يستعمل هذا الشيء على صورةٍ تتنافى وحقيقة ذاك الشيء والغاية التي صُنع من أجل تأديتها . وأضرب للقارئ مثالاً على ذلك لتوضيح ما قلت : فالطفل الذي تُعطيه جوهرة تراه يلعب بها أحيانا فيضرب بها الحائط وكأنّها كرةٌ بين يديه.أو يقذف بها برجله ليلاحق بريقها. يفعل هذا لأنّه لا يعلم حقيقة هذه الجوهرة التي هي بين يديه ولا يعلم المقصد من استعمالها.ولنضرب للقارئ مثالا آخر توضيحا لما ذكرته له : فلنفرض أنّ هذا الطفل يقف وحده في مكان ما واقتربت منه أفعى فظنّها حبلٌ للّعب من حبال اللّعب التي يلعب بها الأطفال لجهله بحقيقة الأفعى وحقيقة لدغة سُمّها . فيقبلُ عليها هذا الطفل للإمساك بها فتلدغه ويموت إذا لم يقم أهله بإسعافه ومعالجته. فمن خلال هذين المثالين فقد عاد القارئ يُدرك أهمّية العناوين التي حدّدت بحثها في العنوان ولأقوم ببحثها في هذا الكتاب بشكلٍ علميٍّ عسى أن يُساعده ذلك على استعمال عقله بشكلٍ علميٍّ وموضوعيٍّ وإيجابيّ .
وتتجلّى أهمّية هذا البحث من جهة وجود كثرةٍ من الأسئلة يطرحها الباحث وقد يعجز الإنسان العاديّ عن إيجاد أجوبةٍ علميّة ومُقنعة عليها. وأطرح على مسامع القارئ نماذج من تلك الأسئلة لتتبيّن له أهمّية ما أقبلت على بحثه في هذا الكتاب : فالسؤال الأوّل البسيط الذي يخطر للمرء بالبداهة: ما هي ماهية العقل وأين يقع عقل الإنسان ، أيقع داخل جمجمته أم يقع خارجها؟ ويسأل هل أنّ هذا العقل يموت بموت صاحبه أم أنّ عقل الإنسان خالدٌ خلود نفسه ؟ فإن كان خالداً فما هي معالم وأدلّة ذلك ؟ أمّا إذا كان العقل يفنى بفناء هذا الجسد فكيف بإمكان هذه النفس أن تستقلّ وتعمل بعد موت صاحبها بدون هداية العقل ؟ أم أنّ للنفس وسيلةً أخرى تستعين بها بعد موت صاحبها وبعد أن انتقلت من عالم المادّة إلى عالم البرزخ الذي دخلته . فهذه أسئلةٌ تخطر على بال الإنسان العاديّ ولا يجد لها أجوبةً علميّةً مُقنعة . فيستمرّ في حياته وصدره مفعمٌ بالشكوك والاستفهامات التي تقضّ مضاجعه طيلة حياته التي يحياها في عالمنا المادّي الذي أتينا إليه بدون إرادتنا ونُغادره بطريق الوفاة وبدون رغبة منّا أيضاً وهل ترضى نفس امرئ دخول عالمٍ غامضٍ وهو لا يدري عنه شيئاً ؟
أمّا إذا كان هذا الإنسان مفكّراً وباحثاً فلا يقف تفكيره وبحثه عند حدود الإجابة عن الأسئلة التي طرحها الإنسان العاديّ. بل يطرح أسئلةً أدقّ وأبعد مدى . فهو يسأل : هل يكفي عقل الإنسان صاحبه للوصول إلى معرفةٍ كاملةٍ لهذا الكون من حوله ؟ أم أنّ العقل وحده لا يفيد صاحبه ليصل به إلى المعرفة الكاملة. ويعود حينذاك ليسأل:وما هي الوسائل التي تساعد عقله على بلوغ المعرفة الكاملة ؟ ويبدأ حينئذٍ يتأكّد من مصداقيّة تلك الوسائل المساعدة إن هو أحاط بها علماً. ومن ثمّ يبدأ ينظر إلى ما حوله بالاستعانة بتلك الوسائل التي اكتشف أهمّيتها فيبحث كلّ شيء بذاك المنظار الذي بات موجوداً بين يديه ليزداد علماً ومعرفةً لهذا الكون الذي وُلد فيه غير مختار وبلا مشيئة.
