|
بسم الله الرحمن الرحيم
فريضة الصلاة الإسلاميّة وأداتها الإعلاميّة
مقدّمة الكتاب
كتب كثير من العلماء قديما وحديثا في موضوع فريضة الصلاة الإسلاميّة.وقد كتب كلّ واحد منهم من زاوية نظره وعلى قدر ما عنده من علم . فالقدماء حين كتبوا في هذا الموضوع كانوا فريقان: فريق منهم المتصوّفة،وفريق منهم غير المتصوّفة.وقد حدث انقسامهم هذا إلى هذين الفريقين المذكورين في بداية القرن الثاني من البعثة المحمّديّة،وذلك بعد أن ظهر المجدّد الأوّل في الإسلام وهو الحسن البصري رضي اللّه عنه.وهو المجدّد الذي كان من جملة مهام عمليّة التّجديد التي بعثه ربّه للقيام بها هو توعية المسلمين الذين شغلتهم السياسة والسعي لتنسّم المناصب الرفيعة في الدولة الإسلاميّة الناشئة بدلا من أن يتسابقوا فيما بينهم للفوز بمحبّة اللّه عز وجلّ والتقرّب منه وكسب رضوانه.وإنّ كلّ باحث يدقّق فيما تركه رجال هذين الفريقين المشار إليهم من المسلمين الأوائل من كتابات يلاحظ بأنّ كلّ كاتب منهم كان يكتب من زاوية فهمه ومعتقده ومن زاوية نظر اختلفت عن زاوية نظر غيره من الكتّاب. وهو فرق قد ترك أثره على ما كتبوه وعلى ما تركوه من تراث.ومع توالي الأيّام فقد عاد ينظر الباحثون إلى ما جاء به الحسن البصري (رضي) من أفكار وما تركه من أتباع على أنّها أفكار متصوّفين ومتنسّكين ولذلك فقد استعملوا لهم اسم (متصوّفة).أمّا أولئك الذين اتّبعوا المجدّد الحسن البصري في أفكاره فقد أطلقوا على الفريق الآخر من المسلمين الذين لم يتذوّقوا طعم المحبّة الإلهيّة التي تذوّقوها هم بأنفسهم والذين أنكروه وابتعدوا عنه أطلقوا عليهم اسم (علماء الظاهر). وكانوا ينظرون إلى هذا الفريق من المسلمين بأنّ أفراده عادوا بعيدون عن إدراك روح تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.
وقد استمرّ وجود هذين الفريقين من المسلمين إلى زماننا الحاضر وبكلّ وضوح. فإن قام باحث في عصرنا هذا يتتبّع آثار هذين الفريقين المذكورين يتّضح له مدى الفجوة الفكريّة التي كانت تفصل بين هذين الفريقين والتي كانت كبيرة إلى درجة كان من الصعب على الإنسان ردمها وتجاوزها.ذلك أنّ الفريق الصوفيّ اعتقد بعدم انقطاع نزول الوحي الإلهيّ غير التشريعيّ بعد بعثة محمّد المصطفى (ص) وهي حقيقة يجدها الباحث في كتب المجدّد الكبير المعروف (محي الذين بن العربي) رضي اللّه عنه وفي كتب غيره من المسلمين المتصوّفين.على حين أنّ
فئة علماء الظاهر اعتقدوا بانقطاع نزول الوحي السماويّ بعد بعثة محمّد (ص) لاعتقادهم بأنّ محمّدا (ص) كان (خاتم النبيّين) وغير ناظرين إلى أنّ آيات هذا القرآن الكريم لم تربط نزول الوحي الإلهيّ بالنبوّة بل ربطته بالبشر على وجه العموم وتبعا لمضمون الآية 51 من سورة الشورى التي قال اللّه تعالى فيها (وما كان لبشر أن يكلّمه اللّه إلاّ وحيا أو من وراء حجاب أو يرسلَ رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنّه عليّ حكيم.) وقد اتّفقت مع رأي هؤلاء المتصوّفة وشرحت ذلك في الفصول الأخيرة من مؤلّفي (ماذا تعرف عن عقل الإنسان ؟)
والمهمّ في الأمر هو أنّي جلست أكتب هذا الكتاب الذي تدور أبحاثه حول الصلاة الإسلاميّة من منطلقٍ قرآنيّ بحت ، وليس اعتمادا على قال وقيل.ولذلك فلا ينبغي أن يذهب ذهن القارئ الكريم إلى أنّي أحد المتصوّفة أو أننّي أحد علماء الظاهر.فأنا بعيد جدّا عن هذين المصطلحين اللذين فرّقا صفوف الأمّة الإسلاميّة إلى فريق متصوّفة وفريق علماء ظاهر.فأنا لا أكتب بتأثير من كتابات أحد هذين الطرفين.بل إنّ مرجعي كتاب اللّه العزيز القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، وأكتب بفهم مستندٍ إلى منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره وذلك كلّما طرحت معلومة إسلاميّة.وفي الوقت نفسه فأنا لا أطرح هذه المعلومة إلاّ بعد التأكّد من عدم مخالفتها لمعطيات حقائق العلم الحديث التي تعين على إدراك الأسس العلميّة التي قامت عليها فريضة الصلاة الإسلاميّة.وبدليل أنّ القارئ الذي سيطالع هذا الكتاب لن يقع نظره فيه على استدلال واحد من جانبي من تراث مؤلّفات (المتصوّفة) ولا على استدلال واحد من تراث مؤلّفات (علماء الظاهر) أيضا.
وإلى جانب هذا فقد تجنّبت القيام بعمليّة استعراض ما كتبه علماء هذه الأمّة من مختلف المشارب والمذاهب حول فريضة الصلاة كما تجنّبت القيام بنقد ما ورد في مؤلّفاتهم من مثالب أو انحرافات.ولكنّي أردت أن أكتب حول فريضة الصلاة الإسلاميّة وحول أداتها الإعلاميّة المتميّزة التي هي (الأذان) وممّا فتحه اللّه تعالى على شخصي الضعيف من حقائق على هذا الصعيد ومن خلال تجاربي الشخصيّة تلك التي تركت ثمارها عندي تعاملي مع هذه الصلاة الإسلاميّة المتميّزة.
ألا فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ النصّ على فريضة (صلاة) لم يخلو منه دين سماويّ سابق لظهور الدين الإسلاميّ.ولذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ المسيحيّ يصلّي وأنّ اليهوديّ يصلّي وأنّ البوذيّ يصلّي كما ترى هذا المسلم يصلّي أيضاً.وإنّ هذه الظاهرة توحي لك يقينا بأنّ جميع الأديان كانت قد نصّت في أحكام دينها على فريضة الصلاة.فالجميع يصلّون للّه جلّ جلاله ولكن على قدر فهم أتباع كلّ دين من تلك الأديان السماويّة المعروفة.الأمر الذي يضطرّك يا عزيزي القارئ أن تتساءل في حديث نفسك: مادام الجميع يصلّون ويتضرّعون بين يدي الإله الواحد الأزليّ الوجود هذا الإله الذي خلقهم فلمَ هذا الاختلاف الذي يلاحظ وجوده كلّ مراقب يراقب صلاة أتباع كلّ دين من تلك الأديان كما يراقب طقوس أدائهم لفريضة الصلاة ؟
وهنا من السهل أن نجيبك يا عزيزي القارئ على سؤالك هذا وذلك من خلال ما نعرفه من أنّ تعاليم الأديان السماويّة كان اللّه تعالى قد أنزلها تتلاءم وظروف وأحوال الأمم التي عاصرت نزول كلّ دين من تلك الأديان.ثمّ إنّ عملية التدرّج هذه كانت قد نبعت من وجود قانون التطوّر الطبيعي المسنون لتطوير كلّ شيء في هذا الوجود.ذلك أنّ اللّه هو (ربّ العالمين) والربّ في اللّغة العربيّة يعني هذا الذي يطوّر الشيء حالا بعد حال حتى يصل به مرتبة التمام (معجم أقرب الموارد).أي أنّ اللّه تعالى قد أخذ بأيدي عباده ليطوّرهم من حال إلى حال ليصل بهم مرتبة كمال إنسانيّتهم.وذلك بعد أن أنهى عصورهم الحجريّة التي سبقت بعثة آدم عليه السلام. وقد أنزل تعالى تعاليم كلّ دين من الأديان السابقة على درجة من درجات ذاك التّفاوت لتطوير هذا الإنسان.وإلى أن أنزل اللّه تعالى تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف على محمّد المصطفى سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلمّ وبتعاليم اتّصفت بسمة الكمال في جميع ما اشتملت عليه.وكان من تلك التعاليم أحكام فريضة (الصلاة) الإسلاميّة.ومن هنا تدرك يا عزيزي القارئ سرّ كون الصلاة الإسلاميّة قد صيغت على وجه عاد أكمل ما أنزله اللّه تعالى من قبل من شكليّات ومضامين تتعلّق بهذه الفريضة الدينيّة.وبهذا أكون قد أجبت على سؤالك وببساطة تامّة.ولكنّ هذه الإجابة ترتّب على كاهل كلّ من يجيب بها مسؤوليّة ثقيلة وهي ضرورة أن يشرح حركات هذه الصلاة الإسلاميّة وقراءاتها شرحا مقبولا ونابعاً من معطيات آيات هذا القرآن الكريم ومعطيات السنّة النبويّة المطهّرة إلى جانب بيان الأسس العلميّة التي أسّس اللّه تعالى عليها فريضة الصلاة الإسلاميّة ومن منطلقات الأسس العلميّة المذكورة.وأن يفعل ذلك كلّه من خلال معطيات الثمار التي جناها هذا الكاتب من جرّاء مواظبته على هذه الصلاة الإسلاميّة ومن خلال تجاربه الخاصّة على الصعيد العمليّ أيضا وشرط أن يكون مرجعه في ذلك كلّه آيات هذا القرآن المجيد.
فعلى هذا الأساس كتبت هذا الكتاب الذي يدور موضوعه حول هذه الصلاة الإسلاميّة وحول أداتها الإعلاميّة التي هي هذا (الأذان) الذي يرفعه المؤذّن حين يحلّ وقت أداء هذه الفريضة على المسلم ووفق ما وصلنا من ذلك كلّه بالتواتر منذ زمن بعثة محمّد (ص) وإلى يومنا هذا جيلا بعد جيل وعن طريق جماعة الأكثريّة من المسلمين وليس عن طريق الأقليّة المسلمة منهم أولئك الذين تشيّعوا إلى هذا وذاك وتفرقوا وبعدوا عن جماعة الأكثريّة المسلمة التي وصلتنا هذه الفريضة عن طريقهم بالتّواتر جيلا بعد جيل وعلى نفس شكل الصلاة التي أدّاها سيّد المرسلين (ص).
وقد تسألني يا عزيزي القارئ بعد هذا البيان: ما أهمّية هذا التواتر الذي أشرت إليه على حين أنّ هذا القرآن الكريم موجود بين أيدينا فهل أغفل هذا القرآن الكريم شرح حركات فريضة الصلاة وقراءاتها وشرح كلمات شعيرة (الأذان) حتّى يضطرّ المسلم ليأخذ بما وصله منها بالتواتر ؟
وأجيب على هذا السؤال وأقول: إنّ القرآن الكريم لم ينس ذكر
حقائق الصلاة والأذان لكنّه جلّ شأنه أوجد سنّة محمّد (ص) وأسوته الحسنة لتشرح تعاليم ما أنزله اللّه تعالى في هذا الكتاب العزيز وبصورة عمليّة التفاصيل المستندة إلى حقائق الأذان والصلاة.ومن باب أنّ تلك التفاصيل لو كانت قد وردت في هذا الكتاب السماويّ لكان قد تضاعف حجمه ولكانت قد اختلّت موسيقيّة تلاوته ولكان قد اهتزّ بالتالي تحدّيه المعجز لذلك أوكل اللّه تعالى إلى الأسوة المحمديّة أداء مسؤوليّة تفصيل تلك التعاليم القرآنيّة بصورة عمليّة تلك التي وردت مجملة في هذا الكتاب العزيز وللّه أن يفعل ما يشاء.
هذا وإنّ الناس في عصرنا يظنّون بأنّ تفاصيل ما يتعلّق بفريضة الصلاة وردتنا وحدها بالتواتر ونقلا عن الأسوة المحمّديّة.لكنّي أرى خلاف رأيهم المذكور.فبالتواتر وصلتنا أعراف عقود الزّواج وبالتواتر وصلتنا شعائر الحجّ وبالتواتر وصلتنا القوانين التي جاء بها الإسلام في مختلف الحقول وعلى مختلف والأصعدة ممّا لا مجال لتعداده في هذا المقام . وعليه فلم تصلنا الصلاة الإسلاميّة وشروح حركاتها وقراءاتها وحدها عن طريق التواتر ولكن وصلتنا جميع شكليّات بقيّة الفرائض بالتواتر أيضا.
والمهمّ في الأمر هو أنّي انطلقت في كتابة كتابي هذا من منطلق ما فتحه اللّه تعالى عليّ في مجال موضوعه ومن تجاربي الشخصيّة أيضا . وراجيا من المولى جلّ شأنه أن يجعل في قلمي شيئا ممّا تحمله هذه الفريضة من بركات.خصوصا وأنّ الصلاة الإسلاميّة قد صيغت وكما سبق لي أن قلت، قد صيغت على وجه الكمال شكلا ومضمونا ولتخلد مع خلود هذا القرآن الخالد المحفوظ من جانب اللّه تعالى الذي أنزله وعلى مدى الدهر ولذلك فقد عاد المسلم ينظر إلى القرآن الكريم على أنّه كتاب خالد لن ينزل بعده كتاب سماويٌّ ينسخه.واللّه هو الموفق وإنّما الأعمال بالنيّات وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.
11 صفر عام 1424 هجري
الموافق 13 نيسان عام 2003 م
ســليم الجابي
الفصل الأوّل
(الأذان) أداة إعلام متميّزة
نحن نحيا في عصرٍ أقلّ ما يقال فيه أنّه عصر (الإعلام).ومن باب أنّ وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة والمكتوبة ما عادت آثارها مقتصرةً على الحدود المرسومة ما بين كلّ قطر وقطر من أقطار عالمنا المعاصر، بل إنّها قد تجاوزت تلك الحدود التقليديّة وكما هو معروف. فعاد الإنسان يستطيع حيث جلس وفي أيّ قطرٍ من الأقطار تواجد أن يطّلعَ على أهمّ ما يجري في كلّ مكان من هذا العالم. وإنّ هذه الحقيقة قد دخلت في باب (العولمة) وما عاد يجهلها أيّ إنسان . حتّى أنّ (ابن بطوطة) لو عاش في زماننا هذا لربّما كان يقوم بغير ما كان قد قام به في زمانه.
والمهمّ في الأمر هو أنّ الدين الإسلاميّ الحنيف جدّد في وسائل الإعلام الدينيّة وخاصّة منها الدعوة إلى الصلاة.وقد أبدع اللّه عز وجلّ للدعوة إلى أداء فريضة الصلاة ذريعةً إعلاميّة ما كانت لتخطر على قلب بشر.وقد وجّه اللّه عز وجلّ ذهن رسوله الكريم محمّدا المصطفى (ص) وعن طريق الوحي من وراء حجاب لاثنين من أصحابه الكرام بهذه الوسيلة الإعلاميّة المطلوبة وفي زمنٍ ما كان العالم يعرف شيئا عن الإعلام ولا عن أهمّيته.فأهل الأديان السابقة أوجدوا هم من أنفسهم أدوات لدعوة أتباعهم إلى الصلاة.ومن تلك الأدوات (الناقوس) الذي تضجّ بصوت قرعه الآذان ولا يفسّر السامع من سماع ضجيج قرعه إلا أنّه يدعو المسيحيين إلى حضور الصلاة في كنائسهم.
لكنّ الأداة الإعلاميّة الإسلاميّة قد أدخلت على هذه الوسيلة تغييراً جذريّا، وبما يتناسب مع المتغيّرات التي طرأت على العالم يوم نزوله حتّى عادت هذه الوسيلة الإعلاميّة لا تعتمد على الأصوات المجرّدة عن المعاني، بل تعتمد على الأصوات النابعة والمقرونة بمعاني سامية.والقائمة على منهجيّة واضحة المعالم وقد وردت تلك الوسيلة الإعلاميّة ملخّصة تلخيصا معجزا يتبيّن الإنسان من خلال سماع ألفاظها معالم تدخّل العناية الإلهيّة في هذا الموضوع. ولطالما سمعت من كثير من الأفراد أنّهم يترنّمون لمجرّد سماعهم لكلمات الأذان الإسلاميّ كلّ وقت أذان.
ثمّ إنّ هذه الوسيلة الإعلاميّة الإسلاميّة التي ابتدعها الدين الإسلاميّ الحنيف قد يسّرت للإسلام نشر الأفكار والعقائد التي يعتقدها أتباعه في كلّ مكان يقف المؤذّن فيه لأداء الأذان. فعلى حين كان العالم قبل أربعة عشر قرنٍ من الزمان يجهل هذه الوسائل الإعلاميّة وكان أهله محرومين منها ومن بركاتها فقد أتى الدين الإسلاميّ في تلك الفترة الغابرة من الزمان (بالأذان) أي قبل ما يقارب أربعة قرن من الزمان كوسيلة إعلاميّة (تامّة) ومعجزة في مضمونها وفي أسلوب أدائها أيضا. وقد تفرّد الإسلام بذلك من بين جميع ما سبقه من الأديان. وأثبتت بذلك تعاليم الإسلام عن طريق هذه الوسيلة الإعلاميّة بأنّها تعاليم تتّصف بصفة (العالميّة) وليس بصفة الإقليميّة الضيّقة.وأثبتت شعيرة الأذان أنّها قد ظهرت في الوقت الذي قارب العالم على إدراك أهمّية الإعلام ووسائله في حياتهم اليوميّة.فحين يرتفع صوت المؤذّن بكلمات الأذان في أيّ عصر من العصور وفي أيّ مكان من الأمكنة يخترق جميع الحدود المادّية ويتجاوزها ليصل إلى آذان أتباع الديانات الأخرى بكلّ سهولةٍ ويُسر . ويؤثّر الأذان بذلك على نفس هذا السامع إلى درجة يدفعه معها ليمعن نظره ويتأمّل ويحاول فهم ما وصل إلى أذنيه من كلمات . من هنا كان من الأهميّة بمكان أن يؤدّي (المؤذّن) هذه الشعيرة الدينيّة خير أداء من جهة . وأن يقوم بإيصالها إلى الأسماع وهي تحمل مضمون دعوة إعلاميّة (تامّة)،وليس إيصالها كأداة إعلامٍ مشوّهة كما هو حاصل اليوم.
الأذان وما يعقبه من دعاء
ومن المعلوم لدى كلّ مسلمٍ وفي شتّى بقاع الكرة الأرضيّة أنّ المسلم وبعد أن يفرغ المؤذّن من أدائه لمهمّته، يتوجّه هذا المسلم ليدعو بدعاء مأثور عن محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو الدعاء الذي كان جميع صحابة محمّد رسول اللّه رضوان اللّه عليهم يدعون به.فهو دعاء مأثور وصلنا بالتواتر جيلاً بعد جيل وهو:
(اللّهمّ ربّ هذه الدّعوة التامّة والصلاة القائمة آتِ محمّداً الوسيلة والفضيلة وابعثه اللّهمّ مقاماً محموداً الذي وعَدته.)
وقد تضمّنت ألفاظ هذا الدعاء في نظري تعريف الأذان على أنّه أداة إعلاميّة تامّة لا تحتاج إلى أيّ تكميل. ومن هنا تنبع أهمّية هذا الدعاء المأثور. لذلك كان من واجب المؤذّن قبل أن يقوم بأداء شعيرة الأذان أن يكون قد أحاط علماً بمضمون هذا (الأذان) على وجه صحيح وهو الدعاء الذي توارثناه بالتّواتر وندعو به بعد الفراغ من الأذان.أقول هذا من منطلق أنّ من واجب هذا المؤذّن أن يؤدّي بالتالي الأذان بمعناه الحقيقيّ.فيؤذّن على صورة يوحي معها للسامع أنه يحيط علماً بمضمون هذا الدعاء الذي يدعو به المسلمُ بعد فراغ المؤذّن من الأذان ودعوة الناس إلى عبادة اللّه الواحد القهّار .
ألا إنّ هذه الحقيقة تستلزم منّي أن أقوم بشرح مضمون هذا الدعاء المأثور،قبل أن أشرح كلمات الأذان نفسها وعليه.كان من واجب القارئ الكريم أن يتساءل عن المعنى الحقيقي لكلمات دعائنا بعد سماع الأذان وهو (اللّهم ربّ هذه الدعوة التامّة والصلاة القائمة آت محمّدا الوسيلة والفضيلة وابعثه اللّهمّ مقاما محموداً الذي وعدته) ؟ ومن هذا المنطلق أتناول الفقرة الأولى من هذا الدعاء وهي (اللّهم ربّ هذه الدعوة التامّة) .فالملاحظ هو أنّ هذه الفقرة من هذا الدعاء قد استُهلّت بصيغة الدعاء (اللّهم) ،هذه الصيغة التي تضمّنت اسم الجلالة (اللّه) وهو الذات الذي ينبغي عبادته .ومن ثمّ أتبع اسم الجلالة توجّهنا لنستعين باللّه تعالى من حيث كونه (ربّ العالمين)فالربّ في اللّغة هو اللّه الذي يطوّر الشيء حالا بعد حال ليصل به مرتبة التمام (أقرب الموارد) .وما دمنا قد دعوتا في هذه الفقرة وقلنا (اللّهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة) فالمعنى أننا ندعوك يا من صِغت هذا الأذان على صورة (دعوةً تامّة) وبقصد تطوير حال الإسلام من حال إلى حالٍ أفضل منه . فندعوك ونحن مُقرّين بأنّ هذه الدعوة الإعلاميّة التي فضّلت بها علينا وعلّمتنا إيّاها، نقرّ بأنّها (دعوةٌ تامّة) صادرة عن الربّ الحقيقيّ لجميع بني الإنسان فأنت ربّنا الذي زوّدتنا بهذه الأداة الإعلاميّة التامّة.وهنا كان من واجبنا أن نتساءل عن دلالة قولنا (دعوةً تامّة) ؟
أقول: إنّ كلمة (دعوة) مصدر دَعا وتتضمّن معنى: ادّعاء ودعاء ودعوة حول ما تضمّنته كلمات هذا الأذان . وقد اعترف هذا المسلم من خلال دعائه هذا الذي يدعو به بعد سماعه الأذان بأنّ الأذان يمثّل في حقيقته دعوة إعلاميّة (تامّة). وأنّ هذه الدعوة ليست هي بحاجة إلى التكميل بأيّة كلمات أو جمل تُضاف على كلمات هذا الأذان.
وعليه نسأل: ما معنى كلمة (تامّة) ؟ نقول: إنّ التامّ في اللّغة ضدّ الناقص.فعندما ندعو ونقول بحقّ الأذان أنّه (دعوةٌ تامّة) نكون قد أقررنا بأنّ كلمات الأذان قد تضمّنت مضموناً كامل الدلالة ولا حاجة بنا للزيادة عليه.فإن حاول المؤذّن أن يزيد على الأذان من عنده كلمات (كالصلاة على النبيّ وغيرها من الكلمات) التي يضيفها المؤذّنون على الأذان في أيّامنا هذه فإنّ هذه الإضافة تُخلّ بمضمون الأذان نفسه لكونه في حقيقته (دعوة تامّة). ويكون هذا المؤذّن قد أثبت بصورة لا شعوريّة من جانبه من خلال هذه الإضافة التي أضافها على كلمات الأذان،بأنّ كلمات الأذان التي ردّدها على مسامع الناس كانت ناقصة المضمون وغير كاملة الدّلالة وكانت بحاجة إلى إضافة (الصلاة على النبيّ) أيضا. وبذلك يتناقض هذا المؤذّن مع نفسه ومع مضمون الدعاء المأثور الذي أوردناه وهو: اللّهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمّداً الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم مقاما محمودا الذي وعدته.)أي أنّ المؤذّن الذي يزيد على كلمات الأذان كلمات أو جمل أخرى كأنّه من خلال زيادته تلك الكلماتٍ على كلمات الأذان يكون قد قُال بألفاظٍ أخرى: إنّ اللّه تعالى لم يأت بدعوة إعلاميّةٍ تامّة ترفع رؤوسنا بل أتى بدعوة أسقط منها الصلاة على النبيّ وغيره،أعاذنا اللّه تعالى من ذلك
فإلى هنا لابدّ وأن نكون قد أدركنا بأنّ المؤذّن الذي يزيد على كلمات الأذان الأصليّة كلمات من عنده يكون قد شوّه الصورة المشرّفة لهذه الدعوة الإعلاميّة التامّة التي نسمّيها (الأذان). والذي تفرّد بها هذا الدين الإسلاميّ الحنيف الذي أتى به محمّد المصطفى خاتم النبيّين صلّى اللّه عليه وسلّم والذي أكمل ببعثته الشرائع السماويّة وجاءنا بأكملها.
وبالنظر إلى هذه الحقيقة فهل يرضى هذا المسلم المؤّذن الذي يتقدّم ليرفع الأذان أن يقوم بتشويه هذه الدعوة الإعلاميّة التامّة وليثبت بذلك جهله بمضمون هذا الدعاء الذي ورثه بالتواتر (اللّهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة والصلاة القائمة آت محمّدا الوسيلة والفضيلة...) هذا الدعاء الذي يدعو به المسلم بعد فراغه من سماع كلمات الأذان ؟؟
ألا فليعلم هذا المؤذّن بأنّ الأذان الذي يؤدّيه إنّما هو (دعوةٌ تامّة) لا تحتمل القيام بأيّة زيادة عليها كما لا تحتمل القيام بإنقاص أيّة كلمة من كلماتها المعروفة. ومن باب أنّ اللّه عز وجلّ قد صاغ هذه الوسيلة الإعلاميّة التي هي هذا الأذان،قد صاغها بصياغة جعلتها (دعوة تامّة).وصاغها بصياغة مؤثّرة في نفوس سامعيها وملفتةٍ لأنظارهم ومحرّكة لعقولهم ودافعة إيّاهم للتّحقيق في مصداقيّة هذا الدين الإسلاميّ الحنيف الذي بَعث اللّه تعالى به محمّدا المصطفى (ص) رسولا إلى الناس كافّة وعلى مستوى من الكمال نصّاً ومعنًى وعلى صورة ما عرفتها البشريّة منذ نشأتها على سطح هذه الكرة الأرضيّة وإلى زمن تعرّفها على تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.
الفصل الثاني
شرح الأذان كأداة إعلاميّة تامّة
وعندما نحاول شرح هذا الأذان الذي شكّل دعوةً تامّة. ينبغي أن ننطلق في شرحنا لجمله من منطلق كونه يؤلّف كُتلة موضوعٍ إنشائيّ مستقلّ له (مقدّمته وله متنه وله خلاصته) وذلك لكونه (دعوة تامّة). فإن نحن انطلقنا في عمليّة شرح كلمات وجمل (الأذان) من غير هذا المنطلق نكون قد أسقطنا من حسابنا هذا الدعاء سالف الذكر. ونكون قد تجاهلنا دعاءنا هذا الذي دعونا به والذي نصّ على أنّ الأذان هو في حقيقته (دعوة تامّة) . وإنّ من واجبنا حين نشرح ونوضّح معاني جمل هذا (الأذان) إنّ من واجبنا أن نتبيّن حين قيامنا بهذه المسؤوليّة أن نتبيّن معالم الجمل التي تشكّل (مقدّمة) هذا الأذان.وأن نتبيّن معالم (متن) هذا الأذان.وأن نتبيّن معالم (خلاصة) مضمون هذا الأذان الذي صوّره لنا هذا الدعاء الموروث الذي ندعو به بعد سماع الأذان على أنّه (دعوة إعلاميّة تامّة) ؟
فأقول وحسب اجتهادي الشخصي: إنّ جملة (اللّه أكبر) التي نستهلّ بها هذا الأذان، ونكرّرها أربع مرّات ،تشكّل في حقيقتها مقدّمة موضوع هذه الدعوة الإعلاميّة التامّة .وإنّ الجملة الأخيرة التي نختتمُ بها الأذان وهي كلمات (لا إله إلا اللّه) تشكّل في حقيقتها خاتمة مضمون هذه الدعوة الإعلاميّة التامّة.وأمّا الجمل التي يردّدها المؤذّن ما بين كلمات هذه المقدّمة وكلمات تلك الخاتمة فهي الجمل التي هي في حقيقتها تتضمّن مضمون هذه الدعوة الإعلاميّة التامّة.
فإن نحن سلّمنا بهذا التقسيم الذي قسّمناه، كان من واجبنا أن نفهم بأنّ المؤذّن حين يرفع صوته بالأذان ويقول (اللّه أكبر اللّه أكبر) يكون قد انتصب واقفا في حقيقة أمره يشهد على وجود اللّه الذي هو (اللّه الأكبر) بمعنى أنّ اللّه جلّ شأنه الذي ننادي باسمه هو أكبر من كلّ شيء في هذا الكون ذاتا ووصفا وما يحمله من قدرات. وبذلك يكون قد اختصر هذا المؤذّن مضمون هذه (الدعوة التامّة) على مسامع الذين يُصغون إلى صوته وهو يُعْلِمهم بحلول وقت الصلاة.
وعندما يكرّر هذا المؤذّن ويقول مجَدّدا (اللّه أكبر اللّه أكبر) يكون في حقيقة أمره قد كرّر شهادته التي شهد بها ليس إلاّ لحاجة إثبات الادّعاء إلى أكثر من شاهد واحد.وبألفاظ أخرى فإنّ المؤذن يكون قد قدّم ومن خلال هذه التكبيرات الأربعة الشهادتين المطلوبتين منه لإثبات مصداقيّة ما راح يُعلنه وينبّه أذهان السامعين إليه. وهنا كان لابدّ للقارئ أن يستفسر منّي عن تلك الضرورة التي ألزمت المؤذّن أن يعمد إلى تقديم هاتين الشهادتين فأقول: إنّ من المعلوم أنّ الإنسان حين يتقدّم في المحكمة بدعوى إلى القاضي.فإنّ القضاء يطالب هذا المدّعي بتقديم شاهدي عدلٍ يشهدان له على صحّة ما ادّعاه.فإن هو لم يفعل ذلك يخسر دعواه. ومن هذا المنطلق فإنّ هذا المؤذّن الذي وقف يرفع الأذان، وبصوته الجهوريٍّ ليسمعه جميع الناس الذين يصل صوته إلى مسامعهم ويقول (اللّه أكبر).فإنّ هذا المؤذّن يكون في حقيقة أمره قد طرح دعوى خلاصتها أنّ لهذا العالم من حولنا خالق. وأنّ هذا الخالق موجود. وأنّ هذا الخالق هو (اللّه أكبر).وأنّ هذا الإله الذي أعلن هذا المؤذّن عن وجوده ما هو بإله منحوت بأيدي الناس الذي يعبدونه ، وإشارة إلى ما يتّخذه المشركون من أصنام وأرباب يعبدونهم ، محدودي القدرات والصفات. ولكنّ هذا المؤذّن يكون قد طرح قضيّة وجود (اللّه) الذي لا يعلو عليه قويّ في هذا الوجود والذي ليس كمثله شيء اللّه الذي له من القدرات ما لا تحدّها حدود لذلك أذّن وقال (اللّه أكبر). بمعنى أنّ (اللّه أكبر) هو الذات المستحقّ للعبادة والذي يستحقّ أن نسجد على أعتابه.فهذا هو ما أقدم عليه المؤذّن حين وقف يرفع كلمات الأذان. وأمّا حين طرح دعواه هذه التي أعلنها على مسامع الناس، فقد عاد هو نفسه بحاجة إلى تقديم شاهدين يشهدان له على مصداقيّة ما طرحه من ادّعاء وأبعاد.ذلك أنّ المؤذّن لا يستطيع أن يقدّم على مصداقيّة ما أعلنه في الأذان غير هاتين الشهادتين الشخصيّتين.
ولقد كان من عظمة اللّه تعالى الذي أبدع هذه الأداة الإعلاميّة أنّه علّم في الرؤيا التي أراها لاثنين من أصحاب رسوله الصادق الأمين (ص) علّمهما كيف يرفعان هذا الأذان ويكرّران كلمتي (اللّه أكبر) أربع مرّات في بداية الأذان.ومن باب أنّ هذا المؤذّن الذي أعلن ما طرحه من خلال كلمتي (اللّه أكبر) طرحا راح يقدّم نفسه شاهداً على مصداقيّة ما ادّعاه.ويكرّر (اللّه أكبر اللّه أكبر) مرّتين في مقابل تقديم شاهدين وهما الشهود التي تطالبه بهما المحكمة في القضاء.وبذلك يستقيم هذا النداء (اللّه أكبر) المرفوع في الأذان والذي يمثّل خلاصة الأذان نفسه.
فهذا هو سرّ تكرار المؤذّن لكلمتي (اللّه أكبر) أربع مرّات وبذلك يكون هذا المؤذّن قد اختصر الموضوع الذي وقف ليرفع صوته به عالياً وعلى مسمعٍ من الناس وبصياغة بلاغيّة معجزة دالّة على وجود اللّه الذي صاغ هذه الوسيلة الإعلاميّة الإسلاميّة التي لم تعرف البشريّة من قبلها لها مثيل.فبهذه الألفاظ التي هي (اللّه أكبر) أمكن تلخيص مضمون هذه الدعوة الإعلاميّة التي هي هذا الأذان.فإن أحاط القارئ علماً بما بيّنته له من بيان حتّى الآن، فإنّه يرجوني أن أشرح له كلّ كلمة من هاتين الكلمتين وهما (اللّه أكبر) وليحيط بدلالتيهما علما حقيقيّا.
فأقول: إنّ لفظ الجلالة (اللّه) هو اسمٌ ذاتيٌّ لخالقنا عزّ وجلّ الذي خلق هذا الكون المادّي.وإنّه تعالى لم يُطلِعنا في كتابه العزيز القرآن المجيد عن حقيقة ذاته شيئاً ما، بسبب أنّ الإحاطة بهذا العلم يتطلّب أن يكون هذا الإنسان متمتّعا بقوى تختلف عمّا وهبنا اللّه تعالى إيّاه من حواس وصفات.لكنّه جلّ شأنه قد أطلعنا على ما تتّصف به ذاته المقدّسة من صفات وقدرات بيّنتها مختلف آيات القرآن المجيد تحت مصطلحٍ أورده القرآن الكريم نفسه بعنوان (أسماء اللّه الحسنى).
وأمّا كلمة (أكبر) فهي صيغة تفضيل بمعنى أنّه مهما خطر للسامع من خواطر تتعلّق بأيّ كيان موجود في هذا الكون، فإنّ ذات اللّه تعالى أكبر وأعظم ممّا يخطر لنا في أذهاننا منه.وأنّه مهما خطر للسامع من مقامات احتلّها أيّ إنسان في أيّة بقعة من بقاع هذه الكرة الأرضيّة فإنّ مقام اللّه تعالى أكبر من ذاك المقام. ومهما خطر لذهن السامع من عطاء بإمكان أحد أن يعطيه أحداً سواه فإنّ عطاء اللّه تعالى يكون أكبر من ذاك العطاء .فهذه هي دلالات هاتين الكلمتين (اللّه أكبر) هاتان الكلمتان اللّتان شكّلتا خلاصة موضوع هذه الأداة الإعلاميّة الأذان، والذي عبّرت عنه مقدّمة دعوة هذه الوسيلة الإعلاميّة التي جاء بها هذا الدين الحنيف.
