مقدّمة البحث
عندما تلقّيتُ تعليمي الدّينيّ حدّثوني عن ظاهرتي تعدّد زوجات النبيّ (ص) وعن ظاهرة السماح للمسلم بتعدّد زوجاته وعلى حسبِ ما هو شائع ومعروف بين المسلمين في زماننا الحاضر من تلك المفاهيم التقليدية الموروثة تلك المفاهيم التي طالما أمست دريئةً لسهام أعداء دين الإسلام الحنيف في هذا القرن الأخير كلّما حاولوا الاستهانة بتعاليم الإسلام العظيم. وبما أنني نشأت على الإسلام وعلى محبّته فقد كان همّي الأوّل والذي نذرتُ لهُ نفسي هو الدفاع عن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف ولكن بأسلوبٍ علميٍّ وموضوعيٍّ مدعّمٍ بالحجج والبراهين التي تنبعُ من مُعطياتِ آي الذّكر الحكيم .فدفعني طبعي هذا ومنهجي في البحث لإعادةِ النظر في جميع أفكارنا الدّينيّة ومفاهيمنا التي لقّننا إيّاها أهلنا ونحنُ صغار والتي تلقّيناها على مقاعد الدّراسة. ومن هذا المنظار رحت أتدبّرُ هاتين الظاهرتين: ظاهرة سماح القرآن الكريم للمسلم بتعدّد زّوجاته وظاهرة زواج محمّدٌ رسول اللّه(ص)بعددٍمن النساء تلك الظاهرة التي فتحت لأعداء ديننا الإسلاميّ الحنيف باب اتّهام رسولنا الأكرم بأنّه كان مٍزواجاً وشهوانيّا.فرحتُ أتدبّر هذين الموضوعين من زاويةِ نظرٍ نقدٍ موضوعيّةٍ ووفقَ منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره. خصوصاً وأنَّ المتغيّرات العالميّة والعلميّة التي حدثت في عالم اليوم قد ساعدتني كثيراً على إجراء عمليّة إعادة النّظر في هذه المفاهيم الدينيّة المتوارثة لدى أمّتنا الإسلاميّة منذ أكثر من ألفِ عامٍ وعلى جميعِ المستويات.
فحاولت على الدوام أن أبدأ بإلقاء نظرة شموليّة أستعرض خلالها هذا التاريخَ المتوارثَ والموزّع ما بين كتب السيرة ومابين كتب التاريخ وما بين غيرها من الكتب وأبحثُ فيما أعثر عليه من معلوماتٍ تمُتّ إلى موضوع تعدّد زوجاتِ محمّد رسولِ اللّه(ص)وأقلّب نظري فيها ومحاولاً إسقاط معطيات الآيات القرآنيّة العائدة إلى هذا الموضوع بالذّات على ما كنت أحصلُ عليه من معلومات حتى باتت تتجمّعُ في ذهني خيوطُ مفاهيم جديدة تخالف هذا الفهم الدينيّ الموروث والتي كانت غائبةً عن أذهانِ الباحثينَ والمفكّرين من قبلي. وألخّصُ للقارئ الكريم مضامين تلك الخيوط التي تشكّلت منها تلك المعلومة الجديدة في إطار الأمور التالية:
أوّلاً-فقد تبيّنَ لي أنَّ غالبيّةَ النساء اللواتي تزوّجهنّ النّبيّ محمّدٌ رسول اللّه (ص) كانت من النساء الأرامل ومن السابقات في الإيمان وممّن كان أزواجهُنَّ قد استشهدوا في ساحات الدفاع عن هذا الدين الحنيف وكُنّ قد بلغن ما يسمّونه في مجتمعنا (سنّ اليأس)وبمعنى أنّ الواحدة منهنّ كانت قد أصبحت لم تعُد صالحةً ليعاشرها زوجها جنسيّاً ولا هي صالحةً لإنجاب ذرّية من بعد زواجها برسول اللّه (ص) حتّى وكانت تلك الزوجات أمّهاتٍ لأولادٍ يتامى هم بحاجة لِمن يرعاهم ويُنفقُ عليهم أيضاً.وأنَّ تلك النّسوة الأراملُ كُنَّ يقُمنَ بإعالة أبنائهنّ بأنفسهنَّ بعد استشهاد أزواجهنّ . وتساءلت هنا بعد وقفة هنيهة : وهل يقدم على هذه الخطوة شابٌّ شهوانيٌّ جنسيّا ؟ والمهمّ في الأمر هو أنّ تلك النسوة الأرامل اللّواتي أصبحنَ زوجاتٍ لرسولِ اللَّهِ (ص) كان أكثرهنّ قد بلغ سنّ اليأس ولم يعُدنَ صالحاتٍ ليعاشرهنَّ رسول اللّه (ص) جنسيّاً كما أصبحن بعدَ زواجهنَّ من محمّد رسول اللّه (ص) عبئاً عليه من جهةٍ أخرى بسبب زواجه من أرامل وراءهنّ أبناء يتامى.فتساءلتُ في حديثِ نفسي من جديد: وهل يُقدِمُ رجلٌ على هذا النّوع من الزّواج إن كان كما يصفه أعداء الإسلام: شهوانيّاً ومِزواجاً ؟؟
ثانياً-ولم أكتف بهذا الكشف التاريخيّ بل وتقصّيتُ سِيَرَ وتاريخَ تلكَ الأرامل اللّواتي أصبحنَ زوجاتٍ لأعظمِ نبيٍّ بعثهُ اللّه تعالى لهداية البشر.فتبيّنَ لي أنَّ تلك النسوة الأرامل ومن حيث قبولهنّ للإسلام ديناً كنّ من السابقاتِ في تقبّل هذا الدّين الإسلاميّ الحنيف وقد تقبّلنهُ في السنوات الأولى من البعثةِ المحمّديّة وابتعدنَ بالتالي عن عقائد المشركين الموروثة بصورةٍ عمليَّة وتحمّلنَ هنّ وأزواجهنّ في سبيل اللّه تعالى وسبيلِ الحفاظِ على ديننهنّ الجديد من المصائب والشدائد والتضحياتِ ما عجز أكثرُ الرّجال عن تحمّله. وهنا قد صحّ قول اللّهِ عزّ وجلّ في حقّهنّ وفي حقّ أزواجهنَّ ما أورده اللّه من قوله عز وجلّ في الآية من سورة الواقعة (السابقون السابقون.أولئكَ المقرّبون.في جنّات النّعيم.) هذا القول الذي أشارَ اللّه تعالى من خلاله إليهنّ وإلى أمثالهنّ من الرّجال والنّساء المؤمنين والمؤمنات.وقد أشار اللّه تعالى اليهم جميعهم رجالا ونساء وذلك في الآية 100 من سورة التّوبة والتي قال اللّه تعالى فيها (والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسانٍ رضي اللّه عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّاتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم.) هذا الكلامُ الإلهيّ المحذوف منه مُضاف كلمة (المقرّبون) لِتوسيعِ معانيها ودلالاتها بلاغيّا ولِينصرف معناها إلى عدّةِ معانٍ ومن تلك المعاني :
أوّلاً: أي أنّ أولئك الرجال والنساء من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسانٍ هم من المقرّبينَ من اللَّه تعالى خالقهم من الوجهة الرّوحيَّة لثباتهم على الإسلام ولتحمّلهم جميعهم في سبيله في تلك الأيّام مختلف التّضحيات التي ينوء بحملها من كان منافقاً أو كان ممّن آمنَ بالإسلام لكنّه كان ضعيف الإيمان.
