O
الإسلام
علّم : السلام والجهاد والقتال
فكرة عامة
لعلّ القارئ يعجب من هذا العنوان الذي وضعته لهذا المؤلّف. فقد اشتمل على متناقضات.إذ أنّ السلام يتنافى والجهاد والقتال.فأقول: لا تتسرّع يا عزيزي القارئ في حكمك على عنوان لم تطالع مضمونه بعد.وأرجوك أن تقرأ ما كتبته لك في هذا المؤلّف ، بقراءة متأنّية ، ومن ثمّ تبدي رأيك على بصيرة ممّا قرأته وأحطت به علما.
فيا عزيزي ! إن كنت تعجب ، فاعجب من أولئك الذين يمثّلون الإسلام في نظر أتباعهم في أيّامنا هذه ، ويطرحون تعاليم الإسلام التي تدور حول مواضيع (الجهاد والقتال والسلام) ، طرحا متناقضاً حقّاً، وإلى درجة عاد المرء يظنّ بأنّ تعاليم الإسلام متضاربة وهكذا طرحوا المواضيع المذكورة بعيداً عن معطيات دلالات آي الذّكر الحكيم . بل ما عاد خافياً عليك ما يجري هنا وهناك من تفجيرات وتدمير وسفك دماء بريئة على اسم هذا الدّين الحنيف البريء ممّا يفعلونه ويقدمون عليه . حتّى عادت تعاليم الإسلام مشوّهةً في نظر الكثيرين من الناس.
ولعلّك يا عزيزي القارئ ، ما إن تنتهي من مطالعة هذه الرسالة التي أوردتها على شكل كتاب ، إلا وتراجع نفسك ، وتعود تنظر إلى تعاليم هذا الدّين الحنيف نظرة احترام ، وتقديس بعد قراءته . فإن كنت قد أصبت فيما قلته آنفا ، فكلّ رجائي أن تدعو لي ، وأنا هذا الرجل الضعيف المحتاج إلى معونة اللّه الذي خلقني ، لأكتب على هذا النحو لفائدة عباد اللّه تعالى المضلّلين في أيّامنا هذه على وجه الخصوص .
وستراني أبدأ بالدخول في صلب المضمون الذي اشتمل عليه هذا الكتاب بعد هذا الذي سطّرته لك يا عزيزي ، والذي قصدت به أن يكون بين يديك عاملا على تخفيف سرعتك في إصدار الحكم ، ولمجرّد قراءتك كلمات عنونت بها هذا الكتاب .
وقد قسّمت هذا الكتاب إلى ثلاثة أبحاث.فبحثت في الأوّل منها موضوع (الســلام)فتناولت الكلام فيه بداية عن كيفيّة طرح الإسلام لموضوع السلام،ومن خلال أوّل ما أنزله اللّه عز وجلّ من وحي سماويّ على عبده محمّد بن عبد اللّه الصادق الأمين (ص) في غار حراء لذلك اضطررتُ لإعطاء القارئ الكريم فكرة ولو مختصرة عن دلالات سورة القلم.تلك السورة التي حدّدت لمحمّد رسول اللّه (ص) أُطرَ المسئوليّات الملقاة على عاتقه لإشهار وتبليغ تعاليم هذه الرسالة التي حمّله إيّاها إلى الناس كافّة.وقدّمت لإثبات مصداقيّة ذلك شواهد ضمنيّة أيّدت رأيي وما فهمته من دلالات سورة القلم.ولم أنس بهذه المناسبة استخلاص ما توصّلنا إليه من خلال جميع ما بحثته إلى تلك اللّحظة.
ومن ثمّ تساءلت هل أنّ اللّه عز وجلّ أنزل القرآن الكريم كلّه في (ليلة القدر) ؟ وما هو المقصود من كلمة (ليلة) الواردة في تلك السورة ؟ فأجبت على هذه التساؤلات.وقمت بعد ذلك بتلخيص تعاليم الإسلام،ووفق ما أفادتنا به سورة (القدر) من دلالات.سورة القدر التي لخّصت لنا تعاليم الإسلام في كلمة واحدة هي كلمة (ســـلام).ولم أنس بعد الذي شرحته وبيّنته القيام باستخلاص ما أفادنا هذا الشرح وتلك البيّنات.
وبعد أن فرغت من بحث (السـلام) ومن تقديم الأدلّة القاطعة على مصداقيّة ما بحثناه فيه.قمت بتنبيه ذهن القارئ الكريم إلى أنّ هذا الإسلام ما هو بتعاليم روحيّةٍ ليُستفاد منها وحسب،بل هو دين (دعوة إلى سبيل اللّه) أيضا.وأنّ كون الإسلام دين دعوة فقد حثّ الإسلام أتباعه على (الجهاد).ليس بمعنى القتال والقضاء على المخالفين ولكن بمعنى بذل جهد طاقة المؤمن لتبليغ تعاليم هذا الدين إلى الناس قاطبة.وإنّني بهذا الطرح فقد مهّدت للكلام عن موضوع (الجهاد) ،لذلك تراني يا قارئي العزيز قد انتقلت هنا من الكلام عن موضوع (الســلام) وبعد أن فرغت منه،إلى الكلام في موضوع (الجهاد) .
وحين تناولت موضوع (الجهاد) بالبحث عُدت فطرحت سؤالا عن الكيفيّة التي طرحت تعاليم الإسلام من خلالها موضوع (الجهاد) ؟ لذلك تراني يا عزيزي القارئ قد قدّمت هنا لهذا البحث الثاني بكلمة، ومن ثمّ قمت بإجراء تحقيق لغويّ حول كلمة (جهاد) فأثبتّ بعده مصداقيّة ما حملته آيات هذا القرآن الكريم التي أنزلها اللّه عز وجلّ في مكّة المكرّمة من بيّنات وردت فيها كلمة (جهاد) وبصورة موضوعيّة. وبهذه المناسبة فقد شرحت للقارئ الكريم دلالة هذا المصطلح القرآنيّ (جهاد في سبيل اللّه)، وقمت بتقديم الأدلّة على مصداقيّة ما قدّمته من
شرح.وقمت بهذه المناسبة بإثبات أنّ (الجهاد في سبيل اللّه) لا يعني إكراه الناس في عقائدهم،كما لا يعني قتل كلّ من يرتدّ عن دينه.ولم أنس هنا استخلاص الحقائق التي توصّلنا إليها ممّا بحثناه في موضوع (الجهاد)،وعلى هذه الصورة أنهيت هذا البحث الثاني من أبحاث هذا الكتاب.
وانتقلت في إلى الكلام في بحث (القتال)،فطرحت نفس السؤال الذي طرحته في مستهلّ كلّ بحث وهو كيف طرح الإسلام موضوع (القتال) ؟ وللإجابة على هذا السؤال قمت بالتقديم له بكلمة موجزة بيّنت بعدها الأخطار التي كانت محدقة بالدولة الإسلاميّة الناشئة التي تأسّست في المدينة المنوّرة.واغتنمت تلك الفرصة،فكشفت للقارئ الكريم ما كانت قد تضمّنته سورتا (الأنبياء والحجّ) من إنذارات وجّهتها إلى كلّ من اضطهد محمّدا وأصحابه في مكّة المكرّمة،وما يترتّب على إعراض هؤلاء عن أخذ تلك الإنذارات السماويّة بعين اعتبارهم.وبما أنّ مشركي مكّة لم يعيروا تلك الإنذارات أيّ اهتمام وتهيّؤا لملاحقة المسلمين في عقر دولتهم الناشئة،فقد أذن اللّه عز وجلّ للمؤمنين بقتال الذين يقاتلونهم ومن حيث أنّهم ظلموا،وأنّ اللّه على نصرهم لقدير.وورد هذا (الإذن بالقتال) من أجل الدفاع عن حرّية الاعتقاد وحفاظا على المقدّسات،ولم يكن هذا السماح بالقتال، قتالا هجوميّا بل قتالا دفاعيّا ليس إلاّ. واغتنمت هذه الفرصة هنا لاستخلاص حقائق ما كان قد جرى في الدور المكّي من حياة الدعوة الإسلامية.
وبعد الكلام عن هذا (الإذن) بقتال المشركين،وضّحت للقارئ الكريم كيفيّة تحقّق ما وجّهته سورتا (الأنبياء والحجّ) من إنذارات موجّهة إلى كلّ الذين اضطهدوا محمّدا وأصحابه في مكّة المكرّمة.وكيف أنّ هذا
(الإذن) بالقتال قد ورد في الوقت المناسب لردّ اعتداءات المشركين عن الدولة الإسلاميّة الناشئة.وهنا أعدت ذاكرة القارئ الكريم إلى موقعة (بدر الكبرى) وما تمخّضت عنه من نتائج لصالح المؤمنين،وذلك لإثبات مصداقيّة ما كانت قد استهلّ اللّه عز وجلّ به آيات سورتي الأنبياء والحجّ من إنذارات مخيفة قد تحقّقت،وكان قد وجّهها إلى هؤلاء الذين قاتلوا محمّدا وأصحابه في موقعة بدر الكبرى بلا مبرّرٍ ومن دون توفّر توازن بين الفريقين في العدد والعتاد. ومن ثمّ بيّنت للقارئ الكريم ما أسفر عنه (القتال) باسم الدين من آثار . ومن ثمّ لفتّ نظر القارئ الكريم إلى الأسس والقواعد الجديدة التي قام على أساس منها (الإذن) بالقتال في الإسلام.واختلاف تلك القوانين عن تلك القوانين التي كانت سائدة لدى المشركين قبل الإسلام.وأثبتّ من خلال جميع ما بحثه في هذه الأبحاث الثلاثة عدم تضاربها بعضها مع بعضها الآخر.وقمت أخيرا بتلخيص مضامينها وبشكل يعيد إلى ذاكرة القارئ الكريم ما طالعه في هذا المؤلّف بصورة تقريبيّة مفيدة له.وإنّما الأعمال بالنيّات.ولكلّ امرئ ما نوى، وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين الذي أيّدني في كتابة هذه الأبحاث تأييداً ظاهرا للعيان.
20 ذي الحجّة عام 1424 هجري والموافق
11 شباط عام 2004م
ســليم الجابي
البحث الأوّل
كيف طرح الإسلام موضوع (السلام) ؟
من المعلوم لدى كلّ من اطلع على تاريخ نزول آيات هذا القرآن العظيم ، هو أنّ أوّل وحيٍ تلقّاه محمّد بن عبد اللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، هو أنّ الملَك جبريل عرض لمحمّد في الغار الذي كان يتحنّث فيه ، فقال له : اقرأ . وأجاب : ما أنا بقارئ . قال (ص): فأخذني فغطّني ، حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فغطّني الثانية ، حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني ، فقال : اقرأ. فقلت : ما أنا بقارئ . فغطّني الثالثة ، حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني فقال : اقرأ باسم ربّك الذي خلقَ ، حتّى بلغ (ما لم يعلم) .. الخ
وإنّ هذا المطالع للعلوم الدينيّة الإسلاميّة يا عزيزي القارئ يعلم أيضا بأنّ جميع الذين فسّروا آيات هذا القرآن الكريم من المفسّرين القدماء رحمهم اللّه ، قد أخذوا لهذه الكلمة (اقرأ) التي كانت أوّل وحي تلقّاه محمّد بن عبد اللّه والتي استهلّ اللّه عز وجلّ بها سورة العلق التي كانت أوّل سورة نزلت من سور هذا القرآن الكريم . أقول إنّ كلمة (اقرأ) هذه والواردة في هذه الرواية التي ذكرتها آنفا قد فسّروها بمعناها الحقيقيّ الذي تبادر منها إلى أذهانهم . وإنّ أولئك المفسّرين القدماء عندما فعلوا ذلك لم يحاكموا ما ورد في هذه الرواية المذكورة التي أوردتها كتب السيرة النبويّة المحاكمة العقليّة المطلوبة . ذلك أنه وهل يُعقل أن يُطلب من رجلٍ أمّيٍ أن يقرأ شيئا مكتوبا ؟ فلو صدف أن طلب امرؤ من رجل أمّي أن يقرأ شيئا ما . فإمّا أن
يكون هذا الذي طلب من هذا الأمّي أن يقرأ ، أنّه يجهل بأنّ المطلوب منه هو رجلٌ أمّي . أو أنّ هذا الطالب كان يعلم بأنّ هذا المطلوب منه القراءة أنّه رجلٌ أمّي ومع ذلك فقد طلب منه أن يقرأ ليفضحه ويسخر منه بين السامعين . أو أنّ هذا الطالب الذي أمر هذا الرجل الأمّي ، وقال له (اقرأ) قد أراد من طلبه هذا معنى آخر من هذه الكلمة (اقرأ) وغير ما تبادر منها لذهن السامع. وفي هذه الحالة فإنّ من واجب السامع لهذا الطلب أن يبحث عن هذا المعنى البديل المقصود والذي يوافق هذا المقام الذي قيلت فيه هذه الكلمة (اقرأ). ومعتبرا أنّ هذا الطلب وفي الحالة المشار إليها يعدّ قرينة تمنعه من الأخذ بالمعنى المتبادر من كلمة (اقرأ) لذهنه ، وهو طلبه منه أن يقرأ شيئا مكتوبا .
وعليه ففي نظري قد أخطأ المفسّرون القدماء الذين لم يحاكموا ألفاظ هذه الرواية المحاكمة العقليّة المطلوبة منهم ، وبذلك فقد أفسحوا المجال للمفكّرين ليسخروا من هذا المعنى الذي أفادته هذه الرواية المشار إليها ، وبشكل تلقائيٍّ ، هذا المعنى الذي لا يقبله عقل ولا منطق. إذ لا يُعقلُ أن يعلم (جبريل) عليه السلام أنّ محمّدا (ص) هو رجلٌ أمّي،ومع ذلك يطلب من هذا الأمّيّ أن يقرأ شيئا لوّح له به أمام عينيه . وقد تُفاجأ يا عزيزي القارئ بهذه الحقيقة التي طرحتها على مسامعك آنفا. فأراك تُسرع لتسألني عن المعنى المقصود من كلمة (اقرأ) والوارد في الرواية التي سمعتها وتستفسر منّي عن رأيي والمفهوم الذي توصّلت إليه في هذا الموضوع.فأبارك استفسارك هذا فأنت محقٌّ فيه، لكنّي أرجوك أن تتمهّل قليلا من جديد ، فلا تعجل لتحيط بما توصّلت إليه من رأي علما حول هذا المعنى المقصود من طلب الملَك (جبريل) الذي طلبه من محمّد بن عبد اللّه وهو في غار حراء وهو أن (اقرأ) . وهنا يتساءل كلانا في حقيقة الأمر عمّا قصد جبريل عليه السلام من طلبه من محمّد بن عبد اللّه (ص) أن (اقرأ) ؟
المقصود من (اقرأ) أن أشهر وبلّغ
فافرض يا عزيزي القارئ أنّه زارك صديق في يوم من الأيّام ، وقد أردت تحميل هذا الصديق سلامك ليبلّغه فلانا من الناس،فماذا تراك تفعل ؟ أفلا يصحّ عندك أن تُحمّل صديقك المذكور وتقول له : اقرأ فلانا منّي السلام على فلان ؟ وتريد من قولك هذا أن بلّغ هذا الذي أشرتَ إليه منّي سلامي ؟
فإن وَعيت يا عزيزي القارئ هذا المعنى الذي لفتّ إليه نظرك آنفا ، تستخلص تلقائيّا من هذه المحاورة معنى جديدا مقصودا من فعل الأمر (اقرأ) الذي وجّهه جبريل عليه السلام إلى محمّد بن عبد اللّه (ص) وهو في غار حراء وهو أن أشهر وبلّغ . ويكون فعل (اقرأ) المذكور قد استعمله جبريل عليه السلام بمعنى الإشهار والتّبليغ ولم يستعمله بمعنى طلب قراءة شيء من الأشياء من جانب محمّد بن عبد اللّه الرجل الأمّي المعروف بكونه أمّي .
ولكنّ الملاحظ هو أنّ اللّه عز وجلّ قد حذف مفعول فعل الأمر (إقرأ) ولم يبيّن لمحمّد ما ذا ينبغي عليه أن يُشهره وأن يقوم بتبليغه إلى الناس.وهنا وتجاه وجود هذا الحذف البلاغيّ المشار إليه كان علينا أن نتذكّر بأنّ المقصود من الحذف البلاغيّ هو المساعدة على تصريف فعل الأمر (إقرأ) إلى عدّة معاني ، وليس الأخذ له بمعنى واحد . وعليه فكأنّ اللّه تعالى ومن خلال حذفه لمفعول (إقرأ) هنا قد قال بلّغ الناس بأنّك قد أصبحت رسول هذه الأمّة من جانب ربّهم عز وجلّ بشيراً ونذيرا.والمعنى الثاني هو أنّك قد كُلّفت من جانب ربّك بشريعة جديدة تنسخ ما قبلها من شرائع سماويّة قد تلقّاها أنبياء من قبلك وقد باتت تعاليم شريعتك هي القابلة لمعالجة جميع ما طرأ من متغيّرات على حياة بني نوع الإنسان.فهذه المعاني جميعها قد أشار إليها حذف مفعول فعل الأمر (اقرأ) هذا الذي استهلّ اللّه جلّ شأنه به سورة (العلق) .وبهذه المناسبة فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ سور جزء (عمّ) الذي وردت فيه سورة العلق هذه إنّما
هو خلاصة أولى لجميع سور القرآن الكريم وأنّ سور المعوّذات هي الخلاصة الموجزة والثانية له.وهي حقيقة أشرت إليها في مؤلّفي (فنّ الاختزال في القرآن الكريم.وبإمكان القارئ مراجعة ذلك فيه .
فإن أنت عدت الآن يا عزيزي القارئ إلى نصّ الآية الأولى من سورة (العلق) والوارد فيها فعل الأمر (اقرأ) ،والتي قال اللّه عز وجلّ فيها آمراً محمّدا بن عبد اللّه (ص) أن (اقرأ باسم ربّك الذي خلق.). فإنّك تلاحظ بأنّ فعل الأمر (اقرأ) هذا قد اقترن بإضافة قوله تعالى (باسم ربّك) . وهي صيغة مُلفتةٌ لأذهان الباحثين من المفكّرين. فلماذا قال تعالى (اقرأ باسم ربّك) ؟ فإن علمت بأنّ هذه الآية قد صيغت بلسان عربيٍّ مبين. وأنّك إذا كنت مندوبا عن فلان بنقل أمر ما إلى فلان من الناس،فإنّك حين تقابله تقول له: جئتك بهذه الرسالة باسم فلان . كذلك فإن أنت حضرت جلسة محاكمة جرت في وزارة العدل وكان القاضي قد فصل في تلك القضيّة وأراد إصدار حكمه فيها. فإنّك ترى القاضي يقف في المحكمة على منبر الحكم حين يريد إصدار قراره هذا في تلك القضيّة ، ويقوم بإشهار قراره المقصود ، ويقول : (باسم الشعب السوري قرّرنا كذا وكذا.) فإن وَعيت يا عزيزي القارئ هذين المثالين اللذين ذكرتهما لك آنفا يعود من السهل عليه أن تجيب على تساؤلنا الذي طرحناه من قبل وهو : (لماذا قال تعالى اقرأ باسم ربّك ؟) . وتُدرك من نفسك بناء عليه أنّ المقصود من فعل الأمر الوارد في أوّل آية من آيات سورة العلق وهو (اقرأ باسم ربّك الذي خلق) أن اللّه عز وجلّ قد أراد من قوله هذا أن أشهر يا محمّد ما يأمرك ربّك بإشهاره ، وقم بإبلاغ ما يكلّفك ربّك إيّاه من رسالة سماويّة إلى الناس كافّة، أولئك الناس الذين هم في الأصل مّمن خلق اللّه عز وجل.فهذه هي يا عزيزي القارئ دلالة قول اللّه جلّ شأنه (اقرأ باسم ربّك الذي خلق) وهي أوّل آية حملها جبريل عليه السلام إلى محمّد بن عبد اللّه (ص) وهو في غار حراء. ولاحظ معي يا عزيزي كيف أنّ اللّه تعالى قد حذف هنا أيضا في هذه الآية مفعول فعل (خلق) فلم يقُل جلّ شأنه هنا (باسم ربّك الذي خلق هذا الإنسان) بل قام تعالى هنا بإجراء حذف بلاغيٍّ وليشمل من خلال هذا الحذف معنى أنّ جميع ما في هذا الكون من كائنات حيّة إنّما هي من خلق اللّه عز وجل.فجميع الكائنات الحيّة مخلوقة، وليس الإنسان وحده. لكنّ اللّه تعالى جعل تلك الكائنات غريزيّة وجعل الإنسان مفكّرا ولذلك تلاحظ أيضا بأنّ اللّه جلّ شأنه قد حصر تعاليم هذه الرسالة السماويّة المنزلة على قلب محمّد (ص)، قد حصرها بهذا المخلوق المفكّر المسمّى (إنسان) .ولذلك قال اللّه تعالى في الآية الثانية ( خلق الإنسان من علق.) فخصّص تعالى موضوع كلامه عن الإنسان وبيّن بأنّ اللّه الخالق قد أودع في جبلّة هذا الإنسان خاصّية (العلَق) وهي خاصّية البحث عن اللّه الذي خلقه والسعي للتعلّق بهذا الإله الخالق الذي خلقه أيضا. وبإمكاننا القول بعد الذي ذكرناه وبألفاظ أخرى أنّ الملَك جبريل عليه السلام قد أراد من خطابه الذي وجّهه إلى محمّد بن عبد اللّه (ص) أن يُعلِمَ محمّداً بأنّ ربّه قد قرّر أن يوسد إليه حمل رسالة الإسلام إلى الناس والقيام بإشهارها وتبليغها إلى الناس كافّة . ولم يكن المراد من قول جبريل المشار إليه أنّ جبريل كان يطلب من محمّد (ص) أن يقرأ شيئا لوّح له به في يديه وفي وقت هو يعلم فيه بأنّ محمّدا بن عبد اللّه هو رجل يتيم وأمّي لا يعرف القراءة ولا الحساب .
من هنا عاد بإمكانك يا عزيزي القارئ تفسير ما أجاب به محمّد (ص) على ما طلبه منه الملَك جبريل ، وقال : (ما أنا بقارئ) . فلم يكن قصد محمّد بن عبد اللّه (ص) أن يُشعِرَ جبريل عليه السلام بأنّه رجل أمّي لا يعرف القراءة ولا الحساب خصوصا وأنّ اللّه عز وجلّ الذي يحيط بعلمه كلّ شيء لا بدّ وأن يكون قد أطلع جبريل على أنّ محمّداً هذا رجل يتيم وأمّي ولا يعرف القراءة ولا الحساب. ومن هنا كان عليك يا عزيزي القارئ أن تدرك بأنّ محمّدا بن عبد اللّه (ص) كان قد قصد من جوابه (ما أنا بقارئ) شيئا آخر سوى هذا المعنى الذي تبادر لأذهان المفسّرين القدماء منه.والذي أراه هو أنّ محمّدا الذي تربّى في نعومة أظفاره في البادية وأصبح يلمّ باللّغة العربيّة كما يعرفها أهلها، أنّ محمّدا هذا قد فهم ممّا سمعه من الأمر الذي تلقّاه من الملَك جبريل عليه السلام بأنّ هذا الملَك مأمور من طرف مالكه مالك السماوات والأرض بأن يقوم بتكليف محمّد بن عبد اللّه مسؤوليّة حمل رسالة ربّه إلى الناس كافّة.ولذلك فإنّ محمّدا قد فوجئ بهذا التّكليف واستعظم تلك المسؤوليّة التي شاء ربُّ محمّد أن يكلّفه بها . وقد جاء رفض محمّد (ص) لهذا التّكليف المقدّس من باب أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان يتحنّث في غار حراء مدّة عشر سنوات بقصد أن يصبح نبيّ هذه الأمّة . بل كان يتحنّث هناك وهو يمفكّر في ملكوت السماوات والأرض ويتعبّد هذا الإله الذي خلقه من نطفة أمشاج. وقد أثبت محمّد بن عبد اللّه (ص) من خلال إجابته على هذا التّكليف الذي فهمه من هذا الأمر (إقرأ) ، أقول قد أثبت محمّد من خلال إجابته (ما أنا بقارئ) أنّه كان رجلا في غاية التّواضع ، والشعور بالعجز عن إمكانيّة تحمّله مسؤوليّة تلك الرسالة السماويّة أي أنّه لم يكن مقيما لنفسه وزناً أعظم من وزن سواه من الناس. وأنّه كان في غاية الإحساس بالمسؤوليّة التي كانت ستلقى على عاتقه من قبلِ ربّه عزّ وجل . ولذلك لاحظنا كيف أنّ محمّدا (ص) كرّر في كلّ مرّة كان جبريل يطلب منه ويقول (اقرأ) قد كرّر قوله (ما أنا بقارئ) أي ما أنا بلائق لحمل هذه المسؤوليّة الملقاة على كاهلي . وتذكّر يا عزيزي القارئ كيف أنّ محمّدا (ص) لم يرفض الأمر الذي وجّهه إليه جبريل عليه السلام. وإلاّ فلو كان قد رفض ذلك الأمر لكان ينبغي عليه أن يقول (لن أقرأ) .لكنّ محمّدا (ص) كان يكرّر ويقول في كلّ مرّة (ما أنا بقارئ) أي ما أنا بقادر على حمل هذه المسؤوليّة التي شاء ربّي أن يوسدها إلى شخصي الضّعيف. وكأنّ محمّدا (ص) كان يجيب على هذا التّكليف الذي حمله الملَك جبريل إليه فيقول بألفاظ أخرى : يا ربّ أنت تعلم بأنّي رجلٌ أمّي يتيم وعائل على الآخرين ولا مال عندي ولا عَتاد ولا رجال حتى أتمكّن من حمل هذه المسؤوليّة التي تكلّفني بها عن طريق هذا الملَك جبريل عليه السلام الذي كلّفته بنقل مشيئتك هذه إليّ . فهذا هو معنى (ما أنا بقارئ) . وإلاّ فلو كان محمّدا (ص) قد فهم غير ما ذكرناه لكان ردّ على جبريل عليه السلام وقال : أنا رجل أمّيّ لا أعرف القراءة والحساب فأنّى لي أن أتمكّن من القراءة .
سورة (العلق أو القلم) ولمحة عن مضمونها
ألا فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ المفسّرين القدماء رحمهم الذين أخطؤوا من أوّل خطوة في تفسيرهم لكلمة (اقرأ) فقد أبعدهم خطؤهم هذا عن جادّة الصواب فيما ذكروه بعد ذلك من معاني لآيات سورة العلق ودلالاتها. من هنا كان من واجبي أنّ أثبت لك يا عزيزي حقيقة ما أتت به آيات سورة (القدر) من بيّنات وأنه كان المقصود من كلمة (اقرأ) التي وجّهها الملَك جبريل إلى محمّد بن عبد اللّه (ص) في غار حراء، أنّه كان المقصود منها أنّ اللّه تعالى قد أوسد إلى محمّد مسؤوليّة حمل رسالة تعاليم الإسلام وأنهّ تعالى يأمر محمّدا من خلال الأمر (اقرأ) بأن يُشهر هذه الرسالة السماويّة ويبلّغها إلى الناس كافّة. وأنّ ما يثبت مصداقيّة هذا المعنى هو أنّ اللّه جلّ شأنه قد راح يأمر هذا الرجل الأمّي المكلّف بحمل هذا الوحي المنزل عليه ضرورة القيام بإشهاره وبتبليغه إلى الناس كافّة وهو معنى نشأ ممّا أكمل اللّه به أمره الإلهيّ المذكور وقال (اقرأ باسم ربّك الذي خلق.) علما بأنّ اللّه تعالى قد أجرى هنا حذفا بلاغيّا فلم يبيّن مفعول فعل (خلق) من أجل تصريف فعل الخلق وإشارته إلى أنّ جميع ما في هذه الأرض من كائنات حيّة هي كائنات مخلوقة.وقد جاء هذا الأمر الإلهيّ ليعني لمحمّد بن عبد اللّه أن أشهر ما أكلّفك به ومن منطلق أنّك نبيّ اللّه الذي ربّاك وطوّرك إلى أن أصبحت لائقا لتكلّف من قبل ربّك الذي خلق جميع ما في هذا العالم من مخلوقات لتكلّف بإشهار هذه التعاليم السماويّة ولتبليغها إلى الناس كافّة.وقد راح اللّه تعالى يقدّم بعد هذه الآية الأولى التي تضمّنت هذا الذي ذكرته لك من حقائق وبيّنات،وقد راح اللّه جلّ شأنه يزوّد محمّداً (ص) بدليل وموجبات وحيثيّات هذا الأمر الإلهي الذي أصدره إليه وتضمّنته كلمة (اقرأ) .
ولاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى قد وضّح في الآية الثانية حيثيّات وموجبات إنزال رسالة هذا الدين الإسلاميّ الحنيف، وقال (خلق الإنسان من علق).وكان عليك يا عزيزي القارئ أن تتساءل عن معنى هذا القول (خلق الإنسان من علق) ؟ والحقيقة هي أنّك تقول يا عزيزي بأنّ فلانا عَلِقَ أو تعلّق بفلانة، وتريد من قولك هذا أنّ فلانا أحبّ فلانة المذكورة وهويها.وعليه فإن قول اللّه تعالى بحقّ هذا الإنسان (خُلق الإنسان من علَق) معناه أنَ موضوع البحث عن اللّه الخالق والسعي إلى معرفته والتعلّق به هو شيء داخل في خواص الفطرة البشريّة. ولذلك تلاحظ بأنّ هواية هذا الإنسان منذ وجوده على سطح هذه الكرة الأرضيّة قد دأب منذ وجوده على سطح هذا الكوكب الأرضيّ على البحث عن خالقه ومن منطلق أنّه ينظر إلى نفسه على أنّه كائن مخلوق ويريد أن يتعرّف على الذي خلقه. واستنادا إلى هذا المعنى فقد اتّخذ قول اللّه تعالى (خُلق الإنسان من علق) قد اتّخذ في حقيقته دليلا يؤكّد لمحمّد بأنّ استجابة الناس لرسالته لا يدخل في باب المستحيلات ، ولا يحتاج إلى عُددٍ ولا إلى عَتادٍ ، بل أنّ كلّ ما يحتاجه هذا النبيّ هو أن يقوم بتبليغ الناس بأنّ اللّه موجود وأنّ اللّه هو الذي أنزل إليهم هذه التعاليم التي حملها إليهم ، وذلك ليعملوا عليها ولتتأصّل عن طريقها في أفئدتهم محبّة ربّهم عز وجلّ.وبعد ذلك الإشهار والتّبليغ فسيستجيب لمحمّد كلّ إنسان صحيح الفطرة ولم يشوّه فطرته شيء من الأشياء.وبألفاظ أخرى فإنّ قول ربّنا عز وجلّ في الآية الثانية (خُلق الإنسان من علق) قد تضمّن دليلا علميّا وبالإمكان تسميته بدليل الفطرة البشريّة.وبعد تقديم هذا الدّليل الذي تضمّنته هذه الآية الثانية من سورة (العلق) يكون اللّه عز وجلّ قد خفّف من وقع وثقلِ هذه المسؤوليّة التي ألقاها تعالى على عاتق نبيّه الأكرم محمّد بن عيد اللّه الصادق الأمين (ص).
واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ هذا المعنى الذي أشرت إليه وتضمّنته هذه الآية الثانية هو عبارة عن محاورة كانت شائعة على ألسُن العرب.فكان العرب يقولون: خُلق فلانٌ من كذا، ويعني قولهم هذا بأنّ هذا الشيء داخل في جبلّة وطبيعة هذا الإنسان الذي تشير إليه المحاورة وتتكلّم عنه.وبدلالة هذه المحاورة تلاحظ يا عزيزي كيف أنّه قد ورد قول اللّه تعالى في سورة الروم (اللّه الذي خلقكم من ضعف) علما بأنّ (الضعف) ليس هو بشيء مادّي وعلى حسب ما هو معروف.كذلك قال تعالى في سورة الأنبياء (خُلِق الإنسان من عجَل ) وإنّ العجلة في الأمر ليست هي بشيء ماديٍ وعلى حسب ما هو معروف أيضا.بل المقصود ممّا ذكره اللّه تعالى في الآيتين المذكورتين هو أنّ الإنسان مفطور على التسرّع والتّعجل في اتّخاذ قراراته.ولاحظ يا عزيزي كيف أنّ اللّه جلّ شأنه قد عمد للمرّة الثانية من تقوية معنويّات نبيّه الأكرم محمّد بن عبد اللّه (ص) ولذلك فقد راح اللّه جلّ شأنه يقول في الآيات الثالثة والرابعة والخامسة (اقرأ وربُّك الأكرم . الذي علّم بالقلم . علّم الإنسان ما لم يعلم .) .فذكّر تعالى نبيّه محمّدا من خلالها بأنّ ربّه هو (الأكرم) وبصيغة التفضيل ليدلّه على أنّ خالقه قد تفضّل على خلقه من قبل وعلّمهم بالقلم وعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون.وبذلك يكون اللّه عز وجلّ قد أكّد على نبيّه محمّد (ص) ومن خلال قوله هذا قد أكّد عليه ضرورة ألاّ يُخيفه أن يكون رجلا (أمّيا) لا يعرف القراءة والحساب وأنّه يكون اللّه جلّ شأنه قد بشّر بأنّه سيعلّم محمّدا من لدُنه كلّ ما هو بحاجة إليه من حكمة وعلم ، ويغنيه بذلك عن تحصيل العلوم. وأنّه تعالى سيجعله سيّد العارفين وأعظم علماء عصره على وجه اليقين. فهذه هي معاني (اقرأ وربّك الأكرم . الذي علّم بالقلم . علّم الإنسان ما لم يعلم.).
وبعد أن أدلى اللّه جلّ شأنه بهذا الدليل العلميّ وبهذه البشارة التي بشّر بها محمّدا رسول اللّه (ص) فقد أتى اللّه عز وجلّ بأداة الزجر (كلاّ) التي تستعمل لنفي فكرة سابقة طارئة.حيث كان من الممكن نشوء اعتراض من جانب أحد من الناس بعد اطّلاعه على تلك الحقائق والبيّنات وبعد سماعه قول اللّه تعالى السابق (علّم الإنسان ما لم يعلم) أنّ يقوم أحد من الناس ويعترض بأنّ عقل الإنسان كافٍ وحده لتطوير هذا الإنسان وإيصاله إلى أسمى المراتب والمقامات.وهنا تصدّى اللّه تعالى لمثل هذا الاعتراض فردّ تعالى على هذا الاعتراض في هذا المقام وقال (كلاّ إنّ الإنسان ليطغى) وبمعنى حقّا إنّ هذا الإنسان (ليطغى) أي أنّ هذا الإنسان وإن يكن عاقلا فإنّه يحدث أنّه يهمل عقله في بعض الأحيان ويتّبِع ميوله وشهواته في كثير من الأحيان ويتجاوز قدره ويتخطّى حدوده وينحرف عن السبيل السويّ.فلا يعود يستعمل قواه الموهوبة له استعمالا صحيحا،ويخرج بذلك عن إنسانيّته ، ويعود بحاجة عندئذ إلى تدخّل خالقه في حياته لإعادته إلى سواء السبيل. وقد وضّح اللّه جلّ شأنه لنبيّه الصادق الأمين محمّد (ص) بعد ذلك السبب الذي يتسبّبُ في وقوع هذا الإنسان في الانحراف عن جادّة الصواب وقال (أن رآه استغنى) بمعنى أنّ هذا الإنسان بعد أن (يطغى) ويتجاوز حدوده ويصبح في بحبوحة من العيش ،يشعر في قرارة نفسه بالاستغناء عن معونة خالقه.وبذلك يميل إلى حبّ الدّنيا وما فيها كلّما توفّر بين يديه كثير من المال والولد والجاه فينسي من جرّاء ذلك ما ينتظره من محاسبة على أعماله هذه (يوم الحساب) . فهذا هو معنى (كلاّ إنّ الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى .) .
واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه تعالى ما إن فرغ من بيان هذه الحقيقة آنفة الذّكر إلا وراح ينبّه ذهن رسوله الكريم (ص) من جديد إلى أنّ معالجة ما يؤول إليه حال هذا الإنسان بعد أن يطغى ويبتعد عن الطريق السويّ، هو أن يُرسل اللّه رسولا من عنده إلى هؤلاء الذين طغوا واستغنوا عن ربّهم ليعظهم بضرورة رجوعهم إلى ربّهم الذي خلقهم والذي كان يقوم بتطوير هذا الإنسان على مدى الدهر.وإشارة إلى هذا المعنى فقد أتى اللّه جلّ شأنه بحرف التّأكيد (إنّ) وقال (إن إلى ربّك الرجعى.) وبمعنى أنّ تدخُّلَ عناية ربوبيّة الألوهيّة في حياة هذا الإنسان يعود من أهم الضرورات يقينا.وذلك ليساعد اللّه الخالق هذا الإنسان الذي طغى واستغنى عن ربّه،ليساعده ويهديه من جديد إلى سواء السبيل.
وبعد أن أقنع اللّه عز وجلّ نبيّه محمّدا (ص) عن طريق هذا الحوار وما تضمّنه من أدلّة مقنعة له ، وبضرورة الحاجة إلى إصلاح حال هذا الإنسان بعد أن يصل إلى حالة الاستغناء عن ربّه،وذلك من جرّاء انغماسه في حبّ هذه الحياة الدنيا وزخارفها.فقد راح اللّه جلّ شأنه يعطي محمّدا فكرة مجملةً عن حال أولئك الذين يكذّبون أنبياء اللّه تعالى ورسله الكرام.ويلفت نظره إلى مآخذ المكذّبين الذين يأخذونها على المرسلين بعد أن يُعلنوا كونهم أنبياء اللّه ورسله . ولم يعمد اللّه جلّ شأنه إلى بيان ذلك بألفاظ تذكر أسماء هؤلاء المكذّبين بألفاظ صريحة.لكنّه جلّ شأنه قد عمد إلى التّعبير عنهم بأسلوب التورية وبتعبير معجز يعجز عن تأديته أيّ كاتب أو أديب في هذا العالم . وكان السبب في عدم تصريح اللّه عز وجلّ بحال هؤلاء المكذّبين بعبارات صريحة. كيلا يكون اللّه جلّ شأنه هو البادئ بعداوتهم . ولذلك فقد عمد اللّه جلّ شأنه إلى وصف حالهم بأسلوب التّورية وغمز الجانب . وكيلا يتّهمون نبيّه الصادق الأمين محمّدا (ص) بالبدء باستعداء قومه عليه ، وكيلا ينطبق عليه المثل السائر وهو (أنّ البادئ أظلم) . وانطلاقا من هذه الحقيقة التي ذكرناها فقد قال اللّه جلّ شأنه (أ رأيت إن كان على الهدى . أو أمر بالتّقوى . أ رأيت إن كذّب وتولّى . ألم يعلمْ بأنّ اللّه يرى.).فما هو مضمون هذه الآيات التي استهلّها اللّه جلّ شأنه بفعل (أ رأيت) والمصاغ بصيغة الاستفهام وبمعنى أخبرني يا محمد عن حال المكذّبين لدعوات الأنبياء إذ أنّ ضمير (أ رأيت) هنا يعود إلى محمّد بن عبد اللّه فهو المخاطب في هذه الآيات الكريمة بسبب أنّ وحي هذه الآيات كانت تتنزّل عليه في غار حراء ؟
فقد نبّه اللّه جلّ شأنه ذهن محمّد رسول اللّه (ص) من خلال قوله تعالى (أ رأيت إن كان على الهدى . أو أمر بالتّقوى.) نبّهه بأسلوب التّورية إلى أنّ الذين سيكذّبونه سيجعلون همّهم التركيز في مقاومتهم إيّاه على نقطتين رئيستين: فالنقطة الأولى هو محاولتهم الطعن أوّلا بطريق الهدى الذي يسلكه هذا الرسول ، وهو طريق التوحيد الذي يخالف محمّد (ص) من خلاله ما توارثه هؤلاء المكذّبون من عقائد شرك وتراث عبادة للأصنام.وقد تضمّن هذه النقطة الأولى قول اللّه تعالى (أ رأيت إن كان على الهدى). فبأسلوب التورية هذا قد غمز اللّه جلّ شأنه ومن خلال قوله هذا جانب المكذّبين الذين سيحاولون التدخّل في مُعتقد هذا الرسول وفي ومُعتقد أتباعه.وهو تدخّلٌ لا يقرّه عقلٌ ولا منطق ولا قانون.ومن باب أنّه (لا إكراه في الدين )
والنقطة الرئيسيّة الثانية التي سيركّز عليها تدخّل هؤلاء المكذّبين في أمر مقاومة هذا الدين الذي جاء به هذا الرسول وأتباعه،هو أنّ تعاليم محمّدٍ ستركّز على ضرورة تحلّي كلّ مؤمن بلباس تقوى اللّه تعالى وليكونوا أتقياء في كلّ ما يفعلونه ويقدمون عليه.وهذا الأمر كان سيثير حفيظة المكذّبين وينظرون إليه على أنّه محاولة جادّة من جانب هذه الفئة المؤمنة بالإسلام لإعطاء أنفسهم امتيازاً على الكافرين المكذّبين.وهي النقطة الرئيسيّة الثانية التي عبّر اللّه جلّ شأنه عنها من خلال قوله تعالى (أو أمر بالتّقوى.) وبأسلوب التّورية نفسه قد غمز اللّه عز وجلّ بقوله هذا جانب المكذّبين الذين سيتدخّلون في أمور تخصّ الأفئدة والأمر بعمليّة تنظيفها من الشوائب التي تُبعد صاحبها عن ربّه وعن التقرّب منه. وهو التدخّل من جانب المكذّبين في أمر لا يحقّ لهم التدخّل فيه لكونه غير مرئيّ وقائم على مجرّد الشكّ والظنون .
ومن ثم انتقل اللّه عز وجلّ في كلامه بعد ذلك إلى الطعن بحال هؤلاء المكذّبين الذين سيتصدّون لمحمّد بن عبد اللهّ بعد أن أصبح نبيّا ورسولا إليهم . توجّه تعالى إلى الطعن بهم بأسلوب إلقاء الحجّة عليهم وقال (أ رأيت إن كذّب وتولّى . ألم يعلم بأنّ اللّه يرى.) .وقد أشار من خلال قوله تعالى هذا وبأسلوب التّورية أيضا إلى حقيقة يغفل المكذّبون عن وجودها ، وهي أنّ ما بين مفهوم اللّه تعالى الذي يعبده هؤلاء على الطريقة المتوارثة عندهم . وما بين مفهوم اللّه الذي راح يعبده هذا الرسول وجماعته على طريق الهدى الذي ساروا عليه.أنّ هذا الإله السماويّ لا يمتّ إلى مفاهيم هؤلاء المكذّبين بصلة من الصلات وأن هؤلاء المؤمنين قد راحوا يعبدون اللّه الحيّ والقيّوم والمطّلع على ما يفعله هؤلاء وهؤلاء. يعبدون اللّه الذي بيده جلّ شأنه أمر إنزال العقاب بالمكذّبين.وبيده إكرام هؤلاء المؤمنين والدفاع عنهم.ومن باب أنّ الأصنام التي يعبدها هؤلاء المكذّبون لا تملك من هذا الحقّ شيئا.
ومن ثمّ ، وبعد أن أعطى اللّه جلّ شأنه هذا النبيّ المصطفى (ص) فكرة عامّة وواضحة المعالم عمّا ينتظر مواجهته بعد أن يقوم بإشهار هذا الدين الإسلاميّ وما حمّله ربّه من مسؤوليّات تتعلّق بهذا الوحي النازل عليه . فقد راح اللّه جلّ شأنه يقوّي من معنويّات محمّد بن عبد اللّه (ص) من جديد وراح يعده بالقضاء على أولئك المكذّبين الذين سيستكبرون عن قبول ما حمّل اللّه تعالى محمّداً من رسالة سماويّة وكتاب وتعاليم . وذلك من خلال قوله تعالى ( كلاّ لئن لم ينته لنسفعن بالناصية.).وقد كنّى تعالى بكلمة (الناصية) هنا عن جبهة استكبار هؤلاء المكذّبين ورفضهم الاستجابة لهذا الصوت السماويّ الذي تلقّاه سيّد المرسلين. وقد وضّح اللّه جلّ شأنه لنبيّه محمّد (ص) في الوقت نفسه بأنّ استكبار مكذّبيه عن قبول هذا الأمر الذي كلّفه ربّه بإشهاره وتبليغهم إيّاه، إنّ استكبارهم هذا لا يخفي وراءه أيّة حقيقة ولا أيّة مصداقيّة .وقد عبّر تعالى عن تلك الحقيقة من خلال قوله (ناصية كاذبة خاطئة.) .ومن ثمّ وضّح اللّه جلّ شأنه لرسوله الأمين محمّد بن عبد اللّه (ص) بأنّ ملائكة ربّه عز وجلّ سيقومون بمهمّة مواجهة أعدائه والقضاء عليهم .
ولاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه علاّم الغيوب كان يعلم بأنّ هؤلاء المكذّبين الذين سيناصبونه رسوله العداء ،أنّهم كانوا لن يناصبوه العداء بشكل فرديٍّ،بل كانوا سيعقدون نوادي يتحاورون فيها ويتشاورون ويتّخذون فيها قرارات لمقاومة ما جاء به محمّد (ص) من دعوة توحيد تخالف ما كانوا عليه من شرك وعبادة أصنام.ولذلك تلاحظ يا عزيزي كيف أنّ اللّه جلّ شأنه أضاف وقال (فليدعُ ناديه . سندعو الزبانية.).بمعنى أنّ منتدياتهم تلك التي سيعقدونها ويتّخذون فيها قرارات مناصبة هذا الرسول واستعدائه عليهم،سيقابلها دعوة من جانب اللّه تعالى ملائكته للقيام بإفشال جميع ما يخطّطون له وما يتّخذونه من قرارات بعد إشهار محمّد رسول اللّه رسالة ربّه إليهم.وعلى هذه الصورة يكون اللّه جلّ شأنه قد عبّر عن جميع هذه المعارف والبيّنات التي أتينا على ذكرها والتي تضمّنتها آيات سورة (العلق) ويكون اللّه جلّ شأنه قد عبّر عنها بأسلوب بلاغيّ معجز فيه حذف بلاغيّ كثير يعجز الأدباء عن تأدية ما أورده اللّه جلّ شأنه في تلك الآيات الكريمة من معارف وبيّنات ونبوءات مستقبليّة وبشارات بنفس القدر من الجمل والعبارات .
وبعد القيام بهذا البيان كلّه فقد وضّح اللّه جلّ شأنه لرسوله الأمين محمّد بن عبد اللّه (ص) كلّ ما هو مطلوب منه أن يفعله ليلقى هذا التأييد من ربّه عز وجلّ . فبماذا وجّه تعالى رسوله ؟ ألا لقد أتى اللّه جلّ شأنه بحرف الزجر (كلاّ) من جديد ، ليزجر رسوله الكريم عن أن يخطر بباله الردّ على عنف قومه من المكذّبين ضدّه بعنف مثله من جانبه ، وليمثّل رسول الإسلام دور المسالم الذي حمل (دعوة السلام) إلى قومه وإلى العالم أجمع ، فقال اللّه تعالى مخاطبا رسوله الكريم (كلاّ لا تُطِعهُ واسجد واقترب.) . أي أنّ من واجبك حين تأديتك مهام هذه الرسالة الملقاة على كاهلك بعد حمل مسؤوليّة هذه الرسالة السماويّة أن تجعل همّك أن تسجد على أعتاب ربّه عز وجلّ متعبّدا على الدوام فلا تفكّر في الرّد على عدوان هؤلاء عليك بعدوان مثله. بل دع أمر تأديب أعداء الإسلام إلى ربّ الإسلام . وفي الوقت نفسه نهاه قائلا إيّاك أن تلين مع قومك من مكذّبيك ، بل كن في مواجهتهم صلب العود في تبليغ ما ينزله عليك ربّك من آيات وتعاليم . فهذا هو معنى قوله تعالى (كلاّ لا تُطعه واسجد).ولم يكتف اللّه عز وجلّ بالتأكيد على رسوله الأكرم بضرورة التقيّد بهاتين المسألتين.بل تلاحظه يا عزيزي أنّه تعالى أتى بواو العطف وأضاف إلى المسألتين المذكورتين مسألة ثالثة وقال (واقترب) . فما هو المقصود من هذا الأمر الإلهيّ (واقترب) ؟
والحقيقة هي أنّ اللّه عز وجلّ قد اختصر من خلال قوله (واقترب) المقصد من خلق الإنسان وهو أن يسعى للتعرّف على خالقه وليفوز بمحبّته وليصبح من المقرّبين إليه.وهكذا يكون اللّه عز وجلّ قد حدّد من خلال هذه الكلمات الثلاثة (لا تُطعه واسجد واقترب) أقول قد اختصر مهام رسوله الكريم والتي عبّرت عنها هذه الآية الأخيرة من سورة (العلق) فالكلمة الأولى وهي (لا تُطعه) قد وضّحت حقيقة الرسالة الإسلاميّة وعلى أنّها رسالة سلام وأنّها ضدّ استعمال العنف لإشاعة العقيدة . وأمّا الكلمة الثانية (واسجد) قد بيّنت حقيقة المقاصد من أوامر العبادات الإسلاميّة وأوجد اللّه عز وجلّ من خلالها الرابطة الموضوعيّة التي ربطت مضمون سورة (العلق) بمضمون سورة (القدر) التي تأتي بعدها مباشرة وفق ترتيب التلاوة. حيث أنّه جلّ شأنه قد خصّص سورة (القدر) لتعطي القارئ فكرة عامّة عن السلام الذي تدعو إليه تعاليم الإسلام ، وهي حقيقة سيتلمّسها القارئ حين ألتفت لشرح مضمون سورة (القدر). فكلمة (لا تطعه) تضمّنت من جهة ضرورة الثبات على دعوة التّوحيد . ومن جهة ثانية تكون نهت عن ردّ العدوان بالعدوان . إذ أنّ عدم إطاعة موظّف في دائرة من الدوائر الأوامر الموجّهة إليه من قبل رؤسائه ، يؤدّي رفضه هذا إلى تحمّل هذا الموظّف عواقب مخالفته لتلك الأوامر، وبعيدا عن القيام بأيّ عُنف من جانبه . وأمّا الكلمة الثانية الواردة في هذه الآية الأخيرة وهي (واسجد) فقد اختصر اللّه عز وجلّ من خلالها ما جاءت به تعاليم الإسلام من فروض عبادات فرضها الإسلام على كلّ إنسان يعتنقه . وأشارت كلمة (واسجد) إلى أنّ لهذه العبادات المفروضة خصائص روحيّة تثمر في نفس هذا المؤمن حياة روحيّة لا يوردها شيء آخر في نفسه غير هذه العبادات . علما بأنّ لكلمة السجود معنى الالتزام ، بالإضافة إلى معنى أداء العبادات . وأمّا الكلمة الثالثة التي لخّص اللّه جلّ شأنه من خلالها الأهداف والمقاصد التي أُنزلت تعاليم الإسلام لتحقيقها ، فهي كلمة (واقترب) . بمعنى أنّ تعاليم الإسلام والعبادات المفروضة فيه على المؤمنين ، إنّما هي وسائل وليست أهدافا بحدّ ذاتها . فهي وسائل إن تقيّد المؤمن بروح ما تضمّنته من حقائق وبتقوى اللّه تعالى ، تعود هذه التّعاليم وتلك العبادات وسائل تحقيق تجانس ما بين العبد وربّه وهو طريق إلى التّقرّب من اللّه جلّ شأنه،وإلاّ فإنّ المؤمن إذا لم يعِ هذه الحقيقة ، تعود تلك التعاليم وتلك العبادات مجرّد أعباء على أكتافه لا يجني منها إلاّ التعب والنصب والمشقّة.
وعلى كلّ حال فإنّ مضمون هذه الآية الأخيرة من سورة العلق،قد رسم لمحمّد رسول اللّه (ص) منهجيّة حياته. تلك الحياة التي ينبغي عليه أن ينتهجها بعد تلقّيه وحي سورة العلق ولذلك فأنت تقرأ يا عزيزي في السيرة النبويّة كيف أنّ قريشاً حاولوا صدّ محمّد (ص) عن الاستمرار في حمل رسالة ربّه عز وجلّ ، ولكن ليس بأسلوب التّرهيب وحده،ولكن بأسلوب التّرغيب أيضا،فطمّعوه بمُغريات دنيويّة كثيرة عن طريق عمّه أبو طالب.لكنّهم لم يفلحوا فيما سَعَوا إليه.وقال محمّد رسول اللّه (ص) مقولته المشهورة عنه (واللّه يا عمّ لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بشمالي على أن أترك هذا الأمر فلن أترُكه) .
فعلى هذه الصورة تلقّى محمّد بن عبد اللّه (ص) هذه الرسالة السماويّة التي ابتدأ نزول آياتها بكلمة (اقرأ) والتي استُهلّت بها أوّل آية من آيات سورة (العلق) . ورسمت آيات هذه السورة الأطر الحقيقيّة للرسالة السماويّة التي ألقى اللّه عز وجلّ مسؤوليّة إشهارها وتبليغها إلى الناس كافّة.وقد بقي بعد ذلك أن يوضّح اللّه عز وجلّ لرسوله الكريم فحوى مضمون هذه الرسالة الملقاة على عاتقه ، وجوهر تعاليمها ، والمقاصد المتوخّاة منها . فأين حقق اللّه تعالى تلك الحقائق ؟ وفي أيّة سورة بالذات ؟ فهذا سؤال هامّ نشأ عن مضمون سورة (العلق) يقينا. ولذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد أورد سورة (القدر) بعد سورة (العلق) هذه بترتيب تلاوتهما لتجيب على هذا السؤال وتشرحه بوضوح. وسأثبت للقارئ العزيز بأنّ اللّه عز وجلّ قد أجاب على السؤال المذكور فوضّح هذا المضمون المشار إليه في سورة (القدر) . وكان هذا هو السبب في أنّ اللّه عز وجلّ قد أورد سورة (القدر) بعد سورة (العلق) بترتيب تلاوة هذا القرآن المجيد . مع أنّ سورة القدر لم تنزل بهذا الترتيب المشار إليه . وكان في ترتيب سورة (القدر) بعد سورة (العلق) من حيث تلاوتها ، إعجاز ما بعده من إعجاز لكلّ من ألقى السمع وأتى اللّه بقلب سليم .
ولا تظننّ يا عزيزي القارئ بأنّي ألقيت قولي هذا جزافا ، وما عليك إلا أن تتمهّل من جديد لتطّلع على ما فهمته أنا من مضمون آيات سورة (القدر) من معاني ودلالات تثبت صحّة ما ذهبت إليه . وأوجز لك القول بداية وأقول : إنّ سورة (القدر) قد وضّحت لمحمّد رسول اللّه (ص) بأنّ مضمون تعاليم رسالته السماويّة ، يدور حول موضوع (السلام) ، وأنّ تعاليم الإسلام تصل بالعاملين عليها والملتزمين بنشرها في العالم إلى تحقيق الأمن والسلام في هذا العالم الذي ظهر الفساد فيه برّا وبحرا . وبذلك يكون مضمون سورة (القدر) على هذا الأساس قد ارتبط بصورة موضوعيّة بمضمون سورة العلق التي أنهاها اللّه جلّ شأنه بقوله تعالى (كلا لا تُطعه واسجد واقترب) .
ما نستخلصه من مضمون سورة (العلق)
وبعد أن أتيت على شرح ما فهمته من دلالات آيات سورة (العلق) هذه،عاد بإمكاننا أن نستخلص من تلك الدلالات النتائج التالية :
أولا – إنّ هذه السورة التي راج بين المسلمين في شتّى بقاع الأرض أن يُطلقوا عليها إمّا اسم سورة (العلق)، وإمّا اسم سورة (القلم).فقد ثبت أنّ هذه السورة كانت أوّل سورة أنزلها اللّه عز وجلّ على محمّد بن عبد اللّه الصادق الأمين (ص) حين كان يتحنّث في غار حراء.