ولمّا كنت قد فرغت من شرح مقدّمة الأذان التي اختصرت في كلمتي (اللّه أكبر)كان علي أن أنتقل لأشرح فقرات الأذان التي شكّلت في حقيقة أمرها (متن) مضمون هذه الأداة الإعلاميّة (الأذان).
وفي الحقيقة فإنّ هذا المؤذّن الذي اختصر مضمون (الأذان) من خلال كلمتين هما (اللّه أكبر) انتقل منهما ليشرح مضمون الأذان نفسه.فراح يعلن على الملأ ويقول: (أشهد أن لا إله إلاّ اللّه) مرّتين ويضيف عليه ويقول : (وأشهد أنّ محمّداً رسول اللّه) مرّتين أيضا.فما هي دلالات هاتين الشهادتين ؟
أقول: إنّ هذا المؤذّن قد راح يقدّم نفسه شاهداً مرّتين على مصداقيّة ما لخّصه من خلال كلمتي (اللّه أكبر). إنّه راح يقدّم نفسه:
أوّلا - ففي الفقرة الأولى التي قال فيها (أشهد أن لا إله إلا اللّه) فقد أورد كلمة (إله) هذه الكلمة التي اشتقّت من (الوله) أي المحبّة.وحصر عمليّة هذه المحبّة المقصودة في ذات اللّه تعالى.وأراد من ذلك أن يقدّم نفسه شاهداً على أن مجرّد الإيمان بوجود اللّه تعالى لا يكفي،بل إنّ على هذا المؤمن أن يتّخذ (اللّه) الذي آمن به وهو (المحبوب الأعظم) في نظره أن يتّخذه محبوبا له من دون الناس جميعا.وأن يسعى للفوز بمحبّة ربّه عز وجلّ والتّقرّب منه والفوز برضوانه.ليثبت بصورة عمليّة صحّة هذا الاعتقاد المذكور.
ثانيا-وأما في الفقرة الثانية التي قال المؤذّن فيها (أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه) فقد راح هذا المؤذّن يقدّم نفسه شاهداً على أنّ الإيمان باللّه وحده وكونه (المحبوب الأعظم) لهذا الإنسان لا يكتمل إلا إذا آمن هذا الإنسان بأنّ محمّدا بن عبد اللّه (ص) الذي بعثه اللّه جلّ شأنه رحمة للعالمين وخاتم النبييّن هو عبد اللّه ورسوله.وأنّ من واجبه أن يثبت بصورة عمليّة أيضا تأييده ونصرته وكسب رضاه.
وبألفاظ أخرى فإنّ المؤذّن ومن خلال شهادته في الفقرة الأولى يكون قد سلّم واعتقد بأنّه لا يوجد في هذا الكون محبوب حقيقيّ يستحقّ من هذا الإنسان أن يتّخذه محبوبا له إلا هذه الذات الإلهيّة المقدّسة التي اتّصفت بتلك الأسماء الحسنى التي صرّح بها القرآن المجيد.
وأمّا من خلال شهادة المؤذّن في الفقرة الثانية فقد سلّم هذا المؤذّن بأنّه اعتقد بأنّ إيمان المرء لا يكتمل إلا بالاعتقاد بأنّ محمّدا بن عبد اللّه النبيّ الأمّي (ص) هو رسول اللّه وصفيّه من بين عباده والمكلّف بتأدية رسالة هذا الدين الحنيف وتبليغه إلى الناس أجمعين. هذا الدين الذي طلع به محمّد (ص) على الناس حين كانوا غارقين في مستنقع الشرك بنوعيه الجليّ والخفيّ.
ومن خلال ما بيّناه وشرحناه يكون هذا المؤذّن عندما يشهد ويقول (أشهد أن لا إله إلاّ اللّه) مرّتين يكون كمن يقول بألفاظ أخرى أن اعلموا أيّها الناس بأنهّ لا يوجد في هذا الكون محبوب حقيقيٌّ إلاّ (اللّه) هذا الإله الذي بعث محمّداً بهذا الدين الحنيف.ولذلك فلا تعلّقوا أفئدتكم بمتاع هذه الدنيا من مال ومتاع وأولاد وغيرها من الأشياء الصائرة إلى زوال.بل اسعوا لجذب محبّة هذا المحبوب الأعظم الذي لا محبوب أعظم منه.يقول هذا من منطلق أنّ كلمة (الإله) ومن قوله (لا إله إلا اللّه) هذه قد اشتُقّت من (الوَلَه) الذي يعني (المحبّة) . والمعنى أنّكم أيّها السامعون إن كنتم تؤمنون بالمحبّة كجسرٍ يربط بين قلوب الناس. فلن تعثروا على شيءٍ تحبّونه أكثر من هذا المحبوب الذي خلقكم والذي يتّصف بالأسماء الحسنى التي تأخذ دلالاتها بألبابكم ولتتخلّقوا بها في حياتكم اليوميّة ولتكون الميزان بين أيديكم للتّفريق ما بين ما هو خير وما بين ما هو شرّ.وذلك من خلال ما تحمله الأسماء الحسنى من معطيات جمال وجلال. فلا يوجد إله محبوبٌ غير اللّه في هذا الكون. ولذلك فهو الإله المستحقّ من جانبنا جميعاً كامل المحبّة والعبادة.وبواسطة الفوز بمحبّة هذا المحبوب الأعظم نكون قد حقّقنا الغرض من وجودنا في هذه الحياة الدّنيا، فمحبّتنا للّه الأعظم تشكّل هذا الجسر الذي يعود يربط ما بين أفئدتنا بروح المحبّة أيضاً لكوننا عباد اللّه تعالى.ومن منطلق أنّ الذي يحبّ اللّه يحبّ عباده أيضا. وعلى هذه الصورة تكون فقرتا (أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأشهد أنّ محمّدا رسول اللّه) قد أمست الوسيلة لاستئصال الشرك من أنفس السامعين من جذوره وبمختلَف ألوانه وأشكاله.علماً بأنّ هذا المؤذّن ما يزال في بداية توضيح مضمون الأذان.
وبعد أن ينتهي هذا المؤذّن من تقديم هاتين الشهادتين المطلوبتين لإثبات ادّعائه الذي ادّعاه من قبل من خلال كلمتي (اللّه أكبر) يتوجّه لدعوة فريقين من الناس من أولئك الذين يصغون لسماع ما يناديهم إليه.وتدليلا على مصداقيّة أنّه يفعل ذلك فإنّ هذا المؤذّن يلتفت إلى يمناه عندما يتوجّه لينادي الفريق الأوّل من الناس من هذين الفريقين.وإلاّ فلا معنى أن يلتفت هذا المؤذّن إلى يمناه حين يتوجّه بالنداء (حيّ على الصلاة).هذه الحركة الموروثة عن الأوّلين بالتّواتر جيلا بعد جيل. فالمؤذّن يلتفت نحو يمناه ليرمز بذلك إلى أنّه سينادي جماعة المؤمنين إلى أداء فريضة الصّلاة المفروضة عليهم أداءها على أوقاتها.أولئك الذين سمّاهم القرآن الكريم أصحاب اليمين. ومن ثمّ يلتفت هذا المؤذّن نحو يُسراه ليرمز بذلك إلى أنّه سيدعو أصحاب الشمال إلى تقبّل الإسلام دينا وعلى أنّه طريق الفوز والنجاح.أولئك الذين سمّاهم القرآن الكريم أصحاب الشمال فينادي ويقول (حيّ على الفلاح).وعليه فإنّ حركة المؤذّن تارة إلى اليمين وتارة إلى الشمال هي عبارة عن حركات رمزيّة هادفة ومعبّرة وقد عبّرت عن:
1- تعبّر عن أنّ الفريق الأوّل من هذين الفريقين المخاطبين، هو الفئة المؤمنة من الناس باللّه تعالى الذي آمن به هذا المؤذّن.بدليل أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد اصطلح لفئة المؤمنين في كتابه العزيز اسم (أصحاب اليمين) وعلى حسب ما ورد في الآيات من سورة الواقعة، تلك التي قال اللّه تعالى فيها: (عُرُباً أترابا. لأصحاب اليمين. ثلّةٌ من الأوّلين.وثلّة من الآخرين). فيتوجّه المؤذّن نحو يمينه وبشكلٍ رمزيٍّ هادف حين أراد أن ينادي أفراد هذا الفريق الأوّل ، من فئة إخوانه المؤمنين من (أصحاب اليمين). فيناديهم قائلا: (حيّ على الصلاة). فما هي دلالة هذا النداء ؟
إنّ فعل (حيّ) هو اسم فعل بمعنى الأمر مبني على الفتح ومعناه : هلمّ وأقبل . فعلامَ يُقبلُ هذا السامع ؟ يدعو المؤذّن كلّ مؤمن من إخوانه من (أصحاب اليمين) ليقبل على أداء الصلاة التي فرضها عليه (اللّه) هذا
الذي آمن به واتّخذه محبوبا أعظم لنفسه.
وأمّا كلمة (الصّلاة) فلا تحمل معنى واحداً بل إنّ من جملة
معانيها : الدعاء ، الدّين ، الرّحمة ،الاستغفار ، والعبادة.وعليه فإنّ كلمة (الصلاة) هي اسمٌ يوضع موضع المصدر وهي كلمة لا تكون إلاّ في الخير بخلاف كلمة الدعاء فإنّه يكون في الخير كما يكون في الشر.ذلك ّ أنّ الإنسان قد يدعو بالخير وقد يدعو بالشرّ.
واستناداً إلى هذه المعاني التي تضمّنتها كلمة (الصلاة) يكون المؤذّن ومن خلال ندائه نحو يمينه (حيّ على الصلاة) يكون قد قام بمناداة المؤمنين من إخوانه ليقبلوا على الوقوف بين يدي ربّهم الذي آمنوا به ليدعوه وليسبّحوه وليسجدوا على أعتابه تذلّلا واستغفاراً طالبين رأفته بهم وراجين واسع رحمته.فكم هو عظيم هذا الشطر من هذه الوسيلة الإعلاميّة الدينيّة التي صيغت صياغة بيانيّة وبمنتهى الدقّة والتعبير !
2- ثمّ إنّ الفريق الثاني من هؤلاء الذين يناديهم هذا المؤذّن هم أولئك الناس غير المؤمنين الذين لم يؤمنوا بما آمن به هذا المؤذّن. وبدليل أنّ اللّه عز وجلّ قد اصطلح لفئة غير المؤمنين من الناس في كتابه العزيز اسم (أصحاب الشمال) بدليل قول اللّه تعالى أيضا في الآيات من سورة الواقعة وهو يصف حال هؤلاء الناس المشار إليهم وذلك بعد موتهم : (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال.في سمومٍ وحميم وظلٍّ من يحموم.لا باردٍ ولا كريم.).
فيتوجّه هذا المؤذّن نحو شماله وبحركة رمزيّة هادفة لينادي
أصحاب الشمال من فئة غير المؤمنين وخاصّة منهم ممّن يطلبون الحقيقة ويسعون للفلاح في هذه الحياة فيناديهم قائلاً (حيّ على الفلاح) . فما هي دلالة كلمة (فَلاح) ؟
قيل إنّ مادّة –فلح- موضوعة في الأصل للشقّ والقطع وتتفرّع منها سائر المعاني،فتقول : أفلح الرجل ومعناه فاز وظفر بما طلب ونجح في سعيه وأصاب في عمله .وعلى حسب ما قال اللّه عز وجلّ في سورة الأعلى (قد أفلح مَن تزكّى وذكر اسم ربّه فصلّى.) وعليه فإنّ الفلاح هو الفوز والنجاة والبقاء في الخير. فمن خلال هذه الدلالة ندرك بأنّ المؤذّن حين التفت نحو شماله ونادى بأعلى صوته: (حيّ على الفلاح) يكون قد خاطب طلاّب الحقيقة من فئة غير المؤمنين ليقبلوا على طريق الفوز والنجاة في هذه الحياة الدنيا.وهو الطريق الذي سلكته فئة المؤمنين بوجود اللّه خالقهم.
فإن نحن أخذنا بعين اعتبارنا تعريف كلمة الفلاح بأداة التّعريف فقد قصد من عمليّة التّعريف هذه الدّلالة على المعهود في ذهن هؤلاء من أنّ المؤذّن الذي يقوم بالأذان يمثّل تعاليم هذا الديّن الإسلاميّ الحنيف ومن باب أنّ الإسلام هو طريق الفوز والنجاة في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة أيضاً.هذا الدين الذي تُعتبر الصّلاة فيه عماد تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.
وهنا قد يسألني القارئ: فما معنى قيام هذا المؤذّن بتكرار هاتين الجملتين:(حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح) ؟ أقول: من المعلوم أنّ الإنسان إذا أراد أن يؤكّد على الذي يسمعه وكان قد طالبه بطلب أراده، فإنّه يكرّر على مسامع هذا الذي طالبه يكرّر ما طلبه منه،وذلك لترسيخ معناه في ذهنه دفعا للنّسيان.وعليه فقد ورد هذا التكرار من جانب المؤذّن هنا لكلمتي (الصلاة والفلاح) للتأكيد على هذه الحقيقة التي وقف من أجلها يردّد كلمات هذه الدعوة الإعلاميّة التي امتاز بها هذا الدين الحنيف.وإنّه لإعجاز أن ترد كلمات هذا الشقّ من هذه الوسيلة الإعلاميّة مصاغةً بهذه الألفاظ (حيّ على الصلاة وحيّ على الفلاح) ومكرّرةً مرّتين.
وليلاحظ القارئ كيف أنّ هذا المؤذّن لم يدع أحداً من غير المؤمنين يضرب أخماساً في أسداس بعد سماعه دعوة (حيّ على الفلاح) ومتسائلاً في حديث نفسه : وأيّ فلاحٍ هذا الذي يدعونا إليه ؟ بل تلاحظ بأنّ هذا المؤذّن يبادر ويردّد من جديد (اللّه أكبر اللّه أكبر) تنبيها لذهن هذا الذي لم يصبح مؤمنا بعد، ويبحث عن الحقيقة، يناديه مجيبا على التساؤلات التي دارت في نفسه منبّها إيّاه: أنّ طريق الفوز والنجاة الذي يشكّل طريق الفلاح في نظرنا نحن المؤمنين ،هو الإيمان بأنّ اللّه تعالى هو هذا الإله الموجود حقّا وهو الأكبر والأعظم في هذا الوجود وإنّ الفوز والفلاح في هذه الحياة الدنيا مرتبط بالسعي لكسب رضاء هذا الإله الذي اتّصف بالأسماء الحسنى، والذي دلتّنا عليها آيات هذا القرآن العظيم. فاللّه هو أكبر من كلّ شيءٍ تتصوّرونه.وإنّ سبيل اللّه هو سبيل الفلاح في هذين الدارين: الحياة الدنيا والحياة الآخرة.
وعلى هذه الصورة أكون قد شرحت للقارئ الكريم ما تضمّنه (متن) هذه (الدعوة التامة) التي تميّز بإبداعها اللّه القدّوس الذي بعث محمّدا رسول اللّه (ص) بهذا الدين المتين.ولذلك تعال معي يا قارئي العزيز لأدلّك على خاتمة الأذان وهو ما لخّصته هذه (الدعوة التامّة) من كلمات اختصرت من خلالها مضمون هذا الأذان الذي يرفعه المؤذّن.
ألا تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ المؤذّن يعود يستقيم بوجهه بعد فراغه ممّا نادى به أصحاب اليمين وأصحاب الشمال.يستقيم وتلاحظه ينهي الأذان وهو ينادي وبجملة واحدة (لا إله إلاّ اللّه) ؟ فما هي دلالة هذا التلخيص الذي لخّص به هذا المؤذّن موضوع هذه الوسيلة الإعلاميّة التي عبّرنا عنها في دعائنا الذي ندعو به بعد سماعها من أنّها (دعوة تامّة) والتي دفعت هذا المؤذّن ليقف ينادي ما نادى به حتّى الآن؟
أقول إنّ جملة (لا إله إلا اللّه) هذه التي أنهى المؤذّن بها كلمات الأذان، كنت قد شرحتها في بدايات موضوع الأذان،حيث كنت قلت هناك بأنّ معناها أن لا محبوب حقيقيّ في هذا الكون تُشدّ إليه الرحال إلاّ (اللّه) فلا محبوب إلاّ هذا الإله الذي عرّفتنا عليه لغة الضادّ من أنّ اسمه (اللّه) وهو الاسم الذاتيّ الأعظم لخالق هذا الكون من حولنا وخالق كلّ شيء فيه وخالقنا جلّ شأنه. فكلمة (اللّه) تمثّل الاسم الجامد الذي لا اشتقاق له.فهو هذا الاسم الذي لا يجوز لأيٍّ من الناس إطلاقه إلاّ على الذات الإلهيّة المقدّسة.تلك الذات الإلهيّة التي كشفت لنا آيات هذا الكتاب العزيز القرآن الكريم عن أكثر من مائة صفةٍ من أسمائه جلّ شأنه
وتحت مصطلح أسماء اللّه الحسنى .
ولقد كان الغرض من إنهاء الأذان بجملة (لا إله إلا اللّه) هو الإعلان بأنّ جميع ما أتى به هذا الكتاب المعجز وهو هذا القرآن الكريم، إنّما تدور جميع مضامين آياته حول هذا المحور وهو ضرورة الاعتقاد بوجود اللّه المحبوب الأعظم والأقدس صاحب الأسماء الحسنى. وأنّ جميع ما تأمر به تلك المضامين التي اشتملت عليها آيات هذا الكتاب المعجز إنّما تساعد هذا الإنسان المؤمن بهذا القرآن المجيد وباللّه الذي أنزله،أقول تساعده تلك التعاليم والأحكام إن هو أخذ بها وعمل عليها بدقّة وفهم صحيحين وبتقوى اللّه عز وجلّ، تساعده ليجري في نفسه تبديلا جذريّا يصل بأخلاقه لتجانس صفات ربّه. ولينشدّ من خلال حصوله على هذا التجانس إلى بارئه بكلّيته.وليصبح عند اللّه محبوبا مقرّبا ومرضيا عنه وذلك في عالم السماء الروحانية .
فهذا هو المفهوم الحقيقي لدعوة (الأذان) يا عزيزي القارئ واستناداً إلى هذا الشرح أعود أقول: إنّ هذه الأداة الإعلاميّة الخالدة تشكّل (دعوة تامّة) وعلى حسب مضمون هذا الدعاء الذي يدعو به المسلم بعد انتهاء المؤذّن من ترديد كلمات الأذان . فلا ينبغي ، والحال هذه ، أن يزيد المؤذّن على كلمات الأذان التي وصلتنا بالتواتر، بكلماتٍ من عنده، كيلا يُشوّه مضمون هذه (الدعوة التامّة) التي لا تحتاج إلى شيء من التكميل.فهل يكون لكلامي هذا يا ترى صدىً بين المؤذّنين ؟
إضافة (الصلاة خيرٌ من النوم)
وبعد أن شرحت لك يا عزيزي القارئ مضمون هذه الأداة الإعلاميّة التي سمّيناها (الأذان)، قد يخطر ببالك أن تسألني عن تلك الإضافة التي يضيفها المؤذّن عند رفع أذان الفجر.فهو يضيف على (متن) الأذان وقبل الفقرة الأخيرة التي لخّصت الأذان وهي (لا إله إلاّ اللّه). فالمؤذّن يضيف ويقول: (الصلاة خيرٌ من النوم) ويكرّرها مرّتين للتأكيد كما أسلفنا شرحه.
فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ هذه الإضافة عند الفجر ليست من طرف المؤذّن نفسه بل يردّدها المؤذّن بتوجيه من محمّد رسول اللّه (ص) نفسه، من طرف هذا الرسول الخالد الذي وجّه المؤذّن ليضيفها عند الفجر.ذلك أنّ النائم يثقل عليه أن يستيقظ لأداء صلاة الفجر على وجه العموم.علما بأنّ صلاة الفجر تُحسب على الأوقات الخمسة لأداء فريضة الصلاة.فإن أبدى النائم كسلا ولم يؤدّ صلاة الفجر على وقتها،لا يكون قد عمل على كلام ربّه عز وجلّ (إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا.) وعليه فإنّ هذه الإضافة وما تحمله من موعظة تدخل في باب سنّة رسول اللّه (ص). وقد عملت الأجيال المسلمة جيلا بعد جيلٍ وبالتّواتر على إضافة هذه الموعظة على كلمات الأذان صباحا.ولا ينبغي الالتفات إلى من يضيف ألفاظ (حيّ على العمل) عوضا عن (الصلاة خير من النوم،أو غيره ، بشكل من الأشكال.لسببين: الأوّل بسبب أنّ الإنسان لا يتوجّه إلى العمل عند بزوغ الفجر.بل يصلّي صلاة الفجر وينام إلى أن يحين وقت الفطور والذهاب إلى العمل.فمن هذه الجهة يتبيّن عدم منطقيّة هذه الإضافة (حيّ على العمل).والسبب الثاني هو ضرورة تقيّد المسلم بسنّة رسول اللّه (ص) الذي أضاف هذه الموعظة (الصلاة خير من النوم).وقد تسألني يا عزيزي القارئ عن سرّ تشديدي على هذه الإضافة بالذات.وإنّ سؤالك هذا يضطرّني لبيان مفهوم السنّة الحقيقي لكونها تشرح أحكام القرآن الكريم.
مفهوم السنّة وهذه (الإضافة)
فاعلم يا عزيزي القارئ بأنك إذا قلت سنّ فلانٌ الأمر فمعناه بيّنه.أمّا إذا قلت سنّ فلانٌ على القوم سُنّة فمعناه وضعها ليعملوا عليها فالسنّة في اللّغة وحسبما ورد في التعريفات تعني السيرة والطريقة ّ مَرْضيّة كانت أو غير مرضيّة.ومفهوم السنّة في الشريعة هي الطريقة المسلوكة من غير افتراض ولا وجوب.فالسنّة ما واظب النبيّ (ص) عليها مع الترك أحيانا.فإن كانت المواظبة المذكورة على سبيل العبادة فسُنن الهدى.وإن كانت على سبيل العادة فسنن الزوائد. علما بأنّ سنن الهدى تكون إقامتها تكميلا للدّين وهي التي يتعلّق بتركها كراهة أو إساءة كسِير النبيّ (ص) (معجم محيط المحيط).
واستنادا إلى معنى كلمة سنّة لغويّا وشرعيّا فإنّ سنّة رسول اللّه (ص) هي ما قام رسول اللّه بشرحه أحكامه بصورة عمليّة. كأحكام الصّلاة وغيرها من الأحكام الشرعيّة التي وردت مجملةً في كتاب اللّه العزيز واستنّ لنا رسول اللّه (ص) العمل عليها بصورة عمليّة.وعليه فإنّ مفهوم السنّة الشائع بين الناس هو بحاجة للتّصحيح.ذلك أنّ سنّة محمّد رسول اللّه (ص) تقتصر على فعله ولا تشمل أحاديثه إلاّ ما ورد منها شارحا لبعض ما شرحه بصورة عمليّة.
فدونك يا عزيزي القارئ الصّلاة الإسلاميّة على سبيل المثال فإنّ آيات هذا القرآن الكريم قد فرضت على المسلم أداء فريضة الصلاة ومن دون أن تعمد إلى بيان كيفيّة أداء هذه الفريضة.ذلك أنّ الآيات لم تورد شيئا يتعلّق بحركات الصلاة وقراءاتها.وقد علّم جبريل عليه السلام الرسول الكريم كيف يؤدّي الصلاة. وعلّمه ماذا يقرأ في الصلاة. وكم هو عدد ركعات كلّ صلاة.وعلى هذه الصورة فقد عاد محمّد (ص) من هذه الناحية (أسوة حسنة) في موضوع تأديته لفريضة الصلاة.وراح (ص) يصلّي ومن ورائه أصحابه كما علّمه الملَك جبريل عليه السلام وعاد صحابته يقرؤون ما كان يقرأه في صلاته.فإن أبهم عليهم شيء حينئذ كانوا يستفسرون من رسول اللّه (ص) عن هذا الإبهام.
حدث هذا في السنوات الأولى من بعثة محمّد رسول اللّه في مكّة المكرّمة. فكان كلّما آمن امرؤ برسالته يقلّد من كان قبله من الصحابة في صلاته ويسمع مواعظ رسول اللّه (ص) حول الصلاة وكيفيّة الاستفادة من آثارها الروحيّة.واستمرّ الحال على ذلك منذ أيّام نزول فريضة الصّلاة وإلى أيّامنا هذه. فالمسلمون يصلّون كما كان يصلّي آباؤهم وإلى هذا التاريخ.وبألفاظ أخرى فإنّ هذه الصّلاة الإسلاميّة قد وصلتنا بحركاتها وقراءاتها عن طريق التّواتر جيلا بعد جيل.وعليه فإنّ رجوع المسلم إلى الأحاديث يرد على سبيل الاستئناس وبما لا يخالف ما وصلنا بالتواتر عن محمّد رسول اللّه (ص) فيما يتعلّق بالصّلوات وسننها ولذلك فلا ينبغي للمسلم أن يعطي الأحاديث هيمنة على المتواتر من الفروض والسنن الدينيّة.
ثمّ إنّ من الضروري لك يا عزيزي القارئ أن تعلم بأنّ اختلاف المسلمين في مجال أطر الصلاة التي هي بمثابة قشور الثمار لا ينبغي أن يفرّقنا إلى مذاهب وشيع.فيكفي لهذا المسلم أن يصلّي كما صلّى والداه بسبب أنّ صلاة والديه قد وصلت هذين الوالدين بطريق التّواتر مرفوعا إلى الأسوة المحمّديّة ذاتها.
ويكفي أن ينتبه هذا المسلم إلى أنّ طريق التواتر هذا مرتبط بوجود (الأكثريّة المسلمة) ولا يرتبط (بالأقلّية المسلمة) أولئك الذين فرّقوا هذه الأمّة الإسلاميّة إلى فرق ومذاهب، وتشيّعوا لفلان وفلان من الناس وانطبقت عليهم نبوءة القرآن الكريم الواردة في الآيتين 159/160 من سورة الأنعام التي قال اللّه تعالى فيها: (..قل انتظروا إنّا منتظرين .إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنّما أمرهُم إلى اللّه ثمّ ينبِّئهم بما كانوا يفعلون.مَن جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالِها ومن جاء بالسيّئة فلا يُجزى إلاّ مثلَها وهم لا يُظلَمون.)
واعلم يا عزيزي القارئ أنّه كما أنّ هذا القرآن الكريم هو كتاب اللّه الخالد الذي لا يجوز إجراء أيّة زيادة أو نقصانٍ عليه.كذلك فإنّ هذا الأذان لا يجوز إجراء أيّة زيادةٍ أو نقصان على كلماته التي وصلتنا بالتّواتر عن محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعن طريق أكثريّة المسلمين وحسب.
ألا وإنّ الباحث المفكّر يُدرك بأنّ صياغة مضمون هذه الأداة الإعلاميّة الخالدة قد استند اللّه عز وجلّ في صياغتها البلاغيّة إلى أسلوبٍ إنشائيٍّ عقلانيٍّ قائمٍ على التجربة الإيمانيّة التي أتتنا بها تعاليم هذا الدّين الإسلاميّ الحنيف.علماً بأنّ التجربة تعتبر أحد الأسس العلميّة التي استندت إليها أغلب العلوم التي عرفها الإنسان حتّى اليوم.فالتجربة تصل بالإنسان إلى مرتبة اليقين .
ثمّ إنّ في هذا الأذان ردٌّ على من يتّهم الإسلام بخلوّه من الكلام عن المحبّة. وقد أكّدت ألفاظ الأذان هذه بأنّ تعاليم الإسلام تدور حول المحبّة الإلهيّة وعلى خلاف ما اتّهموا به الإسلام من اتّهام باطل. ويكفي أن يقف المؤذّن يوميّا خمس مرّات ليرفع كلمات الأذان معلناً أنّه (لا إله إلاّ اللّه) ويكون معنى قوله هذا أنّه لا يوجد محبوب في هذا الكون يستحقّ من جانبنا محبّته على وجه الحقيقة والكمال إلاّ (اللّه) جلّ شأنه. وأنّ تعاليم دين الإسلام الذي أتى بها هذا القرآن الشريف تدور في حقيقتها حول موضوع المحبّة الإلهيّة السامية وليس حول المحبّة الجنسيّة التي تتعلّق بهذه الأجسام المادّية التي تؤول إلى الزوال والفناء في يوم من الأيّام. فكلّ شيء هالك في هذا الكون المادّيّ إلاّ وجه اللّه الأحد، هذا المحبوب الحقيقيّ الذي لا إله إلا هو . فما أجمل وما أحكم وما أعظم هذه الأداة الإعلاميّة الخالدة التي تتخطّى جميع الحواجز والحدود في عمليّة تذكيرها الناس بما انطوت عليه تعاليم الإسلام من حقائق ومعارف وهداية للطالبين.وأملي هو في أنّ كلّ من يُطالع هذا الشرح وهذا التنبيه،وكلّفه إخوانه المسلمون ليرفع الأذان أن يُسرع ليرفع الأذان المتواتر من غير زيادة عليه أو نقصان احتراما من جانبه واعترافا بأنّ الأذان هو في حقيقة أمره (دعوة تامة) وإنّ كلمات الأذان ليست هي بحاجة إلى التكميل.وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين .
الفصل الثالث -
ً أصول العبادات الأربعة
مادامت دعوة الأذان التامّة قد نادت المسلم ليؤدّي الصلاة المفروضة عليه في هذا القرآن الكريم من جانب ربّه عز وجلّ لقول اللّه تعالى في الآية الثالثة من سورة البقرة (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وممّا رزقناهم ينفقون.).فقد كان من واجبي وقد أنهيت الكلام عن موضوع (الأذان) أن أتكلّم عن هذه الفريضة العبادة التي هي (الصلاة) والتي يسارع المؤمن ليقيمها تلبية لصوت المؤذّن الذي ناداه قائلا(حيّ على الصلاة).
لكنّي وقبل أن أتناول موضوع الصلاة بالشرح والتحليل، أرى أن أضع القارئ في وضوح رؤية بما يتعلّق بالعبادات المفروضة عليه وأصولها الأربعة، تلك التي أمرت بها تعاليم الإسلام الحنيف وهي الصلاة والصّوم والحجّ والزكاة مع بيان الأصول التي قامت عليها الصلاة
فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ القرآن الكريم تبسّط في كلامه عن العبادات المطلوبة من هذا المؤمن هذا الذي تقبّل الإسلام دينا.ً وقد أعاد القرآن الكريم هذه العبادات إلى أصول أربعة:
فالأصل الأوّل- وهو الأصل الذي تعود إليه العبادات الإسلاميّة المفروضة على المؤمن،فإنّه ينبع من مقصد هام جدّا قصد اللّه تعالى تحقيقه من وراء فرائض العبادات على المؤمنين وينحصر في محاولة تفجير محبّة اللّه القدّوس في فؤاد هذا المؤمن العابد.وليس هذا وحسب، بل ويهدف إلى تنمية رابطة العبد بربّه عن هذا الطريق وليفوز هذا العابد بعد هذا التوجّه وتلك المعاناة بمحبّة ربّه وبقربه وبرضوانه.
الأصل الثاني- والأصل الثاني الذي قامت عليه العبادات المفروضة على المؤمنين هو دفع هذا العابد إلى بذل كلّ جهدٍ للمحافظة على ما منحه اللّه ربّه جلّ شأنه من عقل ومن حواس جسديّة ومن كيان شخصيّ ذلك لأنّ هذا المؤمن إذا فقد أحد هذه الأشياء المذكورة لا يعود يستطيع أداء أوامر ربّه على وجه الكمال.وعليه كانت محافظة المؤمن على جسده مسؤوليّة كبيرة أشار إليها قول رسول اللّه (ص): إنّ لجسدك عليك حقّا
الأصل الثالث- والأصل الثالث الذي تعود إليه العبادات الإسلاميّة المفروضة على المؤمن هو لتحقيق الأخوّة والتّعارف ما بين أفراد شريحة المؤمنين ولو بعدت المسافات بينهم.والقصد من هذه الأخوّة أن تحثّهم تلك العبادات على نُكران ذواتهم، بعد أن جمعهم الإسلام حول هدف سامي واحد، وهو أن يتوجّهوا إلى التعرّف على خالقهم إذا التزموا بالسير على الصراط المستقيم الذي دلّهم ربّهم عليه.والذي حثّهم على سلوكه من خلال دعاء سورة الفاتحة التي لا تصحّ بدونها صلاة.
الأصل الرابع- والأصل الرابع الذي تعود إليه هذه العبادات الإسلاميّة المفروضة على هذا المؤمن هو أن تساعد المجتمع الإسلاميّ على الاستقرار على الصعيد الاقتصاديّ خاصّة.كما تساعد في الوقت نفسه على توحيد معالم الاقتصاد العالمي وصبغه بصبغة واحدة.ومساعدة العالم كلّه من جانب الإسلام لإيجاد استقرار اقتصاديّ بين ربوعه.
فهذه هي يا عزيزي القارئ الأصول الأربعة التي استندت إليها، وقامت على أساس منها، جميع فروض العبادات التي فرضها الإسلام على أتباعه في كتاب اللّه العزيز. وتلك هي الأهداف التي سعت هذه العبادات لتحقيقها.علما بأنّ العبادات الإسلاميّة لا تهدف فقط لتوجيه العبد نحو خالقه وليربط به نفسه.بل وإنّ هذه العبادات المفروضة تهدف إلى تمتين وشائج الأخوّة والمحبّة بين عباد اللّه تعالى وليعود المؤمنون إخوانا في الدين والإنسانيّة.وبالإضافة إلى هذا وذاك فقد جعل اللّه عز وجلّ من العبادات ما هو عبادة فرديّة ومنها ما هو عبادة جماعيّة،وذلك لتُشعر المؤمنين بالمساواة فيما بينهم وهم في حالة الوقوف بين يدي خالقهم، ولتستأصل روح الطبقيّة من بينهم ولإشعارهم بأنّ تقوى اللّه تعالى هي المحكّ في تفضيل اللّه أحدهم على سواه من الناس.
وبعد أن أطلعتك يا عزيزي القارئ على الأصول التي قامت عليها العبادات الإسلاميّة المفروضة يواجهك سؤال هام وهو أن أنّك تريد أن تحيط علما بحقيقة العبادات وبآليّة عملها وتأثيرها في حيات هذا الإنسان وسأحاول بيان ذلك بأسلوب علمي.