ثانياً: أي وأنّ هؤلاء الرجال والنساء ليسوا مقربين من ربّهم وحسب بل وإنّهم كانوا مقرّبين من رسولِ اللَّهِ (ص) نفسه وهو الرّسول الذي تبلّغوا منه هذه الرسالة السماويَّةَ وهو الّذي حمّلهُ اللّه جلَّ شأنهُ مسؤوليَّةَ نشرِها على العالم بأسره . رسالة هذا الدّين الّذي اعتنقهُ هؤلاء المقرّبون من الرّجال والنّساء على يديه (ص) .
ثالثاً:والمعنى الثالث الذي نتج عن هذا الحذف البلاغي المشار إليه هو أنّ هؤلاء المذكورين مقرّبون من نفوسِ المؤمنين الذين جاءوا من بعدِهم ممّن أسلموا ولم يكونوا من السّابقينَ في تقبُّل هذا الدّين الحنيف بل كانوا من التّابعين ليقينهم بقرب هؤلاء من اللّه تعالى ومن قلوبهم ولذلك تلاحظُ كيف كان أولئك التابعون يُعطون أولئك السابقين في الإيمان حظّاً من القداسة أيضاً كلّما تطرّقت أحاديثهم إليهم . وبألفاظٍ أخرى فقد كان من واجبنا أن نقول: لقد كانَ تاريخُ تلك النّسوةِ الأرامل اللّواتي أصبحنَ في أواخر عقود حياتهنّ زوجاتٍ لهذا النّبيّ ذو الخلق العظيم والمبعوثِ ليتمّمَ مكارم الأخلاق أقول لقد كان تاريخهنَّ مُتميِّزاً عن بقيَّةِ النّساء المسلمات السابقات في الإيمان.لذلك كان ينبغي أن نقول بأنّ زواج رسول اللّه (ص) من تلك النسوة الأرامل كان في حقيقة أمره لا يُشابه زواج أيّ فتى من الفتيان المقبلين على الزواج بفتاة مسلمةٍ بأي شكلٍ من الأشكال بل كان زواجاً متميّزاً وله خصائصه المُعيّنة ويحمل من ورائه مقاصد سامية أيضاً.
رابعاً-والأمر الرابع الذي اتّضح لعينيّ بعد لؤي هو أنّه تبيَّنَ لي أنَّ عمليَّةَ زواج هذه الغالبيَةِ من زوجاتِ رسولِ اللَّه (ص) قد تمَّ في دار الهجرةِ أي في المدينة المنوّرة بالذات وليس في السنوات الثلاثة عشرة التي أمضاها رسول الله (ص) في مكّة المكرّمة.وبألفاظ أخرى فإنّ الزواج المشار إليه منهنّ قد تمّ في السنواتِ الّتي تضاعفت فيها المسؤوليّات المُلقاةُ على عاتق هذا الرسول الأمين من جانبِ ربّهِ عزّ وجلّ وبعد أن أصبح حاكماً في المدينة المنورة وحيث كان من مهمّته إكمال أداء رسالةِ ربّهِ عزّ وجلّ بعد أن أعطاه دولةً يحكمها . وعندما نقول قد قامت في المدينة المنوّرة حكومة إسلاميّة يرأسها محمّد رسول اللّه (ص) فإنّ قيام حكومة يعني تأسيس نظام سياسيّ فما هي معالم هذا التظام السياسي الذي ينبغي على رجلٍ أمّيٍّ أن يقيمه وسط أمّة أمّيّة أيضاً يندر وجود رجال من بينهم من يعرف أن يكتب ويحسب. وعليه فقد أصبح محمّدٌ رسول اللّه (ص) في تلك الحالة مشغولاً إلى درجةٍ كبيرةٍ ما عاد يملك معها وقتاً ليتفرَّغَ فيه لمعاشرة وملاطفة تلك الزوجات الأرامل جنسيّاً وإعطائهن الوقتَ اللازمَ لملاطفتهنّ ولمعاشرتهنَّ كزوجٍ قوّامٍ عليه مسؤوليّاتٍ تجاههنّ وتجاه أبنائهن الأيتام.والذي زادني دهشةً أنّه قد تبيّن لي أيضاً بأنّ غالبية تلك النسوة الأرامل كُنّ قد رأين في أحلامهنّ رؤى مبشرة من قبل تتعلّق بزواجهنّ برسول اللّه (ص) وقد بشرهنّ ربّهن فيها بما هو آتٍ على الطريق وبما يتعلّق بهذه العلاقة التي ستربطنّ برسول اللّه (ص) تقديراً لسبقهنّ في الإيمان ومكافأةً لهنَّ على عظيم تضحياتهن في سبيل الحفاظ والدّفاع عن دينهنّ الجديد .