فإذا كان هذا الإنسان من نوع الفلاسفة ويحمل لياقتهم فإنّه يطرح على نفسه أسئلةً أبعد مدى ممّا طرحناه من أسئلةٍ حتّى الآن على ألسنة هذين القسمين من الناس اللّذين أتينا على ذكرهما. فيسأل الفيلسوف نفسه : وهل أنّ الإنسان مادّة وحسب أم أنّه من جسدٍ وروح وما هي أدلّة ذلك ؟ كذلك يسأل هذا الفيلسوف نفسه: هل يفنى هذا الإنسان عند موته أم أنّه ينتقل إلى عالمٍ جديدٍ وما هي أدلّة ذلك ؟ كذلك يسأل هذا الفيلسوف نفسه : هل أنا مخلوق وما هي حقيقة خالقي إن وُجد ؟ ولماذا خلقني في هذا العالم ؟ فإن كنت غير مخلوقٍ وثمرة تطوّرٍ طويلٍ فما هو أصل وجودي في هذا الكون ؟ وأمثال هذه الأسئلة التي لا يتجرّأ على طرحها إنسانٌ عاديّ .
وعندما يُطالع القارئ عشرات هذه الأسئلة المطروحة تأخذ الدهشة منه مأخذاً ويقول في حديث نفسه: ومن أين سيستقي كاتبنا أجوبته عليها جميعها وما مدى صحّة ما سيدلي به في هذا الكتاب من معلومات ؟ فهذا سؤالٌ جوهريٌّ يسأله القارئ وهو محقٌّ فيه ويسأله ليطمئنّ إلى ما سيقرأه ويطالعه في هذا الكتاب .
فإن استفسر القارئ عن المصادر التي سأستعين بها في بحثي هذا بدافع ما حدّث به نفسه فأقول له: يا قارئي العزيز كن مُطَمئناً إلى ما سأبحثه في هذا الكتاب لأنّني لن أنهج نهج الكتّاب الذين أخذوا بأقوال الفلاسفة أو غيرهم من كُتّاب أمّتنا القدماء هذا من جهة. ولن أسير في بحثي هذا على شاكلة الكُتّاب الذين اعتمدوا في كتاباتهم وبحثهم لهذا الموضوع وغيره على قيل وقال.ذلك لأنّ بحث العقل قديماً بحثه مختلف المفكّرين من أمثال الخوارج والمعتزلة وغيرهم وفي وقتٍ لم تكن حقائق العلم الحديث قد ظهرت إلى الوجود.لذلك جاء بحثهم لموضوع عقل الإنسان ارتجاليّاّ وغير كامل.فهم انطلقوا ولا شكّ من دلالة كلمة عقل لكن من غير دراسة موضوعيّة لهذه الكلمة (عقل).وإنّ الكاتب المعاصر لنا إذا حاول مناقشة أفكار أولئك الأقدمين يجد مجالا رحباً يزيد الطين بِلّة ولا يفيد إلا الطعن والتسفيه لأولئك الذين بذلوا جهوداً مضنيةً وبنيّةٍ حسنة ومن دون أن تتوفّر لهم المعطيات العلميّة التي توفّرت للكاتب المعاصر.
لذلك فإنّني يا قارئي العزيز سأبحث موضوع (عقل الإنسان) معتمداً فيه على مراجع علميّة وعلى ما أتت به تلك المراجع العلميّة من حقائق ثابتة . وسأناقش الأمور بمنطق المحاكمات العقليّة المجرّدة غير المقلّدة وسيكون بحثي هذا موضوعيّا ومستعينا بتوجيهات ما تضمّنه هذا القرآن العظيم من توجيهات على هذا الصعيد وبشكلٍ منهجيّ .