فاعلم يا عزيزي القارئ أنّ من المعلوم أنّ الله الخالق قد خلق هذا الإنسان من جسدٍ ماديٍ ومن روحٍ ماهيّتها غير معروفة.وهي حقيقة أتيت على بيانها في مختلف مؤلّفاتي وأثبت مصداقيّتها من معطيات العلم الحديث ومّما وافقه من معطيات آي الذكر الحكيم.وإنّ من عظمة إبداع هذا الخالق الذي خلق الإنسان على هذه الحال أنّه تعالى قد جعل كيانَي الإنسان المذكورين يؤثر الواحد منهما في الآخر ويخضع هذا التأثير المتبادل إلى معطيات قوانين طبيعيّة مسنونة.فكلّ ما يقوم به جسد الإنسان يؤثر في تكوينه الباطنيّ الرّوحي. وعلى العكس من ذلك فإنّ كلّ ما يختلج في باطن الإنسان يؤثر في هذا الجسد أيضاً. وتتجلّى حقيقة ذلك في أنّ شخصا إذا ضربك على عضو من أعضاء جسدك فإنّ أثر هذه الضربة ينتقل إلى تكويني النفسي الباطني فتتوجّع من جرّاء ذلك وتكتئب. وبالعكس من ذلك فإن أنت سمعت خبراً أزعجك تلاحظ بأنّ أثر هذا الخبر المزعج يُلقي بآثاره على جسدك فتتهدّل أعضاء جسدك ويفتر نشاطه يقينا.فهذا مثال بسيط وضّح لك حقيقة هذا التأثير المتبادل الكائن ما بين جسدك وما بين نفسك والذي يحدث وفق قوانين طبيعيّة محدّدة.وإنّ هذه الحقائق هي الباعث في الأصل على اختلاف ميول وطبائع الأفراد ، ذكوراً وإناثاً. وهذه الميول والطبائع تلعب دوراً في التأثير على قوى النفس الفطريّة المتضادة والمزدوجة والتي شرحت جذورها في مؤلّف : (نظرية جذور الأخلاق ) فإن ورثت هذه المورّثات ميلاً إلى السّرقة والجريمة من أحد الأبوين. فإنّ هذا الميل المورّث يلعب دوراً في حياة هذا الوارث للميل المذكور ، ويعود هذا الإنسان بحاجةٍ إلى تقويم ميله الفطري ، وقس على ذلك بقيّة الميول السلبيّة والإيجابيّة. والمهم من هذا كلّه أن نُدرك بأنّ القوى الفطريّة واحدةٌ في الأفراد لكنّ الخلل يستدعي الإصلاح والتّقويم بواسطة هذه العبادات.
وقد جعل الله الخالق غذاء هذا الإنسان المادي ، والرّياضات الرّوحيّة المُسمّاة عبادات ، والأخلاق المستمدّة من محاولات الاتّصاف بصفات الأسماء الحسنى قد جعلها الخالق جميعها أدويةً لتقويم ما اعوجّ من ميول الإنسان وأهوائه وطبائعه ، ولتغليب قوى الخير الموجبة التي انطوت عليها نفسه لتغليبها على القوى السّلبية فيها وهو أمر لا مجال للتوسّع فيه أكثر من ذلك في هذا المقام.
والذي يهمّنا من ذلك كلّه أن نُدرك بأنّ الله الخالق حين دفعنا لنجهد لتحصيل قوتنا اليوميّ أحلّ لنا أشياء من هذا الغذاء وإنّ الغرض من هذا التّحليل والتّحريم كان ليدفعنا لنتغذّى بالطيّبات التي تساعد على تقويم ما اعوجّ من مُورّثاتنا ، وما تركته من آثار في ميولنا وطباعنا.وهذه حقيقة علميّة ثابتة. فالغذاء يؤثّر فيما يحمله الإنسان من هذه القوى النفسّية الموروثة.علما بأنّ هذه الأوامر والنّواهي المتعلّقة بمأكل الإنسان وبمشربه هي وقائيّةٌ في حقيقتها الذاتيّة، أكثر منها دوائيّةٌ لذلك كانت أخطاء المرء التي يرتكبها على صعيد تعامله مع الأشياء الماديّة الطبيعيّة لا تبلغ حدّ الجريمة ولا الجنح ، بل تكون من قبيل المخالفات التي بالإمكان معالجتها وإزالة آثارها. على شاكلة مخالفات المرور ومخالفات التموين فقد فوّض المشرّع مهمة إيقاعها بالمخالفين إلى شرطة المرور وموظّفي التموين على سبيل المثال. وكذلك نلاحظ بأنّ الله تعالى قد فوّض للمادّة ومفرداتها كالنّار مثلاً إيقاع غرامة المخالفة بالمخالفين الذين لا يستعملون هذه النّار وأمثالها استعمالاً عاقلاً وبصورة علميّة. فتحرق أيديهم أو تحرق غيرها من الأشياء. فإذا أحرقت هذه النار الطبيعيّة إصبع أحدنا ، فلا تحرقه إلا بسبب خطأ في استعمال الإنسان لهذه النار وبشكل غير علميّ، وينتهي الأمر عند هذا الحدّ ويعالج الإنسان إصبعه المحروق بالمراهم كما يُعالج أخطاءه غير المتعمّدة فيما يبتلى به مع الأشياء الماديّة بالتوبة والاستغفار ، التي هي مراهم لتلك المخالفات.
فالعبادات هي أشياء روحيّة ، قد فرضها الخالق عز وجلّ كدواءٍ لتقويم ما اعوجّ من طباعنا وميولنا وأهوائنا وتعمل فيها على شاكلة ما يفعله غذاء الإنسان وشرابه في جسده وعلى حسب ما بيّناه. ولكن يبقى هناك فرقٌ أهمّ ما بين الاثنين: فعلى حين يكون الغذاء والشراب وقائيّاً أكثر منه دوائيّاً فإنّ الرّياضات الرّوحيّة تكون دوائيّة أكثر منها وقائيّة. لذلك أدخلت تعاليم الإسلام موضوع ترك العبادات في باب الكفر والجريمة وليس في باب المخالفات. فالمؤمن الذي يترك الصّلاة عامداً متعمّداً يكفر بفتوى محمّد رسول اللّه (ص) نفسه.على حين أنّ الإنسان الذي يحرق إصبعه بالنار خطأ ، يعدّ في شريعة للإسلام مخالفاً للأسلوب العلميّ في تناوله للنار وغيرها من لأشياء ولا تصل مخالفته هذه حدّ الكفر والجريمة. فهذا هو الاختلاف الواقع ما بين آثار الأشياء الماديّة وما بين آثار العبادات الروحيّة فالمادّية منها وقائيّة على حين أن الروحيّة منها علاجيّة.
أمّا الاختلاف الثاني ما بين الأشياء المادّية والروحيّة، والأقلّ أهميّةً ما بينهما ، فيقع على صعيد ما يصدر عن هذا المؤمن من كسلٍ وإهمالٍ على الصعيدين الماديّ والرّوحي وفي موضوع ابتلاء الله تعالى هذا المؤمن بما يمتّ إليهما من أحكام وأوامر اشتملت عليها تعاليم هذا الدين الحنيف. فالمؤمن الذي يخطئ في استعماله للأشياء المادية ، يستشعر خطأه في نفسه ، ويتحمّل نتائج خطئه برضى وتسليم بقضاء الله عز وجلّ ويعمد في حال خطئه إلى التّوبة والاستغفار بين يدي خالقه عز وجلّ ، فلا يتذمّر ولا يحتجّ عليه وتعمل توبته واستغفاره هذا عمل المراهم التي يداوي الإنسان به ما يصاب به من جروح جسديّة.أمّا المؤمن الذي يتكاسل ويقصّر في مجال أداء العبادات المفروضة عليه ، فلا يشبه حاله حال هذا الذي ذكرناه بل إنّه يستشعر في نفسه في تلك الأحوال حدوث فجوةٍ بينه وبين خالقه عز وجل.ّ فلا يعود يتحسّس محبّة ربّه ورضاه عنه وهذا فرقٌ واضح الأبعاد بين الحالتين وإن جُعِلَتْ التّوبة والاستغفار أيضاً وسيلةَ ردم هذه الفجوة التي أحدثها كسله وتقصيره في مجال أداء العبادات. أي أنّ ظاهرة هذا الاختلاف الثاني تتجلّى فيما يحصده المتعامل مع المادة من بلوى وأضرار هي بمثابة عقوباتٍ مباشرةٍ أوقعتها به أخطاؤه بينما لا يكون الأمر كذلك في أحوال تقصيره وكسله في أداء فروض العبادات وهكذا يبدو الاختلاف بين الموضوعين من حيث نتائجهما المرجوّة، وليس في وسائلهما العلاجيّة.
وهناك فرق واختلاف ثالث بين موضوعي هذا التّعامل ، ويقلّ أهميّة عمّا سبق بيانه وينحصر هذا الاختلاف فيما يتطلّبه كلٌّ من الموضوعين من سعيٍ وجهد فالسّعي والجهد في الموضوع الأول ، يتطلّب جهداً عضليّاً بينما تُلاحظ أنّ الأمر يختلف في السّعي والجهد المطلوب من المؤمن في موضوع العبادات فالعبادات هي من قبيل الرّياضات الروحيّة ، وليس من قبيل بذلٍ جهدٍ عضليّ.
وهكذا أكون قد وضّحت للسّائل بادئ ذي بدءٍ نواحي الاختلاف ما بين موضوع التّعامل مع الأشياء الماديّة ، وما بين موضوع التّعامل مع العبادات فالابتلاء حادث في هذا وذاك لكنّ مع أخذ الاعتبار بوجود هذه الاختلافات الثلاثة المتعلّقة بماهية كلٍ منهما وبالنتائج المترتبة عليهما.وأخيرا كان من واجبنا أن نتساءل عن حقيقة هذه العبادات وبنفس هذا الأسلوب الذي سلكناه فيما بيّناه آنفاً.
2-حقيقة العبادات ؟
فأقول : اعلم يا عزيزي القارئ بأنّ العبادات هي في حقيقتها مجرّد رياضات روحيّة وأدعية وأذكار وترتكز في أصل وضعها على أساس فلسفة قوانين تبادل التأثير الذي يحدث ما بين الجسد والروح تلك القوانين التي سبق لنا أن أشرنا إليها وذكرناها. هذا وإنّ هذه الرّياضات الرّوحية المسمّاة عبادات هي الوسيلة الثانية التي تساعد على تقويم وتطوير قوى النفس البشريّة لتصلح هذه النفس ولتصبح مستعدّة لتلقّي تجليّات الأسماء الحسنى النّازلة على هذه الإنسان المؤمن.وعليه فإنّ لكلّ عبادة من هذه العبادات المفروضة على المؤمن خواصّ تؤثّر فيه علما بأنّ تأثيرها لا يكون مادّياً بل يكون تأثيرا رّوحيّا.ولمّا كنت قد خصّصت هذا الكتاب للكلام عن فريضة الصلاة الإسلاميّة وليس عن غيرها من بقيّة العبادات المفروضة.فإنّ هذه الحقيقة تحول بيني وبين التوسّع في شرح غيرها من العبادات وحقائقها ولذلك أنتقل الآن للكلام عن حقيقة فريضة الصلاة الإسلاميّة بالذات.
الفصل الرابع
فريضة الصـــلاة الإسلاميّة
أولا- الصلاة إطار ومضمون
وأتناول بالبيان بداية الكلام عن حقيقة هذه الصلاة الإسلاميّة المفروضة.هذه الفريضة التي تتطلّب من المؤمن الذي يقوم لأداء الصلاة أن يتوضّأ،فماذا يفعل عند الوضوء ؟ يسمّي ويغسل كفّيه ويتمضمض ثلاثا ويغسل أنفه ثلاثا ثمّ يغسل وجهه ثلاثا فيغسل يده اليمنى حتّى المرفق ثلاثا ويغسل يده اليسرى حتّى المرفق أيضا ثلاثا ثمّ يمسح سمت رأسه بأصابعه ثم يجعل إبهام كلّ كفّ في أذن فيمسح ظاهر الأذن بأصابعه.ثم يغسل قدمه اليمنى ثلاثا فاليسرى ثلاثا.فهذا هو ما سمّيناه (الوضوء) الذي وصلنا بالتواتر عن محمّد رسول اللّه (ص) الذي كان يقرن غسل كلّ عضو من الأعضاء التي ذكرناها بدعاء يناسبه إذ أنّ النظافة الظاهريّة لا تكفي بل ولا بدّ من تأمين نظافة الجوارح حين القيام إلى الصلاة فهذه الأدعية المرافقة للوضوء تمثّل ضرورة تنظيم المؤمن لجوارحه أيضا.وكان رسول اللّه (ص) إذا فرغ من الوضوء يدعو: اللّهم اجعلني من التوّابين واجعلني من المتطهّرين.
والوضوء في ظاهره يبدو وكأنّه مفروض لتحصيل نظافة أطراف هذا الجسد المادّي.لكنّ الوضوء في حقيقته قد قام على أساس فلسفيّ. فالوضوء إلى جانب كونه أداة نظافة خارجيّة وباطنيّة فإنّ الوضوء هو في حقيقة أمره وسيلة تبريد لأعصاب المصلّي الذي نودي لأداء الصلاة ونوى أداء فريضة الصلاة.ولذلك ورد عن رسول اللّه (ص) قوله للذي يغضب قم وتوضّأ.فبالوضوء تعود أعصاب الإنسان المتوتّرة تعود إلى حالتها الطبيعيّة وهذا هو سرّ الأمر بضرورة غسل كلّ عضو من أعضاء أطراف جسدنا ثلاث مرّات كي يثمر الوضوء هذه النتيجة الإيجابيّة التي ذكرناها.ومن باب أنّ أعصاب وشرايين الجسد تتجمّع نهاياتها في هذه الأطراف الجسديّة.
وبعد أن أعطيت القارئ فكرة موجزة عن الوضوء المطلوب أزيده علما بشأن عدد ركعات كلّ وقت من أوقات الصلوات الخمس علما بأنّ هذا الدين الإسلاميّ الحنيف قد فرض على هذا المؤمن أداء صلاة خمس أوقات:
فصلاة الصبح يؤدّيها المصلّي في الفترة الكائنة ما بين انبلاج
الفجر وإلى حين طلوع الشمس وهي ركعتا سنّة وركعتا فرض وبهذا الترتيب. ولا تجوز بعدها صلاة نوافل إلا ما كان قبلها من نوافل.
وصلاة الظهر يؤدّيها المصلّي في الفترة الكائنة ما بين أذان الظهر وما بين أذان العصر.وهي أربع ركعات سُنّة وأربع ركعات فرض وركعتا سنّة بعديّة.
وصلاة العصر يؤدّيها المصلّي ما بين أذان العصر وما بين أذان المغرب. وهي ركعتا سُنّة قبليّة وأربع ركعات فرض.ومكروه أن يصلّى بعد الفرض صلاة نافلة.
وصلاة المغرب ويمتدّ وقته حتّى أذان العشاء.وتصلّى ثلاثة ركعات فرض وركعتا سُنّة بعديّة.
وصلاة العشاء ويمتد وقتها إلى منتصف اللّيل.وهي أربع ركعات فرض وركعتا سُنّة بعديّة وإن شاء المصلّي يصلّي بالإضافة إليها ركعتا سنة بعديّة غير مؤكّدة أيضا.
وبعد هذا الذي بيّنته أعود إلى موضوع فريضة الصلاة فأقول:
اعلم يا عزيزي القارئ بأنّ الصّلاة الإسلاميّة لم تُفرض هكذا ارتجالا بل أقامها اللّه عز وجلّ على أُطُرٍ ومضامين كبقيّة الأشياء المخلوقة.فأطر الصلاة الإسلاميّة تتمثّل فيما يؤديه هذا المؤمن من حركات في صلاته من وقوف وركوع وسجود. وأمّا المضامين فتتمثّل فيما فُرض على هذا المؤمن أن يتلوه في صلاته من قراءاتٍ وأدعيةٍ وأذكار. من هذا تعود تدرك يا عزيزي القارئ بأنّ حركات الصلاة هي بمثابة قشر الثمرة وغلافها الخارجيّ الذي يحمي تلك الثمرة من التلف والضياع.هذا وإنّ مضامين الصلاة هي ما يشتمل عليه لبّ الثمرة من غذاء.أي ما تشتمل عليه الصلاة من أدعية وأذكار وقراءات.
وبناء عليه فإنّ هذه الأطر التي تمثّلها حركات الصلاة.وإنّ تلك المضامين التي تمثّلها تلك القراءات والأدعية والأذكار فإنّها جميعها تشكّل كُلاً لا يجوز تجزئته بشكل من الأشكال. مع أنّ لبّ الثمرة هو في حقيقة أمره يُعدُّ هو المقصود من أداء عبادة الصلاة. فلبُّ الصلاة يتمثّل فيما يتلوه هذا المصلّي في صلاته من قراءات وأدعية وأذكار ويُعتبر هذا اللّبّ المشار إليه هو الغذاء الروحيّ الحقيقي المرجو من الصلاة المفروضة على المؤمنين من المسلمين.
وهكذا فإنّها وإن تكن للحركات المسنونة في الصّلاة من قيامٍ وركوع وسجودٍ دلالاتها وفوائدها. لكنّ القراءات والأذكار التي يتلوها المصلّي في صلاته الإسلامية هي التي تولّد في نفس هذا المصلّي الخشوع المطلوب من الصلاة. وبهذا المفهوم فقد عُدتَ تُدرك يا عزيزي القارئ بأنّ حركات المصلّي إن هي إلا مجرّد إطار رموز.وإنّ هذه الحركات ترمز إلى حالات معيّنة تطرأ على المصلي أثناء صلاته وتعبّر في الوقت نفسه عن حالة الخشوع التي انتقل إليها وهو يمرّ بحالات خشوعه.
ثانيا- أهداف ومقاصد الصلاة الأربعة
واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه الحكيم العليم ما فرض هذه الصلاة الإسلاميّة على المؤمن لحاجة اللّه إلى صلاة عبده المؤمن.بل فرض اللّه تعالى هذه الصلاة على المؤمن لصالح المؤمن نفسه وليحقّق جلّ شأنه من وراء هذه الصلاة أهدافا ومقاصد.
وهنا تسألني: وكيف توصّلت إلى معرفة هذه المقاصد والأهداف المشار إليها ؟ أقول: إنّ ما أفادني بمعلومة هذه المقاصد والأهداف دراستي أطر ومضامين الصلاة نفسها بأسلوبٍ علميٍّ وهو أسلوب الملاحظة والاستنتاج.أ فلم تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ حركات الصلاة هادفة ومعبّرة ؟ وأنّها تشتمل على أدعية نابعة من علم وإيمان ويقين ؟ وأنّ من هذه الأدعية ما لا تصحّ الصلاة بدونها ؟ وأنّ أداء هذه الصلاة ينبغي أن يتمّ في أوقات محدّدة ؟ وأنّ فروض الصلاة ينبغي أن تؤدّى جماعة وفي المساجد خاصّة ؟ وأنّ هناك شروطاً أساسيّة ينبغي توفّرها في هذه الصلاة لتؤتي أُكُلها ، وسأطلعك على هذه الشروط على محلّها ؟ وأنّ الذي يوفّر حين أدائه صلاته المفروضة عليه جميع ما ذكرناه فالقرآن الكريم بشّره بالفوز والنجاح ؟ فاستناداً إلى جميع ما ذكرته لك يا عزيزي من ملاحظات هامّة عاد من السهل علينا أن نخرج من جميع ما لاحظناه من ملاحظات أن نخرج باستنتاجات أطلقت عليها مصطلح (مقاصد وأهداف).
وعليه فأنا قد استنتجت من جميع تلك الملاحظات الهامّة بأنّ اللّه عز وجلّ قد قصد من صياغة الصلاة الإسلاميّة على ما وصلنا منها بالتواتر قد قصد تحقيق أربعة أهدافٍ رئيسيّة وهي:
1ً- فقد قصد اللّه جلّ شأنه أن يحثّ هذا العبد المؤمن على
تأدية واجب الشكر نحو خالقه اعترافا بإحسان ربّه عليه على مختلف المستويات.لذلك تلاحظ بأنّ اللّه تعالى قال في محكم التنزيل (لئن شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد) .
2ً-- وكانت الغاية من أداء هذا المؤمن لفريضة الصلاة هذه أن يحثّ عبده على الاستعانة بربّه عز وجلّ في موضوع معالجته لكلّ مسألة واجهته واضطرّ لمعالجتها.ولذلك تلاحظ يا عزيزي كيف أنّ اللّه تعالى أمر هذا المؤمن أن يفتتح كلّ شيء بالبسملة ويقول (بسم اللّه الرحمن الرحيم) فالباء في هذه البسملة تفيد معنى الاستعانة.
3ً-- وكانت الغاية من تأدية المؤمن صلاته على النحو المطلوب منه أن تصبح صلاته معراجاً يعرج به نحو ربّه فيتعرّف على ربّه جلّ شأنه وشيئاً فشيئاً وليصبح عارفاً باللّه تعالى وليجذب محبّة ربّه إليه فيعود هذا العبد المصلّي محبوبا عند ربّه فيتقرّب منه ويحظى بذلك بمحبّته وبقربه وبرضوانه.وهذا الفوز يمثّل غاية الأمنيات في هذه الحياة.
4ً-- وكانت الغاية من أداء هذا المؤمن صلاته المفروضة عليه قيام هذا المؤمن بإصلاح علاقاته وروابطه التي تربطه ببقيّة خلق اللّه تعالى فلا يعود يؤذي أحدا من عباد اللّه عز وجلّ.ومعتقداً بأنّ جميع الناس بمختلف ما لهم من ألوان وألسنة وأديان إخوانه في الإنسانيّة.فلا يعادي أحداً منهم إلاّ من عاداه أما هو فلا ينبغي له أن يبدأ بالعدوان.وإن جنح عدوّه إلى السلم فعليه أن يجنح له ويتوكّل على ربّه القادر المطلق الفعّال لما يريد في هذا العالم الذي نحن نشكّل جزء منه يسير.
واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ لم يخطّط لتحقيق هذه المقاصد والأهداف التي استنتجناها من فراغ،بل خطّط لها منذ أن خلق هذا الإنسان وجعل لكلّ مقصد من هذه المقاصد أصلاً فطريّا أودعه في هذه النطفة الأمشاج التي تولّد عنها هذا الإنسان. لذلك لابدّ أن لاحظت كيف أنّ اللّه تعالى قال في محكم التنزيل: (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان) ليشكّل هذا الأصل الفطريّ على تقبّل هذا المصلّي القيام بحمد ربّه وشكره آناء الليل وأطراف النهار.علما بأني بيّنت لك هذا الأصل الفطريّ بيّنته لك على سبيل المثال. وبإمكانك أن تتدبّر كلام ربّك وتتقصّى الأصول الفطريّة الأخرى التي أعدت هذا المؤمن ليستجيب لأوامر ربّه عز وجلّ ويعمل على كلّ ما يطلبه منه بقبول ورضا مع أنّ هذه الأوامر وتلك الفروض تحدّ من حرّية هذا الإنسان الذي خُلق حُرّا من كلّ قيد.ولذلك يستغرب الملحدون تقبّل المؤمنين لهذه القيود والفروض التي تتنافى مع ما يفهمونه من مفاهيم خاطئة للحرّيات.وإنّهم حين يسخرون من المؤمنين من هذا المنطلق فإنّ ردود أفعال المؤمنين تبدوا في أعين هؤلاء الملحدين وكأنّها صادرة عن أموات وليست صادرة عن أحياء.وما علموا أنّ هذه الصلاة الإسلاميّة قد شحنت المؤمنين في الحقيقة بوجود اللّه جلّ شأنه وبروح جديدة يجهلونها وإنّ جهلهم بتلك الحقيقة يدفعهم ليقفوا الموقف الذي ذكرناه.فلو أنّهم فكّروا بعقلانيّة لأدركوا أن لا نار بدون دخان.
الصفة العلميّة للصلاة الإسلاميّة
واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ هذه الصلاة الإسلاميّة تمتاز بصفتها العلميّة.وهو أنّ هذه الصلاة الإسلاميّة امتازت بكونها قائمة على أصول وحقائق علميّة.ولذلك فإنهّ يتأتّى عن هذه الصلاة الإسلاميّة تحقيق أهداف سامية هي في صالح الفرد المؤمن من جهة وفي صالح المجتمع من جهة أخرى وفي آن واحد أيضاً.
فأطر الصلاة ومضمونها قد صيغا على صورة ينتج عنها تحقيق هذه الأهداف الفرديّة والجماعيّة. خصوصا وأنّ هذه الأطر والمضامين قد قامت على أصول فطريّة فطر اللّه تعالى عليها هذا الإنسان.كما قامت هذه الصلاة على أساس من قانون التطوّر لذلك تلاحظ يا عزيزي كيف أنّ هذا المصلّي يتدرّج في عمليّة شكر ربّه عز وجلّ بالوقوف تأدّبا ومن ثمّ بالركوع تعظيما ومن ثمّ بالسجود تسبيحا وتسليما.كذلك قامت هذه الصلاة على قانون تبادل التأثير ما بين ظاهر الإنسان وباطنه وبالعكس.وهو قانون طبيعيّ ظهرت معالمه استنادا إلى كون هذا الإنسان مركّب من جسد مادّي وروح هي ما نسمّيه النفس البشريّة.
ولو لم تكن هذه الصلاة الإسلاميّة قائمة على أسسٍ علميّة لاستحال أن تثمر شيئا ما. على حين أننا نلاحظ بأنّ لهذه الصلاة الإسلاميّة آثاراً مدهشة.فهي أداة شحن روحيّة لهذا المؤمن الذي يصلّي صلاة حقيقيّة والمدرك لفلسفتها وأهدافها وذرائعها.لكنّ ثمار الصلاة لا يقطفها إلاّ المؤمن الذي يصلّيها برغبة وإرادة ومثابرة ويقين.وإنّ هذه الحقيقة تدفعنا للكلام عن شروط صحّة الصلاة الإسلاميّة.
الفصل الخامس
شروط صحّة الصلاة الإسلاميّة
من المعلوم يا عزيزي القارئ أنّ لعمل كلّ شيء شروطه الموضوعيّة.فالسيّارة لا تعمل إلاّ إذا كانت بطّاريتها مشحونة وخزّانها مملوء بالبنزين وقد قام صاحبها بصيانتها.وعلى نفس الصورة فالصلاة الإسلاميّة لا تثمر نتائجها الروحيّة المرجوّة منها إذا لم تتوفّر في صلاة المصلّي ما اشترطه القرآن الكريم عليه من شروط ينبغي عليه أن يوفّر وجودها في صلاته.وقد أشار محمّد رسول اللّه (ص) إلى هذه الحقيقة عندما قال (كم من مصلي ليس له من صلاته إلاّ التعب).وعليه كان من واجبنا توضيح ما اشترطه القرآن الكريم على هذا المؤمن من شروط ينبغ ي عليه أن يوفّرها في صلاته لتصبح صلاته مثمرة ومنتجة النتائج المرجوّة منها.فأقول باختصار إنّ الذي يتدبّر آيات هذا الكتاب العزيز تبدو لعينيه ملامح شروط هامّة ثلاثة اشترطها ربّه عز وجلّ على هذا المصلي ليوفّرها أثناء أدائه فريضة صلاته.وهذه الشروط الثلاثة هي أولا ضرورة توفير جوّ خاشع في الصلاة.ثانيا وضرورة أن يعي هذا المصلّي ما يقرأه في صلاته من قراءات وأدعية وأذكار.ثالثا وأن يؤدي صلواته كتابا موقوتا.وإلى القارئ شرح كلّ شرط من هذه الشروط على حدة.
ً
أوّلا- شرط توفّر الخشوع في الصلاة
فهذا الشرط من باب أنّ تحصيل الخشوع في صلاة المؤمن هو المطلوب يا عزيزي القارئ .وإنّها لحقيقة قد أشار إليها قول ربّنا عز وجلّ في الآيات الأولى من سورة المؤمن ، حيث قال : { قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون.}هذا القول الذي ربط اللّه تعالى فيه ما بين الصلاة وما بين الخشوع برابطة لا تنفصم.
أفلا تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد ربط في هذه الآية الكريمة فلاح المؤمن بخشوعه في صلاته ربطاً محكما،وكيف أنّه جلّ شأنه لم يربط فلاح المؤمن بحرفيّة ما يؤدّيه من حركات في صلاته المسنونة ؟ هذا وإن كانت هذه الحركات المطلوب من المصلي تأديتها تشكّل في حقيقة أمرها أحد العوامل المساعدة على تحقيق الخشوع.
وعليه فإنّ هذه الرّياضة الرّوحية التي سُميّت في كتاب اللّه العزيز (صلاة) فقد سميّت كذلك ليُشار إليها من خلال تسميتها تلك إلى أنّ الصلاة هي في حقيقة أمرها عبارة عن الدّعاء المطلوب الدعاء به بين يدي خالقنا عز وجلّ.وقد سمّى اللّه عز وجلّ هذه العبادة (صلاة) ولم يُسمّها (دعاء) مع أنّها في حقيقة أمرها تشتمل على أدعية وأذكار. فلماذا لم يسمّها (دعاءً ؟ الجواب هو أنّ اللّه تعالى سمى هذه العبادة (صلاة) ولم يسمّها (دعاء) للفارق اللّغويّ بين دلالات هاتين الكلمتين. فالصلاة لا تكون أدعيتها وأذكارها إلاّ في الخير بخلاف كلمة (الدّعاء) فإنّ الدعاء قد يكون في الخير وقد يكون في الشّر. حيث يقال دعا له ودعا عليه ( محيط المحيط ).
الصلاة وسيلة إصلاح وغذاء روحيّ
أقول : واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ حين فرض هذه الصلاة الإسلاميّة على المؤمن ومؤكّدا عليه أن يؤدّيها بشروطها وأحكامها فقد فعل هذا لتصبح هذه الصلاة الإسلاميّة وسيلة إصلاح لباطن هذا المؤمن. أي وسيلة إصلاح كغذاء لكيانه الروحيّ الذي سبق أن كلّمتك عنه.واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ آي الذكر الحكيم لم تنصّ على أنّ اللّه تعالى جعلَ صلاة المؤمن غاية في حدّ ذاتها بل نصّت آيات هذا القرآن الكريم على أنّ الصلاة الإسلاميّة هي وسيلة إصلاحٍ روحيّةٍ وليست بغاية في حدّ ذاتها.لكون الله ربّنا جلّ شأنه هو بغنى عن صلاة عبده وما أمر عبده المؤمن بإقامة هذه الصلاة إلاّ لتصبح صلاته وسيلة بين يديه يُصلح بفريضتها ما وُجد في كيانه النفسي من نقائص وفساد ميول وشهوات تحول بينه وبين لقاء ربّه عز وجلّ.
وخذ الغذاء يا عزيزي القارئ على سبيل المثال فالعلم أثبت بأنّ للغذاء الماديّ مفعوله وتأثيره في إصلاح أخلاق المرء وهذا التأثير يتجاوز في حقيقته حدود هذا الجسد فيعمل على تقويم القوى الباطنية لهذا المؤمن المصلّي فيؤثّر في تقويم أخلاقه ولكن على المدى الطويل.
وقد يصدمك قولي هذا إذا كنت ممّن لم يتابع تأثير الغذاء في الأخلاق والطباع بصورة علميّة.لذلك أحاول أن أعطيك فكرة عن هذا الموضوع قبل الاستمرار فيما نتكلّم عنه.فدقّق معي النظر في الطيور تلاحظ بأنّ هناك من الطيور ما هو طيرٌ شرسٌ جارح. وأنّ هناك من الطيور ما هو طير أنيس.فإن بحثت عن سبب هذا الفارق بين أنواع الطيور تصل إلى أنّ السبب يكمن فيما تتغذّى به تلك الطيور. فالطيور الجارحة تتغذّى باللّحوم على حين أنّ الطيور غير الجارحة تتغذّى بالأعشاب والخضار.من هنا تستنتج بأنّ الكائن الحيّ الذي يكثر من أكل اللّحوم يؤثّر مأكله على أخلاقه وطباعه فتعود تصرّفاته تتّصف بالشراسة.وهذا هو سرّ ما أوصانا به اللّه عز وجلّ وقال: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) أي أنّه تعالى أوصى بالاعتدال في تناول اللحوم والخضار.
فإن لم يُقنعك هذا المثال الذي قدّمته لك يا عزيزي القارئ
فأضطرّ لتقديم مثال آخر.لذلك أقول: دقّق معي النظر في الحيوانات المعروفة من قبلك.فأنت تلاحظ انقسامها هي أيضاً إلى حيوانات شرسة وإلى حيوانات أنيسة.فإن دقّقت فيما تتناوله الحيوانات من غذاء تصل إلى أنّ الحيوانات الشرسة تتغذّى باللّحوم والجيف على حين أنّ الحيوانات الأنيسة تتغذّى بالنباتات.الأمر الذي يدلّك على تأثير ما يأكله كلّ حيوان من الحيوانات بصورة غريزيّة من طعام.فغذاء الحيوان يؤثّر على أخلاقه وتصرّفاته وطباعه بصورة آليّة.
وأضرب لك مثالا ثالثاً بإمكانك يا عزيزي القارئ أن تستفيد من معطياته ما أردت إقناعك به.فإن أنت سافرت إلى البادية وحللت ضيفا على أهلها فإنّك تلاحظ بأنّ البدو يتغذّون بلحوم الجمال على وجه العموم. فإن أنت طلبت من البدو أن يساعدوك على مشاهدة لحظات مجامعة الجمل لأنثاه تراهم يعتذرون ليس لأنّهم لا يريدون تحقيق طلبك ولكن بسبب أنّ الجمل لا يحتمل أن يجامع أنثاه على العلن بل يأخذ أنثاه بعيدا عن الأنظار ويجامعها.وعلى عكس من ذلك فالخنزيز يجامع أنثاه حيث كان ولا يهمّه أن يأت خنزيز آخر ويجامع نفس تلك الأنثى أمام عينيه. والآن ابحث عن تأثير هاتين الظاهرتين في الطباع.تلاحظ بأنّ البدويّ غيّور على عُرضه كثيراً بسبب تغذّيه بلحم الجمال الغيّورين على عُرضهم. وأما الخنزير الذي لا يهتمّ بقضيّة الحفاظ على عُرضه فقد حرّم اللّه عز وجلّ عليك مأكل لحوم الخنازير لهذا السبب الذي بيّنته لك آنفا وهو إن أنت اعتدت على الإكثار من أكل لحم الخنزير يؤثّر ذلك على أخلاقك وطباعك فتعود لا يهمّك في
حياتك اليوميّة شئٌ يتعلّق بعُرضك وشرف عائلتك . وبدليل أنّ الأقوام الغربيّة المعاصرة التي تكثر من تناول لحوم الخنازير تفشّت بين أبنائها روح الإباحيّة الجنسيّة وما عادت تبالي بالمحافظة على العرض.