خامساً-والأمر الخامس الأهمُّ من جميعِ ما ذكرناه هو انتباهي إلى ذاكَ الخطاب الإلهيُّ الذي كان قد وجّههُ اللّه جلّ شأنهُ إلى رسوله الصادق الأمين والوارد في الآيتين 28/29 من سورة الأحزاب في كتاب اللّه العزيز: (يا أيّها النّبيّ قل لأزواجكَ إن كنتُنَّ تُردنَ الحياةَ الدّنيا وزينتها فتعالين أمتّعكنَّ وأسرّحكنَّ سَراحاً جميلاً.وإن كنتنَّ تُردنَ اللَّهَ ورسولهُ والدّارَ الآخرة فإنَّ اللَّهَ أعدَّ للمحسناتِ منكُنَّ أجراً عظيماً.) فهذه الكلمات التي اشتملت عليها هاتان الآيتان الكريمتان تعجُّ بالمعاني العظيمةِ التي نبّهت أذهاننا إلى أنَّ زواج رسول اللّه (ص) من تلك النسوة الأرامل لم يقدّرها اللّه عز وجلّ بغاية المعاشرة الجنسيّة بينهنّ وبين رسوله الكريم بل كان اللّه تعالى يرمي من وراء ذاك التقدير إلى تحقيق مقاصد ساميةً هي في صالح الإسلام وفي صالح نساء المسلمين خاصّة .ومن منطلق هذه المعلومة فقد اتّضحت لعينيّ من مُعطيات الآيتين المذكورتين مقاصد ساميةً كان اللَّهُ تعالى قد شاء تحقيقها من خلال تزويج رسوله الكريمِ بتلك الزوجات من النّساء الأرامل والسابقات في الإيمان وهو موضوعٌ سيأتي شرحهُ في وقتهِ المناسب إن شاء اللّه العزيز .
سادساً-ولم أكتف بما توصّلت إليه بل رحت أُلقي نظرةً فاحصةً على تاريخ تلك النّسوة الأرامل اللّواتي أصبحن زوجاتٍ لرسول اللّه (ص) وأتفحّص ماضيهنّ وأحوالهنّ الرّوحيّة التي بلغنها بعد تقبّلهن الإسلام ديناً ومبلغَ تحملهن تلك التضحيات الجسام في سبيله.فقد أدهشتني ملاحظة أنَّ غالبيّتهنّ كانت لهنّ صلات مع ربّهنّ ويرين الرؤى الصالحة وكنّ في غاية الاتّقاء والصلاح.
سابعاً-فلمّا تقصّيتُ أعمار تلك النّسوة حين تمّ زواجهنّ من رسول اللّه (ص) وسنيّ وفاتهنّ فقد تبيَّنَ لي بأنَّ اللَّهَ عزّ وجلّ كان قد أمدَّ بأعمار تلك النّسوة اللواتي أصبحن أمّهات للمؤمنين وامتدّ إلى أواخرِ تاريخِ الخلافات الأربعة الرّاشدةِ والّتي تحقّقَ على أيدي رموزها ما هو معروفٌ من خدماتٍ للإسلام لدى جميع الباحثين والمؤرّخين.
ثامناً-وعندما تقصّيتُ النظام السياسيّ الذي اعتمده محمّدٌ بن عبد اللَّهِ لإقامة حكومة في المدينة المنوّرة لإكمال أداء رسالةِ ربِّهِ عز وجلّ وبتوجيهٍ خاصٍّ من ربّهِ جلّ شأنه الّذي بعثهُ في أمَّةٍ مشهورةٍ بأنّها أمّةٌ أمّيّةٌ وهو نفسهُ كانَ أمّيّاً.فالذي اتّضحَ لي بشأن النظام السياسي المعتمد أنّه كان نظام مؤسّساتٍ لكن ليس بشكليّات المؤسّسات التي نعرفها في أيّامنا هذه ولكن بشكليّات تتناسب وتلك البيئة الأمّية التي أُنشئت فيها تلك المؤسّسات ولتفي بالحاجة المطلوبة .وكان يرأس تلك المؤسسات رسول اللّه (ص) نفسه وهو الذي جعله ربّه خليفةً في الأرض.وبما أنّ كتاب اللّه العزيز اشتمل على أحكام مختلف المواضيع لذلك اعتبرت نظام الخلافة المشار إليه أنّه نظامٌ دستوريّى. وبما أنّه تعالى قال (وأمرهم شورى بينهم) وقال (وشاورهم في الأمر) فمعنى ذلك أنّه كان نظاماً دستوريّا برلمانيّاً أيضاً.وسأحاول أن أشرح في حينه أنّ زوجات رسول اللّه (ص) قد اصطفاهنّ ربّهنّ لِيشكّلن (مؤسّسة إرشادٍ نسائيّة ) وفق مقتضيات البيئة التي نشأت في المدينة المنوّرة والتي مهمّتها توعية وإرشاد وتفقيه نسوة المسلمين بأمور دينهنّ تلك الأمور التي ما كان باستطاعة رسول اللّه (ص) نفسه أداءها على الوجه الصحيح وعلى اعتبار أنّها تتضمّن أحكام فقه النساء خاصّة. وليصبحَ تأسيس تلك (المؤسّسة الإرشاديّة النسائيّة) مؤسّسة مستقلّة قائمةً بذاتها وليس لها من قبل مثيل.وتُساعد رسولَ اللَّهِ تعالى على تأديِة رسالةِ ربِّهِ عزّ وجلّ خصوصاً وأنّ رعاية وتوجيه وتفقيه نساء المسلمين كان بأمسّ الحاجة لتأسيس تلك (المؤسسة الإرشادية النسائيّة) المذكورة والتي هي على شاكلة الاتّحادات النسائيّة الحاليّة في قطرنا العربيّ السوري.وقد أنشأها رسول اللّه (ص) وبتوجيهٍ من ربّه عز وجلّ لتمدّ نساء المسلمين بكلّ ما يمتّ إلى فقه النّساء من معلوماتٍ له صلةٌ بهنّ.ومن باب أنّ الفقه النّسائي لايستطيع أداؤه على وجهه الصحيح إلاّ النّساء أنفسهن.وعليه فلم يُقدم رسول اللّه (ص) نفسه على الزّواج بتلك الأرامل من السابقات في الإيمان لمعاشرتهنّ جنسيّاً ولكن مشيئة وتوجيه اللّه تعالى نفسه كانت وراء ما حدث بدليل تلك البشارات السماويّة التي تلقّتها تلك النسوة الأرامل السابقات في الإيمان من قبل زواجهنّ به (ص) وبدليل مضامين الآيات الكريمة التي تشرح هذه الحقيقة والتي سآتي على إيرادها في الوقت المناسب.