علماً بأنّي قسّمت موضوع هذا الكتاب إلى ثلاثة أبواب. بحثت في الباب الأوّل منها تعريف كلمة (العقل) وعلى حسب ما أورده معجم مقاييس اللّغة ومعجم محيط المحيط.وناقشت تعريف المعجمين المشار إليهما بشكلٍ موضوعيّ .ومن ثمّ بحثت وعلى ضوء ذلك صلة عقل الإنسان بدماغه بشكلٍ علميّ وانتقلت بعد ذلك فبحثت صلة عقل الإنسان بكيانه النفسيّ.وأعطيت هناك فكرةً موجزة ولكن بصورة علميّة عن هذا الكيان النفسيّ الذي هو لهذا الإنسان.كما وضّحت بعده اللّحمة الكائنة ما بين عقل الإنسان ونفسه.وحاولت بعد ذلك توضيح علاقة الفكر بالعقل. وألقيت ضوءً على مفهوم (الوعي) وصلة الوعي بالعقل. وأثبتّ بعد ذلك كيف يكون العقل وسيلة تطوير الكيان النفسي عند الإنسان. وخلصت من ذلك كلّه إلى طرح المفهوم الحقيقيّ لجوهرة (العقل).ومن ثمّ نبّهت إلى أنّ سلامة عقل الإنسان ترتبط بسلامة جسده.وأنهيت بذلك الباب الأوّل من هذا الكتاب.
وانتقلت بعد ذلك إلى الباب الثاني من هذا الكتاب وهو الباب الذي خصّصته للكلام عن العوامل التي تساعد عقل الإنسان على عمله وكيفيّة خضوع ذلك كلّ لقانون الاحتياج العام . ولذلك أعطيت القارئ الكريم بادئ ذي بدء عن هذا القانون الطبيعيّ الذي أسميته (قانون الاحتياج العام) ومن ثمّ بدأت بدايةً بالكلام عن العوامل التي تساعد حواس الإنسان الخمس على عملها.فتكلّمت عن كلّ واحدة منها بشكل مستقلّ.فلمّا فرغت من ذلك توجّت لبحث العوامل التي تساعد عقل الإنسان على عمله.فابتدأت بالكلام عن العامل الذي يساعد عقل الإنسان ليعمل على صعيد الزمن الماضي.وأتبعت ذلك بالكلام عن العامل المساعد الذي يساعد عقل الإنسان ليعمل على صعيد الزمن الحاضر.وأتبعته بالكلام عن العامل الذي يساعد عقل الإنسان ليعمل على صعيد الزمن المستقبل.ولم أنس أن أقدّم أمثلةً تشرح جميع ما تكلّمت عنه وبشكلٍ علميّ.وبذلك أنهيت مضامين الباب الثاني من هذا الكتاب.
وقد خصّصت الباب الثالث من هذا الكتاب للكلام عن (الوحي السماويّ) ودوره الطويل الذي رافق نشأة الإنسان على سطح هذه الكرة الأرضيّة وكيف أنّه لولا (الوحي السماويّ) لكان هذا الإنسان ما يزال يمضي فترة عصوره الحجريّة حتّى الآن . وأرى أنّ لهذا البحث الذي تضمّنه هذا الباب الثالث من هذا الكتاب أهمّيةً قصوى ينبغي على القارئ الكريم إعطاءها منزلتها التي أغفلها جميع الذين ابتلوا بعقلٍ تقليديٍّ في هذه الأمّة بعيداً عن البحث والاستقصاء .فوضّحت للقارئ في هذا الباب حدود عمل عقل الإنسان تلك الحدود التي لا يستطيع العقل تجاوزها.كما وضّحت رابطة جدليّة علاقة الأرض بالسماء.وبعد ذلك تكلّمت عن محاولات اكتشاف وجود خالق لهذا الكون من حولنا وكيف أنّ تلك المحاولات لم تتجاوز حدود القول باحتمال وجوده سبحانه وتعالى .وأخيراً بيّنت حقيقة وجود قانون طبيعيّ أشار إليه القرآن الكريم وهو أنّ كلّ شيء في هذا الوجود استند خلقه إلى نظام الزوجيّة من فصيلته نفسها.وكيف أنّ السماء تُكمل وجود الأرض على الصعيد المادّي وكيف أنّ العقل والوحي السماوي يدخل في هذا النظام.وبدون استعانة عقل الإنسان بما يحمله إليه وحي السماء يظلّ يدور في دوّامة العالم المادّي وفي نطاق إعطاء آراء الاحتمال فيما يتعلّق بعالم ما بعد هذا العالم المادّي.وأنهيت الكتاب بخاتمة تساعد القارئ على أخذ فكرة ولو ملخّصةٍ عن جميع ما تضمّنه هذا الكتاب.
وأسأل اللّه تعالى أن يوفّقني فيما أقبلت على كتابته إنّه نعم المولى ونِعمَ المجيب وهو الهادي وهو المعين وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ
العالمين.
سليم الجابي
|