والآن وبعد أن ضربت لك هذه الأمثال الثلاثة الآنفة الذكر والتي ثبت من خلالها حقيقة أنّ الغذاء يتجاوز تأثيره حدود الجسد ويؤثّر على أخلاق المرء وطباعه ولكن ليس بشكل فوريٍّ ولكن يبدو تأثيره بالاعتياد والمدى البعيد .أعود للكلام عن الصلاة الخاشعة المطلوبة من المؤمن أن يلتزم بشروطها وأحكامها.وعلى اعتبار أنّ من أهمّ شروط الصلاة الإسلاميّة أن توفّر فيها شرط الخشوع الذي سأشرحه لك.
فأنت تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ الله تعالى حين ركّز على ضرورة تأمين حالة الخشوع فقد كان المرجوّ من وراء هذا التركيز على الخشوع أن يعود للصلاة الإسلاميّة مفعولها الروحيّ العاجل في قوى الإنسان الباطنيّة وفي تطوّره الروحيّ بتأثير عاجلٍ وليس بتأثير آجل كما هو الحال في تأثير الغذاء في الأخلاق وفي الطباع.فتأثير الخشوع في باطن المرء فوريّ بعكس ما يتركه الغذاء الماديّ من أثر آجلٍ في أخلاق هذا الإنسان الآكل.
وبألفاظ أخرى أقول: اعلم يا عزيزي القارئ بأنّ الصلاة الإسلاميّة هي في حقيقة أمرها عبارة عن غذاء روحيّ وتوازي في ذلك الغذاء المادّي. وبما أنّ الإنسان مؤلّف من جسد وروح فإنّ هذا الإنسان بحاجة إلى نوعين من الأغذية: بحاجة إلى غذاء مادّي يُصلح عن طريقه كلّ نقص يصيب أعضاء جسده.وهو بحاجة في الوقت نفسه إلى غذاء روحيٍّ يُصلح عن طريقه كلّ نقص واقع في قواه الباطنيّة سواء أكان ذاك النقص موروثا أو كان مكتسبا.
الصلاة (كتابا موقوتا)
وهنا يطرح سؤال نفسه وهو: ما دامت فريضة الصلاة عبارة عن غذاء روحيّ فلمَ فرض القرآن الكريم على المؤمن أن يؤدّي صلاته في أوقات محدّدة وكما هو وارد في القرآن الكريم من خلال قول اللّه عز وجل فيه (إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) ؟
وأجيب على هذا السؤال وأقول: ما دمنا قد سلّمنا بأنّ الغذاء المادّي يعالج كلّ نقص في هذا الجسد فإذا مرض هذا الإنسان يصف له طبيبه دواء ليعالج بواسطته مرضه. فلندقّق في الغذاء وفي الدواء أفلا تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّك تتقيّد في موضوع تناولك غذاءك المطلوب تناوله على وجَبات محدّدة وليس تناول غذاءك ساعة بعد ساعة فلماذا تتناول هذا الغذاء على وجبات وعلى فترات محدّدة من الزمان ؟
فدقّق معي يا عزيزي القارئ فيما تتناوله من دواء أيضاً أفلا تلاحظ يا عزيزي كيف أنّ طبيبك يوصيك أن تتناول دواءك على فترات زمنيّة يحدّدها لك ؟ ولا يدعك طبيبك أن تتناول دواءك على حسب ما تريد تناوله وفي أيّ وقت تريد تناوله ؟
فإن أنت دقّقت التدقيق الذي طلبته منك تصل إلى أنّ الغذاء والدواء ينبغي أن تتناوله (موقوتا) كالصلاة التي أوصاك ربّك وقال (إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا).فمن هذا نستنتج يا عزيزي القارئ بأنّ فريضة الصلاة التي هي غذاء روحيّ يشبه مفعولها مفعول الغذاء المادّي والدواء المادّي أيضاً ولذلك كان من الضروريّ أن تكون فريضة الصلاة على شاكلة حال الدواء أن يفرضها ربّنا عز وجلّ (كتابا موقوتا).
ولاحظ معي أيضا يا عزيزي القارئ كيف أنّ معامل الأدوية تعُبّئ الأدوية في إبرةٍ زجاجيّةٍ ليتناولها المريض في وريده مباشرةً لمعالجة مرضه.وقد تصنع معامل الأدوية هذا الدواء (حبوبا) ليتناولها المريض عن طريق فمه.أي أنّ تناول حبوب الدواء يشبه تناولك غذاءك المادّي.فلا يؤثّر دواء الحبوب تأثيرا مباشرا بل يترك تأثيره بطريق جهازك الهضمي.على حين أنّ الدواء بالإبر المملوءة تدخل محتوياتها وريد الإنسان مباشرة وتسرع في الدوران في دمه.
من هذا تدرك يا عزيزي القارئ بأنّ الغذاء المادّي يشبه إلى حدّ كبير هذا الدواء الذي يتناوله الإنسان والمصنوع على شكل حبّةٍ يتناولها المريض عن طريق فمه وتحتاج إلى وقت لتبدأ تؤدّي مفعولها في عمليّة معالجة المرض الذي يشكو منه المريض.على حين أنّ الصلاة كغذاء روحيّ هي أشبه بالدواء المعبّأ في إبرة وتدخل الوريد مباشرة.وعليه فإنّ للصلاة في هذه الحالة تأثيرها الفوريّ.علما بأنّي ضربت لك هذه الأمثلة من باب أنّها تشبيهٌ مع الفارق الذي نبّهتك إليه.
والآن فإن أنت أدركت يا عزيزي القارئ حقيقة هذه الصلاة الإسلاميّة المفروضة على المؤمن على أنّها غذاء روحيّ وينبغي أداؤها أداء (موقوتا) يعود بإمكانك التّعامل مع الصّلاة التي هي (عبادة) أن تقوم لتؤدّيها بهذه المفاهيم التي بيّنتها لك وذلك لتتمكّن من قطف الثمار الروحيّة الكامنة وراء هذه الصلاة الخاشعة المفروضة عليك.تلك الثمار الروحيّة التي تقوّم كيانك الباطن وتؤهّله ليصلح مؤهّلا دخول الحياة الآخرة التي أنت مُقبلٌ عليها في نهاية حياتك وهو سليم معافى من أمراضه الروحيّة التي لابدّ حينذاك من معالجتها قبل دخولك الجنّة الموعودة خصوصا وأنّ جميع العبادات المفروضة على المؤمنين قد قامت على نفس هذه المفاهيم التي وضّحناها لك والتي فرضها اللّه تعالى عليك لتحقيق نفس هذه الأهداف المرجوّة من وراء هذه العبادة الإسلاميّة المفروضة على المؤمنين.
فإن أنت قمت بتأدية الصلاة الإسلاميّة المفروضة بهذه المفاهيم التي وضّحتها لك يا عزيزي القارئ وبشكلٍ موضوعيٍ وبوضوح رؤية ، تعود تستفيد بالتالي ممّا اشتملت عليه عبادة الصلاة الإسلاميّة من آثار روحيّة تجنيها وتعمل على معالجة قواك النفسيّة ممّا ورثته من صفاتٍ غير صالحة وفي تقويم ما تحمله من صفات أخلاقيّة غير سليمة. ويساعدك ذلك كلّه بعدها في عمليّة توجيه قواك الباطنة وجهةً أنت مولّيها لتتلقىّ بالتالي بشارات ربّك التي وعدك بها وبشّرك بالحصول عليها إن أنت أحسنت قيامك بأداء هذه العبادة التي اصطلح اللّه تعالى على تسميتها (صلاة) وتتلقّى نتيجة سعيك هذا تجليّات من جانب أسماء اللّه الحسنى التي دلّتك عليها آيات هذا القرآن العظيم.
وافرض الآن يا عزيزي القارئ وبعد جميع ما حدّثتك عنه أنّ جميع الأديان قد خلت من هذه العبادات المفروضة على المؤمنين فهل كانت تستحقّ من جانبك أن تسمّيها (أديان سماويّة) إن كانت لا تساعد هذا الإنسان في حال خلوّها من فروض العبادات التي فرضها علينا الإسلام كغذاء روحيّ لا تساعده على ولوج سلّم التطوّر الروحي؟ّ
فمن خلال هذا الفرض الذي دفعتك لتفترضه فقد بِتّ تدرك
يا عزيزي القارئ سبب عدم خلوّ أيّ دين من الأديان السماويّة من فريضة صلاة تُفرض على أتباعه.علما بأنّ الفروق في الصلوات التي فرضتها مختلف الأديان السماويّة على أتباعها أتت ملائمة للظروف والأحوال ومستوى تفكير البشر الذين تلقّوا تعاليم تلك الأديان التي أنزلها اللّه الخالق عليهم وفرض فيها عليهم الصلاة التي تلائم أحوالهم ومستوى تفكيرهم أيضا.
ألا إنّ تعاملنا مع الأشياء الماديّة ، كابتلاءٍ لنا وامتحان ، يُعتبر في حقيقة أمره أحد وسائل إصلاح نفس هذا الإنسان لكنّه يعتبر في حقيقته أيضا (دواءً وقائيا)ً أكثر منه علاج طبّي، ويؤتي أسلوب تعالمنا مع الأشياء الماديّة أكُلَهُ على صعيد الأخلاق على المدى البعيد وذلك بعد أن يتحوّل من عادةٍ إلى اعتياد. لذلك فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ الأحكام المتعلّقة بالمأكل والمشرب والّلباس والجنس والتجارة وغيرها من أحكام الشريعة الإسلامية تدخل في باب التّعامل مع الأشياء الطبيعيّة ، كدّواء وقائي ليساعد هذا الإنسان على أن يصون جسده من الوقوع في مختلف الأمراض وليحفظ له قواه سليمة معافاة. على حين أن الأحكام المتعلّقة بالعبادات كالصلاة والصّوم والزكاة والحجّ ، وتوحيد البارئ تعالى والابتعاد عن كلّ ما هو شرك جليٌّ وعن كلّ ما هو شركٌ خفيٌّ فإنّ هذه الأحكام الشّرعية المتعلّقة بهذه العبادات تمتُّ في حقيقتها إلى موضوع التّعامل مع النفس البشريّة وليس مع جسد الإنسان وإلى معالجة ما تحمله هذه النفس البشريّة من قوى وملكات.لذلك فإنّ أحكام فروض العبادات هي في حقيقتها (علاج روحي)ّ أكثر منه (علاج وقائيّ) ، وعلى حسب ما سبق لنا أن ذكرناه.
والآن إن أنت قمت يا قارئي العزيز بالمقارنة ما بين ما أتت به الأديان السّماوية المنزلة ما قبل الإسلام من عبادات ، و ما بين ما أتت به الشّريعة الإسلامية السّمحاء من عبادات لتبيّن لك وجود فرق كبير ما بين هذه الأدوية الرّوحية التي أتى بها الإسلام وما بين الأدوية الروحيّة التي أتت بها غيره من الأديان السماوية. وستلاحظ وجود بونٍ واسعٍ وفارقٍ كبير بين ما أتى به هذان الجانبان.
فالتّعاليم الإسلامية المختصّة بالعبادات حملت للفريق المؤمن مدرسةً قائمةً بذاتها في مجالات طرق إصلاح النفس البشريّة ، وفي مجال دفعها لتحقيق المقصد من خلق الله تعالى لهذا البشر على سطح هذه الكرة الأرضيّة. وللفوز بمحبّته وتحصيل قُربه ورضوانه.هذه الحقيقة التي تعود تؤهّل هذه النفس لتستحقّ دخول جنّة الفردوس ودار الخلود الأبديّ بعد الموت.
والحقيقة هي أنّ تعاليم الأديان السّابقة كانت تعاليم مرحليّة طوّرت هذا الإنسان ومهّدت لنزول خاتمة الأديان وللتّأسّي بأسوة محمّد خاتم النبيين ( ص ) لذلك فإن نحن شئنا التحدث عن كيفيّة التعامل مع العبادات ،فلا نستطيع التحدّث في هذا الموضوع ، إلاّ بعد أن نحيط علماً بحقيقة العبادات. وهو الأمر الذي دفعني من قبل إلى توضيح حقيقة العبادات وموضعها من علاج النفس البشريّة وأهميّة ما تحمله من علاج.
وبعد أن نكون يا عزيزي القارئ قد توصّلنا إلى أنّ الصلاة الإسلاميّة المفروضة على المؤمن هي في حقيقتها وسيلة علاج روحيٍ لهذه النفس البشريّة ولتطوير قواها ولتعود النفس مستعدّةً للتعرّف إلى ربّها جلّ شأنه فإنّ هذه الحقيقة تشكّل مفتاح فهمنا لهذه الصلاة المفروضة علينا. وللإحاطة علماً بحكمة فرض أداء صلوات خمس في اليوم على هذا المؤمن ووفق قول اللّه تعالى في الآية( 103 ) من سورة النساء: { ..إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً.} فلو لم تكن الصلاة علاجاً روحيّاً ، فما كان هناك من معنى لأن تكون الصلاة ( كتاباً موقوتاً ) أي مفروضة ولتؤدّى في أوقات محدّدة.
وهنا ينشأ سؤال وهو: لِم أوجب القرآن الكريم على هذا المؤمن أن يتقيّد بأداء الصلاة في أوقاتها المسنونة بالذات ما استطاع إلى ذلك سبيلاً وكيف نطمئن إلى أنّ توقيت الصّلوات الخمس مرتبط بتأديتها في تلك الأوقات على الخصوص ؟ فالأطباء عندما يصفون لمرضاهم علاجا ما لا يفرضون على مرضاهم استعمال العلاج الذي يصفونه لهم ليستعملوه ابتداء من ساعة كذا وإلى ساعة كذا وإن كانوا يصفون ضرورة استعمال هذا الدواء {كتاباً موقوتاً}لكنّ الصلاة المفروضة على المؤمن قد حدّد اللّه عز وجلّ الأوقات التي ينبغي تأديتها فيها فما هي حكمة هذا التحديد الزمنيّ ؟
أقول إجابة على هذا السؤال: إنّك إن أنت تدبّرت موضوع الخشوع المطلوب تحصيله في صلاتك فإنّ هذا الخشوع المطلوب منك أن توفّره في صلاتك يدلّك على الحكمة من التوقيت المطلوب توفّره عند أداء صلواتك الخمس. فكيف ؟؟
فلنتدبّر أوّلا دلالات كلمة الخشوع لغةً في بادئ الأمر.ففي معجم (محيط المحيط) قال: خشع له خشوعا معناه خضع له أو هو قريبٌ من الخضوع.أو الخضوع في البدن.أمّا الخشوع في الصوت والبصر فالمقصد أن يخفض الصوت ويغضّ البصر.وفي الكلّيات:الخضوع هو ضراعةٌ في القلب والخشوع بالجوارح ولذلك إذا تواضع القلب خشعت الجوارح.والخشوع ضراعة لمن هو دونه طمعاً لغرضٍ في يده وقد اجتمع كلّ ذلك في قول قيس العامريّ:
وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها سواها وما كهّرتها بالمدامع
أُجِلُّكِ يا ليلى عن العين إنّما أراك بقلبٍ خاشعٍ لكِ خاضعِ
وخشع الرجل معناه سكن وتذلّل.قيل ومنه في سورة (طه) (وخشعت الأصوات للرّحمن) بمعنى سكنت وذلّت وخضعت.وخشعت الشمس دنت من الغروب.وخشع السنام ذهب إلا أقلّه.تقول أخشعه ومعناه أخضعه.وتخاشع وتخشَّع معناه تكلّف الخشوع أو مارسه حقيقةً.قال جعفر بن علبة الحارثيّ:
فلا تحسبي أنّي تخشّعت بعدكم لشيء ولا إني من الموت أفرقُ
فإذا قلت:تخشّع له فمعناه تضرّع.واختشع له معناه خضع وطأطأ رأسه راميا ببصره إلى الأرض.الخاشع اسم فاعل ومنه في سورة الممتحنة (لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيناه خاشعا متصدّعا من خشية اللّه) .وجمع خاشع:خاشعون وخشعة وخُشَّع.والخاشع أيضا المكان المغبرّ لا منزل به والمكان لا يُهتدى له والمستكين والراكع.والخُشعة معناها القطعة من الأرض الغليظة. وورد في الحديث الشريف: كانت الأرض خُشعة ثمّ دحيت.وجمعها خُشَع.
فإن نحن دقّقنا فيما أوردناه من بيان نصل إلى أنّ كلمة الخشوع لها عدّة دلالات.فمن تلك الدلالات:
1ً- أنّ الخشوع يعني قريبا من الخضوع نفسا وجسدا.
2ً- وأنّ الخشوع يفيد خفض الصوت ومستوى النظر.
3ً- وأنّ بالخشوع تتولّد في القلب ضراعة وفي الجوارح تواضُعٌ.
4ً- وأنّ من ظواهر الخشوع سكون الخاشع وتذللّه.
5ً- وأنّ الخشوع والغلظة لا يجتمعان.
فهذه الدلالات الخمس التي أفادها الخشوع يا عزيزي القارئ توجّهنا إلى الأحوال التي تطرأ على الإنسان على مسار يومه.ومن هنا ندرك لماذا فرض اللّه تعالى على المؤمن أداء صلوات خمس في أوقات محدّدة.ففي هذا إشارة إلى أنّ الإنسان يمرّ في معظم حوادث الحياة بخمس مراحل:
المرحلة الأولى-مرحلة زمن بدء الحادثة ويقابل ذلك الدقائق الأولى من صبح يوم الحادثة ولذلك فرض اللّه عز وجلّ على هذا المؤمن أداء صلاة الصبح بما يوازي تلك الدقائق الأولى فيصلّي متضرّعا إلى ربّه جلّ شأنه أن يعيذه ممّا قدّر عليه في يومه.
والمرحلة الثانية- هي مرحلة زمن اشتداد أزمة الحادثة.وتوازي فترة الظهيرة التي يكون الإنسان أثناءها في غاية الإجهاد ولذلك فرض اللّه عز وجلّ على هذا المؤمن أن يفرّغ نفسه ليتفرّغ لأداء فريضة صلاة الظهيرة مستعيذا فيها بربّه أن يصل به شاطئ الأمان.
والمرحلة الثالثة- وهي مرحلة قرب زمن زوال الحادثة.وتوازي فترة صلاة العصر وليؤدّي المؤمن صلاة العصر مستعيذا بربّه عز وجلّ أن يساعده لينهي يومه على خير.
والمرحلة الرابعة- زمن تبدأ تظهر فيه نتائج ما حدث وتوازي هذه المرحلة الفترة التي يبدأ يخيّم الظلام فيها على العالم وتوازي هذه المرحلة ما فرضه اللّه تعالى من صلاة ما يسمّى بصلاة المغرب ليؤدّيها هذا المؤمن وهو يستعيذ من شرور ما حدث له في يومه.
والمرحلة الخامسة- هو زمن المعاناة من تلك النتائج التي أسفرت عنها تلك الحادثة.ويوازي ذلك فرض صلاة العشاء ليؤديه المؤمن مستعيذاً من شرور ما عاد يعانيه مما تعرّض له من أحداث.
ولتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ صلاة فريضة الصبح هي أقلّ الركعات المطلوبة دلالة على المرحلة الأولى من مراحل كلّ شيء تكون خفيفة.وكيف أنّ صلاة فريضة الظهيرة أكثر أوقات الصلاة ركعات مطلوبة من هذا المؤمن دلالة على المرحلة الأشدّ. وكيف أنّ ركعات صلاة فريضة العصر عددها أقلّ من عدد ركعات صلاة الظهر دلالة على زمن بدء انتهاء الحادثة.وكيف أنّ عدد ركعات صلاة فريضة المغرب أقرب إلى عدد ركعات صلاة الصبح دلالة على أنّ نتائج الحادثة لم تظهر بعد مع ما يرافقها من بدء اضطراب. وكيف أنّ عدد ركعات صلاة فريضة العشاء أقرب إلى عدد ركعات صلاة الظهر وعلى أساس أنّ نتائج الحادثة قد باتت ظاهرة للعيان.
وأزيدك يا عزيزي القارئ توضيحاً فأقول: افرض أن قام رجل ما فخاصمك وأقام ضدّك دعوى في المحكمة.ففي المرحلة الأولى لا يكون لتلك الدعوى من تأثير بقدر ما يكون لها من تأثير على نفسك عندما يشتدّ الأخذ والردّ في المحكمة وبما يوازي فترة الظهيرة.أمّ بعد اشتداد المرافعة والردّ عليها فتعود هذه القضيّة تؤثّر تأثيرا نفسياً قويّا في نفسك لكنّك تدخل في مرحلة ترقّب صدور حكم المحكمة وهذه الحالة توازي فترة صلاة العصر.فلما يصدر حكم القاضي وتبدأ نتائج الادّعاء بالظهور فأنت في حالة ما يوازي صلاة المغرب.أما بعد بدء تنفيذ القرار فهناك المعاناة الحقيقيّة وبما يوازي صلاة العشاء.وقس يا عزيزي أحداثا أخرى هامة تمرّ عليك على ما ذكرته لك من مثال.وعلى كلّ حال فإنّ هذا التحليل هو أمر اجتهاديٌّ وكانت الغاية منه إدراك الحكمة من فرض خمسة أوقات لتأدية الصلاة المفروضة.
وعلى كلّ حال فإنّ هذا التوقيت يشبه إلى حدّ كبير توقيت تناول الدواء الذي يصفه طبيب العائلة.وهل يطلب الطبيب من المريض مثل هذا الطلب من دون أن تكون هناك وراء هذا الطلب حكمة بالغة ؟ فلو أننا سألنا هذا الطّبيب عن حكمة ضرورة استعمال الدواء الذي وصفه لمعالجة مرضنا على صورة (كتاباً موقوتاً ) ؟ لأجابنا ببساطة تامّة أنّ مفعول الدواء الذي تشتمل عليه هذه الحبّة الدّوائية ، ينتهي بانتهاء ست ساعات. ولذلك فهو أوصانا ألاّ نتناول حبّتين مرّة واحدة ، وألاّ نتأخر في تناول الحبّة الثانية عن ست ساعات. كيلا يحدث خللٌ أو أثر سلبيّ من جرّاء استعمالنا لهذا الدّواء خلاف ما أوصانا به.
إذا (فاتتك) صلاة وقت من الأوقات
فمن خلال مثال الطبيب ووصيّته بشأن استعمال ما وصفه من دواء يتبيّن لك يا عزيزي القارئ أهمّية وحكمة قول اللّه العزيز في محكم كتابه {إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً}.ذلك أنّ الصلاة الإسلامية ذات مواصفات خاصّةٍ ولها خواصها المؤثّرة وذات تأثير محدّدٍ تفيد في إصلاح وتقويم كياننا الباطني.وإنّ القيام بمضاعفتها أو الإنقاص منها له مساوئه وأضراره فهي كوجبة الغذاء ، وهل بإمكان المرء تناول وجبتي غذاءٍ في وقتٍ واحد ؟ فلو فعل ذلك يُصاب بتخمةٍ وأمراض.
وبهذه المناسبة فستقول لي يا عزيزي القارئ بأنّ فقهاء الأمة أفتوا بضرورة أداء فرض صلاة مع كلّ فرضٍ نؤدّيه فيما لو كنا من قبل من تاركي الصلاة وقد أطلقوا على هذه الفتوى مصطلح ( قضاء ).
وإنّ الدليل الذي يقدّمونه لإثبات وجوب قضاء الفوائت هو: (ما روي عن أنسٍ رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( ص ) : [إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها ، فليصلّها إذا ذكرها، فإنّ الله يقول: أقم الصلاة لذكري.] ( فقه العبادات نجاح الحلبي ).
فهذه الفتوى الآنفة الذكر أفتوها على المذهب الحنفي. أمّا على مذهب الإمام أحمد فلا يوجب القضاء لأن المؤمن بتركه الصّلاة عامداً بغير عذرٍ صار مرتدّاً. والمرتدّ لا يؤمر بقضاء ما فاته إذا تاب- (نفس المرجع )-
أقول : إنّ الحديث الذي استدلّ به هؤلاء الفقهاء لا يفيد ما ذهبوا إليه من فتوى. هذا وإنّ فقهاء أمتنا ما ناقشوا هذا الموضوع من هذا المُنطلق الذي ناقشناه.بل ولم ترد في مؤلّفاتهم أنّ الصّلوات المفروضة علاج روحيّ مؤقت. فهم كانوا ينظرون إلى هذه الصّلاة على أنّها مفروضة عليهم وواجب وحسب.فلم يفكّروا في حكمة أُطر هذه الصلاة ولا تدبّروا ما اشتملت عليها الصلاة من قراءات وأدعيةٍ وأذكار. ولا فكّروا في حكمة توقيتٍ أدائها في المواقيت المحددة. ولذلك أفتوا بقضاء فرض مع فرض بلا أساسٍ من منطلق أو تحليل.
فأنا لا أشكّ بوجود الفارق ما بين العلاج الطبّي وما بين العلاج الرّوحي. فحبّة الدواء ينتهي مفعولها بانتهاء المدّة المحدّدة. أما الصلاة كعلاج روحي إذا لم تؤدى على أوقاتها ، فيُردم النقص الحاصل عن تركها بالاستغفار وبالتوبة وبالدعاء وبذكر الله عز وجلّ. ومن باب أنّ الصلاة في حقيقة أمرها مؤلفة من هذه الحركات وتلك القراءات والأدعية والأذكار. فإن فاتت الصلاة المفروضة على مؤمنٍ لسببٍ من الأسباب ، فلا يحتاج هذا المؤمن إلى قضائها مع وقتٍ مثيل. بل إنّ من واجبه أن يعمد إلى الأخذ بتلك الأدعية والأذكار والاستغفار والتوبة إذا ما تذكّر أنّ وقت الصلاة قد فاته. أي أن يستعمل الجزء المسموح باستعماله من التوبة والاستغفار قياماً وقعوداً وعلى الجُنوب وممّا علّمه هذا القرآن من أدعية وأذكار وبغضّ النظر عن مرافقة ذلك بحركات.ولا أوصي بهذا باجتهادٍ من عندي على شاكلة ما كان يفعله الفقهاء القدماء بل إنّ كتاب الله العزيز ما فرّط الله تعالى فيه من شيء حتى يتركنا لاجتهادنا بل إنّ الله تعالى أجاب على هذا السؤال المطروح ، ولكن ليس على شاكلة ما يفعله الكُتّاب يطرحون سؤالا ومن ثمّ يجيبون عليه. بل أجاب اللّه عز وجلّ وفق خصائص أسلوبه البيانيّ المعجز وبما يتناسب مع منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسير آياته. ولذلك نلاحظه وقد أمرنا في أكثر من موضع أن نتدبّر الآيات ، فلا نتناولها بما تفيد ظواهر دلالاتها ، وألاّ نخرّ على الآيات صُمّاً وعُمياناً.
وهنا تسارع تسأل: أين أفتانا الله حول هذا الموضوع ؟
وللإجابة على هذا السؤال آخذ بيد السّائل إلى سباق قول اللّه تعالى { إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً.} ففي سباق هذا الكلام سنعثر يا عزيزي القارئ على الإجابة المطلوبة ولكن بأسلوب تدبّر تلك الآيات حقّ تدبُّرها.
ففي سباق هذا الكلام الإلهيّ قال اللّه تعالى وهو يُعلّمنا كيف نؤدي فروض الصلاة في أوقات الحرب قال { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جُناحٌ أن تقصروا في الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، إنّ الكافرين كانوا لكم عدوّاً مبيناً. وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاةَ ، فلتقُم طائفةٌ منهم معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلةً واحدة ، ولا جُناح عليكم إن كان بكم أذىً من مطرٍ أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ، وخذوا حذركم ، إنّ الله أعدّ للكافرين عذاباً مهيناً. فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم ، فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً.}. فإن نحن تدبّرنا هاتين الآيتين الكريمتين المتعلّقتين بحالة الحرب نصل إلى أنّهما اشتملتا على الأمور التالية
1ً- فقد ورد فيهما تشديدٌ ظاهرٌ على ضرورة إقامة الصّلوات جماعة وعلى أوقاتها أيضاً. فلم يُسمح للرسول وللمؤمنين بتأخير صلواتهم. بل أكّد اللّه عز وجلّ على ضرورة أخذ الحيطة اللازمة أثناء الصّلاة كيلا يغدر العدوّ بالمصلّين.
2ً- وقد أجاز اللّه عز وجلّ القصر في صلاة أيام الحرب على شاكلة ما هو مجازٌ في حالة السّفر أيضاً.
3ً- ثم إنّ حالات نزول المطر والمرض قد أجاز اللّه تعالى فيها خلع الأسلحة مع الإبقاء على الاحتياطات الضروريّة المذكورة في هذه الآية.
4ً- وإنّ الشيء الملفت للنظر حقّاً هو قول اللّه تعالى بعد جميع ما ذكر ، وفي أوّل الآية الثانية فقد أمر الله تعالى هناك هؤلاء المقاتلين وقال : {فإذا قُضيت الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم} فلِمَ ورد هذا الأمر بالذّات وفي هذا الموضع بالذات ؟
الجواب على ذلك في نظري هو أنّ الله تعالى ، نبّه أذهاننا هنا وبصورةٍ غير مباشرة إلى أنّ كلّ نقصٍ حاصل في الصلوات المفروضة ، بالإمكان التعويض عنه بالإكثار من ذكر الله تعالى في جميع الأحوال قياماً وقعوداً وعلى الجنوب. وكأنّه جلّ شأنه قد قال لنا بألفاظٍ أخرى إنّ الصلاة الإسلامية كعلاجٍ روحيّ قد رُكّبت من هذه الحركات المسنونة ومن تلك الأدعية والأذكار التي اشتملت عليها. فإن مضى عليكم وقتٌ ولم يستطع المؤمن أن يؤدّي فيه فرض الصّلاة فليعوّض عمّا فاته بإكثاره خلال فراغه من التّوبة والاستغفار وذكر الله تعالى والدعاء في قلبه. هذا بغضّ النّظر عن الحالة التي يكون فيها. إذ المعلوم أنّ قيام المؤمن بأداء حركات الصلاة المفروضة عليه تقتضي من هذا المؤمن التّفرغ من عمله. أمّا أن يعمد إلى الأدعية والأذكار فلا يحتاج هذا من هذا المؤمن التّفرغ لأداء تلك الأدعية والأذكار. لذلك فإن كان يعمل في معمله فعليه أن يكثر من ذكر الله خلال عمله. وإن كان يجلس في مجلسٍ فعليه أن يتصيّد أوقات الفراغ ليدعو ربّه ويذكره .وإن كان مستلقياً على فراشه فليكثر أيضاً من الدعاء والاستغفار وهو في حالة استلقائه. فإن فعل ذلك في جميع تلك الأحوال، فإنّ هذا الذّكر الإلهي يعوّض على هذا المؤمن ما فاته من أوقات صلاة أو ما فاته من خشوعٍ في الصلوات.
وعلى هذه الصورة من القيام بتدبّر كلام الله عز وجلّ لا نعود نقع فيما وقع فيه الفقهاء القدامى فيما أفتوه به من ضرورة ( قضاء ) الصلاة الفائتة مع كلّ فرض صلاةٍ يقابلها. فهذه الفتوى التي أفتوها تعود تشبه إلى حدٍ كبير بما يحدث للذي يتناول وجبتي غذاء في وقتٍ واحدٍ فهو يُصاب بالتخمة ويتعرض بعدها ليصاب بمختلف الأمراض.أو تشبه المريض الذي لا يتقيّد بمضمون وصفة دوائه الذي وصفه له الطبيب فيكثر من تناول الحبوب وبلا مراعاة للفترات الزمنيّة المطلوبة منه فيصاب بمرض جديد بدلا من أن يشفى ممّا أصابه من مرض.
وعلى هذه الصورة أكون قد نبّهت ذهنك يا عزيزي القارئ إلى فتوى قرآنيّة تُغنيك عمّا أوردته كاتبة (فقه العبادات) من فتوى قديمة ما ارتكزت فيها إلى فلسفة ولا إلى دلالة آية قرآنيّة.لذلك أنصحك أن تتعامل من هذا المنطلق مع ما فاتك يا عزيزي القارئ من أوقات صلاةٍ غفلت عن أدائها أولم تؤدّها في أوقاتها المفروضة عليك. وذلك بفتوى من كلام الله عز وجلّ وكما لاحظت ، وليس بفتوى من كلام الفقهاء القدماء. فالفتوى الإلهيّة مقدّمة على كلّ فتوى ومن أيّة وجهة أتت.
فالله عز وجلّ حين خاطب المؤمنين وقال : { فإذا قُضيت الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم } خاطبهم بذلك الخطاب بسبب أنّ أداءهم الصلاة وهم في حالة خوفٍ من غدر عدوّهم أو بسبب ثقل أسلحتهم التي يتقلّدونها لا يساعدهم ذلك على الخشوع في صّلاتهم كما ينبغي أن يحدث فيها.لذلك كان بإمكان هؤلاء تعويض هذا النّقص بوسيلة ذكر الله تعالى في جميع ما تأت عليهم من حالات.
فلمّا انتهى جل شأنه من مخاطبة المقاتلين قال : { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً.}فقوله تعالى: {فإذا اطمأننتم } يشير إلى أحوال السّلم التي يؤدّي المؤمن فيها صلاته خاشعاً مطمئناً. وهو تعالى قد وضّح لنا لماذا أكّد على ضرورة إقامة الصلوات جماعة في أيام الحرب وفي أيام السّلم. فوضّح حكمة ذلك بقوله : { إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً.} بمعنى أنّ حكمة هذا التوقيت يرجع إلى كون الصلاة المفروضة علاجاً روحيّاً ، وعلى شاكلة ما هو حادث في العلاج الطبّي.
الصلاة وسيلة وليست غاية
فتسألني يا عزيزي القارئ بعد أن وصلنا إلى هذه النقطة التي وصلنا إليها ، وتقول : إنّك بهذا التّوضيح قد جعلت الصلاة وسيلة ولم تجعلها غايةً في حدّ ذاتها.
فأقول لك : نعم إنّ الصلاة المفروضة على المسلم هي في حقيقة أمرها وسيلة وليست بغاية في حدّ ذاتها.ومن باب أنّ الله تعالى قد فرضها علينا لصالح علاج كياننا الباطني ، وإلاّ فإنّ اللّه جلّ شأنه هو بغنى عن عبادتنا إيّاه بالصورة التي حدّدتها هذه الصلاة.وهنا كان لابد لنا أن ندلي بالدليل القاطع على مصداقيّة ما ذكرناه وهو أنّ الصلاة المفروضة هي وسيلة وليست بغاية. فما هو دليلنا على ذلك ؟
أقول: يا عزيزي القارئ أ فلم تقرأ الآية ( 45 ) من سورة العنكبوت التي قال اللّه تعالى فيها : { اتل ما أوحي إليك من الكتاب ، وأقم الصلاة إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولَذِكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون.} ؟ فإنّ هذه الآية الكريمة قد تضمّنت دليل مصداقيّة ما ذكرته لك من أنّ الصلاة الإسلاميّة وسيلة وليست بغاية. وقبل أن أقوم بتدبّر هذه الآية الكريمة أرى أن أضعك يا عزيزي القارئ في تسلسل الآية الموضوعي لأطلعك على سباقها وسياقها بادئ الأمر.