فهذه هي الحقائق الثمانية التي توصّلتُ إليها بنتيجة ذاك البحثُ والتحقيق الذي أشرت إليه آنفاً ولقد منحتني تلك الحقائق يقيناً تامّاً بأنَّ محمّداً (ص)لم يكن رجلاً شهوانيّاً وعلى حسب ما وصفه به الظالمون من أعدائه وأعداء الإسلام بهذا الوصف البشع طوال القرون الماضيةِ .كما تيقَّنتُ من أنَّ جميعَ الّذين كتبوا في مجال موضوع الدّفاعِ عن تعدّد زوجاتِ رسول اللّه (ص) لم يهدهم اللّه عز وجلّ إلى حقيقة ما هداني إليهِ من حقائق ذكرتُها آنفاً لذلك يلاحظهم القارئ الكريم قد أخطئوا في فهم هذا الموضوع ولم يُحسنوا الإحاطة بعلم حقيقة النظام السياسي الذي قام على أيدي رسول اللّه (ص) في المدينة المنوّرة والذي ساعده على أداء رسالة ربّه عز وجل .
فلمّا تجمّعت تلك الخيوط الموضوعيَّة في ذهني أخذت أناقشها وأتوسّعُ في فهم مضامينها محاولة من جانبي للإحاطةِ بمعطياتها شيئاً فشيئاً إلى أن اكتملت صورتها الحقيقيَّة أمام ناظريّ واتّضحَ لي مدى الفارق الكبير الذي يفصلُ ما بينَ هذه الحقيقة الواضحة المعالم التي أشرت إليها وما بين الفهم التّقليديّ الذي تلقّيناهُ على مقاعد الدّراسة أو طالعناه في مؤلّفات الّذين تصدّوا للدّفاعِ عن كلِّ ما يمتُّ إلى الدّين الإسلاميّ بصلةٍ من الصّلات. لذلك أقول إنَّ على كلّ قارئٍ شاء التّوسّع في فهمِ ما أتيتُ على بيانه ملخّصاً جدّاً فمن واجبه مطالعة هذا الكتاب من أوّلهِ حتّى آخره مطالعةً متأنّيةً ليتأكّدَ من مصداقيَّةِ ما لفتُّ نظرهُ إليه .
والآن يطرح هنا سؤالٌ نفسه وهو من أيّة نقطةٍ انطلقت في هذا البحث ؟ فأجيب بأنني كنتُ قد طالعت تاريخ الأمم والشعوبِ وقد تبيّن لي أنَّ مبدأ تعدّد الزّوجات كان شائعاً في أكثر بقاع الأرض ممّا لا حاجةَ بي هنا إلى الكلامِ عنه. وإنّ العرب منهم خاصّةً قد عرفوا خلال تاريخهم الطويل نظامَ تعدّدِ الزّوجات. لذلكَ لم يكن مُستغرباً أن يُلاحظَ العربُ بأنَّ هذا الرّسولَ الّذي بعثهُ اللّه عز وجلّ منهم راح يتزوّجُ من أكثر من امرأةٍ واحدةٍ في حياته ولهذا السبب فإنّهم لم يعترضوا على تعدّد زوجاته.ومن منطلقِ أنَّ ما أقدمَ عليه رسول اللَّهِ (ص) كانَ بالنّسبةِ إلى بيئتهم شيئاً اعتياديّاً.ومن هنا جاء تأسيس (مؤسسة الإرشاد النسائية) موافقاً للبيئة التي أُنشئت فيها ولم ينتبه أحد إلى عمليّة إنشائها بتلك الطريقة غير المستوردة من خارج البيئة العربيّة والتي تدعو حينذاك إلى الاستهجان ولتكون وسيلةً سهلةً لمحاربة الإسلام من منطلق أنّ محمّداً يستورد للبيئة العربيّة بضاعةً معروفةً ولا دخل للنبوّة في هذه العمليّة من قريبٍ أو بعيد.وهنا أدركت في الوقت نفسه أنّ محمّداً المصطفى (ص) ما كان يدري هو نفسه أنّه يؤسّس من خلال عمله على توجيه ربّه عزّ وجلّ أنّه يؤسس هذه المؤسسة التي ذكرناها.بدليل قول اللّه تعالى في الآية 52 من سورة الأحزاب (لا يحلّ لك النساء من بعد ولا أن تتبدّل بهنّ من أزواجٍ ولو أعجبك كُسنُهنّ إلاّ ما ملكت يمينك وكان اللّه على كلّ شيءٍ رقيباً).فمضمون هذه الآية الكريمة واضح الدلالة بأنّ محمّداً ما كان يُقدم على الزواج في المدينة المنوّرة بمشيئته بل كان يُقدم على تلك الخطوات بتوجيه من ربّه عز وجلّ ومن دون أن يدري بالغاية من تلك العمليّات.لذلك وبعد أن اكتمل العدد المطلوب من النسوة الأرامل والسابقات في الإيمان والتي يحتاجها تأسيس تلك (المؤسّسة الإرشاديّة النسائيّة) المطلوبة أمر اللّه تعالى نبيّه بالتوقّف عن تلك العمليّة البعيدة الأهداف.فلو كان محمّد رسول اللّه (ص) شهوانيّاً وبحاجةٍ إلى الزّواج بالعديد من الزّوجات لكان (ص) قد أقدم على الزّواج من فتيات بكرٍ وعذراوات وهنّ في عزّ صباهنّ وليس الزواج بنسوة أرامل ما عُدن صالحات للمعاشرة جنسيّاً.وعلى حين أنّه (ص) كان قادراً على فعل ذلك بعد أن أصبح رئيس دولة.وعلى هذه الصورة فلم يُدرك أصحاب وصحابيّات رسول اللّه (ص) ومن خلال تزوّج رسول اللّه (ص) من تلك النسوة الأرامل السابقات في الإيمان أنّه كان في حقيقة أمره يُنشئ مؤسّسة إرشادٍ نسائيّة لتوعية النساء في أمر الفقه العائد لأوضاعهنّ.