ثانيا – وقد ثبت من جهة ثانية بُطلان ما فهمه المفسّرون القدماء رحمهم اللّه تعالى من ألفاظ رواية (بدء نزول الوحي) والمتعلّق بالأمر الإلهي (اقرأ) ذلك الأمر الذي وجّهه الملَك جبريل عليه السلام إلى محمّد (ص).فتبيّن لنا بأنّ جبريل لم يقصد من فعل الأمر (اقرأ) أن يدفع محمّداً (ص) ليقرأ شيئا قد لوّح له به بيده بل كان القصد من فعل الأمر المذكور هو أنّ جبريل قد كلّف محمّداً أن يقوم بإشهار ما يُنزله عليه ربّه من وحي التّشريع وليبلّغه إلى الناس كافّة .
ثالثا – وثبت لنا أيضا بأنّ اللّه عز وجلّ كان قد أعطى محمّداً (ص) من خلال ما أورده في آيات سورة (العلق)، أعطاه فكرةً عامّة عمّا سيواجهه محمّد رسول اللّه من عقبات على طريق قيامه بإشهار وإعلان دعوة الإسلام المكلّف بإشهارها وإعلانها على الملأ.وعليه فإنّ مضمون هذه السورة قد صرّح لمحمّدٍ (ص) بأطر ما سيحدث بعد عمليّة الإشهار والتبليغ هذه ، لكنّ هذا المضمون لم يتعرّض للكلام عن مضمون هذه الرسالة السماويّة الموسد بها إلى محمّد رسول اللّه للقيام بإشهارها وإعلانها.لذلك كان من واجبنا الاعتقاد ، بأنّ اللّه عز وجلّ قد أجّل
الكلام عن تلخيص موضوع تعاليم هذه الدعوة الإسلاميّة فأجّل ذلك للكلام عنه في سورة (القدر)، ولينشأ عن ذلك ترابط موضوعيّ ما بين سورتي (العلق) و(القدر) وبترتيب تلاوتهما.
فهذه أمور ثلاثة قد استخلصناها من مُعطيات آيات ومضمون سورة (العلق) وكان من واجب هذا المؤمن الذي يتدبّر آيات سورة (القدر) أن يأخذ هذه الأمور الثلاثة بعين اعتباره كيلا يخرج عمّا يُخلّ بترابط مضموني سورتي (العلق) و (القدر) الموضوعيّ .
هل أنزل اللّه القرآن المجيد في ليلة القدر ؟
وانطلاقاً من تلك النتائج الثلاثة التي استخلصناها آنفا ممّا فهمناه من دلالات آيات سورة (العلق). فإننا ننطلق في عمليّة تدبّر آيات سورة (القدر) . لنلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ قد افتتح هذه السورة بقوله تعالى (إنّا أنزلناه في ليلة القدر). وينشأ عن مضمون هذه الآية الأولى سؤال عريض وهو: هل أنّ اللّه عز وجلّ كان قد أنزل هذا القرآن المجيد في ليلة القدر ؟ فإن نحن عُدنا إلى التفاسير القديمة نلاحظ بأنّ العلاّمة الفخر الرازي رحمه اللّه قد أجاب على هذا السؤال،وكتب يقول :
"(إن قيل ما معنى إنّه – أي القرآن- أنزل في ليلة القدر مع العلم بأنّه أنزل نجوما ؟ قلنا فيه وجوه: أحدهما قال الشعبيّ ابتدأ بإنزاله ليلة القدر، لأنّ البعث كان في رمضان . والثاني : قال ابن عبّاس أنزل إلى سماء الدنيا جملةً ليلة القدر،ثمّ إلى الأرض نجوما،كما قال (فلا أقسم بمواقع النجوم).وقد ذكرنا هذه المسألة في قوله (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن).والوجه الثالث في الجواب : أنّ التّقدير أنزلنا هذا الذّكر في ليلة القدر،أي في فضيلة ليلة القدر وبيان شرفها.) وقد تساءل رحمه اللّه في سورة البقرة حين كان يفسّر قوله تعالى (شهر رمضان الذي أُنزِلَ فيه القرآن) تساءل بعد علمه بأنّ القرآن قد نزل منجّما، تساءل:فما معنى تخصيص إنزاله برمضان ؟ فقال الجواب على وجهين : الأوّل أنّ القرآن أُنزل في ليلة القدر جملةً إلى سماء الدنيا ، ثمّ نزل إلى الأرض نجوما.وإنّما جرت الحال على هذا الوجه لما علمه تعالى من المصلحة على هذا الوجه.فإنّه لا يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكّان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم، أو كان في المعلوم أنّ في ذلك مصلحة للرّسول عليه السلام في توقّع الوحي من أقرب الجهات ، أو كان فيه مصلحة لجبريل عليه السلام ، لأنّه كان هو المأمور بإنزاله وتأديته....الجواب الثاني عن هذا السؤال أنّ المراد منه أنّه ابتُدئ إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان،وهو قول محمّد بن إسحاق،وذلك لأنّ مبادئ الملل والدول هي التي يؤرّخ بها لكونها أشرف الأوقات،ولأنّها أيضا أوقات مضبوطة معلومة .وقد طرح رحمه اللّه سؤالا ثانيا وهو: كيف الجمع بين هذه الآيات على هذا القول ، وبين قوله تعالى (إنّا أنزلناه في ليلة القدر) وبين قوله (إنّ أنزلناه في ليلة مباركة ) ؟ وأجاب رحمه اللّه على هذا السؤال الثاني وقال: والجواب : روي أنّ ابن عمر استدلّ بهذه الآية وبقوله (إنا أنزلناه في ليلة القدر) أنّ ليلة القدر لابدّ وأن تكون في رمضان.وذلك لأنّ ليلة القدر إذا كانت في رمضان ، كان إنزاله في ليلة القدر إنزالا له في رمضان.وهذا كمن يقول: لقيتُ فلانا في هذا الشهر.فيقال له : في أيّ يوم منه ؟ فيقول: يوم كذا.فيكون ذلك تفسيرا للكلام الأوّل ،فكذا هنا .)" .
فإن أنت دقّقت نظرك فيما نقلته لك يا عزيزي القارئ من أقوال العلاّمة الفخر الرازي رحمه اللّه،تلاحظ بأنّه قد أورد في تفسيره هذا عدّة احتمالات،ولم يجزم فيها برأي واحدٍ قد استند فيه إلى دليل. ولذلك كان من واجبنا إعادة النظر فيما توارثناه عن العلاّمة المذكور وعن بقيّة المفسّرين القدماء من تفسير لآيات سورة القدر. وهذا ما أقوم به بعد أن أوصلتك إلى هذا الحدّ من البيان.فأبيّن لك رأيي وما فهمته أنا من دلالات آيات سورة (القدر).
فما هو المقصود من كلمة (ليلة) ؟
أقول : من المؤسف أنّه قد أصاب تفسير القدماء لسورة (القدر) من سوء فهم لدلالات آياتها،نفس ما أصاب تفسير كلمة (اقرأ) من قبل من سوء فهم. ولذلك كنّا قد لاحظنا ابتعاد المفسّرين القدماء رحمهم اللّه عن المفهوم الحقيقيّ لآيات سورة (العلق).ونفس هذا الشيء قد تكرّر هنا في تفسيرهم لآيات سورة (القدر). فالمفسّرون القدماء يا عزيزي القارئ قد فهموا من كلمة (ليلة) الواردة في آيات سورة القدر، أنّها تعني ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك وعلى حسب ما لاحظناه في الأقوال التي نقلتها إليك عنهم. ولذلك فقد فسّروا بأنّ اللّه عز وجلّ قال تعظيما لليلة القدر هذه (وما أدراك ما ليلة القدر . ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر.). وقد اختلفوا كذلك في هل أنّ ليلة القدر كانت موجودة في الأمم السالفة ؟ أم أنّها من خصائص هذه الأمّة ؟ كما اختلف العلماء في توقيت حدوثها . وقد استند المفسّرون القدماء رحمهم اللّه اختلافهم المشار إليه استنادا لروايات وصلتهم بمختلف طرق الرواية عن رسول اللّه (ص) وأغلبها كانت روايات مختلقة ومدسوسة . وعليه فقد كان من نتائج تفسير هؤلاء لكلمة (ليلة) بمعناها المتداول وبدلالتها المتبادرة لأذهانهم ، أنّ عامّة المسلمين وبنتيجة انتشار تلك التفاسير القديمة بين أيديهم ،عادوا ينتظرون ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان أو الليالي العشر الأخيرة منه،ينتظرون خلالها رؤية ليلة القدر التي تجاب فيها أدعيتهم .
فيا عزيزي القارئ لو صحّ هذا المعنى الذي فسّر به المفسّرون القدماء كلمة (ليلة) الواردة في سورة (القدر) لكنّا سمعنا على الدوام من حولنا، وكلّما فرغ الصائمون من صيام شهر رمضان المبارك ، لكنّا سمعنا من عشرات ألوف المسلمين ، وكلّ عام ، أنّهم شاهدوا ليلة القدر. لكنّ واقع هذه المجتمعات الإسلاميّة يكذّب بصورة عمليّة هذا المعنى المشار إليه، والذي ذهبت إليه أذهان المفسّرين القدماء رحمهم اللّه. ولذلك كان من واجبنا اعتبار هذا الواقع الذي نتلمّسه في المجتمعات الإسلاميّة على الدوام ، اعتبار هذا الواقع قرينة لغويّةً تحول دوننا ودون الأخذ هنا لكلمة ليلة بمعناها الحقيقيّ،وتوجّب علينا أن نبحث عن المعنى الآخر المجازيّ لكلمة (ليلة) في هذا المقام. وذلك ليساعدنا هذا المعنى الجديد على الإحاطة علما بمضمون سورة القدر بعمقً وبدلالة أكثر ممّا ذهبت إليه عقول المفسّرين القدماء رحمهم اللّه ، على أن يساعدنا هذا المعنى على تحقيق وجود رابطة موضوعيّة تربط مضمون سورة (العلق) السابقة مع مضمون سورة (القدر) اللاحقة.هذا وإنّ هذه الحقيقة التي أشرت إليها تدفعني لأوضّح لك يا عزيزي القارئ ما فهمته أنا من مضمون ودلالات آيات سورة (القدر) ومن زاوية نظري ، وبيان علاقة سورة (القدر) الموضوعيّة بآيات سورة (العلق) التي سبقتها بترتيب التلاوة الذي هو بين أيدينا والذي نراعيه عند تلاوتنا لآيات هذا القرآن المجيد ليل نهار .
فاعلم يا عزيزي القارئ بأني لم آخذ لكلمة (ليلة) من قوله تعالى (إنّا أنزلناه في ليلة القدر) معناها المعروف والمتداول والذي يبتدئ زمنه من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق،وخلاف النهار.بل أخذت لكلمة (ليلة) هنا معناها المجازيّ في هذه السورة ، وهو دلالة كلمة (ليلة) على فترة زمن الانحطاط الذي تؤول إليه أمّة من الأمم وتشيع فيها المفاسد ويظهر فيها حبّ هذه الدنيا ويتّبع أهلها حبّ الشهوات ، وهو المعنى الوارد في معجم (أقرب الموارد) . ويدفعني إلى الأخذ بهذا المعنى أنّ سورة (العلق) بشّرتنا بنزول رسالة الإسلام على قلب محمّد بن عبد اللّه (ص) مع ذكر حيثيّات نزولها.ومن دون بيان حقيقة مضمونها واقتضى ذلك أن تنزل سورة القدر شارحة حقيقة تعاليم رسالة الإسلام التي تلقّاها هذا النبيّ الأمّي وخاتم أنبياء اللّه أجمعين من خلال آيات سورة (العلق). فهذا هو ما اقتضاه التسلسل الموضوعي لسورتي (العلق) و (القدر). وهاك انظر يا عزيزي كيف أنّك ستطّلع من خلال تسليمك بهذا المعنى المجازي لكلمة (ليلة) هنا ، ستطّلع على معاني ودلالات لسورة القدر ما كانت تخطر ببالك من قبل ،تطّلع على دلالات تأخذ بمجامع قلبك يقيناً إن أنت وعيتها واستوعبتها.وإنّك ستدرك بالتالي عظمة هذه الصياغة البلاغيّة التي صاغ اللّه جلّ شأنه بها آيات سورة (القدر) والتي أفادت السامع غير ما تبادر منها . وهذه خصوصيّة إعجازِ هذا القرآن المجيد .أنّ الآية تتضمّن من الدلالات غير ما يتبادر منها لأذهان السامعين.
سورة القدر لخّصت تعاليم الإسلام
وعليه فاعلم يا عزيزي القارئ بأننّا حين نتدبّر آيات سورة (القدر) ، كان من واجبنا أن نبحث بادئ ذي بدء عن مرجع ضمير قوله تعالى (إنّا أنزلناه).إذ أنّ الضمير في اللّغة يرجع أصلا إلى أقرب الأسماء إليه. وإنّ هذه السورة قد استُهلّت بضمير (الهاء) من فعل (أنزلناه) ومن دون أن يسبق هذا التّعبير اسمٌ يعود إليه ضمير الهاء المذكور. لذلك كان من واجبنا أن نتساءل : لماذا أحدث اللّه عز وجلّ هذا الحذف البلاغيّ لهذا الاسم في هذا المقام بالذّات والذي ينبغي أن يرجع إليه هذا الضمير الوارد في آية الاستهلال هذه ؟ إلاّ أن يكون القصد من هذا الحذف البلاغيّ هو دفعنا لنربط مضمون آيات سورة (القدر) بمضمون آيات سورة (العلق) ربطا موضوعيّا ، ولإرجاع هذا الضمير إلى أوّل وحيٍ أوردته سورة (العلق) وهو (اقرأ باسم ربّك) وليصبح ما بعد ضمير (إنا أنزلناه) عندئذ شارحا وموضّحا للمضمون المشار إليه ؟ ويصبح تقدير (إنّا أنزلناه) أنّ الوحي الذي كانت قد تضمّنتها آيات سورة العلق (إنّا أنزلناه) في ليلة القدر.
وهكذا ومن خلال هذه المحاكمة اللّغويّة التي أجريناها نكون قد تيقّنا يا عزيزي القارئ بأنّ مضمون دلالات آيات سورة (القدر) قد أكملت ما أوردته دلالات آيات سورة (العلق) من مضمون وشرحت الجانب الآخر من تلك الدلالات. فسورة العلق شكّلت في حقيقة دلالاتها أُطرَ التكليف الذي أوسد به إلى محمّد الصادق الأمين (ص) لحمله وإشهاره. أي حمل رسالة الإسلام،التي كلّف اللّه عز وجلّ محمّدا بإشهارها وتبليغها إلى الناس كافّة. وإنّ سورة القدر قد لخّصت ما حملته رسالة الإسلام هذه من مضامين ومن تعاليم سامية هي في صالح الإنسانيّة قاطبة. وبألفاظ أخرى فإنّ مضمون سورة (العلق) كان في حقيقته بمثابة البزرة والنواة. وإنّ مضمون سورة (القدر) قد كان في حقيقته قد ورد شارحا ما حملته تلك البزرة والنواة في داخلها من دلالات ومضمون .
وبعد أن قمت ببيان الرابطة الموضوعيّة التي ربطت ما بين مضموني سورتي العلق والقدر.أتوجّه بك يا عزيزي القارئ إلى تدبّر هذه الآية الأولى من سورة القدر وهي قول اللّه تعالى الوارد فيها (إنّا أنزلناه في ليلة القدر). وقبل أن أقوم بهذا التدبّر أنبّه القارئ العزيز إلى أنّ المفسّرين القدماء رحمهم اللّه قد أخذوا للحرف (في) الوارد في هذه الآية الكريمة على أنّه حرف جرٍّ وظرف زمان . وهم قد أخذوا له هذا المعنى من جرّاء أنّهم فهموا من كلمة (ليلة) معناها الحقيقي الذي يبتدئ من غياب الشمس إلى زمن الفجر الصادق . وما دمت قد وضّحت لك من قبل يا عزيزي القارئ الحقيقة التي توصّلت إليها وهي أنّ كلمة (ليلة) قد استُعملت في هذه الآية الكريمة ليس بمعناها الحقيقيّ ولكنها وردت بمعناها المجازي . فهذه الحقيقة التي توصّلت إليها من قبل تضطرّنا إلى الأخذ لحرف (في) هنا بمعناه المجازيّ أيضا.وإنّ هذا غير غريب عن استعمالات آيات هذا القرآن المعجز العظيم . ذلك أنّ اللّه عز وجلّ قال في سورة (النصر) (إذا جاء نصر اللّه والفتح . ورأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّابا.) فهو تعالى أورد حرف (في) في قوله تعالى (في دين اللّه) بمعناه المجازيّ،إذ أن الدين لا يشكّل ظرف زمان أو مكان.
وقد تسألني يا عزيزي القارئ عن هذا الدافع الذي دفعني للنظر إلى كلمة (ليلة) بمعناها المجازي في هذه الآية الأولى من سورة القدر ؟ فأقول : تدبّر معي يا عزيزي كلمة (القدْر) فهي تعني : مبلغَ الشيء وما يساويه . فتقول : هذا قدْرُ الشيء الفلانيّ ومعناه أنّه يماثله . وقد ورد في معجم المفردات : القدر والتّقدير معناه تبيين كمّية الشيء .ويكون تقدير اللّه تعالى للأشياء على وجهين : الأوّل إعطاء القدرة . والثاني جعل هذا الشيء على مقدار مخصوص وعلى حسبما تقتضيه حكمة اللّه عز وجل . وقد ورد في معجم (أقرب الموارد) أنّ من معاني (القدْر) الحرمة والوقار والغناء والقوّة والوقت الذي يلزم للفعل والقلّة والحكم والاقتدار والتّعظيم والتّدبير . وعليه يكون معنى (إنّا أنزلناه في ليلة القدْر) هو أنّ اللّه جلّ شأنه قد كان قد أنزل وحي سورة (القدر) من أجل معالجة أمور مخصوصة ومماثلة لأمور سابقة لها عبر الزمان كانت قد حدثت زمن انحطاط هذا الإنسان عن إنسانيّته ، وحين كان ينتشر الفساد واتّباع الشهوات في الأرض بين أفراد بني البشر وذلك بعد أن ينغمسوا في حبّ هذه الدنيا ونسيان يوم الحساب.وهو الأمر الذي كان يقتضي من جانب اللّه خالق هؤلاء الناس الضّالين عن المقصد من حياتهم،معالجة هذا المصير الذي يصيرون إليه في حياتهم الدنيا هذه وعلى هذه الصورة يكون اللّه عز وجلّ قد لفت أذهاننا من خلال قوله تعالى (إنّا أنزلناه في ليلة القدر) يكون قد لفت أذهاننا إلى الحقيقة التي تضمّنتها سورة القدر.فبيّن تعالى لنا بأنّ نزول وحي سورة (العلق) قد حدث لتحميل محمّد رسول اللّه (ص) مسؤوليّة حمل هذه الرسالة السماويّة ،التي كان القصد منها تحقيق ما تضمّنته سورة (القدر) من حقيقة ومضمون . فهذا هو معنى (إنّا أنزلناه في ليلة القدر) أي أننّا أنزلنا وحي سورة (العلق) في ليلة اكتسبت منزلتها وقدرها من منطلق حملها لهذه التعاليم السامية التي تضمّنتها سورة (القدر)،وكان القصد من إنزال تلك التعاليم معالجة هذا الفساد الذي عمّ أرجاء البرّ والبحر في أرجاء هذا العالم .
وقد شاء اللّه جلّ شأنه أن يزيد ما تضمّنته سورة (القدر) من مضمون شأنا وتعظيما ، لكونها قد تضمّنت تعاليم سامية لمعالجة هذا الفساد والانحطاط الذي أصيب به هذا المخلوق الذي هو الإنسان . لذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد أورد الآية الثانية من هذه السورة وقائلا (وما أدراك ما ليلة القدْر )؟ فاعلم يا عزيزي القارئ أنّ هذا التّعبير (وما أدراك ؟) حيثما ورد في كتاب اللّه القرآن، يكون القصد منه تضخيم المعنى المقصود من الكلمة التي يكون اللّه عز وجلّ قد أوردها قبل هذه العبارة (وما أدراك ؟) .
فإن طالبتني بالدّليل على مصداقيّة ذلك،أقول : خذ على سبيل المثال كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد قال في سورة (الهُمزة) : (كلاّ لينبذنّ في الحطمة . وما أدراك ما الحُطمة .) فضخّم المعنى المقصود من كلمة (الحُطمة) وقال (وما أدراك ما الحطمة ) ثمّ أضاف وقال شارحا (نار اللّه الموقدة.) .وعليه فلتحقيق معنى التّضخيم المقصود من قول اللّه تعالى الذي تضمّنه قوله (في ليلة القدر) فقد أضاف اللّه تعالى وقال في الآية الثانية (وما أدراك ما ليلة القدر) ؟
ولاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه جلّ شأنه وبعد أن ضخّم من منزلة (ليلة القدر) وحصْرِ دلالتها في موضوع إصلاح أحوال البشريّة التي عمّ فيها الفساد والانحطاط برّا وبحرا فبعد هذا التّضخيم لموضوع دلالة (ليلة القدر) من خلال قوله تعالى (وما أدراك ما ليلة القدر) فقد أضاف اللّه تعالى وزاد في تعظيم شأن (ليلة القدر) هذه وقال (ليلة القدْر خيرٌ من ألف شهر) وعاد السؤال: ما المقصود من قول اللّه تعالى هنا (ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر) ؟
هذا وإنّ هذا السؤال يدفع بنا هنا للتحقّق من دلالة كلمة (شهر) الواردة في هذه الآية سالفة الذّكر وليمكّننا ذلك من الإحاطة بمعنى قوله تعالى (خيرٌ من ألف شهر).فما هي الدلالة اللّغويّة لكلمة (شهر) ؟ ألا إنّ كلمة (شهر) هي صيغة مصدر اشتقّ من شهرَ وتعني (الإشهار) ولذلك فلم يكن المقصود من كلمة (شهر) هنا دلالتها على جزء من اثني عشر جزء من السنة وهو المعنى المتداول على ألسنة الناس.وإنّ معنى الإشهار هذا قد انتبه إليه الفخر الرازي أيضا وذكره في تفسيره الكبير. وبالتالي فقد تسألني يا عزيزي القارئ : لماذا أخذت هنا لكلمة (شهر) معنى (الإشهار) ولم تنظر إليها على أنّها وردت بمعناها الزمني المتداول ؟
فأجيبك وأقول : إذا تذكّرت يا عزيزي بأننا كنّا قد فهمنا من فعل الأمر (اقرأ) الذي استهلّ اللّه تعالى به سورة (العلق) ، دلالته على الإشهار والتّبليغ .تعود تدرك معي السبب الذي دفعني للأخذ هنا في هذه الآية الكريمة معنى الإشهار والتّبليغ لكلمة (شهر) أيضا. فاللّه عز وجلّ حين أراد تعظيم حقيقة مضمون سورة القدر الذي ورد شارحا للرسالة السماويّة التي حمّلها اللّه تعالى محمّدا رسول اللّه (ص) ، والمكلّف بإشهارها بين الناس وتبليغهم آي هذا القرآن الذي تضمّن تعاليمها . فقد بالغ اللّه عز وجلّ في هذا التّعظيم على أسلوب العرب الذين اشتهروا بالمبالغة في أقوالهم وجاء يقول (ليلة القدر خير من ألف شهر). بمعنى أنّ رسالة الإسلام هذه التي بعثت محمّدا رسول اللّه لإشهارها وتبليغها إلى الناس كافّة هي في حقيقة أمرها خيرٌ من جميع ما سبقها من إشهارات كانت قد حدثت من قبلها للرّسالات السماويّة التي سبق أن بُعث بها مختلف أنبياء اللّه ورسله الكرام من قبل بعثة هذا الرسول المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم . وكأنّ اللّه عز وجلّ قد قال بألفاظ أخرى : إنّ تعاليم رسالة الإسلام هذه ،قد أكملت الشرائع السماويّة المنزلة وهي على درجة من الكمال بحيث لن تحتاج البشريّة من بعد إنزال رسالة الإسلام إلى إنزال شريعة سماويّة أخرى تُكمل ما جاءت به رسالة الإسلام من تعاليم . وأنّ محمّدا رسول اللّه وهو الحامل لهذه الرسالة الإسلاميّة وهو من أعظم الأنبياء مقاما وتشريعا . ولذلك سمّيناه في مقام آخر (رسول اللّه وخاتم النبييّن) . فهذه هي يا عزيزي القارئ دلالات هذه الآية الثالثة من سورة القدر والتي تمثّلت في قول ربّنا عز وجلّ (ليلة القدْر خيرٌ من ألف شهر) .
وقد شاء اللّه عز وجلّ تأكيد هذا المعنى الذي توصّلنا إليه آنفا وتوثيقه . لذلك أضاف جلّ شأنه يقول في الآية الرابعة (تنزّل الملائكة والرّوح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر).فلاحظ يا عزيزي كيف أنّ اللّه تعالى لم يقل في هذه الآية الكريمة : تنزّل ملائكة اللّه وجبريل في ليلة القدر. بل إنّه سبحانه وتعالى قد أورد جلّ شأنه هاتين الكلمتين (الملائكة والرّوح) معرّفتين بالألف واللام وتحملان معنى الاستغراق . تنبيها لعظمة شأن هذه الرسالة السماويّة التي تمثّلت في تعاليم هذا القرآن المجيد ، ولإشعارنا من خلال ذلك بأنّ عظمة وكمال هذه التعاليم اقتضت أن تتنزّل جميع ملائكة اللّه عز وجل وعلى رأسهم (الروح) وهو الملَك جبريل عليه السلام المكلّف بنقل الوحي الإلهيّ إلى أنبياء اللّه تعالى ورسله الكرام.أي أنّ حشد جميع ملائكة اللّه تعالى وعلى رأسهم جبريل قد اقتضاه إنزال جميع ملائكة اللّه الكرام وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، وذلك للقيام بأداء هذه المهمّة العظيمة الواسعة الأداء والتي تمثّلت في حمل تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف إلى الناس كافّة لإصلاح أحوالهم ولدرء المفاسد التي عمّت أرجاء الأرض. وعليه فإنّ عمليّة إنزال هذا الكتاب العزيز والقيام بحفظه من كلّ تحريف ولإظهاره على شكل كتاب قد اقتضى تنزّل جميع الملائكة والروح في ليلة القدر ومن كلّ أمرٍ إلهيّ. فهذا هو المقصود من قول اللّه تعالى (تنزّل الملائكة والروح فيها ) . ولم يكتف اللّه عز وجلّ بهذا القدر من القول بل أضاف وقال (بإذن ربّهم من كلّ أمر) . فما هو المقصود من ذلك ، وما هي دلالاته ؟
ألا إنّ الضمير في قول اللّه تعالى (بإذن ربّهم) يعود أصلا إلى ملائكة اللّه تعالى الذين ينزلون حاملين هذه الرسالة السماويّة وبإذن من ربّهم. وعليه يكون اللّه عز وجلّ قد نبّه أذهاننا من خلال قوله (بإذن ربّهم) إلى وجود مملكة سماويّة يتربّع اللّه جلّ شأنه على عرشها. ومن حوله يوجد ملائكة اللّه الذين يسبّحون بحمده ويأتمرون بأمره ويفعلون ما يؤمرون . ولا يتحرّك أيّ ملاك منهم إلاّ بإذن ربّه الذي خلق هؤلاء الملائكة (يفعلون ما يؤمرون) .
وقد أكّد اللّه عز وجلّ هذه الحقيقة التي أتى على ذكرها آنفا،حين أضاف يقول بعد ذلك (من كلّ أمر) . بمعنى أنّ جميع ما أنزله وينزله اللّه تعالى في هذا القرآن الكريم على رسوله محمّد سيّد المرسلين (ص) إنّما كان عبارة عن مجموعة أوامر إلهيّة كانت صادرة إلى ملائكة السماء لتنفيذها. وقد حملتها ملائكة اللّه تعالى وعلى رأسهم جبريل عليه السلام وأوصلتها إلى محمّد بن عبد اللّه اليتيم الأمّي صلّى اللّه عليه وسلّم.