فإن عُدنا معا إلى الآية السابقة لهذه الآية المذكورة نلاحظ أنّ الله تعالى قد قال: { خلق الله السّماواتِ والأرض بالحقّ ، إنّ في ذلك لآيةً للمؤمنين.} فاللّه عز وجلّ قد نبّه أذهاننا في هذه الآية الكريمة إلى أنّه تعالى لم يُبدع هذه السماوات والأرض عبثاً ، بل خلقها ربّنا عز وجلّ ( بالحق ) أي بالقول الثّابت (محيط المحيط).بمعنى أنّ جميع ما في هذه السماوات والأرض قد أبدعه اللّه تعالى ليحقّق مقصدا ساميا. وفي إطار هذا المقصد السامي تمّ خلق اللّه تعالى هذا الإنسان ليحيا على أديم هذه الأرض وليطوّره خالقه وليؤهّله ليحيا بعد موته الحياة الأبديّة.
وبعد أن لفت اللّه تعالى أذهاننا إلى هذه الحقيقة فقد أتى
تعالى بحرف التأكيد ( إنّ ) وأضاف يقول : { إنّ في ذلك لآيةً للمؤمنين.} وكأنّه تعالى قد أشار من خلال قوله هذا إلى أنّ الذين يفكّرون بتفكير مادّي بحت ولا ينبع من زاوية روحيةّ فإنّهم لا يتّفقون مع هذا الطّرح القرآني الذي لا يشكّل لهم آيةً وعلامة على صدق ما ذكرته الفقرة الأولى من هذه الآية الكريمة. لكنّ المؤمنين الذين يفكّرون من زاوية روحيّة وهم معتقدين بوجود خالق لهذه السماوات والأرض بوجود خالق أعظم لم يفعل ما فعله لعبا وعبثاً بشكل من الأشكال فإنّهم يقرّون بما تضمنه الفقرة الأولى من حقائق ثابتة.
وعليه فإنّ هذه الآية وهذا المضمون الذي طرحه الله تعالى فيها، ورد بمثابة تمهيد لطرح مضمون الآية الكريمة التي ذكرناها وهي قوله تعالى : { اتل ما أوحي إليك من الكتاب ، وأقم الصّلاة ، إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون.}.
فالتمهيد بالآية السابقة كان القصد منه تنبيهنا إلى أنّ اللّه عز وجلّ راح يُطلعنا على هذه الحقيقة المتعلّقة بالنّظام الرّوحي والتي إذا أخذ بها الرسول والمؤمنون والناس بصورة عامّة ، وفهموا مضمونها على حقيقته فإنّ فهمهم هذا يدفعهم ليعمدوا إلى إصلاح أنفسهم وبالتالي تصلح أحوالهم ويسعون بعد ذلك لتحقيق المقصد من خلقهم وخلق هذه السّماوات والأرض.
وبإمكاننا أن نفهم هذه الحقيقة بألفاظٍ أخرى وهي أنّ الله تعالى قد سنّ لنا في هذه الآية الكريمة النّظام الذي إذا عمل عليه المسلمون تصلح أحوالهم ، وتعتدل نفوسهم ، وينتهي ذلك كلّه إلى أن يقضي في نهاية المطاف على ما أشاعه الشيطان من فحشاء و منكر في المجتمعات الأرضيّة. فهذا المعنى من باب أنّ ألفاظ هذه الآية الكريمة قد وردت عامّة الدّلالات وغير مخصّصة.ذلك أنّ كلمة الفحشاء مؤنّثها الفاحشة وتعني الفاحشة ما اشتدّ قبحه من الذّنوب ، وكلّ ما نهى اللّه تعالى عنه أيضا. وقال صاحب التّعريفات : الفاحشة هي التي توجب الحدّ في الدنيا والعذاب في الآخرة.أمّا كلمة المنكر فهي اسم مفعول وما ليس فيه رضى الله تعالى من قول أو فعلٍ والمعروف ضدّه ( محيط المحيط )
نسأل: فما هي ظاهرة الشموليّة في الدلالات في هذه الآية الكريمة ؟ فأقول: لاحظ معي يا قارئي العزيز ظاهرة شموليّة ألفاظ هذه الآية الكريمة والرّوابط التي تربط بين فقراتها.ففي الفقرة الأولى من هذه الآية الكريمة قال اللّه تعالى {اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب } وفي الفقرة الثانية قال { وأقم الصلاة } ففكّر معي وتساءل عن العلاقة الموضوعيّة التي تربط ما بين هاتين الفقرتين ببعضهما البعض ؟ وتساءل أيضا لِم استعمل اللّه تعالى فعل الأمر ( اتلُ ) هنا ولِمَ لَمْ يقل ( إقرأ ) ؟ فهذه ملاحظات واستفهامات تعرض للذي يتدبّر كلام اللّه تعالى. أمّا الذين لا يتدبّرون هذا الكلام البلاغي المعجز ، فيمرونّ على هذه الفقرات مرور الكرام.
وعليه أقول وباختصارٍ شديد: ألا إنّ الله تعالى قد أمر رسوله الكريم والمؤمنين في الفقرة الأولى أن يجعلوا جُلّ همُهِم أن يعمدوا إلى طبع ونشر هذا القرآن الكريم مترجماً إلى جميع لغات العالم ، ليطلع أصحاب تلك اللّغات على ما اشتمل عليه هذا الكتاب المقدّس من مضامين.
وأمّا في الفقرة الثانية فقد شدّد اللّه تعالى على المسلمين على أن يعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرّقوا. وأن يقيموا صلواتهم جامعة في كلّ مكانٍ لتمثّل هذه الصلوات أمّةً واحدةً وإماماً واحداً. وليس أن تقام الصلاة هنا لأصحاب مذهب معيّن وهناك لأصحاب مذهب آخر سواه. فهذه هي معالم هذا النّظام الرّوحي الحقّ الذي ينبغي على المسلمين إقامته في الأرض ، وليوازي نظام خلق الله تعالى هذه السماوات والأرض بالحقّ.
ومن ثم راح اللّه تعالى يوضّح الحكمة من هذا النظام الروحي. فأتى بحرف التأكيد (إنّ) وقال في الفقرة الثالثة : { إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر،} وبمعنى أنّ هذه الصلاة المفروضة بحركاتها وأذكارها وأدعيتها، إنّما هي وسيلةٌ ، وليست هي بغاية. فهي وسيلة من حيث أنّ المؤمن الذي يؤدّيها بحركاتها وأذكارها وأدعيتها ووفق شروطها التي اشترطها البارئ تعالى عليه ، فإنّها ستعود بين يديه (علاجاً روحيّا)ً على شاكلة (العلاج الطبّي) ، فتساعده على تجنّب ارتكاب الفحشاء والمنكر في آخر المطاف.وهي حقيقة تصدق على المستوى الفرديّ كما تصدق على المستوى الجّماعي.
ومن ثم نبّه اللّه تعالى من خلال الفقرة الرابعة قائلا: { ولذكر الله أكبر }. أقول نبّه اللّه تعالى أذهاننا في هذه الفقرة الرابعة إلى حقيقة الصلاة وإلى حقيقة مضمونها ،ومن منطلق أنّ جميع ما اشتملت عليه هذه الصلاة من حركات ومن أذكار ومن أدعية إنما تدور جميعها حول محور واحد أعظم وهو ذكر الله تعالى وتذكّره ومحاولة جذب محبّته وقربه ورضوانه فهو الأصل والأكبر الذي عبّر اللّه تعالى عنه بقوله (ولذكر اللّه أكبر).
ومن ثم نبّهنا اللّه تعالى في الفقرة السّادسة والأخيرة إلى موضوع الفلسفة التي تأسّست عليها حياتنا الدنيا هذه وكيف أنّها اقتضت أن يبتلي اللّه تعالى هذا العبد فيها وليتمكّن من أن يحصد ثمار ما جنته يداه. وقد عبّر اللّه تعالى عن هذا المعنى الرائع وبأسلوبه البلاغيّ المعجز وقال :{ والله يعلم ما تصنعون} فلم يقل هنا {يعلم ما تفعلون} بل يعلم (ما تصنعون ) والقصد من هذا الاستبدال اللّفظي ورد للدلالة على أنّ اللّه تعالى يعلم ظاهر الإنسان و باطنه معاً وفي وقت واحد حيث وضّح صاحب الكليّات بأنّ الصّنع أخصّ من العمل والفعل(محيط المحيط)
وعلى هذه الصورة يكون الله عز وجلّ قد خطّط للمسلمين في هذه الآية الكريمة منهاجاً لنشر الإسلام على العالم كلّه وبأسلوبٍ بلاغيٍّ مُعجزٍ ، لا يدرك مضمونه إلاّ الذين يتدبّرون كلام اللّه تعالى بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره. أمّا الدليل الذي يُثبت مصداقية فهمنا هذا الذي بيّناه فقد اشتمل عليه قول الله تعالى بعد ذلك حيث قال تعالى {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أُنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحدٌ ونحن له مسلمون.}.
فهذه هي الرّابطة الموضوعيّة التي ربطت الكلام حول النظام الروحي الذي وضّحته الآيات السابقة والمتعلّق بأمر إقامة الصلاة على أوقاتها ربطته بهذا التّوجيه الذي وجّهنا اللّه تعالى به في هذه الآية الأخيرة التي أوردتها. وقد ركّز اللّه تعالى فيها على ذكر هذا النهي المتعلّق بأهل الكتاب لكونهم هم أوّل الناس الذين سيواجههم المسلمون على طريق مجاهدتهم بهذا القرآن الكريم والتبشير بتعاليمه هؤلاء الذين يدينون بما لديهم من كتبٍ ومعتقدات ؟
فالله جلّ شأنه ينبّه هؤلاء المسلمين هنا في هذه الآيات الكريمة ليختاروا خلال محاوراتهم مع أفراد أتباع التّوراة والإنجيل طرح المسائل التي امتازت بها تعاليم الإسلام على تعاليم أهل الكتب المذكورة وليس أن يتحاوروا مع أهل الكتاب بما تشابه من تعاليم الإسلام مع تعاليم هؤلاء.فهذه هي حكمة هذا النهي هنا { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن } بمعنى أنّ اللّه تعالى يأمر المسلمين ألا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتعاليم القرآنية التي هي أحسن والتي هي أقوم من تعاليم الإنجيل والتوراة. ويدعوهم لترك المجادلة فيما عدا ذلك.
والذي يهمنّا من جميع ما ذكرناه هو أنّ الصلاة الإسلامية إنّما هي في حقيقتها (علاج روحيّ) ومقترنٌ هذا العلاج التي أتت به بالشروط التي اشترطها هذا القرآن المجيد على المصلّي ليتمكّن هذا المصلي بالتالي من الاستفادة من صلاته. وعليه فلا يستفيد المسلم من صلاته إلا في حال التزامه بكلّ شرط اقترن بفريضة الصلاة.فمن لم يلتزم بتلك الشّروط التي اشترطها عليه البارئ تعالى الذي أبدع هذا (العلاج الروحيّ) يصلّي ولكن لا يجني من صلاته إلا التعب والنصب وعلى حسب ما أفتى به محمّد رسول اللّه (ص) نفسه في أحاديثه المعروفة.
مؤهّلات تأدية فريضة الصلاة
وأتناول الكلام يا عزيزي القارئ عن المؤهّلات التي تؤهّل هذا المؤمن إذا نودي إلى الصلاة فتوضّأ وراح لتأديتها مع توضيح الأخطاء التي وقع فيها الفقهاء القدماء على هذا الصعيد .
أقول : إنّ الطّهارة والوضوء تُعدّ من المستلزمات التي تستلزمها صلاة المؤمن. وإلاّ فبدون الطهارة الظاهرة والوضوء تفسد صلاة هذا المصلي يقينا. فالوضوء في حقيقة أمره عبارة عن وسيلة تبريد أعصاب هذا المسلم الذي توجّه ليؤدّي ما عليه من فريضة الصلاة.خصوصا وأنّ هذا المصلّي قد وقف في الحقيقة بين يدي ربّه يحاوره ويتضرّع إليه ويسأله المحبّة والقرب والرضوان.فالطّهارة والوضوء وهدوء الأعصاب يستلزمها الوقوف بين يدي الله القُدّوس. ثمّ إنّ الطهارة الخارجيّة والوضوء هما من باب اللّوازم والشكليّات الضّروريّة لأداء الصلاة ، لكن ّهذه الشكليّات لا تُحسب في شروط الصلاة الموضوعيّة. فالطهارة الظاهريّة والوضوء تتعلّقان أصلا بنفسيّة المُصلّي ذاته ، وبوعيه المتعلّق بوقوفه بين يدي ربّه بين يدي هذا الإله الذي فرض عليه أداء هذه الصلوات الخمس. وتشبه هذه اللّوازم وتلك الشّكليات تلك الشكليّات التي يوصي بها الطبيب أيضاً.فالطبيب يوصي مريضه أن يستلقي على ظهره ويأخذ نصيبا من الراحة وأن يبتعد عن أن يشغل ذهنه بقضاياه وقضايا الساعة.فكأنّ هذا الطبيب يوصي بالطهارة والوضوء قبل أداء
هذه الصلاة مع الفارق بين هذين الأمرين المذكورين.
ولكن هناك طهارة باطنيّة لابدّ من توفّرها عند هذا المصلّي عند ذهابه لأداء صلاته المفروضة عليه.وهذا الشرط نصّ عليه قول اللّه تعالى في الآية 31 من سورة الأعراف من كتاب اللّه العزيز حين قال: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد وكلوا واشربوا ولا تُسرفوا إنّه لا يحبّ المسرفين.) فما هو المقصود من كلمة (زينتكم) في هذا المقام ؟
إنّ كلمة (زينتكم) اشتقّت من قولك تزيّن.و(الزينة) اسم من تزيّن وهي كلّ ما يُتزيّن به الإنسان من لباس وغيره ومن تقوى وأخلاق.
وقد شاء اللّه عز وجلّ أن يشير من خلال قوله تعالى (خذوا زينتكم إلى هاتين الحقيقتين في آن واحد لذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه تعالى قد حذف مضاف كلمة (زينتكم) فلم يوضّح للقارئ نوع الزينة المقصودة.ومن خلال هذا الحذف البلاغيّ يكون اللّه تعالى قد صرّف دلالة كلمة (زينتكم) لتشمل هذين المعنيين.وكأنّ جلّ شأنه قد اشترط على هذا المؤمن في هذه الآية الكريمة أن يتحلّى بلباس ظاهريّ نظيف وبتقوى وخلق حسن عند قدومه إلى المسجد.وليس أن يكون هذا المصلّي مرتكبا الفحشاء والمنكر ويأتي إلى المسجد وهو يظنّ بأنّ ربّه يقبل صلاته ويتجاهل حاله الباطن الوسخ والمزري.
وبعد أن تدرك هذه الحقيقة يا عزيزي القارئ تعال معي إلى ما وضعه الفقهاء القدماء من شروط للصلاة فيبدو لك أنّ الفقهاء القدماء قد شدّدوا على الشكليّات والمستلزمات التي تسبق أداء الصلاة وأهملوا في الوقت نفسه الشّروط الأساسية التي لا تصلح صلاة المصلي بدون توفّرها.وإنّ هذا الادّعاء هو بحاجة لتقديم الدليل على مصداقيّته.
فاعلموا أنّ أهمّ شرط اشترطه الله تعالى على المصلّى و هو شرط يشكّل مفتاح الاستفادة من الصلاة و من علاجها الرّوحي هو الشرط الذي عبّر اللّه تعالى عنه في الآيتين اللّتين استهلّ بهما توضيح المُدرّج الرّوحي الذي يتدرّج المؤمن من خلاله على طريق عِرفان الله والاتصال به. فلقد قال اللّه تعالى هناك وبكلّ صراحة : { قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون.}فهذا هو الشرط الأساسيّ الذي اشترطه اللّه عز وجلّ على المؤمن المصلّي أن يوفّره في صلاته فيصلّي ودلالات خشوعه بين يدي ربّه ماثلة للعيان.وقد سبق لي أن بيّنت دلالات كلمة خشوع والحالات الخمس التي تمثّلها الأمر الذي يدعو لغضّ الطرف عن إعادة ما كنّا قد ذكرناه.
ثانياً- شرط الصحوة الذهنيّة
هذا وإنّ الشرط الأساسي الثاني الذي اشترط اللّه عز وجلّ توفّره في صلاة المصلّي وهو الشرط الثاني الذي يساعد هذا المؤمن على تحقيق خشوعه بين يدي ربّه عز وجلّ هو ما تضمّنه قوله تعالى في الآية ( 43 ) من سورة النّساء : {يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جُنُباً إلاّ عابري سبيلٍ حتى تغتسلوا ، وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم من الغائض أ لامستم النّساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ، إنّ الله كان عفوّاً غفوراً.}.
هذا وإنّ هذا الشرط الثاني كما يبدو من معطيات هذه الآية الكريمة ورد مقرونا بالنصّ على تجنّب أن تقترن به بعض الشكليّات أيضا.فما هي حقيقة هذا الشرط الثاني وما هي تلك الشكليّات التي ينهى تعالى عن أن تقترن بهذا الشرط الثاني المذكور في هذه الآية الكريمة ؟
ألا فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ هذا الشرط الأساسي الثاني نصّت عليه الفقرة الأولى من الآية وهو قوله تعالى (يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتىّ تعلموا ما تقولون.).فما هي دلالة كلمة (سكارى) لغويّا ؟ فقد ورد في معجم (محيط المحيط): سكِر الإناء امتلأ.وسكر فلانٌ على فلان غضب عليه واغتاظ منه.وسكر من الشراب نقيض صحا فهو سكران وجمعه سكارى.وأسكره الشراب جعله يسكر.وتساكر الرجل أظهر من نفسه السكر وليس به.والسُكر نقيض الصحو.واستنادا إلى هذه المعاني الآنفة الذكر فإنّ اللّه عز وجلّ يشترط على هذا المؤمن الذي يقبل على أداء الصلاة أن يكون صاحياً وليس سكرانا.ومن باب أنّ كلمة (سكارى) جمع ومفرده (سكران).
والملاحظ هو أنّ اللّه جلّ شأنه قد أورد كلمة (سكارى) مجرّدة عن صلتها. فلماذا أقدم تعالى هنا على هذا الحذف البلاغي ؟ المعلوم أنّ إحداث مثل هذا الحذف البلاغي يكون المقصود منه تصريف المعنى إلى جهات عديدة.وكأنّه تعالى قد قال لاتصلّوا وأنتم غير صاحين من الشراب ،ولا تصلّوا وأنتم غير صاحين من شدّة الإرهاق، ولا تصلّوا وأنتم غير صاحين من تأثير الحمّى على عقولكم،ولا تصلّوا وأنتم في ذروة غضبكم مغتاظين.أي أنّ على المؤمن المصلّي أن يتجنّب هذه الأعراض فلماذا ؟ ولقد أجاب اللّه عز وجلّ بنفسه على هذا السؤال وأكمل وقال (..حتّى تعلموا ما تقولون.).فهو تعالى أورد حرف (حتّى) هنا الذي يفيد التعليل في هذا المقام.كما أورد تعالى فعل (تعلموا) بمعنى حتّى تعرفوا ما تقولونه ممّا تتلونه من قراءات وأدعية وأذكار وتتيقّنونه. حيث تقول: علم الإنسان ما يقول ومعناه عرفه وتيقّنه (محيط المحيط).
ومن خلال فهمنا هذا الذي أوردناه لهذه الفقرة الأولى من هذه الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون.) تدرك يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ قد اشترط من خلالها على هذا المؤمن المصلّي شرطا أساسيا وهو ألاّ يقدم المؤمن على الصلاة وهو غير صاح بتأثير شراب ولا هو غير صاح من شدّة الإرهاق ولا هو غير صاح بسبب حمّى اعترته ولا هو غير صاح بسبب غضبه وانفعاله.وبألفاظ أخرى فإنّ (صحوة ذهن) هذا المصلّي من الضروري توفّرها عند إقدامه على الصلاة لتساعد هذا المصلّي ليعلم أي ليعرف ويتيقّن ما يقول. أي ليستوعب معاني ما أمره اللّه تعالى أن يقرأه في صلاته من قراءات وأدعية وأذكار.
وقد قرن اللّه عز وجلّ هذا الشرط أن يتجنّب المصلّي اقتران بعض الشكليّات بحالة صحوة ذهنه وعدّدها وقال: (ولا جُنبا إلاّ عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدٌ منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إنّ الله كان عفوّا غفورا.).وإنّ مضامين هذه الشكليات المنصوص عليها هنا واضحة الدلالات وليست هي بحاجة إلى الشرح والتبيين.
وعلى هذه الصورة تكون يا عزيزي القارئ قد اطّلعت على الشرط الأساسي الثاني من شروط صحّة الصلاة الأساسيّة.هذا الشرط الذي لم يشترطه الفقهاء القدماء رحمهم اللّه ضمن شروط صحّة الصلاة.مع أنّك لابدّ أن لاحظت كيف أنّ آي الذكر الحكيم قد نصّ صراحة على هذا الشرط الأساسيّ الثاني المذكور.بل وحتّى أنّ بعضهم اعتبر هذه الآية التي أوردناها للأسف (منسوخة) أيضا.
شرط توفّر النشاط
هذا وإنّ الشرط الأساسي الثالث الذي اشترطه كتاب اللّه العزيز على هذا المؤمن أن يتحلّى به والذي يساعده على تأمين الخشوع في صلاته ، اشتملت عليه الآية ( 142 ) من سورة النساء نفسها والتي قال تعالى فيها : { إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى يُراءون النّاس ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً.}.
فهذا الشرط الثالث الأساسي قد أورده اللّه عز وجل في معرض كلامه عن المنافقين.مبيّنا أنّ من جملة العلامات التي تميّز المنافق عن غير المنافق أنّ هؤلاء المنافقين (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس).وقد أشار اللّه تعالى من خلال وصفه لصلاة المنافق بُعد صلاته عن ظاهرة النشاط المطلوبة منه.ذلك النشاط وأحواله وضرورة توفّرها في صلاة المؤمن لتصبح صلاته (غذاء روحيّا) وكما سبق ذكره وشرحه
من قبل.ومن خلال ذكر هذا الشرط الأساسي الثالث يكون اللّه عز وجلّ قد حدّد ما تتطلّبه الصلاة الإسلاميّة من مؤهّلات لتصبح في حقيقة أمرها (غذاء روحيّا) يستفيد منه المرء في عمليّة إصلاح وتقويم كلّ ما يمتّ إلى كيانه الباطني من أمور.وليتمكن هذا المؤمن من السير على صراط سيره الروحيّ حثيثا وبنجاح لا شكّ فيه وليقطف بالتالي ثمار ما بشّره ربّه به من بشارات.
فهذه هي الشروط الأساسية الثلاثة التي اشترطها اللّه عز وجلّ الذي أبدع هذا العلاج الرّوحي في كتابه العزيز.وهي 1-ً الخشوع 2ً- الصحوة الذهنيّة. 3ً- النشاط حين استجابة دعوة الأذان.وقد أوردها اللّه تعالى مصاغة صياغة بلاغيّة معجزة هي بحاجة إلى من يتدبّرها تدبّرا قائما على أساس من منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.ولكنّ الفقهاء القدماء رحمهم اللّه تعالى لم يرجعوا عند محاولتهم فهم هذه الشروط الأساسيّة إلى آي الذكر الحكيم بل هرولوا وراء ما وصلهم من أحاديث مرويّة عن رسول اللّه (ص) ومن دون عرضها على كتاب اللّه عز وجلّ.علماً بأنّ هذه الصلاة المفروضة تدخل في باب ابتلاء المؤمن أيضاً في حياته الإيمانيّة. فهي وصفةُ علاج روحيّة إذا قصّر المؤمن في الأخذ بمضمونها، يتحمل هو نفسه عواقب هذا التقصير. وعلى اعتبار أنّ هذه الوصفة العلاجيّة تساعده على تحقيق المقصد من وجوده ألا وهو التّعرف على ربّه وجذب محبّته والسعي لنيل قربه ورضوانه.هذا وإنّ ما اشترطه الفقهاء القدماء لصحّة صلاة المؤمن هو من قبيل الشكليّات التي اشتملت عليها تلك الشكليّات التي اقترنت بذكر الشرط الأساسيّ الثاني الذي نصّت عليه الآية 43 من سورة النساء . وبهذه المناسبة فأرى يا عزيزي القارئ أن أزيدك شرحا وبيانا حول دلالات هذه الشروط الأساسيّة الثلاثة لصحّة صلاة المسلم المصلّي والتي اشترطها الله تعالى عليه في كتابه العزيز. تلك الشروط التي إذا أتقن المؤمن الأخذ بها والعمل عليها يستفيد من خواصّ صلاته المفروضة عليه.
وأزيدك يا عزيزي القارئ شرحا للشرط الثالث الأخير الذي يؤهّل المصلي لأداء صلاته والذي تناولته الآية ( 142 ) من سورة النساء بالبيان تلك التي قال اللّه تعالى فيها : { إنّ المنافقين يُخادعون الله ، وهو خادعهم ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى ، يراءون الناس ، ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً.}.
فما هي دلالة كلمة كُسالى ؟ فلقد أورد صاحب معجم ( محيط المحيط ) يقول : ( كسلَ ) الرّجل يكسلُ كسلاً ، أي تثاقل عن الشيء وتوانى عنه وفتر فيه. فهو كسلٌ وكسلان. أمّا كلمة ( يراءون ) فمعناها يتظاهرون بما ليس فيهم. وأمّا كلمة (المنافقين) فمفردها منافق واشتقّت من نفق الشيء بمعنى نفذ وفني أو قلّ. فالنفاق موضوعٌ للمُضيّ والنّفوذ. وباقي المعاني متفرّعٌ عنه.ثم إنّ النّفاق هو فعل المنافق. والمنافق اسم فاعل قيل معناه من شهد وعمل ولم يعتقد فهو منافق (محيط المحيط)
واستناداً إلى المعاني الآنفة الذّكر ، فإنّ الله تعالى يذمّ في الآية المذكورة كلّ من يسمعُ المنادي يناديه إلى الصلاة ، فيتثاقل ويتوانى ولا يُبدي همّةً لأداء الصّلاة المفروضة عليه. وقد سمّى الله تعالى هذا الإنسان الكسلان (منافقا)ً.فإن علمنا بأنّ كلمة الكسل تستعمل ضدّ كلمة النّشاط. فكأنّ الله تعالى يؤكّد ويشترط على هذا المؤمن الذي يسمع نداء الأذان أن يكون نشيطاً في حركاته وفي استعداده لتلبية داعي الله عز وجلّ. فالاستعداد النّشط لأداء الصلاة يعدُّ في صريح آي الذّكر الحكيم شرطٌ من شروط الاستفادة من خواصّ الصلاة. لا أن يكون هذا الذي يقوم للصلاة كسلاناً ومتثاقلاً ومقلاًّ في ذكر الله عز وجلّ.
وبعد أن أحطنا علماً بمعالم هذا الشرط الآنف الذكر كان من واجبنا أن نستفسر عن تلك الحقيقة العلميّة الكامنة وراء هذا الشّرط الذي ذكرناه ؟ فهل أنّ اللّه عز وجلّ أسّس هذا الشرط على أساس علميّ ؟
فالذي ثبت علميّاً في حقل الرّياضة هو أنّ الرّياضي الذي يؤدي حركاته الرّياضية بتوانٍ وفتور وكسلٍ ومن غير أن يكون موقناً بفوائد ما يؤديه من تمارين رياضيّة ، يُصاب هذا الرّياضي خلال تأديته تمارينه بالملل والتّعب ولا يستفيد من رياضته شيئاً.ولذلك أوصى علماء الرياضة أن تؤدّى الحركات الرياضيّة بيقين تامّ بما يرجوه الرياضيّ من وراء أدائه إيّاها. وعليه فإنّ الإلمام بحقيقة الصلاة وبوجود خواصٍ روحيّةٍ لها ومن ثم فإنّ استعداد هذا المسلم لأداء فرض الصلاة نشطاً وموقناً بالفوز بعلاجها الرّوحي. إنّ مثل هذا المؤمن سيستفيد من علاج الصلاة الرّوحي يقيناً. وهذا هو السبب الذي دفعني لبيان حقيقة العبادات قبل أن أعمد إلى الكلام عن كيفيّة التّعامل مع هذه العبادات.
وهل يسمع أحدكم بوجبةِ غذاءٍ شهيّةٍ ولا يدُبُّ النّشاط في جميع أوصاله لتناولِ ما قدّمه المضيف فيها إليه من أنواع الأطعمة المغذّية. فعلى هذا النحو فإنّ الذي لا يوقن بأنّ فرضَ الصلاة هو في حقيقته (وجبةُ غذاءٍ روحيّةٍ مفيدة) ولا ينشط في الاستعداد لأدائها ، يُحرم ممّا أعدّه ربّه له في صلاته من فوائد وعلاجٍ روحيٍ يساعده على الاندفاع في سُلّم عروجه الروحيّ ، وهو في شوق للتعرّف على أنوار ربّه عز وجلّ فهذا هو السبب في أنّ الله عز وجلّ استعمل كلمة ( منافق ) للذي يتثاقل ويتكاسل في موضوع أداء فروض صلواته. ففي هذه الكلمة وصفٌ لحالِ الذي يتظاهر بالإيمان ويقوم لأداء الصّلاة مُتثاقلاً كسولا. فهو تعالى يصف هذا المنافق بأنّه غير مؤمنٍ بفوائد ما فرضه الله ربّه عليه من فروض الصّلاة ، لذلك يُخادع الله تعالى ويتظاهر وكأنّه يؤدي ما أوجبه ربّه عليه ، أمّا الحقيقة فهي أنّه دخل بعمله هذا نفقاً مظلماً يستتر فيه عن أعين بقيّة المؤمنين.
فقد قال صاحب الكليّات : يُقال خادع إذا لم يبلغ مراده. ويُقال خدع إذا بلغ مراده ( محيط المحيط ) فالملاحظ هو أنّ الله تعالى قد قال في هذه الآية الآنفة الذّكر بحقّ هؤلاء الذين يتكاسلون ويتثاقلون عند سماع صوت المؤذّن يناديهم إلى الصلاة قال : {يُخادعون الله } بمعنى أنّهم لا يفوزون بثمار صلاتهم الروحيّة من خلال إيهامهم ربّهم والمؤمنين بأنّهم يؤدّون صلاتهم.وقد ردّ اللّه عز وجلّ عليهم ونبذهم وقال{وهو خادعهم } بمعنى أنّ الله تعالى يحرمهم ممّا تضمّنته هذه الصلاة من وجبةٍ غذائيّة ومن علاجٍ روحيّ يساعد على رقيّ حالهم على درب العرفان الإلهي. ويدعهم لا يجنون ممّا يؤدّونه إلاّ النّصب والتّعب. وإلى هذه الحقيقة استند محمد رسول الله (ص) في قوله المأثور والوارد في كتب الحديث : [كم من مُصلٍ ليس له من صلاته إلاّ النّصب أو التعب] أو ما يُشبه هذه الألفاظ ودلالاتها.
وليلاحظ هذا السّائل كيف أنّ الله تعالى لم يكتف بما أورده من هذا الشرط في هذه الآية من سورة النساء والذي شرحناه ووضّحناه. بل إنّه تعالى راح يُعدّد في سورة التوبة صفات المنافقين. ومن تلك الصّفات التي ذكرها هناك قوله تعالى : { وما منعهم أن تُقبلَ نفقاتهم ، إلاّ أنّهم كفروا بالله وبرسوله ، ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم كُسالى ، ولا ينفقون إلاّ وهم كارهون.}. فقوله في هذه الآية الكريمة بحقّ المنافقين { أنّهم كفروا بالله وبرسوله } فلا يُقصد به الكفر المعروف ، بل قُصد به إنكارهم وجود فوائد روحيّةٍ كامنة في تأثير هذه الصلاة وتنتج عمّا يتلقّونه من أوامر إلهيّة ينقلها إليهم رسول الله ( ص ). فضعف إيمانهم بوجود مثل هذه الفوائد الرّوحيّة يدفعهم ليقوموا إلى أداء صلواتهم كُسالى غير نشيطين من جهة. ويدفعهم تكاسلهم هذا إلى اجتناب دفع ما أوجبته عليهم تعاليم هذا الدّين من تضحيات ماليّة وحسبما أشار إلى ذلك قوله تعالى بحقّهم ( إلاّ وهم كارهون ). يقول تعالى إنّ هؤلاء الذين ينكرون وجود هذه الفوائد الرّوحية، لا تُقبل تبرّعاتهم أيضا ويُحرمون من بركات هذه الصلاة الإسلاميّة المفروضة.
وعلى هذه الصورة أكون يا عزيزي القارئ قد أحطتك علما بتفاصيل ما تطلّبه هذا الشرط الأساسي الثالث لصحة الصلاة الإسلاميّة. علما بأنّ هذا الشّرط المذكور يدخل في باب التمهيد لأداء الصلاة لجني ما اشتملت عليه هذه الصلاة من بركاتٍ روحيّةٍ والتي قال محمد رسول الله (ص) بسبب ذلك وعلى حسب ما وصلنا من المأثور عنه في كتب الحديث : [ جُعلت قرّة عيني في الصلاة.]. وهكذا يكون هذا الشرط قد علّمنا كيف نستعد لأداء ما فرضه ربّنا علينا من فروض الصلاة الموقوتة ولنتعامل معها تعاملاً يدفعنا للفوز في ذاك الامتحان.
وأنتقل من ذلك لأتوسّع لك يا عزيزي القارئ في شرح موضوع شرح ما يتعلّق بحقيقة الشرط الأساسي الثاني الذي يؤهّل هذا المصلي لأداء صلاته تأهيلاً حقيقياً ويساعده على جني ثمار ما أعدّه ربّه له في صلاته من وجبة غذاء وعلاجٍ روحي.ٍ
فالمعلوم أني كنت قد ذكرت بأنّ الله تعالى قد ضمّن الآية (43) من سورة النساء هذا الشرط الثاني المشار إليه حيث قال هناك:{ يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جنباً إلاّ عابري سبيلِ حتى تغتسلوا ، وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم من الغائض أو لامستم النساء ، فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّباً ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ، إنّ الله كان عفوّاً غفوراً.}.
فقد ورد في ( المعجم الوسيط ) الطبعة الثالثة الصّادرة عن مجمع اللّغة العربية المصري : ( السُّكر : غيبوبة العقل واختلاطه من الشّراب المُسكرِ ، وقد يعتري الإنسان من الغضب أو العشق أو القوّة أو الظّفر. يُقال: أخذه سُكرُ الشباب أو سُكْر المال أو سُكرُ السّلطان أو سكر النوم
واستناداً إلى هذه المعاني التي أفادتها كلمة السكر وسكران ، إلى جانب ما سبق لي أن ذكرته في حينه.فإنّ شرط صحوة الذهن المطلوبة من المصلّي تساعده على أن يكون في صلاته صحو الذّهن حاضراً وبعيداً عن التأثيرات التي تتسبّبُ بها عوارض المرض والغضب والعشق ونشوة القوّة والظّفر.