تلك المؤسّسة التي أُعطيَت شعار (أمّهات المؤمنين) إشعاراً بقداسة مهمّتها التي كانت تنحصرُ في القيام في تفقيه نساء المسلمين بأمور دينهنّ. وإنّ ما زادني يقيناً بما توصّلت إليه هو أنّ اللّه عز وجلّ نبّه أذهاننا في الآية الأولى من سورة النساء إلى موضوع مساواة المرأة بالرجل وأنّ نظام التعددية يخالف مبدأ المساواة المذكور وأنّ اللّه حين أجاز التعدّديّة للمسلمين في صدر الإسلام كان الغرض من ذاك السماح هو لمعالجة معضلاتٍ طرأت على المجتمع الإسلامي ليس إلاّ وأنّ هذا السماح ينبغي التوقّف عن الأخذ بحكمه الاستثنائيّ بعد زوال تلك المعضلات الاجتماعيّة المشار إليها . وعليه فقد كان عمل رسول اللّه (ص) على مبدأ التعدّديّة لمصلحة دينيّة وليس لإرضاء شهوة محمّد المصطفى (ص) نفسه.(من المناسب أن يراجع القارئ مؤلّفي الذي توسّعت فيه في بحث موضوع مبدأ التعدّدية وسمّيته باسم حقيقة الحكم بمبدأ تعدّد الزوجات) .
ومن ثمّ وبعد جميعِ ما قمتُ به من بحوثٍ ودراساتٍ قرآنيَّة أشرت إليها آنفاً عاد بإمكاني أن ألخّص للقارئ الكريم جميع ما ذكرته باختصار شديد فأقول : إنّهُ قد تبيّنَ لي ومن خلالِ مطالعاتي الشخصيّة أنَّ أذهانَ من جاء قبلي من علماء هذه الأمّة الفاضلين لم تنتبه إلى حقيقة هاتين الظاهرتين المتعلّقتين بتعدّد زوجاتِ رسول اللَّهِ (ص) وبالسماح للمسلم بالزواج من أربعة زوجاتٍ في صدرِ الإسلام.كما لم تنتبه إلى أنّ المقصد من تعدّد زوجات رسول اللّه (ص)أنّه كان مخطّطً له في السماء وله دور مؤسسة إرشادٍ نسائيّة ووفق معطيات الآيات الكريمة التي سأعرضها في حينه والتي نبهت الأذهان إلى حقيقة ما ذكرته من قبل.
وأضيف هنا وأقول : فاعلم يا صاحبي أنَّ من المعلومِ هو أنَّ كلّ إنسانٍ يُكلَّفُ بمسؤوليّاتٍ كبيرةٍ لابدّ له من أن يتّخذ من الوسائل والأسباب ما يساعدهُ على القيام بتأدية تلكَ المسؤوليّات على الوجه الأكمل. فما بالكَ يا عزيزي القارئ برجلٍ أمّيٍ ويتيمٍ يُكلّفهُ ربّ العالمينَ بتبليغِ الناس أعظم رسالةٍ أنزلها على عباده.ِ فهل يُعقلُ أن يدعه اللّه تعالى يعمل لوحده ولا يوجّه ذهنهُ ليأخذ بوسائلَ وبأسبابٍ فعالة تعينُهُ على تأديتهِ مهمّته السماويَّةِ المذكورة وفي وقتٍ كانت شريعته أعظم الشرائع السماويّة وآخرها ؟ حاشا ثمّ حاشا أن يحدث مثل ذلك التّقصير من جانب اللّه الحكيم والعليم الخبير جلَّ وعلا. فالذي تبيَّنَ لي بنتيجة هذه النّظرة الشموليّة التي أقدمت عليها وهذا المُنطلق الذي انطلقتُ منه والبحث الذي قمت به في هذا المجال أقول قد تبيّنَ لي أنَّ اللَّهَ عزّ وجلَّ هو نفسهُ الذي كان قد وجّهَ رسوله الصادق الأمين ليعمدَ إلى الأخذ بجميع الوسائل التي أخذ بها على طريق تبليغ رسالة ربّه عز وجل وإنَّ اللّه جلّ شأنه هو الذي وجّه رسوله الكريم ليقومَ بإنشاء مؤسّساتٍ تُعينهُ في هذا المجال ولكن ليس على الطّريقة التي نعرفها في زماننا الحاضر ولكن بأسلوبٍ فطريٍّ يتلاءم والبيئة التي كان موجوداً فيها.وإنّ تلك المؤسّسات التي أمراللّه تعالى محمّداً (ص) بإنشائها لم تكن على طراز ما نعرفه من مؤسّساتٍ معاصرةٍ خصوصاً وأنّ العرب كانوا أمّيين.ولكنّه تعالى كان قد تكفّل بنفسه توجيه رسوله الكريم لإقامتها بالشكلِ المناسبِ وبما يتلاءم مع ذاك الزّمان.بدليل أنّه تعالى خاطب محمّداً في الآية 56 من سورة القصص من كتابه العزيز وقال له (إنّكَ لن تهدي من أحببتَ ولكنَّ اللّه يهدي من يشاء وهو أعلمُ بالمهتدين)؟ وكان من واجبنا تدبُّرَ هذا الخطاب الإلهيّ بأصولٍ ومنهجيّةٍ ومن المُنطلقِ الذي انطلقتُ منه في هذا البحث.ذلكَ أنّ الكلمات التي تضمّنتها هذه الآية الكريمة قد جرى حذفُ مضاف كلمة (بالمهتدين) ليحملَ هذا الحذف البلاغيُّ للمفكّر الباحث آيات من الحقائق والعلوم. فقد قصد اللّه عز وجلّ من خلال ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة من مضامين أنَّ الإنسانَ لا يرى في حقيقة أمره إلاّ ظواهر الأشياء ولا يتجاوز علمه إلى ما وراء ذلك ولا ما انطوت عليه الصّدور. لكنَّ اللَّه جل شأنه فهو يعلم خفايا الأشياء ولذلك فهو أعلمُ بالمهتدينَ الّذينَ يستميتون في حياتهم بحثاً عن الحقيقة.