وبعد أن أوصل اللّه عز وجلّ هذا القارئ إلى هذا الحدّ من البيان . وبهذه الصياغة المشوّقة الجذّابة والبلاغيّة . فقد دفع اللّه تعالى هذا القارئ الذي أحاط بهذا كلّه علما إلى أن يتساءل بشكلٍ تلقائيٍّ ومن أعماقه بعد ذلك سؤالا هامّا جدّا ، وهو : وأيّ شيء امتازت به تعاليم هذه الرسالة السماويّة التي أمر ربّ العرش العظيم جميع ملائكته لتنزل بها إلى هذه الأرض ،ومكلّفا بها ذاك الرجل الأمّي اليتيم الذي كان قد اشتُهر بالصادق الأمين بقصد أن يشهرها ويبلّغها إلى الناس كافّة باسم ربّه العظيم ؟
ولاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّه وبعد أن دفع اللّه تعالى هذا القارئ ليتساءل من نفسه هذا السؤال. فقــد أجاب اللّه تعالى نفسه وبنفسه على هذا السؤال. فلخّص اللّه جلّ شأنه الجواب المطلوب على السؤال المذكور والمطلوب منّا الإجابة عليه وذلك من خلال كلمة واحدة ، وقال: (ســــلامٌ) . أي اعلموا أيّها الناس بأنّ تعاليم هذا الدّين المنزل على محمّد بن عبد اللّه النبيّ الأمّي إنّما هي في حقيقتها تعاليم (ســــلامٌ) للبشريّة جمعاء وبقصد أن يستتبّ الأمن والسلام بواسطتها في العالم. والدليل على مصداقيّة هذه الحقيقة التي ذهبت إليها هو أنّ اللّه عز وجل قد أورد بعد كلمة (ســــلام) هذه إشارة (وقف). علما بأنّ إشارة الوقف تطلب من المؤمن الذي يتلو الآية التي قبلها،تأمره أن يتوقّف عن التلاوة عندها، ليتمهّل وليفكّر مليّاً فيما أورده اللّه عز وجلّ قبلها. وذلك على حسب ما بيّنته في مؤلّفي (خصائص القرآن الكريم المعجزة) . فالتوقّف عن التلاوة كلّما وردت إشارة (وقف) ضروريّ جدّا وذلك ليتمكّن هذا القارئ من إمعان فكره مليّاً في دلالة الكلمة التي سبقت إشارة (الوقف) هذه واستناداً إلى هذا المنطلق النظريّ المتعلّق بورود إشارة (وقف) بعد كلمة (ســلام)، يكون اللّه عز وجلّ قد لخّص مضمون تعاليم الإسلام بهذه الكلمة (ســـلام).ويكون اللّه جلّ شأنه في الوقت نفسه قد جعل من كلمة (ســـلام) أصلا من أصول تفسير جميع الآيات التي تضمّنت تعاليم إسلاميّة مفروضة على جماعة المؤمنين.فلا يجوز والحال هذه أن يفهم المفسّر حين تدبّره مضمون أيّة آية تتعلّق بالجهاد والقتال خلافا لمعطيات هذا الأصل التفسيريّ الذي حملته هذه الكلمة (ســـــلام) المنوّنة على آخرها تعظيما لدلالاتها.
ومن ثمّ أضاف اللّه تعالى يقول بعد إشارة (الوقف) المشار إليها وفيما يتعلّق بامتداد زمن (ليلة القدر)، قال : (هيَ حتّى مطلَع الفجر) والمعنى هو أنّ تعاليم هذه الرسالة السماويّة المنزلة على هذا الرجل الأمّي اليتيم ستظلّ تعمل على معالجة إزالة الفساد الذي ظهر في البرّ والبحر إلى الزمن الذي سيعمّ فيه (الســـلام) الذي جاءت به تعاليم هذه الرسالة السماويّة المنزلة على قلب محمّد رسول اللّه (ص)على أرجاء العالم بأسره .
وعليه فاعلم يا عزيزي القارئ أنّه ما دام اللّه جلّ شأنه قد لخّص تعاليم هذا الدّين الإسلاميّ الحنيف من خلال كلمة واحدة هي (ســلامٌ )، ومنوّنة على آخرها تعظيما لشأن تعاليم السلام الذي أتى بها هذا القرآن المجيد . فيكون اللّه جلّ شأنه قد وضع للقارئ الباحث أصلا من أصول تفسير آيات هذا القرآن العظيم عامّ الدلالة وعلى حسب ما ذكرته لك سابقا ويشمل جميع الأصول التي وضعها اللّه عز وجلّ لتفسير آيات هذا القرآن المجيد . وهي حقيقة تفيدنا بمعلومة هامّة وهي ضرورة ألاّ يقوم أيّ عالم أو مفسّر بعد الآن بتفسير أيّة آية من آيات هذا الكتاب العزيز بما يتنافى ومفهوم مضمون (الســلام) ومعطياته ولكون مفهوم السلام هذا قد شكّل أصلا من أصول تفسير آيات هذا الكتاب العزيز وذلك بغضّ النظر عن مدى تنوّع مضامين تلك الآيات واختلاف مواقعها من سور القرآن العظيم. وبألفاظ أخرى فإنّه لا يجوز أن يفهم المفكّر الباحث دلالات الآيات التي نصّت على (الجهاد) بمفاهيم ومعاني تتنافى مع معطيات مضمون (الســلام) ومفاهيمه التي تشكّل المقصد الأسمى من تعاليم الإسلام . كذلك لا يجوز أن يفهم المفكّر الباحث من الآيات التي نصّت على (القتال) مفاهيم ودلالات تتنافى وتضادّ مضمون كلمة (ســلام) التي لخّصت مضامين التعاليم الإسلاميّة التي جاء بها هذا الدين الإسلاميّ الحنيف . وذلك من باب أنّ تعاليم الدين الإسلاميّ الحنيف تحمل في حقيقتها تعاليم (ســـلام) للعالم أجمع وجدّ عظيمة ورائعة ومتميّزة . وأنّ كلّ من يبتعد عن إظهار هذه الحقيقة،يكون قد ابتعد في الأصل عن (روح) تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف المنزل على قلب هذا النبيّ الأمّي اليتيم محمّد المصطفى (ص) والذي اختاره ربّه عز وجلّ واصطفاه من بين عباده للياقته واستعداده الشخصيّ لحمل الرسالة السماويّة والمتّصف في الوقت نفسه بالخلق العظيم . وعليه وانطلاقا من هذه الحقيقة، وبناء عليها،فقد أضاف اللّه عز وجلّ بعد أن قال:(ســلام) أضاف تعالى وقال بحقّ امتداد زمن مضمون هذا السلام قال: (هي حتّى مَطلَع الفجر).فما هي دلالة ذلك؟
ألا إنّ ضمير (هي) الوارد في مستهلّ قوله تعالى (هي حتّى مَطلع الفجر) يعود إلى كلمة (ليلة) التي كنّا قد توصّلنا إلى أنّها وردت في هذه السورة بمعناها المجازي وبدلالتها على فترة الفساد والانحطاط الزمنيّة التي تصيب الأقوام المتخلّفة عن ركب الحضارات.وعليه فإنّ الحرف (حتّى) وتبعا لذلك والدالّ على انتهاء الغاية والذي يعنى إلى ، يدلّ في هذه الفقرة من الآية على أنّ فترة الفساد والانحطاط الزمنيّة التي أنزل الله جلّ شأنه تعاليم الدين الإسلاميّ الحنيف لمعالجتها ، ستمتدّ زمنيّا إلى أن يخيّم هذا (الســـلام) المقصود على أرجاء العالم بأسره والذي جاءت به تعاليم الإسلام.وهي حقيقة دلّ عليها قوله تعالى (حتّى مطلع الفجر) . فأنت تقول يا عزيزي القارئ : (طلع الكوكب) وتعني أنّه ظهر. فكلمة (مطلَع) صيغة مصدر وهو موضع طلوع الشمس. وأمّا كلمة (الفجر) هنا فلم يُقصد بها معناها المعروف الذي هو بزوغ نور الصباح من ظلمة الّليل . ولكنّ اللّه عز وجلّ قد قصد هنا من كلمة (الفجر) معناها المجازيّ أيضا وبسبب تبعيّتها لدلالة كلمة (ليلة) الواردة بمعناها المجازي في هذه السورة . وعليه فالمقصود من (الفجر) هنا هو الزمن الذي يظهر فيه هذا الدين الإسلاميّ الحنيف على الأديان كلّها.ولتكتمل بذلك معالم (الســـلام) الذي جاءت به تعاليم الإسلام. وعليه يصبح معنى قول اللّه تعالى في هذه الفقرة من آخر آية من آيات سورة الفجر قوله (هي حتّى مطلع الفجر) تعني أنّ تعاليم الإسلام ستظلّ تشعّ بأنوار السلام على مختلف أرجاء العالم محاولةً معالجة نواحي الفساد والانحطاط المخيّم فيها على هذا العالم، وإلى أن يظهر الإسلام على جميع الأديان والمعتقدات والأفكار الباطلة المنتشرة فيه ، والتي ظهرت برّا وبحرا تلك المفاسد التي تسبّبت في شيوع الظلام والفساد والانحطاط في كلّ بقاع الأرض وعلى جميع صُعُد الحياة. وبذلك يكون اللّه جلّ شأنه قد أشار من خلال هذه الدلالة ومن طرف خفيٍّ إلى ما ورد في قوله تعالى في سورة الصفّ (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون.) .
ما نستخلصه من مضمون سورة (القدر)
وبعد أن أتيت على شرح ما فهمته من دلالات آيات سورة (القدر) هذه ، أحاول أن أستخلص منها النتائج التالية :
أولا – إنّ سورة (القدر) وإن لم تكن قد نزلت بعد سورة (العلق) مباشرة.إلاّ أنّها وردت بعد سورة (العلق) بترتيب تلاوة آيات هذا القرآن المجيد .
ثانيا - وقد ثبت لدينا أنّ كلمة (ليلة) الواردة في أوّل آية من آيات هذه السورة قد وردت بمعناها المجازيّ ولم يوردها تعالى بمعناها الحقيقيّ المتبادر للأذهان.
ثالثا – كما ثبت لنا بأنّ ضمير الهاء في قوله تعالى (إنّا أنزلناه) يعود إلى وحي سورة (العلق) وبذلك يكون هذا التعلّق قد ربط بين سورتي (العلق) و (القدر) بصورة موضوعيّة .
رابعا – وقد توصّلنا بنتيجة ذلك كلّه إلى أنّ اللّه عز وجلّ قد لخّص تعاليم الإسلام من خلال كلمة واحدة هي كلمة (ســـلام) التي وردت بعدها مباشرة إشارة وقف.
وعليه واستنادا إلى ما استخلصناه من دلالات آيات سورة (القدر) الأربعة السالفة الذّكر، كان من واجبنا حين نقوم بتدبّر أحكام التّعاليم الإسلاميّة أن نضع هذه الأمور الأربعة نصب أعيننا، وخاصّة منها الانطلاق من أنّ كلمة (ســـلام) قد شكّلت أصلاً من أصول تفسير آيات القرآن المجيد .
الأدلّة على كون تعاليم الإسلام تعاليم (سلام)
والآن وبعد هذا الذي بيّناه سابقا عاد من واجبنا إثبات مصداقيّة كون تعاليم الإسلام أنّها تعاليم (ســــلام).وتقديم الدلائل القاطعة التي تثبت هذه الحقيقة التي تنهى عن سفك دماء الأبرياء باسم الدين الإسلاميّ.وإشارة إلى ما يجري في أيّامنا هذه من مآسي وأحداث تصدر عن مسلمين يجهلون هذه الحقيقة ويرتكبون ما يشوّه وجه تعاليم الدين الإسلاميّ الحنيف .
وإنّ أوّل دليل نقدّمه ليُثبت مصداقيّة كون تعاليم الإسلام هي تعاليم (ســـلام) فإنّ هذا الدليل نستقيه ممّا ورد في الآيتين 15/16 من سورة المائدة اللتين يخاطب اللّه عز وجلّ فيهما أهل الكتاب منبّها أذهانهم إلى أنّ ما بعث اللّه تعالى به نبيّه محمّدا (ص) من بيّنات وتعاليم، إنّما كانت هي بيّنات تصحيحٍ لما وقعوا فيه من انحرافات، وتعاليم (ســــلام) قد أنزلها اللّه عز وجلّ لتخرجهم من الظلمات إلى النور ولتهديهم إلى صراط مستقيم.
فلقد قال اللّه جلّ شأنه في الآيتين المذكورتين (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيرا ممّا كنتم تُخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من اللّه نورٌ وكتابٌ مبين.يهدي به اللّه مَنِ اتّبع رِضوانه ســــبُلَ السّــــلام ويخرجهم من الظّلمات إلى النّور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.) . فلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى قد أطلق هنا في هاتين الآيتين على تعاليم القرآن الكريم مصطلح (سبل السّلام) . أي أنّ تعاليم هذا القرآن المجيد هي تعاليم (سبُل الســلام) ، وأنّ العمل عليها فيه هداية للأفراد والأمم وتهديهم إلى طريق تحقيق السلام في أوطانهم وفي العالم أجمع أيضا . ومن باب أنّ تعاليم الإسلام هي (نور) تضيء تعاليمه لهذا الإنسان الدّرب في مجال إقرار الأمن والسلام في موطنه وحيثما كان . وأنّ هذا القرآن المجيد هو (كتاب مبين) أي أنّه كتاب يبيّن حقائق الأشياء، وأنّ تعاليمه هي في حقيقتها وسائل توضّح للناس قاطبة كيفيّة تحقيق الأمن والسلام في أرجاء هذا العالم . وكما أنّ اللّه تعالى كان قد قال في سورة القدر (تنزّل الملائكة والرّوح بإذن ربّهم من كلّ أمر) فهو تعالى قال هنا في هاتين الآيتين (ويُخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ) . أي أنّ اللّه تعالى هو الذي آذن بإقامة الأمن والسلام في هذا العالم وبهذا الدافع فقد أنزل تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف .
فإن أنت تساءلت يا عزيزي القارئ عن السبب الحقيقيّ الذي دفع اللّه عز وجلّ إلى إنزال هذا القرآن المجيد وما اشتمل عليه من تعاليم ســــلام . فإنّ اللّه عز وجلّ قد أجاب على تساؤلك هذا، وذلك في الآية 25 من سورة يونس وقال (واللّه يدعوا إلى دار السلام ويهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم.) ومن باب أنّ من أسماء اللّه الحسنى أنّ أحد أسمائه هو (الســـلام).فكيف يُعقل أن يتّصف اللّه عز وجلّ بصفة (السلام) ومن ثمّ يأمر عباده بأوامر تخالف حقيقة مضمون هذه الصفة التي تفرّد بها اللّه جلّ شأنه على وجه الكمال ؟
هذا ، وإنّ الدليل الثاني الذي يثبت بأنّ تعاليم الإسلام هي تعاليم (ســـلام)، وأنّ الغرض منها هو إقامة الأمن والسلام في هذا العالم.هو أنّ اللّه عز وجلّ قد أمر فئة المؤمنين في كتابه العزيز أن يبادلوا الذين يتعاملون معهم ويمدّون إليهم يد المحبّة والسلام ، أن يمدّوا إليهم هم بدورهم يد المحبّة والســـلام أيضا . فقد أمر اللّه جلّ شأنه بهذا الأمر في كتابه العزيز وذلك في الآية 94 من سورة النساء حيث قال (يا أيّها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل اللّه فتبيّنوا ولا تقولوا لِمن ألقى إليكم الســلام لسـت مؤمنا تبتغون عرَضَ الحياة الدّنيا فعند اللّه مغانمُ كثيرة كذلك كنتم من قيلُ فمنّ اللّه عليكم فتبيّنوا إنّ اللّه كان بما تعملون خبيرا.) .
فلاحظ يا عزيزي كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد وعظ المؤمنين في هذه الآية الكريمة وقال (إذا ضربتم في سبيل اللّه فتبيّنوا) ومعنى قوله هذا أنّه إذا خرجتم أيّها المؤمنون من منازلكم تجّارا أو غازين في سبيل اللّه (محيط المحيط) فتبيّنوا أي لا تتسرّعوا في حكمكم على أيّ شيء يواجهكم ، وحاولوا أن تفهموا ما تسمعونه وأن تستوضّحوا حقيقته.وقد وعظهم إلى جانب هذه الموعظة التي ذكرناها موعظة ثانيةً وقال (ولا تقولوا لِمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عَرَض الحياة الدنيا) بمعنى أنّه إن حدث أن ألقى إليكم أيّ إنسان السلام وسلّم عليكم ، وفي وقت تعلمون فيه أنّ هذا الإنسان الذي ألقى إليكم هذا السلام يختلف في عقيدته عن عقيدتكم، ويعتقد عقيدة غير عقيدتكم ، فإنّ من واجبكم أن لا تتسرّعوا معترضين عليه وقائلين له: إننا نعلم بأنّك (لست مؤمنا) وتصرّحون له بما تعرفونه عنه ، بل إنّ من واجبكم أن تردّوا على سلامه بسلام ، وأن تنظروا إلى مثل هذا الشخص معتبرين أنّه من الذين يريدون أن يتعاملوا معكم بسلام،وعليه فلا ينبغي أن تعتبروه عدوّا لكم .ولم يكتف اللّه عز وجلّ ببيان هذه الموعظة الثانية،بل قد وضّح جلّ شأنه لمن يخالفها ويقول لمثل الشخص المذكور (لست مؤمنا)، قد وضّح له بأنّه من خلال مخالفته لهذه الموعظة يعود يُعتبر في نظر ربّه عز وجلّ كمن يبتغي(عرَض الحياة الدنيا) وناسيا ما عند اللّه تعالى في الآخرة من مغانم كثيرة وأنّه يقوم بمحاكمة الأمور بمحاكمة أسقط من معادلتها وجود الحياة الآخرة وما وعد اللّه تعالى به المؤمن بشأنها من مغانم كثيرة . ومن ثمّ فقد ذكّر اللّه عز وجلّ هؤلاء المؤمنين أنّهم بمخالفتهم هذه الموعظة يعود حالهم على شاكلة ما كان عليه حالهم في الجاهليّة قبل الإسلام ، وأنّهم يكونون من خلال تصرّفاتهم هذه المخالفة لمشيئة ربّهم عز وجلّ، يكونون قد نسوا ما أحدثه اللّه تعالى من تبديل على ما كان عليه تعامل الجاهليينّ مع المخالفين لعقيدتهم . وهو هذا التبديل الذي تضمّنته هذه الموعظة الإلهيّة .
ولاحظ يا عزيزي من جديد كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد عاد وختم هذه الآية الكريمة بأن كرّر قوله تعالى (فتبيّنوا) ليؤكّد على هؤلاء المؤمنين ضرورة إحداث هذا التّبديل في سلوكهم حين تعاملهم مع سواهم من الناس. وفي وقت يكونون فيه موقنين بأنّ ربّهم الذي وعظهم بهاتين الموعظتين لا يغيب عن علمه حقيقة سلوك أيّ فرد من الأفراد. ولذلك نلاحظ بأنّ اللّه تعالى قد عبّر عن هذه الحقيقة وقال ( إنّ اللّه كان بما تعملون خبيرا.) . وبناء على ما تبيّن لك يا عزيزي من دلالات أفادت بها كلمات هذه الآية الكريمة أدعوك لتفكّر ولتسأل نفسك: هل يعظ اللّه جلّ شأنه بهذه المواعظ المذكورة إلاّ أن يكون قد قصد إبراز هذا الوجه الحضاريّ لتعاليم دينه الإسلاميّ الحنيف الذي كلّف به محمّدا النبي الأمّيّ (ص) والذي أمره بإشهاره ولإبلاغه الناس كافّة من أجل أن يصبغوا سلوكهم اليوميّ وتعاملهم مع غيرهم من الناس بصبغة ما حملته من حقائق هذه التعاليم الإسـلاميّة الحضاريّة ؟ هذا السلوك المسالم الذي يمدّون فيه يد المحبّة والمسالمة لكلّ من مدّ يده إليهم يد المحبّة والسلام،وأن يدَعوا عنهم ما كانوا عليه من سلوك في زمن جاهليّتهم، من سلوك غير حضاريٍّ، والذي هو أقرب إلى حالة التوحّش من حالة المسالمة والتعامل بســلام ؟
ولا تذهب يا عزيزي القارئ بعيدا وتظنّ بأنّ تعاليم الإسلام اكتفت بهذا الحدّ من الوعظ لأتباعها . بل أقدّم لك دليل ثالثا أستقيه من آي الذكر الحكيم وقد وضّح اللّه تعالى فيه حال جميع الذين آمنوا بهذا الكتاب القرآن إن هم وَعوا تعاليم الإسلام وإن هم عملوا عليها أيضا. فقال اللّه تعالى بحقّ أمثال هؤلاء المؤمنين وذلك في الآيات 54/55 من سورة القصص ، قال تعالى (وإذا يُتلى عليهم قالوا آمنّا به إنّه الحقّ من ربّنا إنّا كُنّا من قبله مُسلمين . أولئك يؤتَون أجرهم مرّتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيّئة وممّا رزقناهم يُنفقون . وإذا سمعوا اللّغوَ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالُنا ولكم أعمالُكم ســلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين.)
أي أنّ تعاليم الإسلام قد وعظت هؤلاء المؤمنين الذين آمنوا بهذا الكتاب القرآن وبالإله الأحد الذي أنزل تعاليم هذا الدين أن يدرؤوا السيّئة بالحسنة ، وأن يُعرضوا عمّن يعمل على الإساءة إليهم، فلا يقابلوا إساءته بإساءة مثلها ، ولا أن يلغَوا اللّغو بلغوٍ مثله .فقد وعظ اللّه تعالى بهذا الوعظ لتمتاز أعمال هؤلاء المؤمنين وسلوكهم عن أعمال وسلوك الذين خالفوهم من غير المؤمنين. وليوحوا لغيرهم بأنّ المؤمنين بتعاليم هذا الدين أنّهم مصدر ســلام في هذا العالم. وأنّهم لا يتصرّفون كتصرُّف الجاهلين . فهذا هو معنى (وإذا سمعوا اللّغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالُنا ولكُم أعمالُكم سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين) علما بأنّ اللّه عز وجلّ قد صاغ ما أورده في هذه الآية الكريمة بصياغة بلاغيّة اشتملت على حذف كثير ولذلك فهو يتضمّن هذه الدلالات التي بيّناها آنفا . هذه الدلالات الدالّة على أنّ تعاليم الإسلام هي تعاليم (ســـلام) على صعيد سلوك فئة المؤمنين فردياّ كان أو كان اجتماعيّا .
وتأمّل يا عزيزي القارئ بعد جميع ما أطلعتك عليه من تعاليم سلام أتى بها هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.فتأمّل كيف أنّ اللّه عز وجلّ شاء أن يؤكّد تلك الحقيقة المتعلّقة بتعاليم كتابه العزيز وعلى أنّها تعاليم (ســـلام) وتتّصف بصفة الســلام وأنّ اللّه عز وجلّ يرغّب المؤمنين فيها بالسلام. فتأمّل وانظر كيف أنّه جلّ شأنه قد لفت أذهان شريحة المؤمنين به والمستجيبين لصوته السماوي المقدّس ، قد لفت أذهانهم بأنّه جلّ اسمه سيطلّ عليهم يوم القيامة ويسمعهم هذه الكلمة العظيمة التي هي كلمة (الســـلام) والتي أوصاهم في كتابه العزيز أن يفشوها بينهم في حياتهم الدنيويّة وأن يصبغوا سلوكهم اليوميّ بصبغتها . فانظر يا عزيزي القارئ كيف أنّه جلّ شأنه قد أكّد هذه الحقيقة من خلال ما أورده في الآيات 55- 59 من سورة (يس) حيث قال (إنّ أصحاب الجنّة اليوم في شُغُلٍ فاكهون . هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متّكئون.لهم فيها فاكهةٌ ولهم ما يدّعون ســلامٌ وقف قولا من ربٍّ رحيم .) فلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى أتى بلام التّمليك وقال (لهم فيها فاكهة) . وأتى بلام التّمليك للمرّة الثانية وقال (ولهم ما يدّعون) أي ولهم ما يتمنّون (محيط المحيط) . وقد حصر اللّه جلّ شأنه أمنيات المؤمنين التي كانوا يسعون للحصول عليها في حياتهم الدنيا على الدوام ، فحصرها ولخّصها في كلمة واحدة وهي كلمة (ســـلام).وتأكيدا لهذه الحقيقة فقد أورد اللّه تعالى إشارة (وقف) بعد هذه الكلمة (ســـلام) ، وكانت الغاية من إشارة الوقف المشار إليها أن يقف القارئ عندها ويتأمّل مدلول كلمة (ســلام) هذه جيّدا،وليتيقّن بأن تعاليم الدين الإسلاميّ كانت ترمي في حقيقتها إلى تحقيق الأمن والسلام في هذا العالم الدنيويّ ، ليس للمؤمنين وحدهم ، بل ولجميع الناس على وجه هذه الكرة الأرضيّة . وهذا كلّه يفسّر قول اللّه تعالى في آخر آية من آيات سورة (القدر) وهو (ســــلامٌ وقف هي حتّى مطلع الفجر)
ولا ينبغي أن يشرد ذهنك يا عزيزي القارئ فتظنّ أنّي آتي لك بدلائل من آيات تحتمل وجهين من الدلالات.فلا يشرد ذهنك إلى تلك الجهة.وما عليك إلاّ أن تُصغي إلى صريح هذه الآية التي سأطلعك عليها والتي تخاطب المؤمنين أن ينحو في سلوكهم اليومي منحى (سـلام) وتأكيدا لجميع ما ذكرته وبيّنته لك من حقائق من قبل . فأنصت إلى خطاب اللّه جلّ شأنه وقد راح يخاطب شريحة المؤمنين وذلك في الآيتين 208/209 ويقول لهم (يا آيّها الذين آمنوا ادخلوا في السّلمِ كافّة ولا تتّبعوا خطوات الشيطان إنّه لكم عدوٌّ مبين . فإن زللتُم من بعد ما جاءتكُم البيّناتُ فاعلموا أنّ اللّه عزيزٌ حكيم .) .
وهل هناك أوضح من هذا الخطاب الوارد في هاتين الآيتين الكريمتين اللّتين أنذرتا فئة المؤمنين إن هم أعرضوا عن سبيل (الســلام) واتّبعوا خطوات كلّ من سيكون مصيره إلى النار ، أنذرهم تعالى في هذه الآية الكريمة بأنّهم إن هم تركوا سبيل (السلام) في سلوكهم اليوميّ وقصّروا في العمل على تحقيق أهداف حياتهم أن (فاعلموا أنّ اللّه عزيزٌ حكيم.) أي أنّ كلّ من يعاكس مشيئة اللّه العزيز الحكيم يؤول حاله في العالمين إلى الفشل الذّريع . ذلك لأن اللّه المتّصف بصفة (العزيز) من المستحيل أن يُغالب . خصوصا وأنّه متّصفٌ بصفة (الحكيم) أيضا . فاللّه جلّ شأنه هو جامع للقول والعمل وصاحب الحكمة والمتقنُ للأمور (محيط المحيط) . وبألفاظ أخرى فإنّ اللّه عز وجلّ قد أنذر كلّ مؤمن قد أعرض عن السير على طريق (الســلام) في حياته الدنيويّة،قد أنذره بأنّه سيعاقبه وأنّه سيستبدله بغيره وبمن يستجيب لصوت ربّه وموعظته . وهذه الحقيقة المشار إليها تشمل سواء على صعيد الأفراد أو على صعيد جماعة المؤمنين.وإنّ الذين لم يدركوا هذه الحقيقة في أيّامنا هذه ، تلاحظهم يا عزيزي كيف يسفكون دماء الأبرياء،مبتعدين عن سبل (الســلام) ويلقون بالتالي هذا المصير المشؤوم الذي أنذرت به هذه الآية القرآنيّة العظيمة .