وبهذه المناسبة فقد ذكر ابن كثير رحمه الله تحت تفسير هذه الآية نقلا عن الإمام أحمد قوله :
( حدّثنا عبد الصّمد ، حدّثنا أبي ، حدّثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال : قال رسول الله (ص ) : إذا نعِسَ أحدكمُ وهو يصلّي، فلينصرف وليَنمَ حتى يَعلمَ ما يقول.)- انفرد بإخراجه البخاريّ والنسائيّ- وليلاحظ القارئ كيف أنّ ابن كثيرٍ رحمه الله بالرّغم من إيراده لهذا الحديث الشريف الدّال على أنّ السُّكر حالةٌ يتسبّب بها النّعس ، فإنّه أكثر من الرّوايات التي تشير إلى أنّ المسلمين كانوا يحتسون الخمر أيّام كانوا يؤدّون هذه الصلوات المفروضة.ولا أدري كيف استساغ عقله تضاربه في تلك الأقوال المنسوبة إليه.
أمّا نحن ، وبين أيدينا هذا القرآن العظيم الذي وصلنا سالماً من كلّ عبثٍ ، فإنّ الله تعالى كرّه إلينا فيه شرب الخمرة وعدّها نجَساً ، وبذلك فلا يحلّ لمؤمن شُربُ الخمر بأيّ حالٍ من أحواله.
وليلاحظ القارئ الكريم أيضا كيف أنّ ربّه جلّ شأنه لم يشترط عليه هذا الشرط الثاني عبثاً. بل إنّه تعالى وضّح الحكمة منه في نفس هذه الآية سالفة الذّكر وقال: { حتى تعلموا ما تقولون.} أي أنّه تعالى اشترط على هذا المُصلّي أن يكون حاضر الذّهن وصحْواً ، كي يستعين بذهنه الصافي والحاضر لتدبّر ما يتلوه في صلواته من قراءات وأدعيةٍ وأذكار وليحيط علما بمدلولاتها أيضا.هذا وإنّ هذا الشرط الثاني يعني صراحةً بأنّ المُصلّي الذي لا يكون ذهنه صاحيا ونشيطا ، فلا يقدر أن يجني من صلاته خواصّ هذه الصلاة وفائدتها العلاجيّة الرّوحيّة. فحضور ذهن المصلّي يرتبط ارتباطاً موضوعيّاً في حقيقة الأمر مع ما تُفيده القراءات المفروضة في الصلاة والأدعية والأذكار.وعليه فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ الذي يدعو بدعاء سورة الفاتحة في صلاته ، عن غير وعيٍ منه لِما يدعو ربّه بها ومتضرّعا للحصول على ما تضمنته الفاتحة من مضمون ، يعود حاله كحال الذي تُجهده حركات الصلاة ، من دون أن يجني ما أراد أن يجنيه من هذه الصلاة .
والمُلاحظ هو أنّ الله تعالى قد قرن الشّرط الأساسي الثاني المذكور والمتعلّق بالحال الذي ينبغي أن يكون عليه ذهن المصلي ، أقول: إنّ الله تعالى قرن هذا الشرط بمستلزماته المُتعلّقة بجسد هذا المُصلي.هذه الشكليّات والمستلزمات التي ينبغي ألاّ ننفصل بشكلٍ من الأشكال عن الصحوة الذهنيّة. ولقد عبّر اللّه تعالى عن هذه اللّوازم والشكليّات وقال مضيفاً { ولا جُنباً إلاّ عابري سبيلٍ حتّى تغتسلوا ، وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم من الغائط أو لامستم النّساء ، فلم تجدوا ماءً ، فتيمّموا صعيداً طيّباً ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ، إنّ الله كان عفوّاً غفوراً.}.فالملاحظ هو أنّ اللّه تعالى عندما أنهى هذه الآية الكريمة أنهاها بقوله { إنّ الله كان عفوّاً غفوراً}وبذلك يكون اللّه جلّ شأنه قد أشار من خلال قوله هذا إلى أهميّة صحوة ذهن الإنسان ، وإلى أنّ الله تعالى لا يعفو ولا يغفر أن يصلّي المؤمن وهو سكران ، وأنّه تعالى يغفر ويعفو عمّا دون ذلك من هذه الشكليّات والمستلزمات من الأمور.
فالإنسان الذي يصلي حاضر الذهن ينبغي عليه أن يكون جسده طاهراً من الحَدَثين الأكبر والأصغر. فإن كان لم يجد ماءً لتحقيق تلك الطّهارة المطلوبة ، يُسمح له أن يتيمّم بترابٍ طاهرٍ ، فيمسح بوجهه منه ومن ثم يمسح كفّيه أيضاً. ويشمله عفو ربّه حينئذٍ المؤكّد بحرف ( إن ) والذي قال اللّه تعالى فيه : {إنّ الله كان عفوّاً غفوراً.}وهكذا تكون هذه الصياغة البلاغيّة التي صيغت بها هذه الآية الكريمة قد أعطت لِصحوة ذهن المصلي ، أهميةً أكبر ممّا لحالة جسد الإنسان الواقف لأداء الصلاة.لماذا ؟ السبب في ذلك أنّ القصد من الصلاة الإسلاميّة هو التأثير على نفس الإنسان وليس على جسده.
وبعد أن فرغنا من هذا البيان كان من واجبنا أن نتساءل يا عزيزي القارئ في هذا المقام : هل أحاط الفقهاء القدماء علماً بهذا الذي فهمناه وشرحناه من مُعطيات هذه الآية المذكورة ؟
وإجابة على هذا التساؤل أنقل للسّائل ما أوردته مؤلّفة
(فقه العبادات ) على المذهب الحنفي من أقوال تتعلّق بشروط
صحّة الصلاة. فهي كتبت تقول:
( ما تتوقّف عليه صحّة الصلاة قسمان : شروط وأركان. والشّروط هي ما تتوقف عليها صحّة الصلاة وغير داخلةٍ في ماهيّتها. أمّا الأركان فهي ما تتوقف عليها صحّة الصلاة أيضاً ، ولكنّها داخلةٌ في ماهيتها. وشروط الصلاة هي : أولاً _ الطهارة من الحَدَثين الأصغر والأكبر...ثانياً _ طهارة الثوب والجسد والمكان.. ثالثاً _ستر العورة.. رابعاً _ استقبال القبلة..خامساً _ دخول الوقت.. سادساً _ النيّة.. سابعاً _ التّحريمة وهي أن يقول الدّاخل في الصلاة{الله أكبر})
فهذه هي الشروط التي اشترطها أصحاب المذهب الحنفي لصحّة الصلاة. ولنُلاحظ كيف أنّهم لم يستمدّوا هذه الشروط من الآية الكريمة التي أوردناها ، بل جمعوا ممّا وصلهم من روايات القيل والقال وكأنّ كتاب الله لم يشتمل على شيءٍ ممّا ذكروه.مع أننا لاحظنا كيف أنّ الله تعالى قد اشترط في هذه الآية ( 43 ) من سورة النساء أوّل ما اشترط أن يكون المصلي حاضر الذّهن غير سكران ولأهميّتهِ. ومن ثمّ نصّ بعده وفي نفس الآية على ضرورة الطهارة من الحَدَثين الأكبر والأصغر وغيرهما من المستلزمات التي يقتضيها الوقوف بين يدي الله الأحد القدّوس.
وقد راحت المؤلّفة المذكورة تعدّد أركان الصلاة فكتبت تقول :
( الرّكن الأول _ القيام.. والرّكن الثاني _القراءة..والرّكن الثالث _ الرّكوع..والرّكن الرابع _ السجود الأول.. والرّكن الخامس _ السجود الثاني.. والرّكن السادس _ القعود الأخير..).
وقد عدّدت المؤلّفة المذكورة من خلال هذه الأركان التي أوردتها حركات الصلاة التي توارثناها بالتّواتر جيلاً بعد جيل عن رسول الله ( ص ).فهي عدّدت هذه الحركات التي يقوم بها المصلّي حين أدائه الصلاة فعلت هذا في وقت لا تحتاج فيه هذه الحركات هذه الأهمّية لتعدادها والتّركيز عليها في مقابل مضمون الصلاة نفسه الذي يدور حوله موضوع الغذاء الروحي وعلاج النفس البشريّة.والسبب في ذلك أنّ حقيقة الحركات التي يقوم بها المصلّي تقوم مقام قشرة الثمرة التي تغلّف لبّ تلك الثمرة وتحتلّ نفس المكانة من حقيقة الصلاة. وإن كان لا يجوز تجزئة موضوع حركات الصلاة عن مضمونها وعمّا اشتملت عليه هذه الصلاة من قراءات وأدعيةٍ وأذكار.ولا أريد أن أتجنّى على المؤلّفة المذكورة فأتّهمها بالجهل في موضوع حقيقة الصلاة الإسلاميّة بل أنقل عنها ما كتبته تحت عنوان : (حكمة تشريع الصلاة ) فهي كتبت تقول:
( الصلاة منجاةٌ وخشوعٌ ورياضةٌ روحيّة وتفريغٌ من هموم الدنيا وهي صلةٌ بين الخالق والمخلوق ، تُشعر بالقوة والسّند الرّوحي ووجهة الالتجاء ، وهي معراجٌ للرّوح ودرس الحياة اليوميّ العمليّ المتكرّر ، وهي تطهير للروح من أدران الذنوب ، وعصمةٌ من السّوء وإعمارٌ للقلب وهي شُكر الله على نعمٍ لا تعدّ ولا تُحصى.).
فمن الواضح يا عزيزي القارئ أنّ هذه المؤلّفة قد أعلنت بأنّ هذه الأمور التي ذكرتها وتحت عنوان (حكمة تشريع الصلاة)تشكّل في نظرها الحكمة من تشريع الله تعالى لهذه الصلاة الإسلامية. وهي قد عدّدت هذه الأمور ،كما تلاحظ ، على سبيل الوصف لما يجري في الصلاة لكنّها لم تُشر بصورةٍ من الصور إلى الآيات الكريمة التي استمدّت منها تلك المعلومات ، ولا أشارت إلى اشتراط اشتمال هذه الصلاة عليها كحقائق تشكّل أوّل درجةٍ على سُلّم العروج الرّوحي.
ثم إنّ هذه المؤلّفة قد استعملت لما ذكرته عنوان (حكمة تشريع الصلاة)على حين أنّ صاحب معجم ( محيط المحيط ) قال : ( إنّ الحكمة من الكلام تفيد في اللغة أدباً أو عظمةً أو تجري مجرى المثل. وأنّ علم الحكمة يُبحثُ فيه عن حقائق الأمور على ما هي عليه.). وأثبتت من خلال كلمة (حكمة) التي استعملتها ، صحّة جميع ما ذكرناه من حقائق العبادات وكونها وجباتٍ غذائية روحيّة تقوّم قوانا الباطنة ، وتؤهلنا لعرفان الله تعالى وللقائه. أثبتت ذلك من حيث لم تشعر ، ومن حيث لم تفكّر لحظةً واحدةً في الشّروط الحقيقية المنصوص عليها في كتاب الله عز وجلّ والتي تؤهّل المصلّي لجني الثمرات التي ذكَرَتْها ، ولربما وقعت في هذا كلّه بسبب أنّها تجمع ما ورثته عن الفقهاء القدماء بعقل تقليدي من دون أن تتبصّر أو تدقّق فيما نقلته .
وخلاصة القول هو أنّ ما نقلناه وناقشناه ممّا توارثناه عن الفقه الحنفي ، يدلّ دلالةً واضحةً على أنّ أولئك الفقهاء رحمهم الله قد أعطوا حركات الصلاة الأهميّة التي ليست لها في مقابل مضمون هذه الصلاة وما اشتملت عليه من قراءات وأدعية وأذكار ، فأفرغوا بعملهم هذا هذه الصلاة الإسلامية من مضمونها ومن حيث لا يشعرون بما فعلوه. حتى وإنّهم لم يفكّروا أصلا بالأسس العلميّة التي قامت عليها العبادات في الإسلام.وإنّ هذه الحقيقة التي بيّنتها تتطلّب من المفكّرين الإسلامييّن المعاصرين البارزين في هذه الأمّة إجراء مراجعة موضوعيّة حقيقيّة على جميع ما ورثناه في الكتب القديمة عن أولئك الفقهاء من تراث.
وأعود يا عزيزي القارئ إلى الكلام عن هذا الشّرط الثاني المتعلّق بضرورة توفّر الصحوة الذهنيّة أثناء أداء الصلاة هذا الشرط الثاني الذي في حال عدم توفّره لا يعود المؤمن يستفيد من صلاته الفائدة الروحيّة المرجوّة إن هو أغفله ، وترك السعي لوعي ما يتلوه ويدعو به في صلاته وما يردّده من أذكار. فإنّ الله تعالى حين قرن شرط حضور ذهن المصلّي ، بطهارته من الحدَثين الأصغر والأكبر ، فقد كان تعالى يرمي من وراء ذلك إلى تأهيل هذا المصلي ليكون طاهراً حين يقف بين يدي ربّه عز وجلّ يناجيه ويتضرّع إليه ، وليحدث بالتالي بينه وبين الإله القدّوس الذي يقف بين يديه تجانساً في الطهارة والقداسة ، وليساعده ذلك على تلقّي أنوار ربّه القدّوس.
وعلى هذه الصورة أكون قد استوفيت شرح هذا الشرط الأساسي الثاني وأحطتك به علماً لعلّك تكون قد استفدت ما رجوته لك وليعينك ذلك على أداء ما فرضه اللّه عز وجلّ عليك من فريضة الصلاة من صلوات خمس تؤدّيها وأنت ترجو من وراء ذلك أن تجذب محبّة ربّك وقربه ورضوانه ووفق ما نصّ عليه كتاب الله العزيز.ولتستفيد من وجبة الصلاة الغذائيّة ومن علاجها الرّوحي ، فلا تضيع صلاتك ، ولا تبتعد بفهمك التقليديّ الموروث عمّا تضمّنته الصلاة الإسلاميّة من فوائد وبركات روحيّة واجتماعيّة أيضا.
الفصل السادس
طرائق الرقيّ الروحيّ
وأنتقل بك الآن يا عزيزي القارئ لأبيّن لك وأشرح طرائق الرقيّ الروحيّ المطلوب أن تقطعه خلال مسيرة حياتك الإيمانيّة. لجني فوائد الصلاة وللاستفادة من علاجها الرّوحي ، وليتوفّر ما بين يديك المفتاحٍ الذي تفتح به باب رقيّك الرّوحي ، ولتضع بذلك أرجلك على أول درجات سلّم هذا المعراج الروحي المطلوب منك أن تعرج عليه.
ألا فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ سلّم الرقيّ الروح المطلوب قد نصّت عليه الآيات العشر الأوائل من سورة (المؤمنون) فإن شئت فهم مضامينها فأنصت واستمع إلى ما سأشرحه لك من تلك المضامين المصاغة صياغة بلاغيّة معجزة تأخذ بألباب المتدبرين من المؤمنين الذي يقومون بتدبّر هذه الآيات بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.وبدلالة الآيتين اللّتين استهلّ الله جلّ شأنه بهما سورة ( المؤمنون) واللّتين قال اللّه تعالى فيهما : { قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون.} وهما الآيتان اللّتان تضمّنتا هذا الشرط الأوّل الأهم وكما بيّنته وأشرت إليه من قبل.لذلك كان من واجبنا أن نتساءل : ما معنى { قد أفلح } ؟ وما معنى { خاشعون }؟
فبما يتعلّق بفعل ( أفلح ) قال صاحب ( محيط المحيط ) إذا قلت أفلح الرّجل فتعني أنّه فاز وظفر بما طلب. وما دام الله تعالى قد أدخل على فعل أفلح حرف التحقيق ( قد ) فقد عاد يؤكّد على فوز وظفر ما يسعى المصلّي للفوز والظّفر به من خلال أدائه لواجب هذه الصّلاة. لكنّ اللّه تعالى حين قال (قد أفلح المؤمنون) فقد أورد فعل (أفلح) مجرّدا عن صلته فلم يبيّن لنا حقيقة الفلاح الذي يتكلّم عن الفوز فيه.وكنت قد بينت من قبل أنّ اللّه تعالى حين يقدم على حذف بلاغيّ فإنّما يقصد من وراء هذا الحذف البلاغيّ تصريف الفعل إلى عدّة جهات لتوسيع دلالة الفعل المذكور.
وعليه كان من واجبنا أن نعرف تلك المعاني المقصودة من وراء حذف مضاف فعل (أفلح) فهو تعالى لم يقل أفلح في كذا وكذا.
وإنّ سبيلنا لمعرفة تلك المعاني بسيط وهو أن نسأل أنفسنا: لماذا نحن نقوم بأداء هذه الفريضة ؟ ونجيب أنفسنا بأننا نصلّي نزولا عند أمر ربّنا عز وجلّ الذي فرض علينا أداء هذه الصلوات الخمس في أوقاتها وهنا يبشّرنا ربّنا عز وجلّ من خلال فعل (أفلح) المحذوف صلته وهي حرف (في) يبشّرنا بأنّ اللّه تعالى قد تقبّل طاعتنا هذه وعليه يكون هذا هو المعنى الأول المقصود من قوله تعالى (قد أفلح المؤمنون).
ثمّ نسأل أنفسنا من جديد: هل أننّا صلّينا وفزنا بتناول وجبة غذاء روحيّة من خلال ما أدّيناه من هذه الفريضة ؟ ولمّا كنّا قد صلّينا (خاشعين) واستوفينا في صلاتنا الحالات المطلوبة لتأمين الخشوع. فإنّ اللّه عز وجلّ حين قال (قد أفلح المؤمنون) يكون قد قال لنا بألفاظ أخرى من خلال حذفه مضاف فعل (أفلح) قد أجابنا وقال: أجل لقد فزتم من جرّاء أدائكم هذه الصلاة (خاشعين) قد فزتم بالوجبة الغذائيّة الروحيّة المطلوبة.وإنّ هذه الإجابة تشكّل المعنى الثاني لفعل (قد أفلح)
ونسأل أنفسنا من جديد: هل ستفيدنا صلاتنا هذه التي صلّيناها (خاشعين) في جذب محبّة ربّنا وفي تحقيق المقصد من حياتنا ؟ ويأتينا الجواب من خلال قول ربّنا عز وجلّ (قد أفلح المؤمنون.الذين هم في صلاتهم خاشعون.) هذا القول المحذوف فيه صلة فعل (أفلح) ، بأنّ ربّنا تقبّل صلاتنا ويبشّرنا بأننا نحقّق المقصد من وجودنا في هذه الحياة الدنيا من خلال صلاتنا الخاشعة هذه.وعلى هذه الصورة نكون قد توصّلنا إلى ثلاثة معاني هي المقصودة من هذا الحذف البلاغي الذي أشرنا إليه.ومن هنا ندرك يا عزيزي القارئ عظمة هذا القرآن الكريم الذي تحدّى اللّه عز وجلّ به الجنّ والإنس من الناس.
وبألفاظٍ أخرى أقول : إنّ ربنا جلّ شأنه يا عزيزي القارئ حين قال: {قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون.}فقد اشترط تعالى على المؤمن المصلّي من خلال قوله هذا ألا يكتفي بأن يكون حاضر الذهن والفؤاد ، بل اشترط عليه أن يدعو بدعاء الفاتحة وأن يذكرُ بأذكار الصلاة المسنونة بضراعةٍ وفهمٍ لما يدعو به ويذكُرُه ، وهو متيقّنٌ بأنّه بفعله هذا يفوز ويظفر بما يرجوه من تناول غذاء روحيّ وعلاجٍ يفيده في تقويم ما اعوج من قواه النفسيّة وأخلاقه ومن خلال هذه الصلاة التي يؤدّيها. فإن لم يتوّفر له في صلاته الخشوع المطلوب ، فلن يجني من صلاته إلاّ النّصب والتّعب وعلى حسب ما أفتى به محمّد رسول اللّه (ص) نفسه. وعليه فإنّ توفّر شرط الخشوع الذي يعبّر عن حالة خضوع بين يدي ربّه وحالة خفض بصر وصوت بين يديه عز وجل وعن حالة ضراعة في صميم فؤاده وخشوع في جوارحه وسكون وتذلل وبعد عن الغلظة. أقول : إنّ توفير حالة الخشوع هذه تُعين هذا المصلي على الانتهاء عن ارتكاب الفواحش والمنكرات من بعد خروجه من جوّ الصلاة الروحيّ المذكور.فإن صلّى هذا المؤمن وواظب على صلواته الخمس في أوقاتها وبنفس هذه الرّوح التي ذكرناها ، يستشعر في نفسه بعد ذلك مدى قُربه من ربّه ، وينعم ببركات أذكاره وأدعيته المسنونة ، ويعود بعد مدّةٍ إنساناً ربّانياً ، وبعيداً عن الانسياق وراء ميوله وأهوائه وشهواته السّفلية.ذلك بأنّك أيّها المصلي حين تصلّي الصلاة المطلوبة فإنّك تدعو بدعاء الفاتحة وتذكر فيها ربّك مرّتين ومعدّداً صفاته السامية ومتوسّلاً إليه أن يجعلك من زمرة الذين أنعم الله عليهم من قبل من النبييّن والصّديقين والشهداء والصالحين .فإن أنت تلوت سورة الإخلاص بعدها تذكر فيها ربّك مرّتين أُخريين وتستحضر في ذهنك الدليل القاطع على وحدانيّة الله في ذاته وصفاته. فتنحني بين يدي ربّك معظّماً إيّاه وأنت تذكره ثلاثة مرات من خلال ما تكرّره في ركوعك وتقول (سبحانه الله العظيم). وتعود بعدها واقفاً ومردّداً: سمع لله لمن حمده لتستشعر في قرارة نفسك أنّ ربّك هو أقرب إليك من حبل الوريد.وقد استجاب تضرّعاتك التي تضرّعت بها بين يديه سبحانه وحينئذ تسجُد على أعتابه وتسبّحه ثلاث مرات من خلال ما تكرّره وأنت ساجد على أعتاب ربّك وتقول (سبحان ربّي الأعلى). وعلى هذه الصّورة تكون أيّها المصلي هذه الصلاة المطلوبة منك قد ذكرت اللّه تعالى في الرّكعة الواحدة أكثر من عشر مرّات وأنت في حالة متضرّع بين يديه جلّ شأنه ومتوسّلاً بأسمائه الحسنى ، ومطيعاً لأوامره عز وجلّ وأنت ترجو الفوز بمحبّته وقربه ورضوانه.
وهنا اسأل نفسك يا عزيزي القارئ: لماذا تذكر اسم الله عشرات المرّات في صلواتك اليوميّة ، وأنت تؤدي هذه الحركات ؟ وهل أنّ لذلك كلّه من أساسٍ علميّ معروف ؟ ومعلوم ؟ وعمليّ ؟
فالجواب العلميّ على هذا السؤال: أن أجل إنّ لهذه الحركات أصل علميّ.فأنت عندما تذكر ربّك عشرات المرات خمس مرّات في يومك ، تعود يشبه حالك إلى حدٍ كبير حال العاشقين الذين كلّما تذكّروا محبوبهم كلّما ازدادوا إليه شوقا ًوهياماً للقائه. وقد ثبت لدى علماء النّفس أنّ الذي يُكثر من ذكر إنسان أو ذكر شيءٍ بعينه تتولّد محبّته في فؤاده فهذا هو الأساس العلميّ الذي رُتّبَ ذكر الله تعالى عليه في هذه الصلاة الإسلامية عشرات المرّات في كلّ صلاة.
وأنت أيّها المؤمن المصلي هذه الصلاة الإسلاميّة لن يشبه حالك حال مجنون ليلي وغيره من العاشقين. بل إنّك تذكر إلهك الحيّ القيّوم الذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم ، والذي قال في مُحكم كتابه العزيز : {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيّكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة ويعلّمكمْ ما لم تكونوا تعلمون. فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون.يا أيّها الذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصلاة، إنّ الله مع الصابرين.}.أي أنّك يا عزيزي المصلي الصلاة المطلوبة منك بشروطها الأساسيّة ، لا يُقال لك كما قيل لمجنون ليلى ، بل يقال لك بأنّ ربّك يناديك من علياء سمائه أن { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون.} أي إيّاكم يا عبادي أن تكفروا بنعمة هذه الصلاة التي ميّزتكم بها عن سائر الصّلوات التي أتت بها الأديان السابقة. فهي صلاةٌ تبعث فيكم الحياة الروحية ، وتجذبون من خلالها محبّة الله ربّكم وقربه ورضوانه وتتمكنون بذلك من التعرّف عليه.
وليس في كلامي هذا ترغيبٍ وإيهامٍ يا عزيزي القارئ ، ولكنّه توضيح لصراطٍ مستقيمٍ سار عليه مليارات المليارات من العُبّاد من قبلنا ،أولئك الذين هرولوا وراء جذب محبّة ربّهم وللتعرّف عليه ، وفازوا جميعهم بهذه الجوهرة التي فقدها المسلمون المعاصرون. فيا سعد من يتعامل مع صلاته وفق ما وضّحناه له من شروطٍ اشترطها عليه ربّه في كتابه العزيز.
ولنلخّص الآن لك يا عزيزي القارئ ما سبق لنا أن بيّناه حتّى الآن حول الصلاة الإسلامية وحقيقتها، فلقد ذكرنا أنّ الصلاة مؤلّفةٌ من حركاتٍ هي أُطرٌ للصلاة ومن قراءات وأدعيةٍ وأذكارٍ لتشكُّل بمجموعتها ما توارثناه بالتواتر عن محمّد رسول الله ( ص ) من هذه الفريضة التي وصلتنا عن آبائنا ممّا لا يجوز لأحدٍ منّا تجزئتها ولا الإضافة عليها ولا أن نجري عليها أيّ نقصان.كذلك ذكرنا بأنّ حركات الصلاة هي بمثابة قشور الثمار المعروفة.والغرض من هذه الحركات أن تساعد هذا المؤمن المصلّي على التوجّه نحو ربّه عز وجلّ جسديّا وليساعد ذلك فؤاده على التوجّه بدوره إلى بارئه أيضا. ومن منطلق أنّ نفس الإنسان مخلوقة في إسار هذا الجسد المادّي ّ وتخضع للقوانين التي يخضع لها هذا الجسد.والمقصد الثاني من هذه الحركات التي يؤدّيها المؤمن وهو يصلّي هو أن تساعده هذه الحركات على صيانة ما انطوت عليه الصلاة من قراءات وأدعيةٍ وأذكار هي في حقيقتها بمثابة الرّوح لهذه الصلاة الإسلاميّة ولبّها ومضمونها.كما نكون يا عزيزي القارئ علمنا كيف تؤدي هذه الصلاة وظيفة هامّة وهو أن تُبعِدَ هذا المصلّي عن ارتكاب ما يدخل في مفاهيم الفحشاء والمنكر. وعليه تكون صلاتنا الإسلاميّة وسيلةٌ في حدّ ذاتها وليست بغاية. وأن نعلم بأنّ تأدية الصلاة لهذه الوظيفة مرتبطةٌ بتوفر ثلاثة شروط أساسيّة فيها هي: أن نكون صاحين ذهنيّا ومرتاحين جسديّا حين نقف بين يدي ربّنا عز وجلّ نؤدّي فيه صلاتنا المفروضة علينا فنعي ووعي ما اشتملت عليه من أدعيةٍ وأذكار بمعانيها ، وإلى درجةٍ توصل المصلي إلى حالة الخشوع بين يدي ربّه عز وجلّ.
وبعد أن فرغنا من بيان ذلك كلّه ، تراود هذا السائل أسئلة ثلاثةً لابدّ من تقصّي الإجابات عنها:
فالسؤال الأول: يتجلّى في حاجة هذا المؤمن الذي يسعى للتّعامل مع صلاته ، حاجته إلى معرفة القوانين التي سُنّت على أساسٍ منها حركات الصلاة.
والسؤال الثاني:_ يتجلّى في حاجة هذا المؤمن إلى معرفة الفلسفة
التي قامت على أساسٍ منها روح هذه الصلاة المشتملة على القراءات
والأدعية والأذكار المسنونة.
والسؤال الثالث_ هو ما دامت الأذكار المطلوب الأخذ بها خارج الصلاة مطلوبةٌ من المصلي ، ليسدّ بها كلّ نقصٍ حاصل عن أداء الصلاة نفسها ، فالمصلي بحاجةٍ إلى أن نُطلعه على ما نصّ عليه كتاب الله العزيز من نصوص متعلّقة بهذه الأذكار ، وأوقات أدائها. فهذه أسئلةٌ ثلاثةٌ هامّةٌ تُكمِلُ كلامنا عن موضوع التعامل مع هذه العبادات المفروضة التي أطلق كتاب الله عليها اسم صلاة.وأبدأ بالإجابة على السؤال الأوّل فأقول:
1ً- حركات الصلاة وقوانينها
بإمكاننا الإجابة على السؤال الأول المتعلّق بما قامت عليه حركات الصلاة من قوانين وذلك بأسلوب الاستقراء العلميّ. فإن نحن راقبنا ولاحظنا ما يقوم به المصلي من حركات ، تتراءى لنا حركات الصلاة من أنّها رُتّبت على صورةٍ معبّرةٍ ومُنسّقةٍ تنسيقاً فنيّاً هادفاً ومؤثّراً. فحالة الوقوف في الصلاة اتّسمت بسمة التأديب. ويرافقها دعاء الفاتحة الذي لا تصحّ الصلاة بدونه.وحالة الركوع تتسم بسمة التعظيم التي يرافقها ذكر الله بقولك ( سبحان ربّي العظيم ) وإنّ حالة السجود المعبّرة عن حالة من الخضوع الكلّي والتّسليم لمن نُصلي بين يديه ، يرافقها ذكر الله الموافق لهذه الحالة وهي (سبحان ربّي الأعلى ).
فإن أنت استقرأت يا عزيزي القارئ من ترتيب هذه الحركات وما تعبّر عنه تلاحظ بأنّها خضعت في ذاك الترتيب لمعطيات قانون التّطور الذي يمرُّ به المؤمن خلال مسيرته الإيمانية الروحية. فإذا عُدنا إلى معطيات الآيات التي صوّرت لنا المراحل التي تمرّ بها هذه النفس البشرية خلال تطورها بدافع العمل على تعاليم هذا الدين الحنيف، نلاحظ بأنّ التعاليم القرآنية قسّمت تطوّر هذه النفس البشرية إلى ثلاثة أطوارٍ وتبتدئ تلك الأطوار من حالة النفس الأمّارة بالسّوء ، ومروراً بحالة النفس اللّوامة وانتهاءً بحالة النفس المُطمئنّة التي تمثّل حالة السّجود لله ضمن حركات الصلاة.
وهكذا نصل وبأسلوب الاستقراء العلميّ إلى نتيجة وهي أنّ حركات الصلاة قد خضعت في ترتيبها لقانون التّطور وبذلك تكون هذه الحركات في حقيقة أمرها عبارة عن حركات رمزيّة معبّرةٍ وهادفة ونابعة عن حالة تأدُّب وطلب، وعن حالة تعظيمٍ للّه الذي وقفنا بين يديه ، وعن حالة سجودٍ واستسلام واطمئنانٍ بالله تعالى الذي آمنّا به واعتصمنا بحبل تعاليمه التي اشتمل عليها هذا القرآن المجيد.
وعلى هذه الصورة تبدو حركات الصلاة الإسلامية خادمةً وداعمةً ومحافظةً على ما اشتملت عليه هذه الصلاة من قراءات وأدعيةٍ وأذكار ، وبمثابة الطّبقة التي تغلّف الأجساد والثمار. فإن نحن أحطنا علماً بعلاقة الظاهر من كل شيءٍ بباطنه أي أحطنا علماً بالقوانين التي تربط ما بين جسد الإنسان ونفسه. نصل من ذلك إلى أنّ الله تعالى لم يقرن ما اشتملت عليه صلاتنا من قراءات وأدعيةٍ وأذكارٍ بهذه الحركات التي نؤديها في صلاتنا عبثاً. بل قرن تلك الأدعية والأذكار بما يرافقها من حركاتٍ معروفةٍ لحكمة كبيرة وضّحها قانون تبادل التأثير ما بين الجسد والنفس أو ما بين الظّاهر والباطن .وعليه فإنّ الغرض من هذه الحركات التي اشتملت عليها صلاتنا الإسلامية هو أن تترك كلّ حركةٍ منها تأثيراً إيجابياً على نفسيّة هذا المصلي الذي وقف بين يدي ربّه يدعوه بتضرّعٍ بين يديه ويذكره.
وانطلاقاً من وجود هذه القوانين التي أُسست على أساسٍ منها حركات الصلاة ، نُدرك بصورةٍ جازمةٍ أنّه لا يجوز فصل صلاتنا عن حركاتها بشكلٍ من الأشكال. بسبب أنّ هذه الحركات كان القصد منها مساعدة هذا المصلي على بلوغ ذروة الخشوع في صلاته.
وبهذه المناسبة يحقّ لنا القول بأنّ الفقهاء القدماء الذين ركّزوا على حرفيّة هذه الحركات وشدّدوا على ضرورة أداء أدقّ حركاتها ، قد فعلوا ذلك بسبب بُعدهم عن هذا الفهم الذي توصّلنا إليه. فكلّ ما هو مطلوب من هذه الحركات هو أن تساعد على وقوفٍ متأدّبٍ ، وعلى ركوعٍ فيه تعظيم وعلى سجودٍ معبّر عن حالة اطمئنان واستسلام لربّ العالمين. فالتّشديد الذي أورده الفقهاء في موضوع أركان الصلاة والذي شدّد على حركاتها قد اشتمل على تشدّدٍ وقيودٍ تُلهي المصلي عمّا قُصد به من هذه الحركات من حكمٍ ومقاصد ، لأنّها توقعه في حرفيات تافهة الدلالات ممّا لا حاجة بنا لإيرادها والكلام عنها في هذا المقام.لكن ما دمت قد قلت بأنّ حركات هذه الصلاة الإسلاميّة صيغت على ما هي عليه وهي هادفة ومعبّرة.فقد عاد من الواجب عليّ أن أعطي القارئ الكريم ما أدركته من مدلولات حركات الصلاة الإسلاميّة هذه لعلّها تفيده في تمتين روح أدائه لهذه الفريضة بوضوح رؤية وبيقين من عظمة صياغتها.
2ً- فلسفة حركات الصلاة
فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ حين رتّب فريضة صلاتنا الإسلاميّة على ما وصلنا منها بالتواتر فقد رتّبها معبّرة عن قيمٍ ودلالات.فما هي هذه القيم وتلك الدلالات ؟
ألا إنّ المصلّي حين يتوجّه في صلاته قِبَلَ البيت العتيق الذي كان النبيّ آدم قد أقامه في أرض مكّة المكرّمة كأوّل بيت أقيم لعبادة اللّه عز وجلّ.وهو البيت الذي تهدّم على مرّ الزمان وأعاد إبراهيم عليه السلام بناءه بمساعدة ابنه إسماعيل فقد كانت الغاية من توجيهنا في صلاتنا قِبل البيت الحرام ليذكّرنا بآدم من جهة وبإبراهيم وابنه إسماعيل من جهة ثانية وبما قاما به عبر الزمان.ولنعلن بأنّ بعثة محمّد المصطفى أكملت تلك السلسلة من الأنبياء الذين اصطفاهم ربّهم لتهذيب هذا البشر ولإيصاله إلى ما أوصله إليه هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.