وهو تعالى أعلم بالمهتدينَ الّذين يعمدونَ في سلوكهم الشخصيّ اليوميّ إلى تجنُّبِ ما يؤذيهم. وهو تعالى أعلم بالمهتدينَ إلى معايير صدقِ الأنبياء.وأمثال هذه المعاني التي وجّهنا إليها هذا الحذف البلاغيّ لمضاف كلمة (بالمهتدين ) الحادثُ في هذه الآية االكريمة والذي أشرتُ إليه. وكأنَّ اللَّه تعالى قد قال لرسوله الأمين في هذه الآية الكريمة بألفاظٍ أخرى أنَّ مهمّةَ تشكيل فئةِ المؤمنين الطليعيّين الذين بإمكانك أن تعتمدَ عليهم والذين بإمكانهم أن يساعدوك على حملِ هذه الرّسالة التي كلّفكَ ربّك بحملها وبتبليغها إلى الناس أجمعين.إنَّ هذه المهّة العظيمة تتطلّب من جانبك الدّعاء على أعتاب ربّك والتوكّل عليه على طريقِ تبليغك هذه الرّسالة السماويّة.فلماذا ينبغي عليك التوكّل على اللّه تعالى وعلى الدعاء بين يديه سبحانه ؟ السببُ في ذلك هو أنَّ اللّه ربّك (هو أعلم بالمهتدين) أي أنّه تعالى هو أعلم بالصالحين من الأفراد الذين ينبغي أن يهتدوا على يديك وليساعدوك في هذا المجال.وإنَّ هذا المفهوم وتلك الحقيقة التي أطلعتُكَ عليها تفسّرُ لكَ يا عزيزي القارئ ذاك الدأب الطويل الذي دأب رسول اللّه (ص) على القيام به وهو القيام ساعات طوال في اللّيل للدّعاء كذلك الدّعاء (اللهم أيّدنا بأحد العُمَرين) وقد أيّد اللّه تعالى محمّداً (ص) بعمر بن الخطّاب بأسلوبٍ معجز وحسبما يروي لنا تاريخه وحادثة اهتدائه إلى هذا الدين الإسلاميّ الحنيف .
فالمهمُّ في الأمر هو أنَّ مضمون هذا التوجيه الربّاني الذي اشتملت عليه هذه الآية التي أوردناها آنفاً قد وجّه ذهن رسول اللّه (ص) إلى أنَّ اللَّه تعالى سيجمعُ حولهُ رجالاً مؤمنين ونساءً مؤمنات أطلقَ اللّهُ تعالى عليهم في الآيات من سورة الواقعة شعار (السابقون السابقون.أولئكَ المقرّبون) أي السابقون في الإيمان من الرّجال ومن النّساء والسابقون في حمل مسؤوليّات تّبليغ هذه الرسالة السماويّة والسابقون في التّضحيات في سبيل اللّه عزّ وجلّ .وأولئك هم المقرّبون من اللَّهِ جلَّ شأنه والمقرّبون من رسول اللّه والمقرّبون من كافّة المؤمنين والقادرون على الفهم وعلى العمل على تعاليم هذا الدّين الإسلاميّ الحنيف.
فإن تساءلَ المرء عمّن أشيرَ إليهم في هذا الكلام الإلهي ومن الرّجال خاصّةً ؟ فلا يجدُ إلاّ عليّاً وأبا بكر الصّديق وعمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان وخالداً بن الوليد وأمثالهم ممّن حقّق اللَّهُ تعالى على أيديهم أعظم الإنجازات على صعيد تثبيت دعائم الإسلام. ولا يجد من النّساء إلاّ خديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر الصّديق وسودة بنت زمعة وحفصة بنت عمر بن الخطّاب وهند بنت أبي أميّة وغيرهنَّ من النّساء اللّواتي أصبحنَ على مرِّ الأيّام رائداتٍ في الإيمان وفي الثبات على الإيمان وفي التضحية في سبيل الله ومن المقرّبات من اللّه ورسوله.فهؤلاء جميعهم هداهم اللّه تعالى كأوائل وطلائعَ لمعاونة محمّدٍ رسول اللّه (ص) على طريق تبليغ رسالة ربّه عز وجلّ .
فبهذا الفهم الذي أمدّنا به قول اللّه عز وجل (إنك لن تهدي مَن أحببتَ ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين.) تتجلّى لأعيُننا معالم الأشخاص الذين قدّر اللّه تعالى لهم أن يكونوا أعضاء تلك المؤسّسات التي أخذ اللّه تعالى على عاتقه مهمّة توجيه رسوله الكريم لإنشائها لِتعينه على تأدية مهام رسالته السماويّة . واعلم يا قارئي العزيز أنَّ من تلك المؤسسات التي قام عليها النظام السياسيّ للدولة الإسلامية كانت (مؤسّسة الإرشاد النسائيّة) التي تشكّلت من زوجات رسول اللَّهِ (ص) وبتوجيهٍ من اللّه تعالى واللّواتي كُنَّ من السابقات في الإيمان ومبشّرات بالجنّة ومنحهُنَّ اللّه عز وجلَّ لقب (أمّهات المؤمنين) وسخّرهنَّ اللّه تعالى لمعاونة رسوله الكريم في أمر تفقيه النّساء المسلمات اللواتي أسلمن في ذاك الحين.وسأورد الأدلّة القاطعة الدالة على مصداقيّة هذا الذي ذكرته في الوقت المناسب من هذا البحث الذى خصّصته لبيان هذه الحقيقة التي ذكرتها بالذّات.