هذا واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ لم يكتف أنّ دعا فئة المؤمنين للدخول في (الســّلم) كافّة، وعلى حسب ما خاطبهم في الآية السابقة، بل وإنّه جلّ شأنه قد وعدهم في الآية 35 من سورة محمّد، قد وعدهم بأن تكون لهم الكلمة العليا في هذا العالم في نهاية المطاف إن هم لم يتكاسلوا ولم يهنوا في طلب تحقيق الأمن والسّــلم في العالم ،وهم يدعون في الوقت نفسه إلى تحقيق الأمن والسلام في العالم أيضا.فقد قال اللّه تعالى في الآية المذكورة (فلا تهنوا وتدعوا إلى الســّلم وأنتم الأعلونَ واللّه معكم ولن يتِركُم أعمالكم .) . وكان في قول اللّه العزيز هذا الدّليل القاطع على أنّ تعاليم الإسلام هي في حقيقتها تعاليم ســـلام . وأنّ المسلمين يسعون حين يدعون غيرهم إلى اعتناق عقائد دينهم الإسلاميّ الحنيف ، إنّما يسعون من خلال ذلك وبوسائل سلميّة لتحقيق الأمن والسلام في العالم . أمّا إن هم انحرفوا عن تحقيق هذا المقصد السامي ، وخيّم على عقولهم الجمود الفكريّ والتّقليد الأعمى وتقوقعوا بعيدا عن الحوار وعن التعايش مع الآخرين، فإنّهم يحرمون أنفسهم من هذا العهد الذي قطعه ربّهم معهم ، ويؤول حالهم إلى الانحطاط والزّوال .
وبعد أن قدّمت لك يا عزيزي القارئ هذه الأدلّة كلّها مجتمعة،أدعوك لتتأمّل في هذه الكلمة التي أطلقها القرآن الكريم على ما تضمّنه الإسلام من عقائد وتعاليم،وهي اسم (الإسلام) فكلمة الإسلام هذه هي صيغة مصدر، ومعناه الطاعة والانقياد والتسليم لأمر اللّه الآمرِ ولنهيه بلا اعتراض . وإنّ كلمة (السلام) هي صيغة مصدرٌ واسمٌ من التّسليم أيضا. وإنّ من أسماء اللّه الحسنى اسم (السلام) وليس في أسماء اللّه الحسنى غير هذا الاسم المصاغ بهذه الصياغة والوارد على صيغة مصدر . ويعني اسم اللّه (السلام) أنّ اللّه جلّ شأنه سالم من كلّ نقص ومن كلّ عيب ومن كلّ نوع من أنواع الفناء (محيط المحيط) وعليه فحين يدعو اللّه عز وجلّ الناس قاطبة إلى (دار السلام) . يكون جلّ شأنه قد دعا عباده إلى التّسليم بما جاءت به تعاليم (الإسلام). تلك التّعاليم التي اختصرتها آيات (سورة القدر) بكلمة واحدة وهي كلمة (سـلام) . وأنبأت الناس بأنّ هذا السلام سيمتدّ (حتّى مطلع الفجر) أي حتّى يخيّم الأمن والسلام على ربوع العالم كلّه. فإن أنت حاكمت ودقّقت يا عزيزي القارئ هذه الكلمات (سلام وإسلام) بهذه المحاكمة وبهذا التّدقيق الذي أجريته على مسامعك.فلابدّ وأن تعود تُسّلم معي بكلّ ما قدّمته لك حتّى اللحظة من آيات قرآنيّة قد تضمّنت العديد من الشواهد والأدلّة القاطعة التي تثبت بأنّ اللّه تعالى الذي من أسمائه الحسنى اسم (السلام) قد صاغ تعاليم الإسلام بصبغة (السلام) الذي تجلّى به في هذا العالم الدنيويّ الآيل أخيرا إلى زوال . وليصير أهل السلام من سكّانه من بعد موتهم إلى الحياة الآخرة التي هي (دار سلام) أيضا . تلك الدار الآخرة التي وصفتها الآية العاشرة من سورة يونس بأنّ ساكنيها ممّن آمنوا وعملوا الصّالحات،بأنّ دعواهم فيها أن (دعواهم فيها سبحانك اللّهمّ وتحيّتهم فيها سـلام وآخر دعواهم أن الحمد للّه ربّ العالمين .) .
وأنّ حالتهم المقبلة تلك ستكون من منطلق كون تعاليم الإسلام هي تعاليم (سلام) ، ولذلك تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ محمّدا رسول اللّه (ص) قد أمر جميع صحابته بأمرٍ نابع من معطيات هذه الحقيقة التي بيّنتها لك وقال (أفشوا السلام بينكم) . ولم يقصد رسول اللّه (ص) من أمره هذا الموجّه إلى المؤمنين أن يصبح إلقاء تحيّة (السلام عليكم) فيما بينهم مجرّد رسمٍ وتقليد.بل كان القصد من ذلك أن يفهم المؤمن حقيقة دلالة قوله (السلام عليكم) هذه الكلمات النابعة من تعاليم (السلام) التي أتت بها تعاليم دينهم الإسلاميّ الحنيف.واستنادا إلى هذا الفهم المشار إليه لا يعود المؤمنون يفكّرون في مخاصمة أحد ولا في سفك دماء أحد بدون حق،ّ بل يسيرون على درب السلام ومن أجل لتحقيق الأمن والسلام في العالم بأسره.
وآخذ بيدك إلى جهة أخرى تجعلك توقن بأنّ تعاليم الإسلام هي تعاليم (ســلام) وهذه الجهة الثانية تتعلّق بفريضة الصلاة التي فرضها هذا الدين الإسلاميّ على أتباعه وليقيموها خمس مرّات في اليوم. فتأمّل معي يا عزيزي هذا المؤمن الذي وقف لتأدية فريضة الصلاة الإسلاميّة.أفلا تلاحظه كيف أنّه عندما يُتمّ ركعات صلاته يلتفت إلى يمينه ويقول (السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته).ومن ثمّ يلتفت إلى شماله ويكرّر قوله(السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته) ؟ أفلا تساءلت : لماذا يفعل هذا المصلّي ذلك ولماذا ينطق بتلك الكلمات التي تضمّنت كلمات (السلام) ؟ وقد تجيبني وتقول وعلى حسب ما تسمعه من مشايخ عصرنا بأنّ المصلّي يسلّم على الملَك الجالس على يمينه ويسلّم على الملَك الجالس على شماله.لكنّ الحقيقة يا عزيزي القارئ هي خلاف ذلك تماما.فلو كان القصد من هذا التسليم عند انتهاء الصلاة هو إلقاء السلام على الملَكين المذكورين، لكان من واجب هذا المؤمن أن يسلّم على كلّ واحد منهما عندما يستيقظ من نومه أيضا وقياما وقعودا وعلى جنبه طوال يومه.لكنّ الحقيقة هي خلاف ما يعظ به هؤلاء الذين لم يُدركوا بعد بأنّ تعاليم الإسلام هي تعاليم (ســلام) .
واعلم بأنّ الذي أفهمه من تلك التحيّة التي يختم المصلّي بها فريضة صلاته.هو أنّ هذا المصلّي حين يتوجّه إلى يمينه ويقول (السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته) فإنّه يرمز من خلال التفاته نحو يمينه إلى مخاطبة (أهل الميمنة) بشكل رمزيٍّ ، وهم جماعته من المؤمنين وعلى اعتبار أنّ هذا الاصطلاح هو اصطلاح قرآنيّ.فالمصلّي حين ينهي صلاته يلتفت إلى يمينه ويخاطبهم بتلك الألفاظ ، ويريد من ألفاظه تلك بأنّه كان قد فرغ للتوّ من بين يدي ربّه بعد أداء فريضة صلاته ، وهو يحمل لجماعته المؤمنة تعاليم (السلام) التي ناجى بها ربّه عز وجلّ وهو ضرورة أن يسالم جماعة المؤمنين الذين اصطلح القرآن الكريم على تسميتهم أنّهم (أهل الميمنة). ومن ثمّ فإنّ هذا المصلّي حين يتوجّه إلى شماله ويقول (السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته) فإنّه يرمز من خلال قوله هذا إلى مخاطبة (أهل الشمال) وهم الذين اصطلح القرآن الكريم على تسميتهم بأهل الشمال. فيخاطبهم بنفس تلك الألفاظ التي خاطب بها (أهل الميمنة) ويريد من خطابه هذا أيضا بأنّ هذا المصلّي كان قد فرغ من بين يدي ربّه للتوّ وهو يؤدّي فريضة صلاته. وقد أمرته تعاليم دينه أن يسالم جماعة غير المسلمين وأن يعاشرهم ببرٍّ وبمسالمة ، ما داموا يعاملونه ببرٍّ وبمسالمة .
فهذه هي دلالات هذه التحيّة التي يختتم المصلّي بها صلاته كلّ يوم خمس مرّات.علما بأنّ حركات الصلاة، هي في حقيقتها، عبارة عن رموز وذات دلالات.فهي تبدأ بالوقوف الدالّ على احترام اللّه جلّ شأنه الذي وقف المصلّي بين يديه.وتمرّ هذه الصلاة من حركة الرّكوع الدّالة على تعظيم اللّه عز وجلّ . وتنتهي هذه الصلاة بالسجود الدالّ على منتهى الخضوع للّه تعالى وهي تدلّ على غاية التذلّل بين يدي اللّه جلّ شأنه.ولذلك كانت تحيّة الفراغ من الصلاة تدخل في باب الرمز هي أيضا وتدلّ على ما ذكرته لك يا عزيزي القارئ من معاني ودلالات بيّنتها لك آنفا .
كذلك فإنّ عليك يا عزيزي القارئ أن تنتبه إلى هذا المؤذّن الذي يرفع كلمات الأذان وكيف أنّه يلتفت إلى يمينه حين يؤذّن ويقول (حيّ على الصلاة). فهو يتحرّك تلك الحركة الرمزيّة التي ترمز إلى أنّه يخاطب جماعة المؤمنين ويقول لهم (حيّ على الصلاة).كذلك تلاحظ يا عزيزي هذا المؤذّن حين يؤذّن ويقول (حيّ على الفلاح).فإنّك تلاحظ بأنّه يلتفت إلى شماله وليرمز من خلال حركنه تلك إلى جماعة غير المؤمنين، وذلك ليخاطبهم ويقول لهم (حيّ على الفلاح).وبمعنى أنّ الإسلام الذي أمر بفريضة الصلاة إنّما تشكّل تعاليمه تعاليم فلاح وهي إن أخذ الفرد بها وتبنّاها في حياته اليوميّة، تعود تحقّق له الفلاح الحقيقيّ في حياته الدنيويّة ويتجنّب بذلك جميع أنواع الخيبة والضلال .
ولا أدلّ على مصداقيّة المعاني التي ذهبت إليها من أنّ المؤمن ما إن يفرغ من أداء فريضة صلاته إلاّ ويقول مباشرة ، واستنادا للمتواتر عن محمّد رسول اللّه (ص) ، يقول : (اللّهمَّ أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام، يا ذا الجلال والإكرام.) .فألفاظ التّسبيح هذه تدلّ دلالة قاطعة على صحّة ومصداقيّة ما ذكرته لك آنفا ، من أنّ المؤمن إن هو صلّى وهو محيط بكون تعاليم دينه الإسلام هي تعاليم (سلام)، فإنّ خروج ألفاظ التّسبيح هذه من فمه بعد فراغه من أداء فريضة صلاته ، تكون صادرة عن إيمان عميق وراسخٍ بأنّ اللّه الذي فرغ من تعبّده والخروج من بين يديه ، من أسمائه الحسنى اسم (الســلام) ولذلك يقول (اللّهمّ أنت السلام) . وأنّ ما نزل من عند اللّه تعالى من تعاليم على محمّد الصادق الأمين (ص) هي تعاليم سلام.ولذلك يقول (ومنك السلام) . وأنّ النتائج المرجوّة من تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف، هو أن تؤدّي في نهاية المطاف لإقامة الأمن والســـلام في العالم ، ولذلك يقول هذا المصلّي (وإليك يعود السلام يا ذا الجلال والإكرام) .
فاستنادا إلى جميع ما أتينا على ذكره ، نتوصّل من خلاله يا عزيزي القارئ إلى نتيجةٍ ظاهرة المعالم ، ولا تحتاج إلى مراجعة . وهذه النتيجة هي أنّ تعاليم الإسلام هي في حقيقة أمرها تعاليم (ســلام) تؤهّل معتنقها ليكون داعية أمن وسلام في هذا العالم.وذلك من خلال مُعتقداته ومن خلال سيرته ومن خلال تعامله مع كلّ واحد من بني نوعه ومن خلال وسائل نشر معتقداته في العالم. واستنادا إلى هذه النتيجة التي توصّلنا إليها نعود نُدرك بأنّ كلّ من يخالف تعاليم السلام هذه ويسعى إلى سفك دماء الأبرياء من دون حقّ ، يكون مخالفا لتعاليم الدين الإسلاميّ الحنيف. وتنبذه تعاليم الإسلام نبذا شديدا ، وتنبذه جماعة المؤمنين المتمسّكين بأهداب تعاليم هذا الدين الحنيف هم بدورهم أيضا ، ولا ولن ترضى عنه في الوقت نفسه مشيئة اللّه جلّ شأنه وهو الذي أنزل هذه التعاليم السمحة على قلب محمّد الأمّي الصادق والأمين (ص) بل ويدع اللّه جلّ شأنه أعداء هذا المنحرف يسومونه سوء العذاب .
الإسلام دين دعوة إلى سبيل اللّه
وإلى هنا أكون قد وضّخت لك يا عزيزي القارئ هذا الجانب الأوّل من تعاليم الإسلام وهو أنّ الإسلام قد علّم أتباعه مبادئ السلام وليتبنّونها بصورة عمليّة في حياتهم وعلى مدى ما كتب اللّه لهم من أعمار. وليدْعوا إليها بقيّة بني نوع جنسهم من البشر، وذلك بقصد صبغ الناس كافّة بصبغة هذه التعاليم السماويّة المنزلة. وللوصول إلى إقامة الأمن والســلام في ربوع هذا الكوكب الأرضيّ . ومن منطلق أنّ تعاليم الإسلام قد قامت على أساس من الدعوة إلى سبيل اللّه عز وجلّ.فلإسلام دين دعوة،والدعوة إلى سبيل اللّه تعالى فريضة على كلّ مسلم ومسلم.ولذلك ورد قول اللّه جلّ شأنه في الآيات 123-125 من سورة النحل :
(ثمّ أوحينا إليك أن اتّبع ملّةَ إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين.إنّما جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فيه وإنّ ربّك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.أدعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة ولا تجادلهم إلاّ بالتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلمُ بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.) .
وعليه كان من واجبك يا عزيزي القارئ أن تعلم بأنّ (الدعوة إلى سبيل اللّه) لا تقوم إلا على منهجيّة وقواعد وأحكام . وكان من واجبك أن تحيط علما بتلك المنهجيّة وتلك القواعد والأحكام التي أتى بها هذا الدين المتين.هذه المنهجيّة والقواعد والأحكام التي أسّسها اللّه عز وجلّ على أساس من أنّ تعاليم الإسلام هي تعاليم سلام، وأنّ الإسلام هو دين دعوة إلى سبيل اللّه عز وجلّ.وأنّ هذه التعاليم قد أنزلها اللّه جلّ شأنه للعمل عليها،وليس للتغنّي بها وحسب.
وأختصر لك ما أردت قوله فأقول: ألا إنّ مهمّة الدعوة إلى سبيل اللّه عز وجلّ قد استعمل لها هذا القرآن العظيم مصطلح (الجهاد). هذه الكلمة التي لا تعني القتال ولا ترادفه لغويّا.لذلك أنتقل بك لأوضّح لك هذا الجانب الثاني من تعاليم الإسلام التي اصطلح القرآن الكريم على تسميته اسم (الجهـــاد في سبيل اللّه) .وسأثبت لك في الوقت نفسه يا عزيزي القارئ بأنّ مفهوم (الجهــاد) الذي أتى به كتاب اللّه العزيز،لا يتناقض مع مفاهيم (السـلام) التي أتينا على ذكرها من قبل، بل ويشكّل الجهاد جزءً لا يتجزّأ من تلك التعاليم السمحة تلك التي تعمل على إقامة الأمن والسلام في هذا العالم. وهي حقيقة ستتلمّسها أنت بنفسك يا عزيزي القارئ إن أنت طالعت ما أكتبه لك في هذا المؤلّف بقراءة متأنّيةٍ بعيدة عن رواسب الماضي وما ورثته من مفاهيم وتقاليد تتنافى أصلا مع هذه البيّنات وتلك المفاهيم. فهيّا معي إلى هذا الباب الثاني من هذا الكتاب .
البحث الثاني
كيف طرح الإسلام موضوع (الجهـــاد) ؟
تقديم لموضوع الجهاد
إنّ عامّة المسلمين المعاصرين ، والأصوليّين منهم خاصّة ، عادوا يفهمون من كلمة (الجهاد في سبيل اللّه) دلالتهما على نشر الدّين عن طريق مقاتلة غير المسلمين. وإنّهم بفهمهم هذا تناسوا أنّ تعاليم الإسلام هي تعاليم (ســـلام) وفق ما بيّنته وأثبتّه في الباب الأوّل من هذا الكتاب . وكان من نتيجة فهم هؤلاء لكلمة (جهاد في سبيل اللّه) بالمعنى المشار إليه، أنّ كلّ من كان غير مسلمٍ عاد ينظر إلى الإسلام على أنّه دين لا يراعي الحقوق الطبيعيّة للإنسان وأنّه دين بعيد عن نشر معتقداته بالحوار وبالحجّة والبرهان . وإنّ هذا الواقع يدفع علماء هذا الدين لإعادة نظرهم في كلّ متوارث أدّى إلى هذا الواقع المؤلم الذي يتنافى وروح هذه التّعاليم التي جاء بها الإسلام حتّى بات غريبا في أعين الغرباء عن هذا الدين السّمح المتين .
واستنادا إلى ما ذكرته آنفا ، فقد وجدت من واجبي أن أُدلي بدلوي في هذا الموضوع. علما بأنّي أثبتّ في جميع مؤلّفاتي السابقة بأنّي لا أكتب بعقلٍ تقليديٍّ ، بل أكتب وفق منهجيّة القرآن وأصول تفسيره.تلك المنهجيّة وتلك الأصول التي شرحتها في مؤلّفي (منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره) والمستقاة من معطيات هذا الكتاب السماويّ المعجز نفسه.وعلى هذا الأساس ومن هذا المنطلق المشار إليه. فسيلاحظ القارئ الكريم كيف أنّي سأقوم بادئ ذي بدء بإجراء تحقيق لغويٍّ حول كلمة (جهاد) وهي مجرّدة ، وحول دلالتها وهي تُقرأ في كتاب اللّه القرآن (جهاد في سبيل اللّه).ومن ثمّ أتناول جميع الآيات الوارد فيها هذه الألفاظ وبيان دلالاتها وفق سباقها وسياقها الموضوعيّ.وذلك للخروج بالمفهوم الحقيقيّ لهذه الكلمة (جهاد) ووفق ورودها في كتاب اللّه العزيز القرآن،هذا الكتاب المنزل بلسان عربيّ مبين، والمحفوظ إلى يوم الدّين.وبقصد أن يتمكّن القارئ الكريم من أن يفرّق ما بين ما هو شائعٌ من مفاهيم موروثة بين عوام المسلمين يردّدونها خطأ وبتوجيه من هؤلاء الأصوليّين المقلّدين تقليدا أعمى ، وما بين المعاني القرآنيّة الحقيقيّة الواردة في آيات هذا القرآن العظيم.وعليه أبدأ بعمليّة التحقيق اللّغويّ هذا الذي أشرت إليه بمعونة اللّه وفضله الواسع الكريم.
تحقيق لغوي حول كلمة (جهاد)
فمن المعلوم أنّ اللّه عز وجلّ قد قيّض في القرون الأولى للبعثة الإسلاميّة لغويّين خدموا لغتنا العربيّة الشريفة خدمة يشهد بها عظماء المفكّرين . وقد برز من هؤلاء علماء وضعوا معاجم لغويّة للّغة العربيّة مستندين في ذلك إلى ما اشتهر استعماله من ألفاظ هذه اللغة ومحاوراتها في الجاهليّة قبل الإسلام.ومستندين في ذلك كلّه إلى ما أثبت تعاطيه منها هذا الكتاب القرآن الخالد وضمن صياغة لّغويّة ، وداخل مضامين تناولت مختلف مواضيع الحياة وعلى جميع صعد الحياة أيضا ، وبخصوصيّات فريدة ومعجزة،وكلّ ذلك بلسان عربيّ مبين. وسأنقل للقارئ الكريم ما أوردته مشاهير هذه المعاجم اللّغويّة من دلالات لكلمة (جهاد) وذلك لنستأنس بها سويّةً في بحثنا لهذا الموضوع الذي نعيد صياغته بمنهجيّة وأصول .
فقد ورد في معجم (أقرب الموارد) تقول جاهد في سبيل اللّه مجاهدة، وجهادا، ومعناه بذلَ هذا المؤمن وُسعه.ومنه في القرآن الكريم (وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده.).وجاهد العدوّ معناه قاتله.هذا وإنّ (الجهاد) مصدر جاهد، ومعناه قاتل محاماة عن دين الحقّ.
وقد ورد في معجم (مفردات الإمام الراغب) الجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدوّ.والجهاد ثلاثة أضرب الأوّل مجاهدة العدوّ الظاهر.والثاني مجاهدة الشيطان ، والثالث مجاهدة النفس.وتدخل هذه الأنواع الثلاثة ضمن قول اللّه تعالى (وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده) سورة الحج. (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل اللّه) سورة التوبة. (إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه) سورة الأنفال. وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: (جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم).والمجاهدة تكون باليد واللّسان.قال صلّى اللّه عليه وسلّم : جاهدوا الكفّار بأيديكم وألسنتكم.
وفي معجم (مقاييس اللّغة) الجيم والهاء والدال أصل دلالتها على المشقّة.ثمّ يُحمل عليه ما يُقاربُه في المعنى.يقال : يُقال جهدتُ نفسي،وأجهدت. والجهد هو الطاقة. قال اللّه تعالى (والذين لا يجدون إلاّ جُهدهم)- سورة التوبة.ويقال إنّ المجهود هو اللّبن الذي أُخرِجَ زُبدُه ولا يكاد ذلك، ولا يكون إلاّ بمشقّةٍ ونَصَب. وممّا يُقارب الباب : الجَهاد بفتح الجيم ومعناه الأرض الصُّلبة. وفلانٌ يجهد الطعام : إذا حمَل عليه بالأكل الكثير. والجاهد معناه الشّهوان .
وورد في معجم (محيط المحيط) الذي أضاف مؤلّفه إلى ما كان قد ورد في معجم (المحيط) إضافات مشكور عليها، استقاها من بقيّة معاجم اللّغة المعروفة، ولذلك سمّى معجمه هذا (معجم محيط المحيط) ولذلك جاء هذا المعجم جامعا وشاملا ويغني المحقّق إلى حدّ كبير عن الرجوع إلى بقيّة المعاجم إلاّ في بعض الأحوال الاستثنائيّة،كموضوع دلالة كلمة (جهاد) ولذلك يلاحظ القارئ كيف أنّي رجعت في ذلك إلى أشهر المعاجم قبل العودة إلى ما ورد في هذا المعجم المسمّى (محيط المحيط) .
فقد ورد في معجم (محيط المحيط) : جهَدَ في الأمر يجهدُ جهدا معناه جدّ وتعب فيه. وجهَد دابّته معناه أنّه حمّلها فوق طاقتها فبلغت جهدها.وجهد بزيد معناه امتحنه.وجهد اللّبن معناه أنّه أخرج زُبده كلّه.وجهد الطعام معناه اشتهاه وأكثر من أكله.وجهد المرض فلانا معناه هزله.وجُهِدَ على المجهول معناه أنّه أُتعِبَ من تحمّل المشقّة.ويقال: أصابهم قحوطٌ من المطر فجُهدوا جهدا شديدا.وتقول جهد عيشُه يجهدُ جهداً معناه نكد واشتدّ.فإن قلت أجهد الشيبُ معناه كثر وأسرع في الظهور.تقول أجهدت الأرض أي برزت وظهرت.وأجهد الحقّ معناه ظهر ووضح.وأجهد العدوّ معناه جدّ في العداوة.وجاهد العدوّ مجاهدة وجهادا معناه قابله في تحمّل الجهد أو بذل كلٌّ منهما جهده في دفع صاحبه.ثمّ غلب في الإسلام معنى جاهد دلالته على قتال الكفّار ونحوه. ومنه في سورة الفرقان (فلا تُطع الكافرين وجاهدهم به) أي قابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم.واجتهد في الأمر وتجاهد معناه جدّ وبذل الوسعَ فيه وتكلّف المجهود. واستجهد في الأمر تأمّل فيه وتبصّر وتنبّه له.والجاهد هو السهران.وجهد مبالغة جاهد.والجَهاد بفتح الجيم هي الأرض الصّلبة التي لا نبات فيها وقد يعني ثمر الأراك.والجهاد مصدر جاهد َويعني القتال محاماة عن دين الحقّ.ومنه (وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده) . والجهد مصدر جهَد ويعني الطاقة والمشقّة.حيث يُقال أفرغ جهده أي أفرغ طاقته.ويقال أصابه منه جهد أي أصابته منه مشقّة.وأقسموا باللّه جهد أيمانهم معناه أنّهم اجتهدوا وبالغوا في اليمين.ويقال جهْد البلاء وهي حالة يُختارُ عليها الموت، وتعني الفقر وكثرة العيال.وفي الحديث الشريف : كان النبيّ يعوذ باللّه من جهد البلاء ودرك السفهاء وشماتة الأعداء.والجُهدُ بضمّ الجيم معناه الطاقة وقيل معناه المشقّة كالجهد بفتح الجيم. والمجتهد اسم فاعل والمجهود اسم مفعول،والطاقة والمشقّة. تقول بذل مجهوده أي بذل جهده.ورجلٌ مجهود معناه ذو جهد.
ونستنتج من جميع ما أوردناه من معاني من معاجم اللّغة العربيّة لكلمتي(جهد و جاهد) بأنّه توجد بين هاتين الكلمتين مقاربة في المعنى الذي تدلّ عليه أحرف الجيم والهاء والدال ، وهو معنى المشقّة وبذل الجهد والطاقة.ومن هنا جاز القول بأنّ الجهاد،وبصيغة المصدر،يفيد معنى بذل ما لدى المؤمن أو جماعة المؤمنين من طاقات ومشقّات لمقاتلة العدوّ محاماة عن دين الحقّ.وهو المعنى الذي ذهب إليه معجم (أقرب الموارد) واتّفق معه معجم (مفردات الراغب) والذي زاد عليه هذا الأخير بتقسيم الجهاد إلى ثلاثة أضرب : الأوّل- مجاهدة العدوّ الظاهر. والثاني- مجاهدة الشيطان. والثالث- مجاهدة النفس.ولم يزد (محيط المحيط) على هذا شيئا بل أتى بهذه الدلالات بشكل تفصيليّ.
وبناء عليه تُدرك يا عزيزي القارئ بأنّه لا يجوز اعتبار كلمة (جهاد) مرادفة لكلمة (قتال) من حيث أصل دلالات أحرف هاتين الكلمتين.إلا أن يُراد بكلمة (جهاد) بذل منتهى المشقّة والوِسعُ في القتال وإلى درجة نيل الشهادة فيه،وليس القتال قتالا عاديّا.وإلاّ فلو كانت كلمة (جهاد) ترادف كلمة (قتال) لكان من الخطأ القول بمجاهدة الشيطان. والقول بمجاهدة النفس البشريّة.هذه التقسيمات التي أيّدتها النصوص القرآنيّة والأحاديث الشريفة التي منها ما أورده معجم (مفردات الراغب) عن رسول اللّه (ص) أنّه قال (جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم) .
وإن أنت قمت يا عزيزي القارئ بتدبّر آيات القرآن الكريم ، فستلاحظ بأنّ تلك الآيات القرآنيّة كانت تورد مُصطلح (في سبيل اللّه) على حدّ سواء حين الحثّ على مقاتلة العدوّ، سواء على صعيد الكلام والحوار، وسواء على صعيد صدّ محاولات الأعداء وخطواتهم التي اتّخذوها لمحاربة الدين الإسلاميّ، وسواء على صعيد الحثّ على بذل الأموال ووفق نصوص الأحكام القرآنيّة.وإنّ هذه التّعدّديّة في إيراد هذا الاصطلاح القرآنيّ يفرض علينا الإحاطة بدلالات هذه الكلمات الثلاثة (في سبيل اللّه) بشكل موضوعيّ.وذلك بتدبّر معنى حرف (في) ومعنى كلمة (سبيل) ومضافة إلى اسم الجلالة (اللّه) .