واعلم يا عزيزي القارئ أيضا بأنّ المؤمن إذ يرفع يديه إلى مستوى أذنيه بعد توجّهه إلى الكعبة ويقول (اللّه أكبر).فإنّ هذه الحركة وهاتين الكلمتين ترمزان إلى أنّ هذا المؤمن قرّر عند أدائه صلاته أن يُلقي بمشاغل هذه الحياة وراء ظهره ليتوجّه بكلّيته خاشعاً بين يدي ربّه عز وجلّ وهو معتقد بأنّه وقف بين يدي مالك السماوات والأرض الذي هو أكبر من كلّ كبير.إذ من المعلوم أنّ الإنسان حين يريد تبديل الحديث في موضوع من المواضيع يحرّك يده بنفس الحركة وهو يقول لمحدّثه دعنا من هذا ولنتكلّم في موضوع آخر سواه.
واعلم يا عزيزي القارئ بأنّك حين تكبّر وتقف وقفة تأدّب واحترام وتعظيم بين يدي ربّك،فإنّك تفعل ذلك لتعبّر به عن خضوعك التام لربّك الذي هداك إلى هذا الدين الإسلاميّ الحنيف وأنت تريد من هذا التأدّب إعطاء اللّه جلّ شأنه قدره من المهابة والإجلال والإكبار وخضوعك للأوامر التي تضمّنتها آيات كتابه العزيز وأنت راجيا من ربّك أن يتقبّل منك صلاتك ويهديك صراط الذي أنعم اللّه عليهم من قبلك من النبييّن والصدّيقين والشهداء والصالحين.
واعلم يا عزيزي القارئ بأنّك بعد تلاوتك الدعاء بآيات الفاتحة وبشيء من آي الذكر الحكيم تركع وتقول: (سبحان ربي العظيم) فركوعك فيه تعبير تعظيم لذلك تراك وقد قرنت هذا الركوع بكلماتٍ تتضمّن تنزيه اللّه تعالى وتعظيمه حين قلت: (سبحان ربّي العظيم).وقد فعلت ذلك على شاكلة ما يفعله الإنسان العاديّ تجاه رئيسه وبصورة عفويّة ينحني لأمره بعد أن يتلقّى أوامره.
فإذا رفعت رأسك وعُدت واقفاً وقفة خشوع كما كنت قبل الركوع فقد لقّنك ربّك أن تقول: (سمع اللّه لمن حمده) وبمعنى أنّك أيّها المصلّي والداعي بدعاء الفاتحة سمع اللّه حمدك وطلبك الذي طلبته منه لكونه تعالى أقرب إليك من حبل الوريد واستجاب لك طلبك.فتصاب بالدهشة لسرعة استجابة ربّك لدعائك فتخرّ ساجداً على الأرض وأنت تسبّحه جلّ شأنه وتقول (سبحان ربّي الأعلى) ومقرّا بذلك بعظمة اللّه تعالى الذي تعبّده وأنّ إلى ربّك المنتهى.
واعلم يا عزيزي القارئ حين ترفع رأسك من السجدة وتقرأ التحيّات والصلوات الإبراهيمية قبل تسليمك وخروجك من الصلاة فأنت تؤدّي في حقيقة أمرك تحيّة وداعك لربّك الذي كنت تصلّي بين يديه والدعاء من اللّه تعالى لمحمّد المصطفى خاتم النبييّن (ص) أن يعطيه ما أعطى جدّه إبراهيم عليه السلام من عطاءات لكن على وجه الكمال وأنت تشير إلى أن يبعث محمّدا المقام المحمود الذي وعده به في هذا القرآن العظيم.
واعلم يا عزيزي القارئ أنّك حين تُنهي فريضة الصلاة تعود تفعل ما فعله المؤذّن حين نادى أصحاب اليمين وتوجّه بوجهه إلى اليمين فأنت تتوجّه بوجهك إلى اليمين وتخاطب إخوانك من (أصحاب اليمين) وتسلّم عليهم بالسلام الإسلاميّ المعروف وتعني من ذلك بأنّك غادرت عتبات ربّك وأنت أشدّ عزما على أن تصبح سلماً لهم.ومن ثمّ تفعل أيضا ما فعله المؤذّن حين توجّه إلى شماله ودعا غير المؤمنين من (أصحاب الشمال) إلى درب الفلاح فتخاطبهم أنت أيضاً وتسلّم عليهم بمعنى أنّك غادرت عتبات ربّك وأنت تنشد السلام لغير المسلمين إلاّ أن يكونوا هم البادئين بالعدوان.وبهذا التسليم المشار إليه يعبّر المسلم عن أنّ تعاليم دينه قد زوّدته بروح المحبّة والمسالمة وليس بروح البطش والإرهاب.
واعلم يا عزيزي القارئ أنّك تؤّكد هذه المفاهيم التي عبّرت
عنها حركات صلاتك الإسلاميّة حين تفرغ من التسليم وتذكر ربّك وتقول: (اللّهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام تعاليت يا ذا الجلال والإكرام) ومعنى هذه الكلمات واضح لكلّ من يسمعها كلّ الوضوح.إذ أنّ من أسماء اللّه الحسنى (السلام) وقد دعا اللّه عز وجلّ في كتابه العزيز إلى السلام وسترفرف في المستقبل القريب إن شاء اللّه العزيز على هذا الدين الحنيف وعلى العالم رايات السلام.
فهذه هي الفلسفة التي قامت عليها هذه الحركات المطلوبة من المسلم أن يؤدّيها خلال أدائه فريضة صلاته الإسلاميّة المفروضة عليه.وأن يرفق كل حركة منها بما يعبّر عن مضمونها.
وعلى هذه الصورة أكون يا عزيزي القارئ قد أكملت الكلام عن مضمون الصلاة وعن مضمون حركاتها.وأرى أنّ من واجبي الآن أن أمدّك ببعض المعلومات عمّا تضمّنته الصلاة من قراءات وأدعية وأذكار.
3ً- لا صلاة بدون (فاتحة الكتاب)
هذا العنوان تضمّنه حديث مرويّ عن رسول اللّه (ص) معناه هو أنّ الركعة من الصلاة التي لا يقرأ فيها هذا المصلّي (فاتحة الكتاب)التي هي البسملة فيكون قد أنقص من صلاته تلك الركعة الخالية من فاتحة الكتاب. هذا وإنّ هذا التشديد على تلاوة الفاتحة في كلّ ركعة من الصلاة قد وصلنا هو أيضا بالتواتر ولذلك تظهر أهمّية (دعاء الفاتحة) من خلال هذا الذي ذكرناه.
وبداعي هذه الأهميّة التي أعطاها رسول اللّه (ص) لقراءة البسملة في كلّ ركعة من ركعات الصلاة كان عليّ يا قارئي العزيز أن أعطيك فكرة واضحة عمّا انطوى عليه (دعاء الفاتحة) من مضامين اختصرت مضامين هذا القرآن العظيم ليساعدك ذلك على الدعاء بالفاتحة في كلّ ركعة من ركعات صلاتك على بيّنة ممّا تدعو به.
فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ (سورة الفاتحة) تنقسم من حيث مخاطبتنا ربّنا عز وجلّ ونحن ندعو بدعاء آياتها إلى قسمين:
ففي القسم الأوّل – الذي هو (الحمد للّه ربّ العالمين .الرحمان الرحيم. مالك يوم الدين.) فقد حمدنا اللّه تعالى وأثنينا عليه وعدّدنا صفاته التي تنبع منها جميع بقيّة الأسماء الحسنى. وقد كان أسلوبنا في حمدنا للّه عز وجلّ أننّا خاطبناه جلّ شأنه وكأنّه غائب عن أعيننا فلا نراه، لكننّا دعوناه ونحن موقنين بأنّه جلّ شأنه يرانا ويسمع حمدنا وثناءنا عليه.وإننّا بفعلنا هذا كنّا أشبه بالشعراء إذا وقفوا بين يدي الملوك يبدءون بمدحهم وبالثناء عليهم وذلك تمهيدا من جانبهم لكسب عطاءات الملوك.
وأمّا في القسم الثاني- الذي هو (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين.اهدنا الصراط المستقيم.صراط الذين أنعمت عليهم.غير المغضوب عليهم ولا الضالّين.) فقد انقلب الأمر في صيغة هذا الدعاء والخطاب بين يدي ربّنا عز وجلّ، فقد عُدنا ندعوه وكأننّا ننظر إليه ونقول (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) بدليل أننّا أوردنا كلمة (إيّاك) التي ابتدأنا بها دعاءنا.فهذه الكلمة مركّبة من (إيّا) وتشير إشارة مبهمة.لكنّ إدخال كاف الخطاب عليها ولتصبح (إيّاك) فقد تحدّد الخطاب فيها من أنّه موجّه مباشرة إلى الذات الإلهيّة المقدّسة.وقد أوردنا كلمة (إيّاكَ) منصوبة بالفتح لتحدّد ذات اللّه تعالى خاصّة. (محيط المحيط) أي أننّا فعلنا أيضا ما يفعله الشعراء الذين ما إن ينتهون من مديحهم الذي مدحوا الملوك الواقفين بين أيديهم يطلبون من هذا الملك ما جاءوا ليطلبونه منه وهو طلب أعطية أو هبة بدون مقابل إلا ما أقدموا عليه من مديح.
وهذا التقسيم الذي ذكرته لك يا عزيزي القارئ في أسلوب خطاب دعاء (فاتحة الكتاب) ورد محلّى بأبدع أساليب التأدّب وحسن الكلام ومصاغا صياغة بلاغيّة معجزة بسبب أنّ دعاء (فاتحة الكتاب) ورد وقد اختصر أهمّ مضامين هذا القرآن الكريم.فكيف تحقّق ذلك ؟
فمن المعلوم للعلماء الضليعين بعلوم هذا القرآن العظيم أنّ أهمّ ما اشتملت عليه آيات هذا الكتاب العزيز من مضامين هي :
العلم الأول- هو علم توحيد اللّه تعالى وذلك من خلال معطيات (أسماء اللّه الحسنى) التي أطلعتنا عليها آيات هذا القرآن الخالد.هذا وإنّ حمد اللّه تعالى الذي أورده القسم الأوّل من الفاتحة ومتضمّنا هذه الصفات الرئيسيّة الأربعة التي تنبع منها بقيّة أسماء اللّه الحسنى قد اختصر (علم توحيد الذات الإلهيّة المقدّسة) بجميع فروعه وبجميع حقائقه التي تضمّنتها عشرات بل مئات الآيات القرآنيّة الموزّعة في مختلف السور القرآنيّة.
والعلم الثاني- هوبيان المقصد من خلق اللّه تعالى لهذا الإنسان وإخضاع هذا المقصد من وجود هذا الإنسان لمعطيات فلسفة الابتلاء والامتحان في هذه الدنيا.وقد اختصره دعاء (إيّاك نعبد) هذا الدعاء الذي جسّم المقصد من خلق هذا الإنسان وهو أن يتعرّف هذا الإنسان على وجود خالقه عز وجل وليصبح عبداً حقيقيّا لخالقه جلّ شأنه من باب أنّ كلمة (نعبد) اشتقّت من قولك: عبد فلان اللّه تعالى ومعناه أنّه أصبح مطيعا للّه تعالى في سلوكه اليوميّ وخاضعا للّه تعالى وذليلا ومتواضعا بين يديه وخادما وملتزما بشرائع دين اللّه تعالى وموحّده (معجم أقرب الموارد ومحيط المحيط). وهذا مصداق قول اللّه تعالى (وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون.).
والعلم الثالث- اختصره دعاء (إياك نستعين) وجسّم موضوع ضعف هذا الإنسان واحتياجه إلى الاستعانة بمددٍ من خالقه عز وجلّ وهو متوكّل عليه.هذا الموضوع الذي اشتملت عليه عشرات بل مئات الآيات القرآنية الموزّعة على مختلفِ سور القرآن الكريم.وخاصّة منها قول اللّه تعالى (خُلق الإنسان ضعيفا) هذا من جهة،ومن جهة أخرى فإنّ قول اللّه تعالى في الآية 77 من سورة الفرقان (قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم فقد كذّبتم فسوف يكون لزاما.).قد تجسّم بهذا الدعاء.
علم العرفان الإلهيّ- كذلك اختصر دعاء (اهدنا الصراط المستقيم.) موضوع العرفان الإلهي واختصر سبيل الوصول إلى التعرّف إلى اللّه تعالى مباشرة وبدون توسّط أحدٍ من خلق اللّه تعالى إذ لا رهبانيّة في الإسلام واختصر بذلك عشرات بل مئات الآيات التي بحثت هذا الموضوع.
علم جذب المحبّة الإلهيّة- كذلك اختصر دعاء (صراط الذين أنعمت عليهم) وجسّم سلوك طريق المحبّة الإلهيّة الذي سلكه الأنبياء والصدّيقون والشهداء والصالحون الذين أصبحوا في حياتهم الدنيويّة من أحبّاء ربّهم جلّ شأنه.أولئك الذين ذكرهم اللّه تعالى في كتابه العزيز وقال (ومن يطع اللّه والرسول فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.) فاختصر هذا الدعاء من الفاتحة موضوع أولئك المنعم عليهم الذين تعرّضت لذكرهم عشرات بل مئات الآيات القرآنيّة الموزّعة على مختلف سور القرآن الكريم.
علم المنحرفين عن سبيل اللّه -كما اختصر دعاء (غير المغضوب عليهم ولا الضالّين.) الذي اختتمت به آيات سورة الفاتحة جميع المواضيع التي تعرّضت لذكر جميع الذين كفروا بالرسالات السماويّة وعادوها وما قصّ اللّه تعالى علينا من قصصهم وخاصّة ما تعلّق بأهل الكتاب منهم الذين انحرفوا عن تعاليم أنبيائهم وأصيبوا بالإفراط والتفريط.فدعاء (غير المغضوب عليهم ولا الضالين.) قد اختصر وجسّم تلك المواضيع التي اشتملت عليها ألوف الآيات القرآنيّة الموزّعة على مختلف سور هذا القرآن الكريم.
فمن خلال هذا التلخيص البلاغيّ الرائع لمضامين هذا القرآن العظيم والوارد على صيغة دعاء (فاتحة الكتاب) فقد أتت أهمّية ضرورة الدعاء بدعاء سورة الفاتحة هذه في كلّ ركعة من ركعات فريضة الصلاة الإسلاميّة.من باب أنّ الدعاء بفاتحة الكتاب يعيد إلى ذاكرة المصلّي وبصورة إجماليّة جميع ما أوردته آيات هذا القرآن الكريم من مضامين ينبغي أن يضعها المؤمن نصب عينيه لئلاّ يغيب عن ذهنه ما أنزله ربّه في كتابه العزيز من بيّنات وأحكام وتعاليم.
وبذلك أكون قد أعطيتك يا قارئي العزيز فكرة عامّة عن دعاء سورة الفاتحة وعن مضامينها التي اشتملت عليها وعن أهمّية هذا الدعاء وضرورة الدعاء به في كلّ ركعة من ركعات صلواتك اليوميّة لذلك
فأراني متوجّها يا عزيزي القارئ لأعطيك فكرة عامّة عن فلسفة الدعاء والأذكار التي اشتملت عليها فريضة الصلاة الإسلاميّة.
فلسفة الدعاء
فقد قلنا إنّ الأدعية والأذكار تشكّل في حقيقتها روح الصلاة الإسلاميّة وإنّك يا عزيزي القارئ حين تقرأ قولي هذا تندفع طالباً منّي أن أبيّن لك ما يتعلّق بهذه الأدعية والأذكار من مفاهيم وقوانين وفلسفات تزوّدنا بوضوح رؤية حقيقيّة في مجال مواضيع الأدعية والأذكار ولتساعد هذا المؤمن الذي يقف بين يدي ربّه يؤدّي ما كتبه عليه من فريضة الصلاة، ليصلّي عن قناعة ويقين بما وقف لتأديته وكيلا يؤدّي هذه الصلاة كما تفعل الببّغاء تقلّد دون أن تدري ما تفعله.
أوّلا- الدعاء وقوانينه وفلسفته
1ً- فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ مفهوم (الدعاء) وعلى حسب ما أورده أصحاب معاجم اللّغة العربيّة فقد قالوا: إن جلس فلان يدعو ربّه فمعنى هذا أنّ هذا قد رغب إلى اللّه تعالى بقلبه يبتهل إليه بالسؤال منه مستعينا فيما عند ربّه من الخير.فهو أمام حاجة أو حاجات ليس بإمكانه الحصول، عليها مادّية كانت هذه الأشياء أو كانت معنويّة،وهو متيقّنٌ بأنّ اللّه عز وجلّ هو مسبّب الأسباب وأنّه قال (ادعوني أستجب لكم) فإن استجاب اللّه تعالى لدعاء هذا الداعي، سواء أكان هذا الداعي مؤمنا أو غير مؤمن وفي حالة اضطرار، فآيات القرآن بيّنت أنّ اللّه إذا استجاب دعاء عبده فهو (فعّال لما يريد).
وأمّا عن الدعاء وحقيقته العلميّة والقوانين الناظمة له وفلسفته فينبغي عليك يا عزيزي القارئ أن تنطلق في فهم هذا الموضوع من منطلقين:
المنطلق الأوّل هو أن الإنسان مخلوق من (جسد وروح) وهي حقيقة أثبتها العلم الحديث من أنّ هذا الجسد المادّي من تراب ويعود عند الموت إلى التراب.وأنّ الروح وجهازها العقليّ خالدان فلا يفنيان بعد موت هذا الإنسان.وقد أتيت على بيان هذه الحقيقة في مؤلّفي (ماذا تعرف عن عقل هذا الإنسان ؟) فليرجع إليه.
والمنطلق الثاني هو أن توقن بأنّ اللّه عز وجلّ قد سنّ قوانين طبيعيّة تنظم أمور هذا الجسد المادّي، كما سنّ قوانين روحيّة تنظم أمور هذه النفس البشريّة.أي أنّ عالمنا هذا الذي وجدنا أنفسنا نحيا فيه يسيّره عالمان متوازيان من القوانين.عالم قوانين مادّية لنظم أمور جسد الإنسان، وعالم قوانين روحيّة نصّت عليها عقيدة القضاء والقدر،ولنظم الأمور المتعلّقة بروح هذا الإنسان وهو ما نطلق عليه اسم النفس البشريّة.ويطّلع على هذه الحقيقة من يراجع مؤلّفي (القضاء والقدر حقيقة كونيّة ثابته).
فإن أنت انطلقت يا عزيزي القارئ من منطلقنا الأوّل الذي أشرنا إليه تلاحظ وجود قوانين تنظم الجسد المادّي ويكون محورها (الماء). فكلّ ما هو من قبيل الجسد فمخلوق من نسبة كبيرة من الماء.وإنّ هذا الماء يخضع لقوانين مادّية تنظم تفاعلاته.فمن تلك القوانين المادّية ما تبدو فعّاليتها بفعل الحرارة التي تبخّر المياه ليتشكّل من هذه الأبخرة المتصاعدة سحباً ممطرة يسيّرها ربّنا لتهطل في جوّ معيّنٍ فيسقي اللّه تعالى ما يشاء إنزاله ممّا حملته تلك السحب من أبخرة مائيّة فيسقي هذه الأرض الميتة والعطشى إلى هذا الماء الهاطل فوقها.وبإمكانك أن تدرك يا عزيزي القارئ من خلال ما ذكرته لك وجود رابطة جدليّة تربط الأرض بهذه السماء التي هي فوقها.ومن خلال ما بيّنته من قوانين طبيعيّة تنظم كلّ شيء مادّيّ .وقد نصّ القرآن المجيد على ما ذكرته لك من حقائق وقوانين مادّية وذلك في الآية 30 من سورة الأنبياء التي قال تعالى فيما (وجعلنا من الماء كلّ شيء حيٍّ أفلا يؤمنون.) .
وإن أنت انطلقت يا عزيزي القارئ من المنطلق الثاني الذي أشرنا إليه تلاحظ وجود قوانين تنظم كلّ ما هو روحيّ.ويكون محورها (الوحي) أو ما يسمّى تجلّيات الذات الإلهيّة.فكلّ ما هو روح وليس بمادّة يخضع لقوانين قدريّة تنظمه.فمن تلك القوانين القدريّة (الدعاء). ويتصاعد عن الدعاء ما يتفاعل من آهات الصدور وحرقتها وصدورها عن أفئدة الناس ما يهزّ كيان العاطفة الأعظم التي يملكها اللّه عز وجلّ.فاللّه الذي يمثّل العاطفة الأعظم هو الذي غرس في فؤاد كلّ ما هو أنثى من طير وحيوان وإنسان هذه العواطف التي تتجلّى في تصرّفات تلك الأشياء. لذلك فإنّ الدعاء بحرقة القلب وآهات الصدور لابدّ أن يحرّك عاطفة اللّه الخالق نحو هذا الإنسان الذي رغب إلى ربّه يدعوه فيستجيب اللّه عز وجلّ لهذا الداعي الذي لا يخالف دعاؤه معطيات أسماء اللّه الحسنى وما أنزله اللّه تعالى من تعاليم سماويّة.وقد نصّ القرآن المجيد على ما ذكرته لك من حقائق روحيّة قائلا في الآية 186 من سورة البقرة (وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلّهم يرشدون.)علماً بأنّ اللّه عز وجلّ أمر رسوله الكريم (ص)وقال في محكم كتابه العزيز (قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم فقد كذّبتم فسوف يكون لزاما.).فقوله تعالى (ما يعبأ) فالعبء يطلق على (الثِقَل) ويصبح معنى (ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم) ما يبالي بكم ربّي لولا دعاؤكم.أي أنّ اللّه عز وجلّ يتدخّل استجابة للدعاء ولسماعه الآهات التي تصدر عن هذه الأفئدة التي هي في الصدور.
ثانيا- مفهوم الذكر الإلهي وفلسفته وأشكاله
1ً-المفهوم اللّغويّ لكلمة ذكر:
فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ مفهوم كلمة (ذكر) من حيث اللّغة وعلى حسب ما أورده أصحاب معاجم اللّغة العربيّة فقد قالوا:تقول ذكر فلانٌ الشيء معناه حفظه في ذهنه.أمّا إذا قلت:ذكر فلان اللّه تعالى معناه مجّد اللّه وسبّحه.وذكر اسم اللّه معناه نطق به.ومنه ورد في سورة الأعلى (وذكر اسم ربّه فصلّى).وقال في الكلّيات:فعل الذكر يتعدّى إلى مفعوله الثاني مرّة بعلى ومرّة باللام نحو قولك:ذكرته له.وقوله ولا تأكلوا ممّا لم يُذكرِ اسم اللّه عليه.وقيل إذا عُدّي بعلى يراد به الذكر باللّسان.وإذا ذُكر بالقلب استُعمِل غير مقرون بعلى.فهذا كلّه يتعلّق بمفهوم الذكر الإلهي من حيث دلالته اللّغويّة.
2ً- أشكال الذكر الإلهيّ:
وقبل الكلام عن فلسفة الذكر الإلهيّ أرى أن أعطي القارئ الكريم فكرة أوّليّة عن الذكر الإلهي وأشكاله فيما نصّت عليه آيات القرآن المجيد.فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ الذكر الإلهي بالمفهوم اللّغويّ الذي أوردناه لا يتعلّق بشكلّ واحد ولكنّ للذكر الإلهي القرآني أشكال متنوعة.
فخذ فريضة الصلاة نفسها فهي تمثّل شكلا من أشكال الذكر الإلهي.فالصلاة التي تعني الدعاء لغة ألا تلاحظ كيف أنّها مجرّد قراءات وأدعية وتعظيم وتسبيح ومناجاة ؟ وقد نصّ هذا القرآن الكريم في سورة الجمعة على أنّ الصلاة الإسلاميّة هي في حدّ ذاتها ذكر إلهي وقال : (يا أيّها الذين آمنوا إذا نودي إلى الصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه.).
ثمّ إنّ جميع ما يرافق الوضوء والتنقّل من مكان إلى مكان من جمل وأدعيةٍ ترافقها هي شكل من أشكال الذكر الإلهي.أفلا تقول يا عزيزي القارئ حين تغسل وجهك على سبيل المثال (اللّهمّ بيّض وجهي حين تسودّ الوجوه) ؟ فهذا الذي تقوله إنّما هو شكل من أشكال الذكر الإلهي في الدين الإسلاميّ الحنيف.
وأنت حين تأكل تقول (بسم اللّه الرحمن الرحيم) وهذا شكل من أشكال الذكر الإلهيّ أيضا.وأنت حين ترى آية من آيات الرحمان تسبّح ربّك وتعظمه وهذا شكل من أشكال الذكر الإلهي أيضاً.وأنت حين تدعو ربّك بأحد أسمائه الحسنى فأنت تذكر اللّه تعالى.
وعليه فإنّ الذّكر الإلهي يعني أن نستعرض بألسنتنا ، وبتخيّلاتنا وفي أدعيتنا أسماء محبوبنا الأعظم الذي نسعى للتّعرف عليه ، ولتُقرّ أفئدتنا ولنوقنَ بعظمة هذا المحبوب الذي نسعى للفوز بمحبّته ورضوانه. وهل يوقّر الإنسان شيئاً إلاّ على قدر معرفته بصفات ذاك الشيء ؟ فمن هنا تتأتّى أهمية الذّكر الإلهي وعلى ضوء هذه الأهمّية نبّه اللّه تعالى أذهاننا وقال في سورة العنكبوت: {ولذكرُ الله أكبر} وليس هذا وحسب، بل إنّه جلّ شأنه قد أمر في سورة الدّهر وقال : { واذكر اسم ربّك بُكرةً وأصيلاً.}، وليوضّح جلّ شأنه للمؤمنين بأنّ الذّكر الإلهي معناه أن نستعرض أسماء الله خالقنا ومحبوبنا بألسنتنا بكرة وأصيلا ، وأن نحاول التفكّر فيما تحمله هذه الأسماء الحسنى من دلالات.
فالمؤمن الذي يذكر ربّه صباح مساء ويداوم على هذا الورد
الذي يدعو به، تنجذب إليه ملائكة الله تعالى وتحمل إليه بشارات ربّه وبركاته وخيراته. فإن دعّم ذلك بالقيام بالاتّصاف بصفات وأسماء الله الحُسنى على الصّعيد العمليّ ، يأت عليه يومٌ تُصادقه فيه ملائكة ربّه ويراها بالتالي بأمّ عينيه. وهذه حقيقة استندت إلىتجارب المؤمنين الصّادقين. وعلى ضوءٍ من هذه الحقيقة راح الله جلّ شأنه يعظُنا في الآية التاسعة من سورة (المنافقون) ويقول : { يا أيّها الذين آمنوا لا تُلهكمُ أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله..}. ويحثّنا على ذكر اسمه ويقول في سورة الأحزاب: { يا أيّها الذين أمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ، وسبّحوه بكرةً وأصيلاً.}. وعليه فإنّ البكرة والأصيل وقتان اختصّهما اللّه تعالى بذكر الله وتسبيحه.أمّا البشر الملحد بوجود اللّه تعالى فإنّه لا يعطي الذكر الإلهيّ الأهمّية التي تعطيها إيّاه تعاليم كلّ دين من الأديان السماويّة وليس الدين الإسلاميّ وحده. والحقيقة هي أنّ موضوع الذّكر الإلهي يرتبط ارتباطاً موضوعياً بعقيدة توحيد الله تعالى في ذاته وفي صفاته. ولذلك فلا تخلو عبادةٌ من العبادات التي أمر بها الإسلام من ذكر الله أيضاً.فمن خلال هذه الحقيقة وهذا المنطلق ، نبّهنا ربّنا جلّ شأنه بما يتعلّق بموضوع الذكر الإلهي إلى أنّه : { ولذكر الله أكبر } بمعنى أنّ ذكر الله في جميع أحوال المؤمن يساعد على سدّ النّقص الذي يتأتّى عن أداء فروض الصلوات المكتوبة والموقوتة. فالذّكر الإلهي يدخل في باب النّوافل التي حثّنا محمد رسول الله(ص) على أدائها ولنستفيد منها ، وعلى حسب ما ورد عنه في حديثه القدسي القائل : [ لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل ، حتى أكون سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يُبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها] -رواه البخاري- فنوافل المؤمن تشكّل في حقيقة أمرها احتياطياً مستمرّ العطاء ، ولا غنىً عنه في مسيرة موضوع العرفان الإلهي. وهي مطيّةٌ عظيمةٌ يتقرّب المؤمن بواسطتها من ذات الله القدّوس وينجذب عن طريقها إلى جذب محبّة اللّه تعالى وقربه ورضوانه.
3ً- ما يولّده الذكر الإلهي من حالات: وبهذه المناسبة فلا تظننّ يا عزيزي القارئ أنّ القصد من الذّكر الإلهي أن يولّد في أنفسنا حالة لذّةٍ وطربٍ وكما تشاهده جلياً في حلبات ذكر المتصوّفين. بل القصد من ذكر الله أن تخشع قلوبنا وتخضع لأوامر ربّنا عز وجلّ وتطمئن بوجود وقدرات هذا المحبوب الأعظم الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوأً أحد. هذا وإنّ كلّ ذكرٍ إلهي لا يفي بهذا الغرض ، لا يدخل في باب الذّكر الإلهي المطلوب من المؤمنين الذّاكرين.
وبهذه المناسبة أيضاً فأنا أرى من المُناسب أن أُطلعك يا عزيزي القارئ على الحالات التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز ، والتي يولّدها الذّكر الإلهي الحقيقي في نفوس الذاكرين.
فأنت تطالع في الآية الثانية من سورة الأنفال ومن خلال قول اللّه تعالى فيها : { إنّما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وَجَلَتْ قلوبهم..} فتلاحظ بأنّه تعالى أطلعنا على إحدى الحالات التي تنتاب الذّاكرين ، والتي عبّر عنها في هذه الآية الكريمة بكلمة (وجَلَت). فما معنى ( وَجَلتْ قلوبهم ) ؟ فالوَجَلْ في اللغة معناه الخوف ، ومعنى ( وجلت قلوبهم ) أي خافت قلوبهم وفزعت وحذرت واتّقت. فالمؤمن الذي يذكر ربّه ويقول ( الله أكبر ) ويتدبّر معناه ، يصل إلى أنّه تجاه إلهٍ لا توازيه قدرات ولا علم ولا صفات أي شيءٍ في هذا الوجود فهو تعالى أكبر من كلّ قادر وأعلم من كلّ عالمٍ وأعظم من كلّ مفتخرٍ بصفاته. وهذا الذّكر وهذا التّصور الذي ينتجُ عن الذكر الإلهي يوقعُ في فؤاد هذا الذّاكر الرّهبة والخوف ممّا لله تعالى من مقام ، ويفزعهُ بالتالي ويحذّره من أن يُقدم على مخالفة أوامر ربّه عز وجلّ لينتهي به المطاف فيصبح من الذّاكرين المُتّقين والموقنين بما لربّهم من قدراتٍ وعلم وصفات.فهذه الأرضيّة الإيمانية هي التي تؤهّل هذا المؤمن الذّاكر أن يتوكّل على ربّه في جميع أحواله. ولذلك نُلاحظ بأنّ الله تعالى أكمل هذه الآية الكريمة وقال : { وإذا تُليت عليهم آياتُهُ زادتهم إيماناً وعلى ربّهم يتوكّلون}.
ثمّ إنّ اللّه تعالى وجّهنا في الآيتين ( 22 / 23 ) من سورة
الزّمر إلى معيارٍ واضح الدلالة على ما يفعلَه ذكر الله في أفئدة المؤمنين الصادقين ، وما يفعله في قلوب الناس القاسية قلوبهم والضّالين عن سبيل الله عز وجلّ.
ففي الآية الأولى قال اللّه تعالى : { أفمن شرح الله صدره للإسلام ، فهو على نورٍ من ربّه ، فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله ، أولئك في ضلالٍ مبين.} أي أنّ اللّه تعالى يصف في هذه الآية الكريمة الضّالين عن سبيل الله فيصفهم بصفة قساوة القلوب.
وأمّا في الآية الثانية التي قال اللّه تعالى فيها: { الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانيّ تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربّهم ثم تلينُ جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هُدى الله يهدي به من يشاءُ ومن يُضلل الله فما لهُ من هاد.}فمعناها أنّ المؤمن الذي يتدبّر ما أورده كتاب الله تعالى من تعاليم مُشابهةً لأحسن ما أنزل اللّه تعالى في الكتب السماوية السابقة من تعاليم صالحة للعمل ، يلاحظ كيف أنّه تعالى قد أوردها مصاغةً ( مثانيّ ) أي في أعلى مرتبة الصّياغة والنغمة الموسيقيّة وعلى صورةٍ إن أحاط الذين يخشون ربّهم بما تضمّنته تلك الآيات تقشعر جلودهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم ومن ثمّ تتوجّه بالتالي إلى ذكر الله لذلك كان من واجبنا أن ندرك معنى ( تقشعرّ وتلين ) ؟
ألا فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ كلمة ( تقشعرّ ) اشتقّت من قولك : اقشعرّ جلده بمعنى ارتعد وتقبّض وتخشّن وتغيّر لونه. ومن هنا وردت كلمة القشعريرة. أمّا كلمة ( تلين ) فقد اشتقّ فعلها من قولك (لانَ) فهو ضدّ صلب وخشن.ومن باب أنّ اللّيونة ضدّ الخشونة. وبألفاظ أخرى فإنّ المؤمن الذي سبق له أن كان من أهل الكتاب ما إن تقع عيناه على تلك التعاليم القرآنية المشابهة للتعاليم التي يعرفها حتى يرتعد وينقبض ويتغيّر لونه. لكنّه ما يلبثُ أن يشفى من عصبيّته وغضبه ويميل إلى ذكر الله تعالى وإلى تسبيحه وتعظيمه لتذكّره بأنّ القرآن الكريم لم ينكر أنّه اشتمل على تلك التعاليم المشابهة لتعاليم التوراة والإنجيل المنسوخين والتي ما تزال صالحة للإستعمال.