وهنا تسألني يا قارئي العزيز: ما هي تلك المؤسّسات التي قلت بأنَّ اللّه تعالى قد أمر رسوله الكريم لإنشائها لتعينه على تأدية مهام رسالته السماويّة؟ فأجيبك وأقول إنَّ تلك المؤسّسات هي :
أولا- فالوسيلة الأولى التي وجّهَ اللَّهُ تعالى أنظار رسوله الكريم للأخذِ بها ولإنشائها لتعينهُ على إتمامِ تبليغِ رسالةِ الإسلام هو أنَّهُ جلَّ اسمهُ دفع رسوله الكريم لتأسيسِ مؤسَّسةِ (حُفّاظِ القرآن الكريم).والدّليلُ على ذلك أنّه وصلنا بأنّ اللَهُ تعالى كان قد كلّف الملك جبريل عليه السلام لينزلَ مرّةً بعدَ أخرى لِتحفيظِ محمّدٍ رسول اللّه (ص) ما يُنزلهُ عليهِ من آي الذّكر الحكيم.وليقومَ محمّدٌ (ص) هو بدوره بتحفيظِ السابقينَ الأوّلينَ من المؤمنينَ ما حفظهُ الملَك جبريل من تلكَ الآيات الكريمة.وقد استمرَّ الأمرُ على تلك الحالُ إلى أن انتقلَ رسولُ اللَّهِ (ص) إلى الرّفيقِ الأعلى تاركاً طبقةً كبيرةً من حُفّاظِ آياتِ هذا القرآن الكريم والّذين كانوا قد شكّلوا (مؤسسة حُفّاظ القرآن الكريم) التي أشرنا إليها وهي المؤسّسةُ التي قامت بدورٍ كبيرٍ في موضوع المحافظة على آي الذّكر الحكيم في وقتٍ كان فيه أكثر الذين آمنوا أمّيين كما أعانت مؤسّسة حُفّاظ القرآن الكريم المذكورة فيما بعدُ الخليفة عثمانَ بن عفان (رضي) على جمعِ آياتِ هذا القرآنِ الكريمِ وإعطاءها شكلَ كتاب كما هو معروف. وهي الحقيقة التي شرحتها في كتابي (اللّه جلّ جلاله) .
ثانياً- وأرى أنَّ الوسيلةَ الثانيةَ التي وجّهَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ رسولهُ الكريم للأخذِ بها لِتعينهُ على تأديةِ رسالةِ ربِّهِ عزَّ وجلَّ هي مؤسّسة (علماء الدين وفقهاؤه) تلكَ المؤسّسة الّتي كان رسولُ اللَهِ (ص) قد أنشأها بنفسه وشكّلها من صحابته السابقين في الإيمان مّمن كانوا قد فقّههم رسول اللّه (ص) بنفسه ومن ثمَّ كانَ يبعثُ الواحدَ منهم تلو الآخرَ لِتفقيهِ الجماعاتِ المؤمنةِ في كلّ مكان كانت تتشكّلُ فيه جماعة مؤمنة هنا وهناك في شبه جزيرة العرب.فمؤسّسة (علماء الدين وفقهاؤه) التي أشرت إليها كانت قد قامت بدورٍ كبيرٍ في نشر تعاليم الدين الإسلاميّ وتفقيه المؤمنين به وحيثما كانوا ولولاهم لَعسُرَ على المؤمنين الجُدد الاطّلاع على تعاليم هذا الدين الجديد .
ثالثا- كما أرى أنَّ المؤسّسة الثالثة التي أسّسها محمّد رسول اللّه (ص) هي (مؤسّسة القضاة) التي تألّفت من القضاة الذين كان المؤمنون يحتكمون إلى أفرادها في كلّ مكان من شبه جزيزة العرب.
رابعاً-والمؤسّسة الرابعة كانت (مؤسّسة بيت المال) تلك المؤسسة التي هي أشبه بما يسمّونه في أيّامنا –وزارة الماليّة –
خامساً-المؤسّسة السادسة كانت (مؤسّسة كتبة الوحي الإلهي) تلك المؤسّسة التي كان كلّ فردٍ من أفرادها يسجلون كلّ آية كريمة كانت تنزل على رسول اللّه (ص) وبالترتيب الذي يأمر به جبريل عليه السلام أن تسجّل فيه من متن كلّ سورة من سور القرآن الكريم .
سادساً-والمؤسّسة السادسة كانت (المؤسّسة العسكريّة) التي كانت تضمّ مشاهير أبطال المؤمنين. تلك المؤسّسة التي قامت على التطوّع في ذاك الحين.
سابعا-والمؤسّسة السابعة التي قامت بتوجيه خاصّ من ربّ العالمين والتي كانت تخصّ قطاع المؤمنات ولتفقيههم في أمور دينهم هي (مؤسسة الإرشاد النسائيّة) تلك المؤسسة التي سمّاها القرآن المجيد بمؤسسة (أمّهات المؤمنين) .
وقد وضع رسول اللّه (ص) أساساً لتأسيس (مؤسسة تعليم وتثقيف) ولتصبح أساسا لغيرها من المؤسسات التي اكتمل وجودها بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى .
فالنظام السياسيّ الإسلاميّ الذي نسمّيه (نظام الخلافة) لم يكن نظاماً دكتاتوريّا محصورة جميع أمور الدولة فيه في يد رجلٍ واحد هو الخليفة. بل كان نظام مؤسّسات دستوريّ يستند إلى نظام الشورى والذي هو أشبه بما يسمّونه في أيّامنا هذه بالمجلس النيابيّ.ويقوم على الانتخاب أيضاً. وبدليل أنّ تلك المؤسّسات نمت واتّضحت معالمها بعد توسّع رقعة الدولة الإسلاميّة .هذا وإنّ ما كتبه بعض المؤرّخين من أنّ عمر بن الخطّاب (رض) هو الذي أسّس دواوين دولته إن هو إلا افتراء على الإسلام. وإلاّ فإنّ محمّداً رسول اللّه (ص) كان قد وضع أساساً لجميع المؤسّسات التي نمت من بعده وترعرعت وظهرت آثارها البعيدة في جميع المجالات.وإنّ كلّ ما فعله الخليفة الثاني (رض) أنّه نظّم ودوّن ما كان يتناقله المسلمون شفهيّا على السماع لكون الأمّة العربيّة كانت عند بعثته (ص) أمّة أمّيةً لا تعرف القراءة ولا الحساب .
والذي يهمّنا في بحثنا هذا هو الكلام عن (مؤسّسة الإرشاد النسائيّة) التي أنشأها اللّه تعالى بأسلوبٍ فطريٍّ يتلاءم مع طبيعة المجتمع الإسلاميّ الناشىء زمن وجود رسول اللّه(ص).ويتلخُص موضوع المؤسسّة المشار إليها في أنَّ اللّه عز وجلّ قد أمر رسوله الكريم لإنشاء (مؤسسة الإرشاد النسائيّة) وذلك بدفعه للتّزوّج من عددٍ معيّنين من النساء الأرامل اللواتي كُنَّ من السابقات في الإيمان تقديراً لسبقهنّ في الإيمان من جهة وتقديراً لتضحياتهنّ الكبيرة في سبيل الحفاظ على إيمانهن وقد منحهنّ اللّه عز وجلّ في كتابه العزيز هذا اللّقب (أمّهات المؤمنين) كوسام شرفٍ يخفي في طيّاته المهمّة الملقاة على أكتافهن في تلك الحُقبة من الزّمان.وبدليل ما تضمّنته آيات سورة الأحزاب من أوامر تختصُّ بتأسيس مؤسسة الإرشاد النسوية المشار إليها وما يمتُّ إليها من أمور.
واستناداً إلى جميع ما توصّلتُ إليهِ وذكرته حتّى الآن فيبدو من خلاله جميعه أنَّ يداً إلهيَّةً خفيّةً كانت تعملُ من وراءِ حجابٍ وراء ذلك كلّه وإن تلك اليد الإلهية الخفيّة نفسها هي التي كانت توجّه محمّدا رسول اللّه (ص) وتدفعه للإقدام على جميع ما أقدم عليه ومن تلك التوجيهات دفْعه للزواج بالنسوة الأرامل والسابقات في الإيمان اللواتي أشرنا إليهنّ.
فهذه الحقيقةُ التي تبيَّنت لي معالمها دلَّت دلالةً قاطعةً على أنَّ محمّداً بن عبد اللَّهِ لم يكن رجلاً شهوانيّاً إطلاقاً.ومن باب أنَّ الرجل الشهوانيَّ يبحثُ عن فتياتٍ صبايا أبكاراً ولا يبحثُ عن زوجاتٍ أراملَ قد بلغنَ سنَّ اليأسِ ويحمّل نفسه عبء الإنفاق على أولادهنّ أيضاً.
فهذه هي خلاصةُ حقائق تلك النّظرة الشمولية التي جلّيتُ للقارئ الكريم معالمها وتوصّلت إليها من خلال البحثِ عن خفايا تلكَ الفترةِ الزمنيَّةِ العائدةِ إلى تاريخِ البعثةِ الأولى للإسلام.ونتيجةً لتلكَ النّظرة الشموليَّة التي داومتُ على النّظرِ منها إليها. والتي وضَّحت لعينيَّ الوسائل الفعالة التي اعتمدها رسولُ اللَّهِ (ص) لإعانتهِ على أداءِ رسالةِ ربِّهِ عزّ وجلّ وبتوجيهٍ من ربّه عز وجل أيضاً.
وهكذا فقد كان لابدَّ أن يكونَ قد اتّضحَ للقارئِ الكريم كيفَ أنَّ جماعة (أمّهات المؤمنين) كانت في حقيقة أمرها (مؤسّسةً إرشاديَّةً) وقد تشكّلت من النساء الأرامل والسابقات في الإيمان وقد تشكّلت في الوقت نفسه بالوحيٍ الإلهيٍّ من وراءِ حجابٍ أي من تلك البشارات التي تلقّتها تلك النسوة الأرامل السابقات في الإيمان في حياتهن قبل الزواج من رسول اللهّ (ص) وعلى حسبِ ما سأبينه للقارئِ الكريم في هذا البحث أيضاً في حينه . فلم تكن جماعة (أمّهات المؤمنين) ثمرة َسعيِ رجلٍ شهوانيٍّ حسبما يزعم أعداء هذا الدين الحنيف بل حدثت تلك الظاهرة التي شكّلت تلك (المؤسّسة الإرشاديَّة النسائيّة) بتوجيهٍ من اللّه تعالى نفسه ولِتصبحَ إحدَى تلكَ المؤسّساتِ التي أعانت محمّداً رسولَ اللَّهِ (ص) على تأديةِ رسالةِ ربّهِ عزّ وجلّ من خلال قيام أعضائها يتوجيه النساء المسلمات فيما يتعلّق بأمور دينهنّ وعلى حسب ما كانوا يتلقّونه من تعليم من رسول اللّه (ص) نفسه وبتوجيهٍ من اللَّهِ العليم الخبير
وعلى هذه الصّورة أقول :إنَّ القارئ الّذي لا يطالعُ هذا البحثَ بصورةٍ متأنّيةٍ بعد مطالعتهِ لجميع ما ذكرته له حتى الآن فلا يستطيعُ الاستفادةَ ممّا تضمَّنهُ هذا البحث من حقائقَ ومعلوماتٍ قيِّمةٍ تُساعده على الدفاع عن النبيّ الأعظم وعن تزوّجه بعدّة زوجات في حياته صلّى اللّه عليه وسلّم .
|