والذي توصّلت إليه يا عزيزي القارئ هو أنّ اللّه عز وجلّ قد أورد حرف الجر (في) في هذا المصطلح (في سبيل اللّه) بمعنى– التّعليل-وليعلّل اللّه عز وجلّ ما يطلبه من هذا المؤمن في مختلف النصوص القرآنيّة التي ورد فيها هذا المصطلح القرآني.هذا وإنّ ورود معنى تعليل الشيء المشار إليه والمتكلّم عنه، يؤيّده حديث رسول اللّه (ص) المشهور (دخلت امرأة النار في هرّةٍ حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من حشاش الأرض) ففي هذا الحديث الشريف يعلّل اللّه عز وجلّ دخول المرأة التي تكلّم عنها في النار.علما بأنّ لحرف (في) عشرة معاني وعلى حسب ما هو وارد في معاجم اللّغة العربيّة.
وأمّا كلمة (سبيل) فتعني الطريق ،وتُجمع على سبُل.فإن أنت أضفت إلى كلمة (سبيل) اسم الجلالة (اللّه)، وقلت (سبيل اللّه) فقد قصدت ليس معنى واحدا، ولكن تكون قد قصدت دلالة (سبيل اللّه) على كلّ ما أمر اللّه تعالى به من الخير وطلب العلم والحجّ ومجاهدة العدوّ والشيطان والنفس.فهذه جميعها سُبل اللّه تعالى يسلكها المؤمن في حياته اليوميّة،وتنفيذا لأوامر اللّه جلّ شأنه الواردة في كتاب اللّه العزيز.
والسؤال الهامّ الذي ينبغي عليك يا عزيزي القارئ أن تحيط به علما وتجيب عليه في مجال الكلام عن اصطلاح (سبيل اللّه) هو ما المقصود أصلا من صيغة (في سبيل اللّه) هذه الصيغة التي أشرنا إليها ونحاول الإحاطة بدلالتها ؟
وأختصر لك الطريق وأدلّك على الآية الكريمة التي دلّتنا على الإجابة على هذا السؤال الهام الذي طرحناه.وهي قول ربّنا عز وجلّ في الآية 153 من سورة الأنعام (وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبُلَ فتفرّق بكم عن سبيله،ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتّقون.).ففي هذه الآية الكريمة أورد اللّه تعالى كلمة (هذا صراطي) في مقابل قوله تعالى (ولا تتّبعوا السبُل) إشعارا للقارئ بأنّه تعالى يريد من اصطلاح (سبيل اللّه) معنى صراط اللّه.وهذا المعنى تضمّنه قول ربّنا عز وجلّ في الآية 125 من سورة النحل (أدعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.) وقد قصد تعالى من قوله في هذه الآية (أدعُ إلى سبيل ربّك) أي أدع إلى صراط ربّك الذي هداك اللّه تعالى إليه وأصبحت مؤمنا.وهو الصراط الذي تضمّنه دعاء سورة الفاتحة . وهكذا فمن خلال مُعطيات مضامين هذه الآيات الكريمة يتبيّن لك يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ يعبّر من خلال مصطلح (في سبيل اللّه) عن صراطه المستقيم الذي جاءت به تعاليم الإسلام والذي حثّنا في سورة الفاتحة على الدعاء به ليهدينا إليه وألاّ يُزغ قلوبنا عنه ما دمنا أحياء كيلا نميل عنه ونحن عاملين عليه إفراطا وتفريطا .
فإلى هنا نكون يا عزيزي القارئ قد تبيّن لنا من خلال ما بحثناه الأمور التالية:
أولا – إنّ كلمتي جَهَد وجاهد متقاربتان في المعنى الذي هو التّعبير بهما عن بذل هذا الإنسان ما أمكنه من طاقة ومشقّة في سبيل أمر من الأمور.
ثانيا – وأنّ كلمة (جاهد) لا ترادف كلمة (قاتل) في الدلالة. فالقتال الذي سمحت به تعاليم الإسلام لا يسمّى جهاداً إلاّ إذا قاتل هذا المسلم ليس قتالا عاديّا بل أن يقاتل ويبذل هذا المسلم المقاتل جهد طاقته في مقاتلة العدوّ وإلى حدّ الاستشهاد في ساحة الوغى.
ثالثا – وأنّ تعبير (في سبيل اللّه) هو تعبير اصطلاحيٌّ يُقصد منه تعليل الأمر الإلهيّ الذي يلازمه.فالجهاد في سبيل اللّه معناه بذل كلّ ما يملكه المسلم من طاقات للعمل على كلّ ما أمر اللّه تعالى به من الخير والمواظبة على الفرائض الدينيّة وعلى طلب العلم وعلى مقاتلة العدوّ إن توفّرت شروط ذاك القتال، وعلى حسب ما سأبيّنه في الباب الثالث من هذا الكتاب.
واستنادا إلى هذه الأمور الثلاثة المشار إليها، يعود تقدير قول اللّه عز وجلّ في هذه الآية 54 من سورة المائدة (يا أيّها الذين آمنوا مَن يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبُّهم ويحبّونه أذلّةً على المؤمنين أعزّة على الكافرين يُجاهدون في سبيل اللّه ولا يخافون لَومةَ لائم ذلك فضل اللّه يؤتيه مَن يشاء واللّه واسعٌ عليم.).يصبح تقدير معنى هذه الفقرة من قوله تعالى هذا الوارد في هذه الآية الكريمة وهي (يُجاهدون في سبيل اللّه) يصبح تقديره : المؤمنون الذين يبذلون قُصارى جهدهم وهم يسعون للتمسّك بصراط ربّهم المستقيم وساعين للتعرّف على ربّهم ولجذب محبّته نحوهم ولنيل قربه ورضوانه .فهذا هو تقدير مضمون هذه الكلمات الاصطلاحيّة التي تكرّرت في جميع الآيات الكريمة التي حثّت المؤمن على فعل كلّ ما أمره ربّه من أعمال الخير وعلى طريق تحصيل العلم وأداء جميع فرائضه الدينيّة. ومن هذه الفروض الدينيّة القيام بمقاتلة العدو إن توفّرت شروط مقاتلته وردّ عُدوانه فوجب عليه القيام بمقاتلة الأعداء المعتدين حينئذ ومقاتلتهم بجهد كبير ما بعده من جهد ولو تطلّب من هذا المقاتل المؤمن بذل نفسه في ساحات الوغى دفاعا عن المثل العليا التي جاء بها هذا الدين الحنيف.
وبعد أن أوصلتك يا عزيزي القارئ إلى المعاني الحقيقيّة لكلمتي (جهد وجاهد) ووضّحت لك مضمون هذا المصطلح القرآني (يجاهدون في سبيل اللّه).عد ت أرى من واجبي ومن الضروريّ جدّا أن أُثبت لك يا عزيزي ومن خلال تقديم نصوص قرآنيّة تؤكّد مصداقيّة هذه المعاني التي أوصلتك إليها،وذلك لتوقن بخطأ هذا الفهم الساذج الشائع في زماننا الحاضر والمتعلّق بمواضيع (السلام والجهاد والقتال) هذا الفهم المخالف لمعطيات آي الذّكر الحكيم . هذا الفهم الخاطئ الذي توارثه المسلمون المعاصرون عن المفسّرين القدماء رحمهم اللّه تعالى، أولئك الذين لم يُعطوا هذه المواضيع حقّها من التدبّر بمنهجيّة وأصول ووفقا لأمر ربّهم جلّ اسمه الذي أمرهم وقال (أفلا يتدبّرون هذا القرآن أم على قلوب أقفالها ؟).وسأدلي بالنصوص القرآنيّة التي يثبت من خلالها مصداقيّة هذه المعاني الثلاثة التي توصّلنا إليها حتّى اللّحظة.
ما هي أدلّة مصداقيّة هذه الدلالات قرآنيّا؟
فأتناول هذه المعاني بنفس هذا الترتيب الذي توصّلنا إليه ، وأبدأ بالمعنى الأوّل والذي يدور حول كلمتي (جهد وجاهد) اللّتين تعنيان بذل الإنسان ما أمكنه من طاقات ومشقّة في سبيل خدمة هذا الدين الإسلاميّ الحنيف الذي اعتنقه دينا له.
فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ الآيات من سورة الفرقان التي نزلت في مكّة المكرّمة، وفي تلك الفترة من الزمان، والتي لم يكن اللّه العزيز قد كتب خلالها على المؤمنين بالإسلام مقاتلة أعدائهم.فقد بيّنت في مؤلّفي (فنّ الاختزال في القرآن الكريم) بأنّ مضمون آيات سورة الفرقان بحثت موضوعين اثنين: الأوّل بيان ما اعترض به الكفّار على تعاليم الإسلام . وقد ردّ اللّه العزيز على تلك الاعتراضات بالحجج والبراهين الساطعة.والثاني بيان معالم شأن هذه الفئة المؤمنة التي تتشكّل على أيدي هذا الرسول الأعظم (ص).
ففي مجال الموضوع الأوّل ، وبعد أن فرغ اللّه جلّ شأنه من ردّ اعتراضات الكفّار الذين كذّبوا هذا الرسول الأعظم (ص) ، فقد خاطب اللّه جلّ شأنه رسوله الكريم فوعظه وقال (ولقد صرّفناه بينهم ليذّكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا. ولو شئنا لبعثنا في كلّ قرية نذيرا. فلا تُطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيرا.).فقول اللّه عز وجلّ في هذه الآيات الكريمة (وجاهدهم به جهاداً كبيرا) هذا القول الذي فسّره الفخر الرازي رحمه اللّه وقال وذلك بعد أن استعرض أقوال غيره من العلماء،قال "
(والأقرب الأوّل- مشيرا بذلك إلى من قال إنّ المراد من (كلمة (الجهاد) في هذه الآية بذل الجهد في الأداء- وعلّل رأيه هذا وقال : لأنّ السورة مكّية.وأنّ الأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان.وإنّما قال وجاهدهم جهادا كبيرا، لأنّه لو بعث في كلّ قرية نذيرا لوجب على كلّ نذير مجاهدة قريته.فاجتمعت على رسول اللّه تلك المجاهدات وكثُر جهاده من أجل ذلك وعظُم فقال له (وجاهدهم) بسبب كونك نذيرا كافّة القرى (جهاداً كبيرا) جامعا لكلّ مجاهدة.) "
أ فلاحظت يا عزيزي القارئ كيف أنّ الفخر الرازي رحمه اللّه تعالى قد أعاد ضمير (به) أوّلا إلى القرآن الكريم وما جاء به من تعاليم. وأنّه راعى أنّ سورة الفرقان قد أنزلها اللّه تعالى في مكّة المكرّمة ، وذلك قبل أن يأذن اللّه تعالى لرسوله الكريم بمقاتلة العدوّ . وثالثاً فقد أخذ رحمه اللّه لكلمة (وجاهدهم) معنى بذل الجهد في أداء تبليغ الرسالة السماويّة التي حمّلها اللّه تعالى رسوله الكريم . وأنّه فهم من قوله تعالى (جهادا كبيرا) بذل الجهد بذلا جامعاً لكلّ مجاهدة ؟
وعلى هذه الصورة فإنّ هذه الآية من سورة الفرقان تُعدّ يا عزيزي القارئ دليلا قرآنيّا قاطعا دلّ على أنّ كلمتي (جهد وجاهد) المتقاربتان في المعنى وعلى حسبما ذهب إليه أصحاب معاجم اللّغة لا تعنيان في الأصل إلاّ بذل هذا الإنسان ما أمكنه من طاقة ومشقّة في سبيل تحقيق أمرٍ من الأمور.وعليه فإنّ اللّه تعالى قد أمر رسوله الكريم في هذه الآية الكريمة بضرورة بذل كلّ جهد ممكن لتبليغ قومه تعاليم القرآن الإسلاميّة النازلة عليه مهما تحمّل من جرّاء ذلك من طاقات ومشقّة،ما دام هو موجود في مكّة المكرّمة،كيلا يُحسب في نظر ربّه مقصّرا في أداء مسؤوليّة رسالة ربّه السماويّة هذه .
وإليك يا عزيزي القارئ دليلا قرآنيّا ثانيا يثبت من خلاله مصداقيّة هذا المعنى الأوّل لكلمتي (جهد وجاهد) المتقاربتان، وهو ضرورة بذل قصار الطاقة والمشقّة في سبيل العمل على تعاليم هذا الدين الحنيف من جهة،ومحاولة تبليغها إلى الناس كافّة من جهة أخرى وذلك بمختلف طرق بذل الجهد والمجاهدة . وهذا الدليل الثاني تضمّنته الآية السادسة من سورة العنكبوت التي كان قد أنزلها اللّه العزيز في مكّة المكرّمة هي أيضاً يوم لم يكن قد فرض اللّه تعالى على المؤمنين مقاتلة الذين يقاتلونهم من أعدائهم.
ففي الآية الخامسة من سورة العنكبوت قال اللّه تعالى (من كان يرجو لقاء اللّه فإنّ أجل اللّه لآتٍ وهو السميع العليم.) أي أنّه جلّ شأنه قد ذكّر المؤمن بأنّ المقصد من تعاليم هذا الكتاب القرآن هو مساعدة هذا المؤمن الذي يسعى للتعرّف على ربّه عز وجلّ وراجيا لقائه والفوز بقربه ومحبّته، وهو معتقد بأنّ الموت شيء حقّ وحتميّ لا مفرّ منه، وأنّ اللّه ربّه يسمع كلّ أدعيته ويعلم حاله.فبعد أن قدّم اللّه جلّ شأنه هذا التّقديم أضاف وقال في الآية السادسة: (ومَن جاهد فإنّما يُجاهدُ لنفسه إنّ اللّه لغنيٌّ عن العالمين.).
وتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى قد أورد كلمتي (جاهد) و (يجاهد) في هذه الآية الكريمة بمعنى بذل هذا المؤمن ما أمكنه من طاقة ومشقّة في سبيل الحصول على لقاء اللّه تعالى وللتعرّف عليه وللفوز بمحبّته وقربه ورضوانه. وهو المعنى الذي يتّفق مع سباق هذه الآية الذي دلّ عليه قوله تعالى قبل ذلك (مَن كان يرجو لِقاء اللّه فإنّ أجل اللّه لآتٍ وهو السميع العليم.) ويتّفق مع سياق هذه الآية وهو الذي دلّ عليه قوله تعالى بعدها (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنُكفّرنّ عنهم سيّئاتهم ولنجزينّهم أحسن الذي كانوا يعملون.).هذا وتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّنا أخذنا لكلمتي (جاهد ويجاهد) الواردتين في هذه الآية السادسة من سورة العنكبوت معنى بذل قصارى الطاقة والمشقّة والجهد على مختلف صُعد حياة المؤمن في سبيل تحقيق المقصد المشار إليه.وذلك بسبب أنّ سورة العنكبوت هي سورة قد أنزلها اللّه عز وجلّ في مكّة المكرّمة،يوم لم يكن اللّه جلّ شأنه قد أذن بعد للمؤمنين بمقاتلة الذين يقاتلونهم من الكفّار .
ولا أكتفي يا عزيزي بما قدّمته لك من هذين النّصّين القرآنيين السابقين للتّدليل بهما على مصداقيّة هذا المعنى الأوّل لكلمتي (جهد وجاهد) المتقاربتين في المعنى، والدالّتين على معنى بذل قصارى الطاقة والمشقّة في سبيل خدمة هذا الدين المتين.بل وأقدّم لك يا عزيزي القارئ نصّا قرآنيّا ثالثاً يحمل نفس الدلالة، والوارد في آخر آية من آيات سورة العنكبوت، والتي كان قد أنزلها اللّه جلّ شأنه في مكّة المكرّمة وعلى حسب ما هو معروف من طوالع سور هذا القرآن المجيد.
ألا فانظر كيف ختم اللّه عز وجلّ آيات سورة العنكبوت وقال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبُلَنا وإنّ اللّه لمعَ المحسنين.).فإن أنت راجعت يا عزيزي القارئ التفسير الكبير للفخر الرازي رحمه اللّه تعالى،تلاحظ بأنّه قد أخذ لكلمة (جاهدوا) الواردة في هذه الآية الكريمة معنى بذل الطاقة والمشقّة هو أيضا،ولم يأخذ لكلمة (جاهدوا) معنى القتال وذلك لنفس السبب الذي كان قد ذكره من قبل، وهو أنّ سورة العنكبوت (مكّية) ولم ينزلها اللّه عز وجلّ بعد الهجرة إلى المدينة المنوّرة.فالفخر الرازي رحمه اللّه فسّر قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا) وقال "(أي مَن جاهد بالطاعة هداه اللّه تعالى سبُل الجنّة.وإنّ قوله رحمه اللّه، (من جاهد بالطاعة) يعني أنّ سبيل لقاء اللّه تعالى وقربه ورضوانه والفوز بمحبّته، ينحصر في طاعة هذا المؤمن لتعاليم ربّه في كلّ ما أمره تعالى فيها من أوامر،وانتهائه عن كلّ ما نهاه عنه ربّه فيها من منهيّات في كتاب اللّه العزيز .
وعلى هذه الصورة لربّما تكون يا عزيزي القارئ قد اكتفيت بهذه الأدلّة القرآنيّة الثلاثة التي أوردتها لك آنفا والتي استقيتها لك من سورتي الفرقان والعنكبوت المكّيتين والمنزلتين في الدور المكّي من حيات البعثة المحمّديّة، يوم لم يكن محمّد رسول اللّه (ص) والذين آمنوا معه قد ردّوا على اعتداءات الكفّار عليهم باعتداءات مثلها، ولا كانوا قد قاتلوهم ويوم كان كلّ ما فعله هؤلاء المؤمنون خلال ثلاثة عشرة سنة، هو أنّهم تحمّلوا شتّى أنواع الابتلاء التي كان ينزلها بهم أهل مكّة ممّن لم يؤمنوا بما جاء به محمّد بن عبد اللّه (ص) وقاموا يضطهدون كلّ من آمن بهذا الدين الإسلاميّ الحنيف.
فإن أنت طلبت منّي يا عزيزي القارئ أن أزيدك أدلّة قرآنيّة وبيّنات، وذلك من أجل التدليل من جانبي على أنّ كلمتي (جهد وجاهد) لا تعنيان في أصل وضعهما اللّغويّ معنى القتال.وأنّ كلّ ما تعنيانه هو بذل قصارى الطاقة والمشقّة ليس إلاّ ووفق ما وافانا به أصحاب المعاجم التي أوردت لك أقوال أصحابها في بداية بحث موضوع الجهاد.فأستجيب لك وأدلّك على نصٍّ قرآنيٍّ رابعٍ،قد ورد هو أيضا في سورة العنكبوت نفسها، تلك التي كانت قد أنزلها اللّه جلّ شأنه في مكّة المكرّمة.
وعليه راجع يا عزيزي القارئ الآية الثامنة من سورة العنكبوت،ولاحظ كيف أنّ اللّه عزّ وجلّ بعد أن فرغ من تبشير الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن ّربّهم ليكفّرنّ عنهم سيّئاتهم وليجزينّهم أحسن الذي كانوا يعملون.فقد قال تعالى(ووصّينا الإنسان بوالديه حُسناً وإن جاهداك لِتُشرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ فلا تُطعهما إليّ مرجعكم فأنبّئكم بما كنتم تعملون.والذين آمنوا وعملوا الصّالحات لنُدخلنّهم في الصالحين.).فلاحظ يا عزيزي قول ربّك (وإن جاهداك لتُشركَ بي..) فهل تفهم أنت منه أنّ هذا يتعلّق بإعلان حرب من جهة الأولاد على والديهم المشركين إن كان هذا الولد من المؤمنين الموحّدين، وقيام قتال بين هذين الطرفين المذكورين ؟ أم أنّك تفهم من قول ربّك هذا بأنّ الوالدين المشركين يبذلان قصارى جهدهما ليعيدا ابنهما المسلم الموحّد إلى عقيدة الشرك التي يعتنقانها ؟ فدلالة قول اللّه تعالى هنا (وإن جاهداك على أن تُشرِك بي ما ليس لك به علم) لا يعني إلاّ أنّ الوالدين المشركين يعسُر عليهما أن يرجع ابنهما عن عقيدة الشرك التي توارثاها أبا عن جدّ، ومن ثمّ يعتنق عقيدة توحيد اللّه عز وجلّ، وتكون النتيجة أنّ هذين الوالدين يعمدان إلى الضغط على ابنهما بشتّى وسائل الضّغط المتوفّرة لديهما ليُكرهانه على الارتداد إلى عقيدتهما.أي أنّهما يبذلان قصارى طاقتهما من أجل تحقيق هذا المقصد المشار إليه.ولا يعني هذا النصّ بأنّه يشير إلى حدوث قتال بين هذين الطرفين المشار
إليهما بأيّ شكل من الأشكال.وهو الرأي الذي ذهب إليه جميع المفسّرين القدماء.
ثمّ إنّ سورة لقمان هي سورة مكّية أيضا وقد قال اللّه تعالى في الآيات 13/14/15 منها (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنيّ لا تُشرك باللّه إنّ الشرك لظلم عظيم.ووصّينا الإنسان بوالديه حملته أمّه وَهنا على وهنٍ وفصالُه في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير.وإن جاهداك على أن تُشرك بي ما ليس لك به علمٌ فلا تُطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتّبِع سبيلَ مَن أناب إليّ ثمّ إليّ مرجعكم فأنبّئُكُم بما كنتم تعملون.).فقوله تعالى على لسان لقمان عليه السلام (وإن جاهداك على أن تُشركَ بي) فلا يعني هذا القول إلا محاولة الوالدين المشركين الضغط على ابنهما الموحّد بشتّى أنواع بذل الطاقة والمشقّة لإعادة هذا الابن الموحّد إلى حظيرة الشرك.ولا يعني هذا القول المذكور حدوث حرب ما بين الوالدين وابنهما ووقوع قتال بينهما بشكل من الأشكال.
من هذا كله لابدّ وأنّكّ عُدت تتّفق معي يا عزيزي القارئ ، وبعد إطلاعك على جميع هذه النصوص القرآنيّة التي كان قد أنزلها اللّه جلّ شأنه في مكّة المكرّمة،والتي وردت فيها كلمتا (جهد و جاهد) من دون أن تدلّ هاتان الكلمتان على القتال.وعليه فإنّ كلمتي (جهد وجاهد) المتقاربتين في المعنى لا تفيدان معنى القتال بأيّ حال من الأحوال، ووفقا لما أفادنا به أصحاب المعاجم العربيّة قديما وحديثا.بل إنّ هاتين الكلمتين (جهد وجاهد) تفيدان في أصل معناهما بذل الإنسان لقصارى طاقته وبمشقّة في سبيل تحقيق مقصد قد وضعه له ربّه نصب عينيه ليعمل عليه ولينشره بين الناس أيضا.
كذلك فإنّك إذا راجعت يا عزيزي القارئ ما وصلنا من أحاديث محمّد رسول اللّه (ص) تلاحظ بأنّ أبو داود والترمذيّ يرويان قولا من أقواله عليه الصلاة والسلام وهو : (إنّ من أعظم الجهاد كلمة حقٍّ عند سُلطان جائر)ووفقا لنصّ هذا الحديث الشريف فإنّ (كلمة حقّ عند سلطان جائر) لا تفيد القتال لكنّها تدخل في معنى (الجهاد) والسبب في ذلك هو أنّ كلمة (جهاد) تعني في أصل وضعها بذل طاقة ومشقّة في هذا السبيل، ولا تعني القتال بأيّ شكل من الأشكال.وقد روى البيهقيّ هو أيضا حديثا شريفا نسبه إلى محمّد رسول اللّه (ص) حيث قال إنّه ورد عن رسول اللّه (ص) قوله (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر).وتبعا لما نصّ عليه هذا الحديث الشريف، فقد سمّى رسول اللّه(ص) مجاهدة نفس الإنسان وبذل منتهى جهده وطاقته في تقويمها وإصلاحها هو (جهاد أكبر).وبسبب أنّ بذل جهد الإنسان في تقويم ما اعوجّ من طبائعه وميوله وشهواته يعدّ جزء لا يتجزّأ من التبشير بالإسلام ووفق قوله تعالى (وجاهدهم به جهادا كبيرا.).فضمير (به) يعود إلى وحي القرآن الكريم.خصوصا وأنّ هذه الآية تشكّل جزء من سورة الفرقان تلك التي أنزلها اللّه تعالى في مكّة المكرّمة،في السنوات المكّيّة التي لم لم يكن قد وقع فيها (قتال) ما بين المسلمين وما بين الكافرين.فلو كان المقصود من قوله تعالى هنا (جاهدهم به) أي قاتل الكفّار لكان قد وقع قتال في السنوات المكّية ما بين المشركين والمؤمنين يكون قد كذّب هذا المعنى المذكور.علما بأنّ مقاتلة العدوّ هي أسهل كثيرا من مجاهدة الإنسان لنفسه.ومن بذل كلّ جهد وطاقة لنشر تعاليم هذا الدين الإسلاميّ بسلاح الحجّة والبرهان.
وعليه فإنّ هذا الحديث الشريف الأخير قد وضّح لنا حقيقة أنّ المقصد من إنزال التعاليم السماويّة لم يكن من أجل إعلان قتال وسفك دماء الأبرياء.وإنّما كان المقصد من هذه التعاليم السماويّة هو القيام بإصلاح الإنسان لهذه النفس البشريّة، ولتقويم ما اعوجّ من طبائعها وما شطّ من ميولها وشهواتها، ولتعود لائقة للفوز بثمار داري الدنيا والآخرة.ولتقوم بالتالي بأداء ما للّه تعالى علها من حقوق،وأداء ما لعباد اللّه عليها من حقوق أيضا بعدل وإنصاف تامّين.ولنشر الأمن والسلام في ربوع هذه الكرة الأرضيّة التي اختصّها الخالق بهذا الإنسان.