كذلك فإنّ الله تعالى استعرض عدداً من أسماء الأنبياء السّابقين وذلك في سورة مريم وانتهى من ذلك ليقول (58) : { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذريّته آدم ، وممّن حملنا مع نوحٍ ومن ذريّته إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتنبنا ، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّداً وبُكياً. فخلف من بعدهم خلْفٌ أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشّهوات ، فسوف يلقون غيّاً. إلاّ من تاب وآمن وعمل صالحاً ، فأولئك يدخلون الجنّة ،ولا يُظلمون شيئاً.}. وعلى هذه الصورة يكون الله عز وجلّ قد أطلعنا على حالةٍ من حالات الخشوع التي تعتري المؤمنين الذّاكرين و من خلال قوله تعالى { خرّوا سُجّداً وبُكياً }فأين دلالات كلمات ( وجلت ، تقشعرّ ، ثم تلين ، وسجّداً وبُكيّاً ) من حالات الطرب والوجد التي تتملّك أولئك الذي يسمّون أنفسهم (متصوّفة) ممّن يعاصروننا، هؤلاء الذين يُصغون إلى تلاوة آيات هذا القرآن المجيد ولا يتدبّرون معانيها ودلالاتها ؟
ولا ينبغي لظمآن أن يظنّ بأنّ الذّكر الإلهي يقتصر على ترديد أسماء الله الحسنى. كلاّ بل إنّ صلاة النافلة وغيرها تدخل في باب الذّكر الإلهي لقوله تعالى في سورة طه : { إنني أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدوني ، وأقم الصلاة لذكري.}. كذلك فإنّ تلاوة القرآن الكريم قد سُمّيت ذكراً أيضاً ، أفلم نقرأ قول اللّه تعالى في سورة الحجر : { إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون.} ؟ فقد سمّى الله تعالى في هذه الآية آيات هذا القرآن العظيم ( ذكراً ). وعليه فإنّ المؤمن الذي يجلس يتلو شيئاً من آيات القرآن يكون من الذّاكرين.ولقد استعمل اللّه تعالى كلمة (ذكر) مرّة أخرى وعبّر بها عن الكلام الإلهي المبارك وذلك في سورة الأنبياء وقال { وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه أفأنتم له منكرون ؟}.
وعلاوة عن الصلوات والتلاوة ، فقد حضّنا الله جلّ شأنه على ترديد أسماء اللّه الحسنى لقوله تعالى في سورة النساء : {فإذا قُضيت الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم.} إشارة إلى أنّ مناجاة المؤمن ربّه عن طريق ذكر أسماء اللّه الحسنى من الممكن القيام بها (قياما وقعودا وعلى جنوبكم)حتى أنّ اللّه تعالى قال في سورة النّور: {رجالٌ لا تُلههم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله..} ثم إنّ الوعظ بشرح أسماء الله الحُسنى هو من قبيل ذكر الله أيضاً لقوله تعالى في سورة المدثّر: { يا أيّها المدّثر. قم فأنذر. وربّك فكبّر.}علماً بأنّ عمليّة رفع شأن اللّه تعالى وتكبيره هي عمليّة تتحقّق من خلال الصلاة الإسلاميّة ومن خلال تلاوة آيات القرآن الكريم ومن خلال شرح أسماء الله الحسنى ومن خلال إلقاء الضوء على عظمة ربوبيّة اللّه سبحانه وتعالى.
وعلى هذه الصورة فإنّ الصلاة والتلاوة وشرح أسماء الله الحسنى وترديدها. إنّ هذه الطرق كلّها تدخل في عمليّة الذّكر الإلهي. وإنّ الذي ينبغي ألاّ نغفل عنه يا عزيزي القارئ في مجال الذّكر الإلهي بهذه الطرق التي أتينا على ذكرها ، هو ضرورة المواظبة على القيام بأداء أيّ نوعٍ منها بانتظام وبدون أيّ انقطاع ، ليتمكّن هذا المؤمن الذّاكر ربّه بإحدى هذه الطّرق من جَنيِ بركات ما يقوم به وما يؤدّيه. كالنّبتة التي إذا زرعتها ، عاد من واجبك الدأب على سقايتها على الدّوام لتزدهر هذه النبتة وتتمتّع بمظهرها وأريج أزهارها.وإنّ الذي يتدبّر آيات هذا القرآن الكريم ، يبدو لعينيه بأنّ الله تعالى قد حدّد له ذكر الله في حالات المصائب ، وعلّمه ليقول وقتئذٍ ( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ).وأن يذكر ربّه في الأحوال القاهرة ويقول : ( لا حول ولا قوة إلاّ بالله).كما علّمه ربّه أدعيةً يدعو بها في شتّى المناسبات وتدخل جميعها في باب ذكر الله العظيم.ويستشفّ من روايات الإمام البخاري أنّ رسول الله ( ص )كان يذكر ربّه ويقول [سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ]. ويردّد أحياناً كذلك قوله [ لا إله إلاّ الله ] وعلى حسب ما رواه الترمذيّ.
واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ قد لفت أنظارنا إلى الأوقات المناسبة لذكر اللّه تعالى فقال تعالى في سورة طه: { فاصبر على ما يقولون وسبّح بحمد ربّك قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبّح وأطراف النهار لعلّك ترضى.}. بمعنى أنّك إن داومت أيّها المؤمن على الذّكر بقولك ( سبحان الله وبحمده سبحان ربي العظيم ) قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، بالإضافة إلى أطراف النّهار ومختلف أوقات الليل ، توهب قوّة الصّبر على ما يقولون.
كذلك فإنّ اللّه تعالى قد ركّز في سورة الدهر على ضرورة ذكر اسمه بُكرة وأصيلاً حيث قال فيها : { واذكر اسم ربّك بكرةً وأصيلا}. فهذان وقتان مختصّان بالذّكر بالقلب واللّسان ( لا إله إلاّ الله ).هذا ولقد استنّ لنا محمد رسول الله ( ص ) أن نذكر ربّنا عند الانتهاء من الصلاة والتسليم ، فنقول : ( اللهم أنت السلام ومنك السلام يا ذا الجلال والإكرام ). وأن نذكر بعدها ( سبحان الله والحمد لله واللّه أكبر ) كلّ واحدة ثلاث وثلاثون مرّة أما ( الله أكبر ) فأربع وثلاثون مرّة. وهو ذكر التزم به جميع المؤمنين.ولا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أنّ صلاة التهجّد هي في حقيقتها ذِكرُ نافلةٍ ليليّة أيضاً و تُعدّ من أرفع صلوات النوافل وأكثرها بركات روحيّة.
كذلك ينبغي أن تُدرك يا عزيزي القارئ بأنّ الله تعالى عندما أمرنا بالوضوء وبالتّوجه صوب الكعبة وبنيّة طاعته ، وبالصلاة جماعة ، وبمتابعة تلاوة إمام الصلاة ومحاولة استيعابها وفهمها. فإنّ الحكمة من جميع هذه الأمور هو إعداد المصلّي ليتوجّه في صلاته بكلّيته نحو ربّه عز وجلّ ، وليتوفر له حالة الخشوع. لذلك فإنّ من واجب هذا المؤمن أن يقوم بهذه الأمور بهذا الفهم وبهذا اليقين ، فلا يتلهّى خلالها بأحاديث جانبيّة ولا أن يتوجّه بالنظر إلى فلان وفلان. وألا يزيغ نظره في الصلاة عن مكان سجود جبهته أيضاً . فإن وعى هذا المؤمن المصلي حقيقة العبادات وحقيقة الذكر الإلهيّ ، واستوفى في صلاته شرائطها جميعها التي اشترطها عليه ربّه عز وجل في كتابه العزيز ، وحاول أداء صلواته على أوقاتها ، وهو متفهمٌ لفلسفةِ حركاتها ، وفلسفة ما هو مكتوبٌ عليه أن يتلو فيها من أدعيةٍ وأذكار . أقول: إن حاول هذا المؤمن المبايع أن يحيط علما ويتقيّد بجميع ما ذكرته له آنفاً يصحّ أن يُقال عنه حينذاك أنّه سيفوز في تعامله مع صلاته ويجني إيجابياتها ، ويتجنّب سلبياتها ، ويكون بذلك قد استفاد من فلسفة حياته الدّنيا إن شاء الله العزيز. ولا شكّ أنّ الإنعام على مثل هذا المؤمن يكون على قدر عمله. ويكفي هذا المؤمن أن يحيا مطمئنّاً بذكر الله عز وجلّ ، وعلى حسب ما ورد في سورة الرّعد : { الذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر الله ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.} علماً بأنّ حالة الاطمئنان هذه تدفع عن صاحبها كثيراً من الأمراض وعلى حسب ما أثبته العلم الحديث. ويكفي هذا المؤمن أن تصبح صلاة هذا المؤمن معراجاً روحيّاً له ليُفلِح بالفوز بمحبّة ربّه وبقربه وبرضوانه.
4ً- فلسفة الذكر الإلهيّ:
فإذا أردت يا عزيزي القارئ أن تطّلع على فلسفة الذكر الإلهيّ فاعلم أنّ بإمكانك أن تتبيّن موضوع فلسفة الذكر الإلهي من ناحية إدراكك أنّ ما تسمعه من أصوات أو ما تتخيّله من تتصوّرات لا يمضي هذا جميعه هكذا بل تترك الأصوات التي تسمعها والأخيلة التي تمرّ في ذهنك تترك هذه جميعها آثارا في شعورك وفي لا شعورك وحتّى أنّ هذه الآثار تتجلّى في بعض ما تحلم به وأنت نائم.
فإن أنت عكست هذه المعادلة فتجاهلت ما سمعته وكرهت ما تخيّلته فإنّ الآثار تلك التي تركتها الأصوات والأخيلة تبدأ في الانحلال والزوال وتصبح في طيّ النسيان.
وبسبب هذه الآثار التي تتركها الأصوات والتصوّرات التي لفتّ نظرك إليها يا عزيزي القارئ والتي قامت على أساس منها فلسفة الذكر الإلهيّ ، فإنّك تلاحظ يا عزيزي كيف يتمايل المستمعون في مجالس الطرب والحفلات الساهرة يتمايلون طربا وتلاحظ كيف أنّ هناك مَن يعزف على الناي على مسمع من أفعى فتتمايل هذه الحيّة طربا أيضا.فمن هنا نشأت فلسفة الذكر الإلهيّ.
فإن أنت ذكرت اللّه عز وجلّ بإحدى أشكال الذكر الإلهيّ التي نبّهتك إليها واشتمل عليها كتاب اللّه العزيز فإنّ أصوات هذا الشكل من الذكر وما يرافقه من تصوّرات وتخيّلاتٍ تنقش في دماغك صورةً زاهيةً عن الذات الإلهيّة التي تعبدها وتعمل على أوامرها وعمّا اتّصف به هذه الذات الإلهيّة من أسماء حسنى.صورة تعطيك فكرةً رويدا رويدا عمّا تملكه الذات الإلهيّة المقدّسة من قدرات لا تحدّها حدود ولا يطال أبعادها خيال إنسان.وهكذا تكون يا عزيزي المؤمن بواسطة تقواك وبمعونة هذه الأشكال من الذكر الإلهيّ قد وضعت قدمك على عتبة طريق العرفان الإلهيّ.فالعارفون باللّه تعالى من هنا ابتدأت معرفتهم لقدرات ربّهم التي لا تحدّها حدود.ومن هنا تعرّفوا عمّا اتصفت تلك الذات الإلهيّة المقدّسة من أسماء حسنى تجلّى اللّه تعالى بها على هذا الكون المادّي.وبنتيجة ذلك برزت من مختلف مجتمعات جميع الأديان حين يكون الدين منها ينبض بالحياة،أقول برز من بين أتباعهم (عارفون باللّه تعالى) ليس على درجة واحدة من المعرفة ولكن على مستوى تعاليم الدين الذي انتسبوا إليه في الزمان والمكان الذي وجدوا فيه.أمّا اليوم فلم يعد يوجد على سطح كوكبنا الأرضيّ من العارفين باللّه تعالى سوى رجال ونساء انتسبوا إلى هذا الدين الإسلاميّ الحنيف وكانوا من المبايعين لإمام زمانهم بعد أن تعرّفوا إليه إذ أنّ كلّ من مات وليس في يده بيعةً لإمام مات ميتةً جاهليّة وعلى حسب ما روي عن المصطفى (ص)سيّد وُلد آدم ووصلنا ذلك بمختلف الطرق والأساليب.
5ً- كيف أصبحت الصلاة معراجا وعمادا
ويا عزيزي القارئ فلابدّ وأنك ما زلت تسمع منّي كلمات تظلّ مبهمة وضبابيّة في ذهنك وهذه الكلمات هي (تأثير روحي ّ، روحانيّة ، عروج روحيّ) ولا تدرك دلالاتها الحقيقيّة المقصودة منها.
أقول: فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ العمل على تعاليم الإسلام بفهم صحيح وبتقوى اللّه تعالى وبخلوص نيّة وخاصّة منها أداء فريضة الصلاة الإسلاميّة وبشروطها الأساسيّة فإنّ لهذا العمل المتواصل ثماره الروحيّة التي يقطفها المؤمن في دنياه وتعود هذه الثمار الروحيّة سفينةً لنجاته الأخرويّة.
إذ يبدأ هذا المؤمن بعد أن يبايع إمام زمانه وبعد أن يعاهد ربّه على العمل على تعاليم الإسلام بفهم صحيح وبتقوى ودأب وخلوص نيّة أقول يبدأ هذا المؤمن يتحسّس بولادة روحيّة ما كان ليتحسّسها قبل إيمانه باللّه تعالى وبهذا الدين المتين.
وإنّ العاقل الذي يدّعي ادّعاء ولا يقدّم دليلا لإثبات مصداقيّته لا يكون عاقلا.وإنّ دليلي على مصداقيّة ما ذكرته هو ما تضمّنته الآيات العشر الأولى من سورة (المؤمنون) هذه السورة التي تعتبر أحد فصول سورة (طه) وعلى حسب ما بيّنته للقارئ في مؤلّفي (فنّ الاختزال في القرآن الكريم).تلك الآيات العشر التي وردنا عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه أنّه روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : (لقد أُنزل عليّ عشر آيات مَن أقامهنّ دخل الجنّة.ومن ثمّ قرأ رسول اللّه (ص) تلك الآيات ابتداء من (قد أفلح المؤمنون) ، وانتهاء بالآية (والذين هم على صلواتهم يُحافظون.) - تفسير ابن كثير-
وأقول باختصار: إنّ هذه الآيات العشر قد بشّرت بهذه الولادة الروحيّة التي ذكرتها وقد فرضت على هذا المؤمن أن يلتزم حين تطبيقه أوامر وتعاليم دينه بهذا التدرّج الذي تدرّجت به معطيات هذه الآيات العشر ابتدأ من اليوم الذي بايع فيه هذا المؤمن إمام زمانه. وإنّ اللّه تعالى قد نبّه منذ الآية الأولى من هذه الآيات العشر وبصريح العبارة وقال (قد أفلح المؤمنون) وبيّن بأنّ المؤمن الذي يبدأ بإقامة هذه الصلاة التي سمّاها محمّد رسول اللّه (ص) (عماد الدين) وبشروطها الأساسيّة ابتداء من الخشوع أنّ الذي يؤدّي هذه الصلاة الإسلامية يكون قد أفلح وفاز بوضع قدمه على درب العروج الروحيّ.لذلك أكّد اللّه تعالى على استيفاء تلك الشروط الأسايّة وقال في الآية الثانية (الذين هم في صلاتهم خاشعون.) وتعلم يا عزيزي القارئ كيف أسهبت في الشرح من قبل وأنا أعدّد لك شروط صحّة الصلاة وما إليها من أمور.
وقد راح اللّه عز وجلّ يوضّح الشرط الثالث ليعين المؤمن على الاستمرار في عروجه الروحيّ فوضّح حقيقته وذلك في الآية الثالثة التي قال تعالى فيها (والذين هم عن اللّغو مُعرضون.).وبذلك يكون ابتعاد المؤمن عن الأمور التي هي من قبيل اللّغو كالمزاح البذيء وتضييع الأوقات في أمور لا جدوى منها شرطاً ثانيا للتدرّج في سلّم رقيّه الروحي.وإنّ على هذا المؤمن أن يلتزم به عمليّاً بعد المواظبة على تأدية الصلاة في أوقاتها وبشروطها.
ومن ثمّ فقد صرّح اللّه تعالى لهذا المؤمن أنّ من واجبه بعد ذلك أن يعتاد على تأدية ما فرضه ربّه عليه من فروض ماليّة وقال معبّرا عن ذلك (والذين هم للزكاة فاعلون.).فإن اعتاد دفع ما عليه من فرائض ماليّة كان من واجبه أن يصبح هذا المؤمن أسوة حسنة للناس بصورة عامّة وللمؤمنين بصورة خاصّة في موضوع المحافظة على شرفه وعرضه وصيانة نفسه من كلّ تصرّف مشين يسيء إلى سمعته ويغضب ربّه عليه وقد عبّر اللّه تعالى عن هذه الحقيقة بقوله (والذين هم لفروجهم حافظون.).ومستثنيا من ذلك الذي ذكره وقائلا (إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنّهم غير ملومين.).
وبعد أن كان اللّه عز وجلّ يبيّن لهذا المؤمن طريق سلوكه الروحي في الآيات السابقة تحوّل يهدّد هذا المؤمن الذي يبلغ هذه المرتبة الروحيّة ويحذّره من أن ينكث عهده كيلا يُحسب في نظر ربّه ممّن سمّاهم (العادون) وقال (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون.).
ومن ثمّ عاد اللّه عز وجلّ يؤكّد على هذا المؤمن الذي قطع أشواطا على طريق العروج الروحيّ أن يعود ملتزما بصورة عمليّة التزاما دقيقا في كلّ شيء يؤتمن عليه ويعاهد عليه وقال (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون.) وذلك من منطلق أهمّية تأدية الأمانات والوفاء بالعهود على صعيد تعامل هذا المؤمن مع غيره من الناس سواء أكانوا مؤمنين أو كانوا غير مؤمنين. فأوصاه ربّه عز وجلّ في الآية الأخيرة بهذا الذي ذكرته وقال جلّ شأنه: (والذين هم على صلواتهم يحافظون.).
فلمّا فرغ اللّه عز وجلّ من بيان ذلك كلّه بشّر المؤمنين الذين يلتزمون بما تضمّنه موضوع هذه الآيات الكريمة ومن حيث تطبيقها بهذا التدرّج على في سلوكه اليوميّ حين يعمد إلى عمليّة تطبيق تعاليم وأوامر ربّه عز وجل وقال (أولئك هم الوارثون.).فأورد كلمة (الوارثون) محذوفا منها مفعولها فلم يبيّن ما يرثونه وليوسّع دلالات هذه الكلمة (الوارثون) وليصبح تقدير هذه الآية الكريمة:
1ً- أولئك هم الوارثون للجنّة حسب رواية عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.وبدليل قول اللّه تعالى بعد هذه الآية الكريمة: (الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون.).
2ً- وأولئك هم الوارثون لثمار طاعاتهم وتقيّدهم بالشروط التي اشترطها
اللّه تعالى عليهم في هذه الآيات العشر وبتقوى اللّه تعالى المتحلّية بها جميع أفعالهم.
3ً- وأولئك هم الوارثون لأولئك الذين سبقوهم من المؤمنين الذين أنعم اللّه عليهم من قبلهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
ولا حظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى راح بعد هذا التعداد لهذه الشروط أقول راح يعدّد في مقابلها المراحل المادّية التي يتدرّج من خلالها خلق الجنين في بطن أمّه فأتى بالحرف (لقد) الدال على الابتداء إشعارا من جانبه تعالى أنّه راح يبيّن لهذا المؤمن كيف أنّه خضع منذ أن ابتدأ ربّه يصوّره في رحم أمّه ويظهر إلى حيّز الوجود قد أخضعه ربّه عز وجلّ لقانون التطوّر والارتقاء بالتدريج أيضا وقال: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين.ثمّ جعلناه نطفةً في قرار مكين .ثمّ خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مُضغةً فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثمّ أنشأناه خلقا آخر فتبارك اللّه أحسنُ الخالقين)
ولاحظ معي يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه عز وجلّ وبعد هذا البيان كلّه فقد راح يقول: (ثمّ إنّكم بعد ذلك لميّتون.ثمّ إنّكم يوم القيامة تُبعثون.ولقد خلقنا فوقكم سبعَ طرائقَ وما كنّا عن الخلق غافلين.). فلا تحسبنّ أنّ اللّه عز وجلّ انتقل في هذه الآيات الكريمة إلى موضوع جديد.بل إنّ من واجبك أن تعلم بوجود علاقة موضوعيّة ما بين دلالات هذه الآيات وما بين دلالات جميع ما سبقها من آيات.وإنّي لموضحٌ لك حقيقة هذه الرابطة الموضوعيّة المشار إليها آنفا.
ألا إنّ اللّه عز وجلّ قد راح من خلال هذه الآيات ينبّه أذهاننا إلى النتائج المرجوّة من وجود هذا المؤمن بعد أن يكتمل كيانه الروحيّ الذي سعى إليه بعد مبايعته لإمام زمانه وبعد ولادته ولادة روحيّة.فقد نبّهت الآية الأولى إلى أنّ الحياة الدنيويّة إنّما هي مرحلة انتقاليّة إلى الحياة الآخرة التي يُبعث الناس فيها من جديد وبكيانهم الروحي هذا الذي نشأ في دنياهم عن أعمالهم.فهذه الحقيقة عبّرت عنها الآية الثانية.
وأمّا قول اللّه تعالى في الآية الثالثة الأخيرة وهو: (ولقد خلقنا فوقكم سبعَ طرائق وما كُنّا عن الخلق غافلين.).فمن الملاحظ أنّه تعالى أتى بحرف الابتداء (ولقد) في أوّلها ليجيب على سؤال نشأ عن جميع
ما ذكره اللّه تعالى من أفعال قام بها وذكرها منذ الآية الأولى من هذه السورة. وفي الحقيقة فإنّ هذا السؤال يطرح نفسه بصورة تلقائيّة بعد تلاوة جميع الآيات التي سبقته وهو: هل أنّ اللّه عز وجلّ قد راعى حين صوّر الإنسان في رحم أمّه عل راعى هذه الولادة الروحيّة التي ستنشأ عن إيمان هذا المولود بعد أن يبلغ رشده ؟ وهل هيّأ لتلك الولادة الروحيّة طرائق عروجها الروحيّ المطلوب والمناسب لها على مدى حُقب تاريخ مختلَف الأديان التي سينزلها جلّ شأنه بعد بعثة آدم عليه السلام ؟
ولقد أجاب اللّه عز وجلّ على هذا السؤال المطروح هنا وحسب خصوصيّة كتابه هذا التي أشرت إليها في مؤلّفي (خصوصيّات القرآن الكريم المعجزة) أجاب على هذا السؤال المطروح هنا وأجاب بالإيجاب وقال: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ومن كنّا عن الخلق غافلين.) فأورد جلّ شأنه العدد (سبع طرائق) ليشير بها إلى المدارج التي أعدّها للمؤمنين المنعم عليهم بهذه الولادات الروحيّة وبالمقامات المناسبة لها.هذه الطرائق السبع التي نال محمّد المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم أعلى مقام فيها وحسب ما بشّره به ربّه في معراجه الروحيّ المعروف ولذلك لابدّ أن تكون قد لاحظت يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى أنهى هذه الآية بقوله تعالى: (وما كنّا عن الخلق غافلين.). وبمعنى أنّه تعالى حين صوّر وخلق وطوّر ما كان غافلا عما تضمّنه هذا السؤال الذي طرح نفسه في هذا المقام. بل خلق فوقنا سبع طرائق لاستقبال كلّ كيان روحيّ تولّد ونتج عن تطبيق تعاليم وأوامر اللّه تعالى التي أوردتها جميع الأديان المنزلة. وأنّ كلّ نبيّ وصدّيق وشهيد وصالح سيحتلّ منزلته هناك في تلك الطرائق السماويّة المعدّة لكلّ واحد منهم من أوّل الزمان وإلى انتهائه.
وهل تساءلت يا عزيزي القارئ عن دلالات كلمة (طرائق) التي أوردتها هذه الآية الكريمة ؟ فإن كنت سألت نفسك عن دلالتها أجيبك وأقول: ورد في معجم (محيط المحيط) : الطريقة هي الحالة وعمود المظلّة وشريف القوم وأمثلهم للواحد وللجمع وقد تُجمع كلمة طريقة على طرائق.فيقال هذا طريقة قومه وهؤلاء طرائق قومهم وطريقة الرجل مذهبه. وفي سورة الجنّ (كنّا طرائق قِددا) أي كنّا ذوي مذاهب وفرقا مختلفة..
واستنادا إلى هذه الدلالات التي أوردها المعجم المذكور لكلمة (طرائق) بتّ تُدرك يا عزيزي القارئ بأنّ طريقة الرجل مذهبه .وأنّ هذه المدارج السبعة التي أعدّها اللّه تعالى قد أعدّها لاستقبال شرفاء القوم ومن مختلف المذاهب التي أتت بها الأديان المنزلة.فكلمة (سبع طرائق) قد أشارت إلى ما أطلعناك عليه من حقائق روحيّة آنفة الذكر يقيناً.
الصلاة تؤدّى في المساجد جماعة
وأخيرا أقول: لقد تميّزت تعاليم الإسلام عن تعاليم الأديان التي سبقته في أنّه جعل من الصلاة ما تؤدّى بصورة فرديّة ومن الصلاة ما تؤدّى بصورة جماعيّة.وقد جرّد الإسلام الصلاة من جميع ما كان يرافقها من مراسم في الأديان السابقة.
كذلك فقد ألغى الإسلام تحديد الصلاة في أماكن محدّدة واعتبر الأرض جميعها مسجداً وطهورا وصالحة للعبادة.وإن كان المصلّون بحاجة إلى مكان يأويهم عند أدائهم صلاتهم جماعة.وقد أطلقوا على هذا المكان اسم (مسجد) ومعناه (مكان السجود) للّه عز وجلّ.والغاية منه جمع المصلّين جماعة تحت سقف واحد ولا يعني وجود مسجد امتياز أرض عن أرض.وقد كانت أمكنة العبادة في الأديان السابقة يُحسّن جوّها بالبخور أمّا المساجد فليست هي بحاجة إلى البخور ولا إلى عطور حادّة يتضوّع ريحها العطر ولتلعب في رؤوس المصلّين.بسبب أنّ المؤمنين المصلّين الذين يدخلون المساجد يدخلونها وهم متوضئين ولا يصدر عنهم ريح أثناء أدائهم صلاتهم المفروضة عليهم جماعة.ولا يعلّقون في هذه المساجد صوراً ولا ما شابهها من زخارف تشغل أذهان المصلين أثناء أدائهم لصلاتهم الخاشعة جماعة.فإذا اجتمع المصلّون في المساجد فهم يصلّون وراء الإمام ويصطفّون وراءه صفوفا متوازية متراصّة ومنتظمة .
وتتميّز صلاة الجماعة بالبساطة والخشوع والسكينة وعدم الإلتفات يمنة أو يسرة.وقد سوّت الصلاة الجماعيّة ما بين جميع المصلّين من الملك وحتى أبسط الرعيّة. فيصطفّ الملك والخادم صفّا واحدا في الصلاة والغني والفقير والقائد والجنديّ والقاضي والمتّهم جميعهم يركعون إذا ركع الإمام ويسجدون إذا سجد الإمام ويقومون إذا قام.فالإمام يتلو والمقتدون يصغون إلى ما يتلوه بانتباه تام ليعوا مضمونه.وعلى هذه الصورة يؤدّي المسلمون صلاتهم في المسجد يبدون متساوين جميعا نابع من إيمان بوجود إله واحد لا إله غيره ويخضعون له جميعهم بكامل البرّ والتقوى وبدافع من الأخوّة في الدين.وقد درج المسلمون في صدر الإسلام على استغلال المساجد بالإضافة إلى العبادة وأداء الصلاة كمدارس ومكان تُعقد فيه عقود النكاح كما تُعقد فيه مجالس حكم تجري فيه محاكمات وتفصل فيه دعاوى وشكايات. ولربّما لقلّة وجود الأمكنة الصالحة في ذاك التاريخ.
والمهمّ في الأمر هو أنّ الإسلام تميّز عمّا سبقه من ديانات بهذه الميّزة التي عبّرت عنها هذه المساجد التي تقام فيها الصلاة جامعة وتحمل في الوقت نفسه جميع ما ذكرته لك يا عزيزي القارئ من ميّزات.وإن كان المسلمون المعاصرون عادوا لا يمثّلون وهم في المساجد تلك الميّزات التي أوردتها آنفا من الوجهة العمليّة والتي جسّدها أصحاب محمّد رسول اللّه (ص) في حياته ومن بعد مماته وإلى مدّة طويلة.
خاتمة الكتاب
بما أنّ فريضة الصلاة الإسلاميّة ليست مستقلّة الوجود،بل هي مرتبطة بما قبلها من أذان ووضوء ومرتبطة بما بعدها من الصلاة جماعة في المساجد.فإنّ هذه الحقائق دفعتني لأكتب عن الصلاة إلى جانب الكتابة عمّ قبلها من حقائق وما بعدها أيضا.فاختصرت ذلك في الاسم الذي أطلقته على هذا الكتاب وهو (فريضة الصلاة وأداتها الإعلاميّة).
فتناولت أداة الصلاة الإعلاميّة التي هي (الأذان) بإلقاء الضوء على ما تميّزت به من ميّزات لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشريّة ووضّحت أبرز ميّزاتها وهو أنّها (دعوة تامّة) وليست هي بحاجة لأيّ تعديل في كلماتها.فليست هي بحاجة إلى القيام بالزيادة عليها بكلمات ولا الإنقاص من كلماتها.
فلمّا فرغت من ذلك كلّه حاولت شرح كلمات وصيغ هذه الدعوة الإعلاميّة التامّة شرحا لا هو بالطويل المملّ ولا هو بالقصير الذي لا يوفيها حقّها من الشرح.ولم أنس أن أتكلّم عن تلك الزيادة التي يضيفها المؤذّن حين يؤذّن لصلاة الفجر. وعلاقة هذه الزيادة بسنّة رسول
اللّه (ص) التي وصلتنا بالتواتر.وعن علاقة هذه الزيادة المشار إليها بمفهوم السنّة في الإسلام.وبذلك أنهيت الكلام عن هذه الأداة الإعلاميّة المسماّة (الأذان) .
ومن ثمّ التفتّ للكلام عن فريضة الصلاة الإسلاميّة فقدّمت لهذا البحث ببيان الأصول الأربعة لفرائض العبادات كما وضّحت حقيقة العبادات في تعاليم الإسلام.وهنا تناولت الكلام عن فريضة الصلاة الإسلاميّة وكيف أنّها مؤلّفة من أطرٍ خارجيّة هي حركاتها المعروفة. ومن مضمون هو ما يُتلى فيها من قراءات وأدعية وأذكار.وبالإضافة إلى ذلك فقد بيّنت تلك المقاصد والأهداف التي صيغت هذه الفريضة لتحقيقها.وأعطيت القارئ فكرة عن الصفة العلميّة التي تتّصف بها فريضة الصلاة.وانتقلت بعد ذلك للكلام عن الشروط الأساسيّة التي ينبغي توفّرها لتصحّ هذه الصلاة.فوضّحت هناك الشرط الأساسيّ الأوّل لصحة الصلاة وهو ضرورة توفّر حالة الخشوع فيها.وعلى اعتبار أنّ الصلاة هي عبارة عن وجبة غذاء روحيّة هادفة وكيف أنّ اللّه تعالى قد فرضها على هذا المؤمن (كتابا موقوتا).ولم أنس هنا الكلام عن الصلاة التي يغفل المصلّي عن أدائها بعذر شرعيّ وكيفيّة معالجة تلك الحالة بالاستناد إلى فلسفة الصلاة ومقاصدها.وقد بيّنت بهذه المناسبة بأنّ فريضة الصلاة هي وسيلة وليست هي بغاية بذاتها.وأثبتّ جميع ما بيّنته من معطيات آيات هذا القرآن العظيم.
ومن ثمّ تكلّمت عن الشرط الأساسي الثاني من شروط صحّة
هذه الصلاة وهو شرط الصحوة الذهنيّة.كذلك تكلّمت عن الشرط الأساسي الثالث وهو ضرورة توفّر النشاط عند الإقبال على تأدية فريضة الصلاة.
وبما أننّي كنت قد بيّنت بأنّ الصلاة هي عبارة عن وجبة غذاء روحيّة وتهدف تطوير نفس هذا الإنسان.فهذه الحقيقة كانت تعني بعبارة أخرى أنّ المؤمن المصلّي يتدرّج من جرّاء التزامه بأداء صلواته اليوميّة أقول يتدرّج في رقيّه الروحيّ.وإنّ هذه الحقيقة تطلّبت مني الكلام وشرح دلالات حركات الصلاة التي يقوم المصلي بها أثناء صلاته.وبيان القوانين الطبيعيّة التي استندت إليها حركات الصلاة أيضا.إلى جانب بيان فلسفة حركات الصلاة نفسها.وكيف أنّ رسول اللّه (ص) نبّه أذهاننا إلى أنّ الصلاة لا تصحّ أيّة ركعة من ركعاتها بدون (فاتحة الكتاب) هذه الفاتحة التي تدخل فيما ينبغي أن يقوم به المؤمن من قراءات في هذه الصلاة.
ولمّا كانت (فاتحة الكتاب) في حقيقتها عبارة عن دعاء مخصوص فقد كان من الواجب توضيح حقيقة الدعاء بشكل عام وفلسفته بالإضافة إلى بيان وتوضيح القوانين الطبيعيّة التي استند إليها الدعاء في الإسلام.فشرحت هذا كلّه بأسلوب علميّ وبمرجعيّة من آي الذكر الحكيم الوارد في كتاب اللّه العزيز.
والمعلوم أنّ مضمون الصلاة يتألّف إلى جانب القراءات والأدعية من أذكار أيضا.وإنّ هذه الحقيقة تطلّبت منّي الكلام عن مفهوم وفلسفة الذكر الإلهيّ في الإسلام.وعن القوانين التي استند إليها في جميع الأحوال.
وليس هذا وحسب بل وتكلّمت عن أشكال الذكر الإلهيّ الذي يأمر به تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.فابتدأت من بيان مفهوم كلمة (ذكر) ومن ثمّ عدّدت أشكال الذكر المطلوبة وبيان ما يولّده الذكر الإلهيّ من أحوال في نفس المؤمنين الذاكرين.كذلك وضّحت للقارئ فلسفة الذكر الإلهيّ المطلوب أداؤه من هذا الإنسان المسلم.
وبما أنّي سبق لي أن قلت بأنّ أداء فريضة الصلاة بشروطها الأساسيّة تساعد على تطوّر المؤمن روحيّا.فكان معنى ذلك أنّه توجد طرائق ليعرج المؤمن على سلّمها روحيّا من درجة إلى درجة أسمى منها.وإنّ هذه الحقيقة التي أشرت إليها دعتني لأوضّح مضمونها من خلال معطيان آيات القرآن الكريم.فوضّحت للقارئ كيف أنّ الآيات العشرة الأوائل من سورة (المؤمنون) هي التي وضّحت هذه الحقيقة ولكن بصياغة بلاغيّة معجزة.وعلى صورة عاد المؤمن متيقّن بأنّ مواظبته على صلواته تصبح له معراجا وعمادا.وشرحت تلك الآيات العشرة على صورة أفادت ما ذكرناه.
ولم أنس أن أختصر للقارئ جميع ما ذكرته له في هذا الكتاب بأسلوب جذّاب.وتحت شعار (كلمة أخيرة).وأنهيت هذا الكتاب بهذه الخاتمة التي سمّيتها (خاتمة الكتاب).فأحمد ربّي الذي وفّقني إلى بيان ذلك كلّه راجيا منه أن يبارك في كتابي هذا ويفيد به كلّ طالب حقيقة وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين. في 21 نيسان عام 2003
ســليم الجابي
ماجستير في علم الأديان المقارن
|