وعلى هذه الصورة أكون قد فرغت من الكلام عن دلالة كلمتي (جهد وجاهد) المتقاربتين في المعنى.واللّتين لا تعنيان القتال بأيّ شكل من الأشكال.بل تعنيان بذل كلّ طاقة ومشقّة في سبيل تحقيق أمر من الأمور.ووفق ما أورده معجم (أقرب الموارد) الذي قال الجهاد معناه بذل الوسع.ووفق ما ورد في (مفردات الإمام الراغب) الجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدوّ،وأنّ الجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدوّ الظاهر,ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس. ووفق ما ذكره معجم مقاييس اللّغة وهو دلالة الجهد على المشقّة ثمّ يُحملُ عليه ما يقاربه. ووفق ما ورد في (محيط المحيط) الذي جمع جميع ما أورده أصحاب المعاجم من قبله وبترتيب جيّد.فهو أورد وقال : جهد في الأمر معناه جدّ وتعِب فيه.والجهد مصدر جهَد ويعني الطاقة والمشقّة.واستدلّ بالآية من سورة الفرقان (فلا تُطع الكافرين وجاهدهم به) ومعناه أي قابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم.وتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّي أثبتّ هذه الحقيقة بمختلف طرق الإثبات التي لم تعد تقبل المراجعة والتّبديل وعاد من واجبي الآن يا عزيزي القارئ أن أنتقل بك للكلام عن المصطلح القرآنيّ المتكرّر وروده في مختلف الآيات القرآنيّة والمنصوص عليه وهو مصطلح (الجهاد في سبيل اللّه).(الجهاد في سبيل اللّه) دلالته وأدلّته ؟
(الجهاد في سبيل اللّه) دلالته وأدلّته ؟
فيا عزيزي القارئ إنّك تذكر كيف أنّي سبق لي أن تناولت بحث هذا المصطلح القرآني وهو (جهاد في سبيل اللّه) بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.فتدبّرت حرف الفاء وكلمة (سبيل) وهي مضافة إلى اسم الجلالة (اللّه).فذكرت بأنّ حرف الفاء قد ورد في هذا المصطلح القرآني بمعنى (التّعليل) وقدّمت شواهد على مصداقية هذا الاستعمال.كذلك بيّنت بأنّ كلمة (سبيل) إذا وردت مجرّدة فتعني (الطريق).أما إذا وردت مضافة وإلى اسم الجلالة (اللّه) خاصّة فهي تعني كلّ ما أمر اللّه تعالى به من الخير وطلب العلم والحجّ ومجاهدة العدوّ ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النّفس.ومن منطلق أنّ جميع هذه الأمور تدخل في باب (الخير) وتشكّل سبُل اللّه عز وجلّ ، وتشكّل حصيلة سلوك المؤمن اليوميّة.تنفيذا لأوامر اللّه جلّ شأنه الواردة في كتابه العزيز.وقد أيّدت هذه المعاني وتلك الدلالات بالشواهد من النصوص القرآنيّة فمن تلك الشواهد قول اللّه عز وجلّ في الآية 153 من سورة الأنعام (وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبُلَ فتفرّقَ بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتّقون.).وتلاحظ يا عزيزي كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد بيّن بأنّ (سبيل اللّه) هو (صراطه المستقيم) الذي ندعو من أجل تحصيله في صلواتنا الخمس كلّ يوم . وهو صراط الذين أنعم اللّه عليهم من النبييّن والصدّيقين والشهداء والصالحين . فندعو اللّه عز وجلّ في كلّ صلاة أن يهدينا صراط نيل مقام من هذه المقامات الأربعة سالفة الذّكر.وهي في حقيقة أمرها تشكّل (سبيل) خير ينحصر في تنفيذ أوامر ربّنا جلّ شأنه في سلوكنا اليوميّ.في سبيل طلب العلم وأداء الفرائض الدينيّة ومجاهدة العدوّ الظاهر ببيّنات هذا القرآن العظيم المعجز وذلك بإقامة الحجّة عليه بالدلائل وبالبراهين الساطعة.ونكون قد أدركنا بأنّ اللّه جلّ شأنه قد اصطلح قوله تعالى (في سبيل اللّه) اختصاراً للحقيقة التي أسلفت ذكرها آنفا.ولم يكن المقصود بهذا الاصطلاح إعلان القتال على العدوّ ومقاتلته بمختلف أنواع الأسلحة الفتّاكة ، ولا قُصِد بهذا الاصطلاح سفك دماء الكفّار الذين لم يؤمنوا بالإسلام دينا، ولم ينتهجوا منهجيّة حياتنا التي انتهجناها بدافعٍ من تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.وتذكّر يا عزيزي بأنّه لو كان القصد من مصطلح (جهاد في سبيل اللّه) هو القيام بقتل الكفّار لكان من الخطأ أن يعقد محمّد رسول اللّه (ص) معاهدة عدم اعتداء مع من كان حول المدينة المنوّرة من اليهود الذين كانوا محصّنين في مستعمراتهم،وبعد أن أصبح محمّد (ص) سيّدا في المدينة المنوّرة وحاكما عليها.ولا كان صحّ قول اللّه عز وجلّ في الآيتين 7/8 من سورة الممتحنة : (عسى اللّه أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتُم منهم مودّة واللّه قدير واللّه غفور رحيم.لا ينهاكم اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تَبرّوهم وتُقسطوا إليهم إنّ اللّه يحبّ المُقسطين.) .ثمّ إنّك تعلم يا عزيزي القارئ بأنّ تعاليم الإسلام قد أمرت بالقسط والعدل . وأنت تعلم بأنّ إعلان الجهاد وبمعنى قتل الكفّار، لا يمتّ في حقيقته إلى العدل ولا إلى القسط بصلة من الصلات . بل يشكّل مجرّد اعتداء على الكافر لا مبرّر له.فاختلاف الكافر معك يا عزيزي في عقيدته ، لا يُعطيك حقّا بمقاتلته وسفك دمه.بل ينبغي أن تدعوا هذا الكافر إلى اعتناق عقيدتك بالحوار معه بالحجّة والبرهان.فهذا ما أمرك اللّه عز وجلّ به في الآية 125 من سورة النحل وقال (أدعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.) . فلو أنّك ابتعدت يا عزيزي القارئ عن العمل على مضمون هذه الآية الكريمة الوارد فيها هذا الأمر بالدعوة إلى سبيل اللّه وبالمعنى الذي توصّلنا إليه.ومن ثمّ قمت يا عزيزي بقتل كلّ من يخالفك في عقيدتك باسم الجهاد ، فإنّك تكون من خلال خطوتك هذه قد ارتكبت عدّة حماقات تكون قد خالفت من خلالها تعاليم الإسلام ،وإنّ هذه المخالفات تجرّ عليك بالتالي غضب ربّك بصورة يقينيّة.ويصوّرها ما يجري للمسلمين في هذه الأيّام.وبإمكاننا حصر تلك الحماقات في النقاط التالية :
أوّلا – تكون يا عزيزي قد أبطلت موضوع الدعوة إلى سبيل اللّه عز وجلّ .
ثانيا – وتكون قد تخلّيت عن مراعاة (الحكمة والموعظة الحسنة) في نشر عقائدك الدينيّة.
ثالثا – وتكون قد تخلّيت عن مبدأ (الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن) في علاقاتك مع الذين يخالفونك في معتقداتهم .
رابعا – وتكون قد أخذت (الهداية) في يديك،بينما نبّهك اللّه عز وجلّ في هذه الآية الكريمة إلى أنّه تعالى (هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.).وتكون قد تناسيت بذلك قول ربّك في مقام آخر وهو يخاطب رسوله الكريم ويقول له في الآية 56 من سورة القصص: (إنّك لا تهدي مَن أحببت ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين.) .
وينبغي لك أن تتذكّر يا عزيزي القارئ بهذه المناسبة أنّ من معاني (الجهاد) التي ذهب إليها أصحاب المعاجم ، معنى مدافعة العدوّ الظاهر أثناء القتال معه. أي أنّ مصطلح (جهاد في سبيل اللّه) إذا ورد في أيّة آية قرآنيّة ولم ترافقه قرينة تشير إلى أنّ مضمون تلك الآية متعلّق بعمليّة قتال مع العدوّ ، فلا يجوز لك هناك يا عزيزي القارئ الأخذ لهذا المصطلح القرآني دلالته على مدافعة العدوّ الظاهر بالقتال . هذا وإنّ توفّر وجود قرينة دالّة على القتال، هو أمر ضروريّ جدّا.وذلك لأنّ كلمة (الجهاد) و (الجهد) هما كلمتان دالّتان أصلا على معنى بذل الجهد والطاقة في أمر من الأمور، ولا تدلان على عمليّة قتال.وذلك حسب جميع ما أتيت على ذكره وبحثه حتّى الآن.وتذكّر،وأنت تسمع مني هذه الكلمات الأخيرة بأنّ اللّه عز وجلّ قد أنزل هذا القرآن العظيم (بلسان عربيٍّ مبين).فإن أنت لم تفعل ما قلته لك تكون قد أعرضت عن فهم ما ورد في هذا القرآن من كلمات من دون مراجعة دلالاتها اللّغويّة في هذه المعاجم التي هي بين أيدينا ، وأنّك قد رُحت تفهمها استنادا إلى جهة أخرى غير ذلك،فاعلم أنّك بخطوتك هذه تكون قد ضللتَ سبيل اللّه عز وجلّ.
الجهاد لا يعني الإكراه في الدين ولا قتل المرتدّ
وأنا يا عزيزي القارئ حين قدّمت لك الآية 125 من سورة النحل،ولفتُّ نظرك إلى أنّ دين الإسلام هو دين دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة،وأنّ مخالفتك لمضمون هذه الآية المذكورة يجعلك في نظر ربّك مرتكبا أربع حماقات.فقد دفعني إلى ذلك اعتقادي بوجود يوم حساب.ولا يُحاسبُ إنسانٌ على عملٍ أقدم عليه في هذه الدنيا وهو مُكرهٌ عليه.وبالتالي فهل يُعقل أنّ يحاسب اللّه عز وجلّ هذا الإنسان المُكره على ما فعله يوم الحساب ؟
فإن أنت افترضت أنّ اللّه عز وجلّ سيحاسب هذا الإنسان المكره على ما أقدم عليه في دنياه ، فأختصر هذا الحوار،وأعود بك إلى ما نصّ عليه هذا القرآن المجيد من تعاليم في موضوع حرّية الاعتقاد.فراجع يا عزيزي القارئ آيات سورة البقرة التي خصّصها اللّه جلّ شأنه للحوار مع أهل الكتاب من اليهود والمسيحييّن.وانظر كيف أنّه سبحانه وتعالى كان يتناول كلّ عقيدة من عقائد أهل الكتاب ينقدها بحجّة وبرهان قائم على أساس علميّ . ومن ثمّ فقد راح جلّ شأنه يُعطيهم فكرة موجزة عن نفسه فيما نسمّيه (آية الكرسي) التي أنهاها جلّ شأنه بقوله (وهو العليّ العظيم). ولاحظ يا عزيزي كيف أنّ اللّه عز وجلّ ، وبعد هذا الحوار كلّه فلم يوجّه إنذارا أخيرا لأهل الكتاب ويقول بأنّكم إن أعرضتم بعد هذا الحوار كلّه عن قبول الإسلام دينا،فسأدفع بمحمّد وأصحابه ليقاتلوكم ويقتلوكم.بل إنّك تلاحظ يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ كشف لأهل الكتاب عن أنّ (حرّية الاعتقاد) مصونةٌ ومحترمةٌ فيما أنزله تعالى من تعاليم في هذا القرآن العظيم النازل من عند اللّه (العليّ العظيم) .وأنّ اللّه جلّ شأنه إذ حاور أهل الكتاب فلا يعني هذا أنه حاول أن يُكرهَهُم على ترك معتقدهم ولا أنه حاول أن يُجبرهم على اعتناق العقائد التي جاء بها هذا الدّين الحنيف.
وهنا تسرع يا عزيزي القارئ لتسألني عمّا جزم به اللّه تعالى في هذا المقام. فأقول : ألا فاعلم يا عزيزي بأنّ اللّه عز وجلّ قد أخذ في هذا المقام وبعد هذا الحوار الطويل الموضوعيّ ، قد أخذ موضوع (حرّية الاعتقاد) بعين اعتباره وراح يقول بعد (آية الكرسيّ) التي نبّه جلّ شأنه من خلالها أذهان هؤلاء إلى أنّه تعالى هو المحرّك الأوّل والأخير في هذا العالم. وأنّه لا يجري شيء فيه من دون إذنه سبحانه، فقد أعلن اللّه جلّ شأنه هذه الحقيقة المشار إليها وبصوت عالٍ وصريح وقال في الآية 257 من سورة البقرة هذه (لا إكراه في الدّين وقف قد تبيّن الرّشدُ من الغيّ فمَن يكفُر بالطّاغوت ويؤمن باللّه فقد استمسك بالعروة الوُثقى لا انفصام لها واللّه سميعٌ عليم.). فقد قال تعالى هذا بمعنى: اعلموا يا أهل الكتاب بأنّ خالقكم عندما حاوركم في معتقداتكم هذه التي أنتم عليها اليوم،والتي خالفت ما جاء به أنبياؤكم من معتقدات فقد حاوركم في هذه الأمور من باب التبشير والإنذار.من باب تبشير كلّ من يتجرّد منكم وهو يطلب الحقيقة ويعمل على معطياتها،تبشيره بما أعدّه ربّه له من مكافأة.ومن باب إنذار كلّ من يُصمّ أذنيه عن هذه الحقيقة ومُعطياتها بأنّ مصيره إلى النار يقينا استنادا إلى قانون الأعمال. وإلاّ فاعلموا بأنّ الإنسان حرٌّ في اختيار دينه ومُعتقده.ولم أحاوركم طوال هذه السورة وأنا متناسيا بأنّي وهبت كلّ إنسان منكم عقله وحرّية تفكيره وحرّية تقرير مصيره وبشكلٍ طبيعي. وقد أكّد اللّه جلّ شأنه هذا المعنى الذي ذهبت إليه،وذلك في الآيتين 21/22 من سورة آل عمران حيث قال هناك (إنّ الدّين عند اللّه الإسلام (وقف) وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات اللّه فإنّ اللّه سريع الحساب.فإن حاجّوك فقُل أسلمت وجهي للّه ومَن اتّبعني وقل للّذين أوتوا الكتاب والأمّيين ء أسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ واللّه بصيرٌ بالعباد.).فاللّه جلّ شأنه ، وهو البصير بالعباد قد نبّه في الآية الأولى وقال (إنّ الدّين عند اللّه الإسلام) وقد وضع تعالى بعد قوله هذا إشارة (وقف) ليتمهّل أهل الكتاب والعرب الأمّيين الذين عاصروا البعثة المحمّديّة وليعلموا بأنّ اللّه البصير بعباده قد جعل (الإسلام) وهو الدين الذي اشتمل على العقائد والتعاليم الصالحة لبني الإنسان بعد ما كان قد حصلَ في هذا العالم من متغيّرات واختلافات مذهبيّة. وبهذه المناسبة فقد وضّح تعالى لهؤلاء بأنّ سبب ما يعانونه جميعهم من اختلافات ، فإنّما مرجعه إلى أنّ اللّه تعالى كان يُرسل من أنبيائه من كان يحاول تصحيح كلّ انحراف عن كتاب اللّه الذي كان قد أنزله تعالى قبل هذا القرآن . وقد أمر اللّه تعالى في الآية الثانية رسوله الكريم أن يُعلن بأنّه مُنصاع لأمر ربّه،هو وكلّ من اتّبعه وقد عادوا مترفّعين عن كلّ اختلاف موروث، ومستسلمين لكلّ ما أنزله اللّه جلّ شأنه من عقائد وتعاليم حسمت تلك الاختلافات التي فرّقت بين الناس . وهنا قال تعالى (فإن أسلموا فقد اهتدوا ، وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ ) فصرّح من خلال قوله هذا بنفس مُعطيات قوله تعالى من قبل في سورة البقرة (لا إكراه في الدّين) .
ولم يكتف اللّه عز وجلّ بهذا التّصريح من أنّ مهمّة محمّد رسوله إنّما تنحصر في عمليّة الإشهار و(البلاغ) وعلى حسب ما أفادت به هذه الآية من سورة آل عمران بل وإنّ اللهّ عز وجلّ قد أمر محمّدا رسول اللّه (ص) أن يُعلن هو بنفسه عن هذه الحقيقة. وذلك في الآية 108 من سورة يونس والتي خاطب اللّه تعالى فيها الناس جميعا من أهل الكتاب ومن غيرهم من الأمّيين وقال (قل يا أيّها الناس قد جاءكم الحقّ من ربّكم فمن اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنّما يضلُّ عليها وما أنا عليكم بوكيل.). وكانت مناسبة هذا الخطاب الذي اشتملت عليه هذه الآية الكريمة قوله تعالى قبلها (وأن أقم وجهك للدّين حنيفا ولا تكوننّ من المشركين. ولا تدعُ من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرّك فإن فعلتَ فإنّك إذا من الظالمين.وإن يمسسك اللّه بضرٍّ فلا كاشف له إلا هو وإن يُردك بخيرٍ فلا رادّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرّحيم.).وإنّ اللّه عز وجلّ قد أمر رسوله الكريم في هاتين الآيتين الكريمتين بكلّ صراحة بأنّ ما أمره تعالى به من عقائد هذا الدّين إنّما هي عقائد تمثّل رجوعاً إلى الأصل الذي شذّ عنه هؤلاء المشركون من مختلف أتباع الديانات وقتئذ.وقدّم تعالى لرسوله الكريم دليل بُطلان ما يُشرك به هؤلاء المنحرفون، وهو أنّ ما يشركون به لا يملك أصلا نفعا ولا ضرّا لمعتقديه،على حين أنّ الإله الواحد الذي عاد محمّد رسول اللّه (ص) يقيم وجهه تجاهه يملك أن يُضرّ وينفع من يشاء من عباده.وعلى هذا الأساس من الدلالة، وتأكيدا لهذا المعنى الذي تضمّنته هذه الآيات الكريمة ولهذا السبب نفسه فقد أورد اللّه تعالى إشارة (وقف) بعد قوله تعالى (لا إكراه في الدّين).وقد علمت حتى الآن يا عزيزي القارئ دلالة إشارة الوقف هذه على ضرورة التوقّف عندها والتّفكير مليّا فيما أورده جلّ شأنه قبلها من موضوع.
وعليه فإنّ حرّية العقيدة في تعاليم الإسلام محترمة ومصونة ، ولا يجيز الإسلام إكراه أحد على قبول معتقداته، حتّى ولا على إكراهه على التّنازل عمّا يعتقده شخصيّا ،وإن كان هذا الاعتقاد الذي يعتقده لا يقبله عقل ولا منطق ولا تؤيّده حجّة ولا برهان.وإنّ هذه الحرّية الدينيّة التي أتت بها تعاليم الإسلام استندت إلى وجود اللّه الخالق وإلى وجود يوم الحساب.
وقد يطرح هنا سؤال نفسه وهو: أنّ من مستلزمات الحرّية الدينيّة أن تُترك للإنسان الذي اختار الإسلام دينا،ومن ثمّ تبيّن لهذا الذي أسلم أنّ الإسلام ليس هو بالدين الحقّ حسبما توصّل إليه،أن تُترك لهذا الشخص حرّية الارتداد عن هذا الدين بعد إسلامه.
أقول: لا تظنّنّ يا عزيزي القارئ بأنّ القرآن المجيد لم يأخذ هذا الاعتراض بعين اعتباره. بل إنّه أجاب عليه في عدّة آيات في عدّة سورٍ من سور هذا القرآن الكريم،ووفق تسلسل تلك السور الموضوعيّ.فهو جلّ شأنه قال من حيث المبدأ،وبحقّ من يرتدّ عن دينه بداعي ضغط الأعداء عليه،قال في الآية 218 من سورة البقرة،وفي سياق توفّر سببٍ من أسباب ارتداد المسلم عن دينه،قال (يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه،قل قتال فيه كبير وصدٌّ عن سبيل اللّه وكُفرٌ به والمسجدِ الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند اللّه والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتّى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا،ومن يرتدِد منكم عن دينه فيمُت وهو كافرٌ فألئك حبِطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.) ففي هذه الآية الكريمة قد بيّن اللّه عز وجلّ أحد أسباب الارتداد عن الدين،وهو الضغط على هذا المؤمن من قبل أعداء الديّن الإسلاميّ،إلى درجة إكراهه على الارتداد عن دينه.واستسلام هذا المؤمن لهذا الضغط الواقع عليه وارتداده عن دينه.فقد بيّن تعالى حكم الشرع الإسلاميّ بحقّ هذا المرتدّ إن وقع بين أيدي المسلمين ؟ قال تعالى إجابة على هذا السؤال: (ومن يرتدِد عن دينه) أي من يرتدد عن دينه بإكراه من عدوّه (فيمُت وهو كافرٌ) أي تصحّ له فرصة النجاة من عدوّه والهرب إلى صفوف المسلمين ليعود إلى إيمانه،ومع ذلك فلا يفعل (فيمُت وهو كافر) وهنا جاءت الفتوى بحقّه وبحقّ أمثاله،قال تعالى (فأولئك حبِطت أعمالهم في الدنيا والآخرة أولئك أصحاب النار هُم فيها خالدون.)
فتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى لم ما أفتى بقتل هذا المرتد عن دينه في هذه الآية الكريمة،بل إنّ كلّ ما وضّحه تعالى فيها لهؤلاء المرتدّين أنّهم لن يحصدوا من خلال موتهم مرتدّين عن دينهم إلاّ آثار نيران جهنّميّة.وقد وضّح اللّه عز وجلّ سبب هذا المصير الذي سيصير إليه هؤلاء المرتدّون وقال في الآية التي بعدها (إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل اللّه أولئك يرجون رحمة اللّه واللّه غفور رحيم) أي أنّ المؤمن المقاتل يكون مقصده من هجرته وجهاده في سبيل اللّه أنّه يرجو من ذلك كلّه (رحمة اللّه) لاعتقاده بأنّ ربّه (غفور رحيم).فإن استسلم هذا المهاجر المجاهد في سبيل اللّه لضغط عدوّه عليه، وارتدّ عن دينه،ولم يحاول اغتنام الفرص للهرب والعودة إلى صفوف المؤمنين ،وظلّ مرتدّا حتّى الممات.يخسر هذا المرتدّ ما قدّمته يداه من تضحيات سابقة،فلا يعود يستفيد من فرصة غفران ربّه لذنوبه، ويحرم نفسه بالتالي من رحمة ربّه أيضا وتحبط أعماله ولا يعود يجني من وراء أعماله إلاّ آثارها الناريّة الجهنّميّة .
فمن خلال ما بيّنته هاتان الآيتان يتبيّن لك يا عزيزي القارئ بأن اللّه عز وجلّ ما أفتى في هاتين الآيتين بقتل هذا المرتدّ عن دينه.بل إنّ كل ما فعله تعالى هو أنّه شجّع هذا المرتدّ على الهرب من آسريه إن كان مقتنعا بما اعتقده عن قناعة ، والخلاص ممّا وقع فيه من إكراه اضطرّه ليعلن ارتداده.ووضّح له اللّه جلّ شأنه وَبال إهماله اغتنام فرصة النجاة من الأسر والعودة إلى صفوف المؤمنين المهاجرين والمجاهدين في سبيل نيل توبة ربّهم عليهم،وكيلا يحرم نفسه من أن يشمله ربّه برحمته .
وقد تناول اللّه عز وجلّ هذا الموضوع من جهة ثانية وبمناسبة ثانية وقال مخاطبا جماعة المؤمنين وذلك في الآية 54 من سورة المائدة (يا أيّها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم ويحبّونه،أذلّةً على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللّه ولا يخافون لومة لائم،ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه واسعٌ عليم.).
ففي هذه الآية التي خاطب اللّه تعالى المؤمنين فيها محذّرا من ارتداد أحدهم عن دينه. فإنّ اللّه لم يُصدر بهذه المناسبة فتوى بقتل المرتدّ من هؤلاء عن دينه،بل إنّه جلّ شأنه أظهر عدم مبالاته من حدوث ظاهرة الارتداد عن الدين.ووضّح في الوقت نفسه بأنّ الهدى في الأصل هو هدى اللّه تعالى، فكما أنّه سبحانه وتعالى كان قد منّ على هؤلاء المرتدّين بالإيمان فإنّه جلّ شأنه يستبدل هؤلاء المرتدّين بمؤمنين أفضل منهم إيمانا (يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللّه ولا يخافون لومة لائم).قال هذا ومبيّنا بأنّ إيمان المرء يدخل أصلا في فضل اللّه تعالى على هذا المؤمن، وأنّ هذا الفضل الإلهيّ هو فضل عظيم لدلالة اسم الإشارة (ذلك)على رفعة وعظمة هذا الفضل الإلهيّ.فلم يقل ربّنا عز وجلّ (هذا فضل اللّه يؤتيه من يشاء) بل استبدل اسم الإشارة للقريب (هذا) باسم الإشارة الدالّ على البعيد (ذلك) وهذا استبدالٌ بلاغيّ القصد منه تعظيم هذا الفضل الإلهيّ المشار إليه.وقد أتى تعالى بحيثيّات حقيقة ما بيّنه في هذه الآية الكريمة وقال (واللّه واسع عليم).فصفة (واسع) التي أوردها جلّ شأنه في هذا المقام تعني بأنّ اللّه تعالى كثير العطاء.وإنّ صفة (عليم) التي أوردها جلّ شأنه في هذا المقام هي صيغة مبالغة من (عالم) وبمعنى أنّ اللّه تعالى متّصفٌ بالعلم غير المحدود،فهو يعرف كيف يُعالج تلك الثّغرة التي تنتج عن موضوع ارتداد أناس عن دينهم في صفوف المؤمنين.ولاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى تأكيدا لهذه الحقيقة قال في مقابل قوله تعالى (من يرتدّ عن دينه) قال (يأتي اللّه بقوم ) بديلا عن هذا المرتد،ولم يقُل يأتي بآخر بديلا عنه،بل يأتي بقوم.والقوم في اللّغة وكما ورد في الكلّيات: كلّ من يقوم الرئيس بأمرهم أو يقومون بأمره.وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه في جدٍّ واحد.وعلى هذه الصورة يكون اللّه جلّ شأنه قد أجاب على السؤال المطروح إجابة شافية.وما أفتى اللّه جلّ شأنه في هذه الآيات التي أوردناها بقتل المرتدّ عن دينه.
ثمّ إنّ الإنسان الذي يرتدّ عن دينه، يعني من خلال ارتداده أنّه قد عاد إلى حلبة الكفر بهذه الدعوة الإسلاميّة التي بعث اللّه عز وجلّ بها محمّدا الصادق الأمين (ص).وعليه فما لك إلاّ أن تُصغي يا عزيزي إلى ما قاله اللّه تعالى في الآيات 86- 91 من سورة آل عمران. فهو تعالى قال هناك (كيف يهدي اللّه قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أنّ الرّسول حقّ وجاءهم البيّنات واللّه لا يهدي القوم الظالمين.أولئك جزاؤهم أنّ عليهم لعنةَ اللّه والملائكةِ والناس أجمعين.خالدين فيها لا يُخفّفٌ عنهم العذاب ولا هم يُنظرون.إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا (وقف) فإنّ اللّه غفورٌ رحيم.إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم ثمّ ازدادوا كُفرا لن تُقبل توبتُهم وأولئك هم الضالّون.إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفّار فلن يقبلَ من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذابٌ أليم وما لهم من ناصرين.)
فأنت تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ هذه الآيات الكريمة تكلّم اللّه تعالى من خلالها عن إنسان قد تبيّن له صدق الدين الإسلاميّ فآمن ومن ثمّ عاد إلى كفره وارتدّ عن دينه.وإنّ اللّه عز وجل وإن اعتبر هذا المرتدّ في هذه الآيات الكريمة ظالما لنفسه ومحروما بسبب ارتداده من هداية ربّه عز وجلّ،لاستحقاقه لعنة اللّه ولعنة الملائكة والناس أجمعين، إلا إذا تاب وأصلح ما أفسده.فإنّ اللّه عز وجلّ لم يُصدر بحقّ هذا المرتدّ حكما شرعيّا في هذه الآيات وبقتل هذا المرتدّ.وإنّ كلّ ما بيّنه من حقائق مستقبليّة تتعلّق بهذا المرتد، فكانت لتوعية هذا المرتدّ من مصيره المحتوم ليس إلاّ .
وهكذا تلاحظ يا عزيزي القارئ ومن خلال جميع هذه الآيات الكريمة التي لفتّ نظرك إليها،بأنّ الإسلام قد حفظ للإنسان حرّية اعتقاده وحرّية تقريره لمصيره، ولم يفت اللّه عزّ وجلّ أبداً بقتل الإنسان الذي يرتدّ عن دينه.وعليه فإنّك تلاحظ بأنّ تعاليم الإسلام قد علّمت أتباعها مبدأ التحاور مع الذين يختلفون معهم في عقيدتهم وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة وتقديم الدليل على مصداقيّة ما يدعونهم إليه،وبعيدا عن العنف والإكراه في نشر عقائد هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.وهذا هو السبب في أنّي ذكّرت هذا المسلم الذي يفهم من مصطلح (الجهاد في سبيل اللّه) معنى قتل الكافر إن ظلّ بعيدا عن اعتناق عقائد هذا الدين الحنيف.فاعتبرت أنّ هذا المسلم المشار إليه يكون إن هو قتل كافرا أو مرتدّا لم يقاتله،يكون قد ارتكب من خلال أخذه لهذا المصطلح معنى ضرورة قتل الكافر ، أنّه يكون قد ارتكب حماقة ما بعدها من حماقة.وأنّ هذا المسلم يكون قد اعتبر نفسه بعمله المذكور قيّما على هداية الناس. وفي حين أنّ اللّه عز وجلّ قال صراحة، وهو يخاطب رسوله الكريم سيّد المرسلين ، قال (إنّك لن تهدي مَن أحببت ولكنّ اللّه يهدي من يشاء). وقال من جهة ثانية في الآيات الأخيرة من سورة البقرة التي حاور فيها أهل الكتاب في مختلف عقائدهم التي يعتقدونها أيّام إنزال هذا القرآن المجيد،قال (لا إكراه في الدّين (وقف) .فأتى وعلى حسبما تلاحظ قد أتى بعد قوله المذكور بإشارة الوقف، وليحصر ما أراد بيانه فيما هو وارد قبل إشارة الوقف هذه من دلالات. ومن خلال هذا التّصريح الذي صرّح اللّه تعالى به في قوله الآنف الذكر، ويكون الإسلام من خلال قوله تعالى المذكور قد صان حرّية الاعتقاد بألفاظ صريحة لا تحتاج من هذا الإنسان الباحث إلى أيّ تأويل ولا تحتمل وجهين من المعاني.خصوصا وأنّي أوردت من قبل هذا آيات كثيرة كنت قد أثبتّ من خلالها بأنّ اللّه عز وجلّ لم يفت في أيّة آية منها بقتل المرتدّ عن دينه الإسلام ، ولم يأمر اللّه عز وجل في تلك الآيات بإنزال أيّة عقوبة أخرى عليه.
وإلى هنا أكون قد بيّنت لك يا عزيزي القارئ من قبل المعنى الذي تتضمّنه كلمة (جهاد) من حيث دلالتها اللّغويّة،وأنّ هذه الكلمة (جهاد) تعني بذل هذا الإنسان المؤمن ما أمكنه من طاقة ومشقّة في أمر من الأمور.كذلك أثبتّ لك يا عزيزي القارئ بأنّ السور التي أنزلها اللّه عز وجلّ في مكّة المكرّمة لم ترد في أيّة آية من آياتها كلمة (جهاد) بغير دلالتها اللّغويّة التي ذكرناها.وأمّا السور التي كان اللّه عز وجلّ قد أنزلها في المدينة المنوّرة، فقد بدأ القارئ يلاحظ بأنّ آياتها عادت تورد مصطلح (جهاد في سبيل اللّه). وهو مصطلح قرآنيّ اعتمدته السور المدنيّة.وقد أتيت على شرحه بشكل أصوليٍّ وموضوعيّ.فبيّنت بأنّ المقصود من (الجهاد في سبيل اللّه) هو أنّ اللّه جلّ شأنه يطالب هذا المؤمن ببذل منتهى جهده وطاقته ومقرونا بالتضحية بالنفس أحيانا،وذلك طلبا للفوز بمحبّة اللّه وقربه ورضوانه.أي أنّ كلمة (جهاد) التي وردت في المصطلح القرآنيّ المذكور،قد أفادت أحيانا معنى مقاتلة العدوّ دفاعاً عن دين الحقّ وإلى درجة الاستشهاد في ساحة الوغى ليس إلاّ .
وبما أنّ هذا المعنى الأخير قد اقترن في بعض الأحايين بمعنى القتال،لذلك أترك شرح تلك الآيات التي ورد فيها هذا المعنى إلى القسم الثالث من هذا الكتاب والمتعلّق بموضوع (القتال) الذي علّمتنا تعاليم الإسلام أن نأخذ به حين الضرورة، ووفق الشروط التي نصّت عليها آي هذا الذكر الحكيم فيما يتعلّق بموضوع القتال وقوانينه الجديدة.
وعلى هذه الصورة أكون يا عزيزي القارئ قد أنهيت كلامي في موضوعي (السلام والجهاد) وأكون قد وضّحت من خلال ما سبق لي بيانه عدم وجود أيّ تضادّ بين هذين الموضوعين القرآنييّن(الســلام والجهـاد) ووضّحت بأنّ الدين الإسلاميّ إنّما هو دين دعوة موجّهة إلى الناس كافّة. ولذلك فقد حثّت تعاليم الدين الإسلاميّ على الجهاد ولكن بمعنى بذل كلّ جهد ممكن لإصلاح النفس البشريّة، ولإيصال تعاليم الإسلام إلى جميع البشريّة عن طريق الحوار مع غير المسلمين ، وذلك بسلاح الحجّة والبرهان، وبقصد إقامة الأمن والسلام في أرجاء هذا العالم كلّه.لذلك أنتقل من هذا للكلام عن موضوع (القتال) الذي أمر به الإسلام،وضمن مُعطيات تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.
ما نستخلصه ممّا بحثناه في موضوع (الجهاد)
وبعد أن فرغنا من بحث موضوع (الجهاد) وعلى حسب ما تبيّن لنا وأمرت به تعاليم الإسلام. وبعد أن تبيّنا يا عزيزي القارئ الفرق ما بين دلالة كلمة (جهاد) وكلمة (قتال) فنعود لنستخلص النقاط التالية:
أولا – تبيّن لنا بأنّ كلمة (جهاد) لا ترادف كلمة (قتال) من حيث
دلالة هاتين الكلمتين اللّتين أتت آيات هذا القرآن العظيم على إيرادهما
في مختلف آياته الكريمة الواردة في مختلف سوره .
ثانيا _ كذلك تبيّن لنا بأنّ جميع السور التي أنزلها اللّه جلّ شأنه في مكّة المكرّمة والتي أورد في آياتها كلمة (جهاد) كان قد أوردها بمعنى بذل طاقة الإنسان ما أمكنه وذلك لتحقيق أمر من الأمور.
ثالثا – وأنّ تلك الأمور التي أمر اللّه تعالى في مكّة المكرّمة هذا المؤمن أن يبذل فيها منتهى طاقته هي : 1- مجاهدة نفسه. 2- وأن يقوم بمجاهدة الشيطان. 3- وأن يسعى إلى إيصال ما أنزله اللّه جلّ شأنه من آيات وتعاليم إلى كلّ من كفر بتعاليم هذا الدين الإسلاميّ الذي اعتنقه ولكن بالحوار وبأسلوب دعوة هذا الكافر إلى الإيمان بمعتقده ولكن بدون إكراه وبالحكمة والموعظة الحسنة.
رابعا – وأنّ مُصطلح القرآن الكريم (الجهاد في سبيل اللّه) قد اختصّ نزوله بالمدينة المنوّرة، ويعني بذل كلّ جهد في سبيل التقرّب من اللّه تعالى وللفوز بمحبّته وقربه ورضوانه.فإن اقترن هذا المصطلح بالدلالة على (القتال) محاماة عن الدين، وفي المدينة المنوّرة،فقد ورد بمعنى بذل منتهى الطاقة في مقاتلة العدوّ وإلى درجة نيل مقام الشهادة الروحيّ، ولم يدلّ على قتال عادي اتّصف به جنود الأعداء المقاتلين.وهذا هو السبب في أنّ أصحاب رسول اللّه الكرام كانوا إذا ما اندفعوا إلى القتال إلى جانب رسول اللّه (ص) فقد كانوا يقاتلون بقصد نيل مقام الشهادة الروحيّ.
البحث الثالث
كيف طرح الإسلام موضوع (القتال) ؟
مقدّمة البحث
إنّ الذين بحثوا موضوع الجهاد والقتال يا عزيزي القارئ انطلقوا من أنّ الله عز وجلّ لم يأذن لرسوله الكريم وللمؤمنين بمقاتلة عدوّهم في مكّة المكرّمة،وذلك بسبب أنّ المؤمنين كانوا في مكّة المكرّمة يمرّون بمرحلة ضعف،فلا كان لديهم عتاد يكفيهم ولا كان هناك عدد من الرجال يكفي لمقاتلة العدوّ،ولا كان لديهم من المال ما يكفيهم لشراء السلاح.وإنّ هذه النظرة التي نظر منها هؤلاء الكتّاب،كانت نظرة خاطئة في نظري.بدليل أنّ أكثر أنبياء اللّه تعالى قد مرّوا تاريخيّا بهاتين المرحلتين: مرحلة الدعوة في الوطن وتبليغ أهله. ومرحلة القيام بالتبليغ برسالة اللّه تعالى المطلوبة منهم في دار الهجرة وعلى الشكل المطلوب.
وهنا تسارع يا عزيزي القارئ وتسألني: وما هي هذه الحكمة البالغة التي اختفت وراء هذه الظاهرة التي أسلّم معك بتكرار حدوثها من قبل ظهور دعوة الدين الإسلامي الحنيف.فهجرة موسى من مصر مع قومه من قبل ، وهجرة المسيح الناصريّ من فلسطين مع أمّه ، وهجرة أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام من مدينة (أور) وهي إحدى مدن العراق القديمة ، فكلّ هذه الهجرات تشهد على مصداقيّة نظرتك التاريخيّة هذه.
أقول: إن أنت انطلقت يا عزيزي القارئ من زمانك هذا الذي تعاصره،فإنّك تلاحظ وجود مسلمين يعيشون في مختلف دول العالم.إلى جانب وجود قسم منهم يعيش في دول إسلاميّة كالسعوديّة والباكستان. وإنّ هذا المسلم الذي يعيش في دولة غير إسلاميّة ، يعيش في جوّ أنظمة وقوانين تختلف في جوهرها عن أنظمة وقوانين بلده المسلم الذي هاجر منه والتي ينطلق مشرّعوها من مُعطيات شريعة الإسلام. ولذلك تلاحظ بأنّ المسلم الذي يعيش في زماننا الحاضر في بلد غير إسلاميّ، يعاني في حياته في حياته هناك من جرّاء إحساسه بأنّه مغتربٌ في ذاك البلد ومضطرٌّ للخضوع لأنظمة تخالف ما يعرفه منها في بلده. فهل أنّ تعاليم هذا القرآن العظيم الذي أنزله اللّه جلّ شأنه لكلّ زمان ومكان قد راعَت وجود هذه الظاهرة التي تكلّمنا عنها ؟ وهل أنّ القرآن الكريم قد وضع لتلك الحالة تعاليم تناسبها أيضا ؟ فإن نحن بحثنا في هذا القرآن الكريم فلا نجد أجوبة شافية على هذا السؤال إلاّ في هذه الظاهرة التي تكلّمنا عنها، والتي هي وجود مرحلتين في حياة الأنبياء الكبار: مرحلة مواطنة عاديّة في بدء دعواتهم يخضعون فيها لأنظمة وقوانين البلد الذي وُلدوا فيه،ومرحلة سيادة بعد الهجرة من موطنهم وبعد أن يكونوا قد تقلّدوا مقاليد الحكم في البلد الذي هاجروا إليه. فاستنادا إلى هذا الذي بيّنته لك أقول في مجال الإجابة على سؤالك يا عزيزي القارئ بأنّني أنظر إلى تجلّي وجود هاتين المرحلتين في حياة الأنبياء العظماء نظرة تختلف عن النظرة التّقليديّة التي ورثها المسلمون المعاصرون.فأنا أعتبر بأنّ اللّه جلّ شأنه قد جعل مرحلة الحياة المكّية أنموذجاً للمسلم الذي يعيش في بلد غير إسلاميّ.وقد جعل جلّ شأنه مرحلة الحياة في المدينة المنوّرة أنموذجا للمسلم الذي يعيش في بلد إسلاميّ.ومن خلال نظرتي الموضوعيّة هذه فقد عاد بإمكاني الإفتاء لكلّ مسلمٍ يواجه مشاكل وهو يعيش في بلد غير إسلاميّ.ففي وسط حياة الغُربة،لا يجوز مخالفة قوانين وأنظمة البلد الذي يعيش فيه هذا المسلم.وإنّ من واجب هذا المسلم وهو في بلاد الغربة القيام بتمثيل تعاليم الإسلام بصورة عمليّة وإعطاء أسوة حسنة لسكّان البلد الذي يعيش فيه.ولا يحقّ له التّفكير هناك في جمع أسلحة، ولا في محاولة القيام بعمليّات تخريب، ولا في وضع يديه مع المعارضين الثورييّن في ذاك البلد ضدّ حكومته.وإنّني استلهمت هذه الفتاوى من تلك الأسوة المحمّديّة التي قدّمها محمّد رسول اللّه (ص) لنا بصورة عمليّة في مكّة المكرّمة.فهو صلّى اللّه عليه وسلّم كان قد أطاع قوانين قريش في مكّة المكرّمة، وقدّم هناك أسوة حسنة لأهلها ولم يتوانى في الوقت نفسه عن إشهار معتقده هناك ،إنّما بالحكمة والموعظة الحسنة. وقد تحمّل إلى جانب ذلك كلّه جميع ما اعترضه من مشاكل واضطهاد بسبب معتقده، ولم يفكّر محمّد رسول اللّه (ص) في جَمع أسلحة في مكّة،ولا فكّر في اغتيال أحد من زعمائها،ولا سعى لقلب الحكم في مكّة المكرّمة.
وبعد أن تسلّم معي يا عزيزي القارئ بهذه النظرة الموضوعيّة التي أطلعتك عليها،تعترض على طرحي هذا، وتسألني من جديد: فلِمَ لم يلتزم محمّد رسول اللّه (ص) بعد أن هاجر إلى المدينة المنوّرة التي أسلمَت قيادها له، فلِمَ لم يلتزم بموضوع (الســـلام) الذي نصّت عليه آيات (سورة القدر) التي شرحتها لي بشرح خالف تفاسيرنا القديمة،وبعد أن أصبح حاكما لدولة ؟ ولِمَ لم يكتف بإقامة الأمن والسلام في ربوع المدينة المنوّرة،وذلك ليعطي العالم صورة عمليّة عن هذا (الســلام) الذي أتت به تعاليم دينه؟
أقول: يحقّ لك أن تعترض هذا الاعتراض إن كان ما فهمته من أحداث يومئذ كان فهما نابعا من واقع تطوّرات تلك المرحلة من حياة الدعوة الإسلاميّة.أمّا إذا أثبتُّ خطأ تلك النظرة التي تنظرها إلى تلك الأحداث،فأنت جدير بك سحب اعتراضك هذا من على بساط هذا البحث الثالث المتعلّق بتعاليم (القتال) التي علّمك إيّاها هذا القرآن المجيد.علما بأنّي سأذكّرك بتلك الأخطار التي وجدت الحكومة الإسلاميّة في المدينة المنوّرة نفسها مهدّدة بها تهديداً حقيقيّا فتسألني: وما هي تلك الأخطار التي تكلّمني عنها ؟
الأخطار التي هدّدت الدولة الإسلاميّة في المدينة
والخطر الأوّل الذي ألفتُ نظرك إليه يا عزيزي القارئ، هو أنّه كان هناك في المدينة المنوّرة شخص اسمه (عبد اللّه بن سلول) وكان يطمح بالسيادة على المدينة المنوّرة قبل تقبّل أغلب أهلها للإسلام.هذا وإنّ الذين أسلموا من أتباع الشخص المذكور،فكان يشوب إسلامهم (نفاق) وهي حقيقة أثبتت مصداقيّتها توالي الأيّام وما وقع خلالها من أحداث،وتعرّض لذكر تلك الحقيقة آي الذكر الحكيم.وبألفاظ أخرى فلا ينبغي أن نقول بأنّ الأمن كان قد استتبّ لمحمّد رسول اللّه (ص) في المدينة المنوّرة بعد أن أصبح رسول اللّه (ص) حاكما عليها. وعليه فقد كان المجتمع الإسلاميّ الذي قام في المدينة المنوّرة مهدّدا في حقيقة أمره من داخله من قبل جماعة المنافقين من أتباع عبد اللّه بن سلّول الذي أشرنا إليه.
والخطر الثاني الذي أردت أن ألفت نظرك إليه يا عزيزي القارئ هو أنّه كانت توجد بجانب المدينة المنوّرة مستعمرات لليهود.وإنّ عداء اليهود للإسلام غير خاف عليك.فاليهود ما جاءوا إلى بلاد العرب إلا انتظارا لبعثة نبيٍّ عربيٍّ بعد أن سباهم ملك العراق وهدم كيانهم السياسيّ في فلسطين.وإنّ استقرارهم حول المدينة كان بدافعٍ من معطيات نبوءة سفر التثنية 18/18 الذي تجد تفصيله في مختلف مؤلّفاتي ولا مجال للتبسّط في شرحه في هذا المقام.فلمّا بعث اللّه تعالى محمّداً بن عبد اللّه الصادق الأمين،لم يعرف أولئك اليهود المستقرّين قرب المدينة صدق نبوّته (ص) .ليس هذا بسبب أنّهم حقّقوا وتبيّن لهم خلاف ما ورد في كتابهم، ولكن بسبب أنّهم كانوا يعتقدون بأن ميزان صدق مدّعي النبوّة هو محاولة قتله ونجاته من تلك المحاولة، وبدافع ممّا ورد في سفر التثنية المشار إليه نفسه.وهذا هو السبب في أنّ اليهود كانوا يحرّضون أهل مكّة قبل الهجرة ليقتلوا محمّدا بن عبد اللّه (ص).بالرّغم من وجود هذه النبوءة التوراتيّة التي أشرنا إليها.ولذلك فقد كانت العداوة متأصّلة في نفوس اليهود ضدّ هذا النبيّ الأمّيّ الذي لم يعرفوا صدق نبوّته.
وكان محمّد رسول اللّه (ص) على علمٍ بما كان اليهود يفعلونه ويدبّرونه ضدّه.ومع ذلك فقد عقد محمّد رسول اللّه مع يهود خيبر القريبين من المدينة المنوّرة معاهدة صداقة وعدم اعتداء.وهي حقيقة لا تُنكرها صفحات تاريخ تلك الحُقبة من الزمان.أي أنّ محمّدا (ص) قد أقدم في أوائل حكمه على عقد معاهدة مع يهود الحصون المحيطة بالمدينة المنوّرة درءً لشرّهم من جهة، وبقصد إقامة الأمن والســلام في ربوع دولته الصغيرة التي قامت في المدينة المنوّرة.وليكون بإمكان محمّد (ص) الحصول على سببٍ مباشر يُجيز له ضرب أولئك اليهود فيما إذا نقضوا بنود تلك المعاهدة التي وقّعوا عليها وقبلوها راضين غير مُكرهين.فمن خلال بياننا لتلك الحقيقة المتعلّقة بيهود خيبر،تعود تُدرك يا عزيزي القارئ بأنّ (دولة المدينة) كان أهلها يقفون على فوهة بركان: فالمنافقون من جهة، واليهود الحاقدون من جهة أخرى.والمشركون يهدّدون بمهاجمة الإسلام في عقر داره وللقضاء عليه واستئصاله من جذوره. واعلم بأنّ هذا الخطر الثالث الذي لفتُّ نظرك إليه يا عزيزي القارئ كان يمثّل ما كان ينوي أهل مكّة المكرّمة القيام به بعد أن هجرها ابنهم البارّ محمّد اليتيم الأمّي،وهاجر منها إلى المدينة المنوّرة التي كان كثير من أهلها قد بايعوه من قبل وطلبوا منه المجيء إلى مدينتهم.فهل فرح أبناء مكّة لخلاصهم من وجود محمّد الصادق الأمين بينهم، ومن آثار دعوة التّوحيد التي جاء بها والتي خالفت الموروث من مُعتقداتهم،أم أنّهم لاحقوا محمّدا رسول اللّه (ص) إلى المدينة المنوّرة لقتله وللقضاء على دعوته ؟ فهذا كان سؤالا عريضا ينبغي الإجابة عليه إجابة من واقع تاريخ تلك الفترة من الزمان،وليس بناء على الظنون وعلى اتّهامات دسّها أعداء محمّد ضدّه في تلك الفترة من الزمان وعلى مرّ التاريخ.
أقول: ألا فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ هذا الخطر الثالث الذي كان يمثّله أهل مكّة على تلك الدولة الصغيرة التي أنشأها الإسلام في المدينة المنوّرة لم يتلاش بعد هجرة محمّد رسول اللّه إليها، بل ظلّ قائما وأخذ يستفحل ويأخذ منحى مقاومة جماعيّة ضدّه.فهذا ما أثبته تاريخ تلك الحقبة من الزمان.وعليه كان من واجبي أن أُطلعك على ما جرى بعد الهجرة.فمن المعلوم هو أنّ زعماء مكّة ما إن علموا بهجرة محمّد رسول اللّه (ص) خفية من مدينتهم مكّة إلا وتعقّبوا آثاره بقصد أن يقتلوه قبل أن يصل إلى الجهة التي هاجر إليها.وحادثة غار ثور وملاحقة سراقة لمحمّد وصاحبه للفوز بجائزة المائة ناقة ليست خافية على أحد.ثمّ إنّ اللّه عز وجلّ لم يأذن لرسوله الصادق الأمين بالهجرة من مكّة إلا بعد أن قرّر زعماء مكّة أن يقتلوه وذلك عن طريق جمعهم لمندوب عن كلّ قبيلة حول داره ليلة هجرته من مكّة وليضيّعوا دمه بين قبائل العرب فلا يعود لأحد الحقّ بالمطالبة بدمه.وكانت تلك المؤامرة التي دبّروها في علم اللّه عز وجلّ،لذلك لاحظت يا عزيزي كيف أنّ اللّه جلّ شأنه قد أمر رسوله الكريم في تلك اللّيلة أن يهاجر من مكّة المكرّمة،بعد أن وضع ابن عمّه عليّا في فراشه تمويها لأعين من كان حول الدار من مندوبين كثيري العدد قد اجتمعوا تلك اللّيلة حول داره (ص) ليباغتوه صبحا فيهاجموه ويقتلوه.غير متذكّرين بأنّ اللّه عز وجلّ كان قد أوحى لمحمّد رسوله الصادق الأمين (واللّه يعصمك من الناس). فهذه الأخطار الثلاثة المذكورة كانت تشكّل حقيقة واقعة تهدّد قيام تلك الدولة الصغيرة التي قامت في المدينة المنوّرة.وقد شكّلت الدليل القاطع على أنّ المكّيين ما كانوا راضين عمّا تطوّرت إليه الأيّام.
ثمّ إنّ نجاح محمّد وصاحبه في الوصول إلى المدينة المنوّرة،واستقبال أهلها إيّاهما بترحاب، كان قد أذهل المكّيين وظلّوا في ذهولهم هذا ولم يستفيقوا منه إلا بعد أن مضى على الهجرة شهران من الزمان.فلمّا استفاقوا من ذهولهم قرّروا إخراج محمّد (ص) من المدينة كيلا يستتبّ له الأمر فيها.فكاتبوا في هذا الأمر رأس المنافقين وهو عبد اللّه بن أبي سلول الذي كان طامعاً في رئاسة أهل المدينة قبل وصول محمّد وصاحبه إليها.وقد نقلت لنا سيرة ابن هشام تلك الرسالة التي أرسلها زعماء مكّة إليه وقد ورد في آخرها:
"(إنّكم آويتم صاحبنا،وإنّا نُقسمُ باللّه لتُقاتلنّه أو لتُخرجنّه،أو لنسيرنّ إليكم بأجمعنا حتّى نقتُلَ مقاتلتكم،ونستبيح نساءكم.)"
وقد استجاب هذا المنافق لرسالة أهل مكّة لكونها جاءت في صالحه،لولا أن قدم عليه محمّد رسول اللّه (ص) وحذّره من أنّ موقفه سيؤول به وبجماعته إلى الهلاك. بسبب أنّ أهل المدينة قد أسلموا وصمّموا على الاستماتة في الدفاع عن الإسلام ورسوله.الأمر الذي أخاف هذا المنافق وتراجع عن التّفكير في معاداة المسلمين.فهذه حقيقة تاريخيّة تؤكّد لك يا عزيزي القارئ بأنّ أهل مكّة كانوا لم يقفوا من هجرة محمّد (ص) من مدينتهم إلى المدينة المنوّرة مكتوفيّ الأيدي.بل بدؤوا يدبّرون المؤامرات لملاحقته (ص) إلى المدينة وقتله هناك والقضاء على جماعته المؤمنة بصورة نهائيّة.ومن خلال تحرّكاتهم تلك أثبتوا بأنّهم كانوا مُعتدين.
وقد عقد محمّد رسول اللّه إثر تلك المكاتبة التي وصلته أخبارها معاهدة ما بين أطراف ثلاثة هم (الأنصار والمهاجرون واليهود).فاشترط (ص) في تلك المعاهدة شروطا كثيرة، كان من جملتها أنّه إذا وقعت حرب فمن واجبهم أن يتعاونوا جميعهم على صدّ العدوان.ولا يحقّ لفريق منهم عقد صُلح منفردا.وأنّ كلّ خلاف أو مخاصمة تحدث فيُردُّ الفصل فيها إلى اللّه وإلى رسوله في نهاية المطاف .
وإنّ هذه المعاهدة المشار إليها إن دلّت على شيء فإنّما دلّت على أنّ محمّداً رسول اللّه كان قد قرّر معاملة اليهود وغيرهم بالمساواة مع المسلمين وبالحسنى والعطف والمحبّة، والنظر إليهم على أنّهم جميعهم مواطنون شرفاء.وقد شهد المؤرّخون فيما بعد على أنّ تلك (المعاهدة) وبنودَها وردت مثالا فريدا على احترام الإسلام لحقوق المواطن الإنسانيّة، وأنّها دلّت دليلا قاطعا على أنّ الإسلام قد ضمن حرّية الاعتقاد. وأنّها رسّخت مبادئ الأخوّة الإنسانيّة، تلك المبادئ التي تدخل في صلب قيام الحضارات.خصوصا وأنّها كانت معاهدة عدم اعتداء.وقد أعطى رسول اللّه في تلك المعاهدة المرأة حقوقها كاملة وأقام من أجل تثقيف المرأة مؤسّسة إرشاد نسائيّة مؤلّفة من النساء الأرامل اللواتي كُنّ من السابقات في الإيمان، وذلك بتوجيه من آيات سورة الأحزاب وهي حقيقة أثبتّ مصداقيّتها في مؤلّفي (لم يكن محمّد رسول اللّه شهوانيّا). وقد شرّع (ص) للمدينة المنوّرة قوانين مدنيّة، فوضع بذلك أساسا صلبا لمجتمع حضاريٍّ مهذّبٍ ومنظّمٍ عرفه العرب لأوّل مرّة في حياتهم.ولم يفكّر (ص) بتأسيس جيش منظّمٍ من المهاجرين والأنصار.بسبب أنّ تلك الأخطار الثلاثة التي كنت قد لفتّ نظرك إليها يا عزيزي القارئ من قبل كانت خامدة خمود الجمر في الرماد.خصوصا وأنّ صحابة رسول اللّه من المهاجرين كانوا قد ذاقوا الأمرّين من أنواع الاضطهاد الذي ذاقوه من اضطهاد وتعذيب أهل مكّة إيّاهم طوال ثلاثة عشر سنة مضت.ولذلك فقد كانت الحرب والقتال (كُره لهم) ولم تكن محبّبة إلى نفوسهم.وقد هاجروا إلى المدينة المنوّرة لعلّهم يجدون في ربوعها ما وعدتهم به تعاليم الإسلام من استقرار في ظلّ الأمن والسلام.وليتفرّغوا نتيجة لذلك إلى مجاهدة أنفسهم، ومجاهدة إغواء الشيطان لنفوسهم،ولتطبيق تعاليم هذا الإسلام على أنفسهم في المجتمع المدنيّ الذي انتقلوا إليه،هذا الذي تقبّلوه طواعية وعن قناعة ودون أيّ إكراه.هذا الدين الجديد الذي حثّهم ربّهم فيه على الدعوة إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة وبوسيلة الحجّة والبرهان.وبغاية توطيد الأمن والسلام في العالم بأسره.وهنا كان من واجبك يا عزيزي القارئ أن تتساءل: كيف سارت الأمور بعد ذلك في المدينة المنوّرة ؟
سورتا الأنبياء والحجّ جسّدتا خطر كفّار مكّة
ألا إنّ الباحث المدقّق يا عزيزي القارئ الذي يستنطق ما نزل في مكّة المكرّمة من سور والتي كان آخرها سورة الأنبياء تلك التي نزلت في أشدّ أيام اضطهاد أهل مكّة لرسول اللّه وأصحابه.يتبيّن لهذا الباحث بأنّ اللّه عز وجلّ قد افتتح سورة الأنبياء بما يُشير إلى ذاك الخطر الذي كان كفّار مكّة يشكّلونه ضدّ دعوة الإسلام.وعليه فاصغ معي يا عزيزي القارئ إلى ما استهلّ اللّه عز وجلّ به سورة الأنبياء من آيات. فهل تعالى استهلّها بقوله تعالى: (اقترب للنّاس حِسابُهم وهم في غفلةٍ مُّعرضون.ما يأتيهم من ذكرٍ من ربّهم مُحدثٍ إلاّ استمعوه وهم يلعبون.لاهيةً قلوبهم وأسرّوا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلاّ بشرٌ مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تُبصرون.قُل ربّي يعلمُ القول في السماء والأرض وهو السميع العليم.بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعرٌ فليأتنا بآيةٍ كما أُرسِلَ الأوّلون.).
فإن نحن تدبّرنا هذه الآيات التي افتتح اللّه عز وجلّ بها سورة الأنبياء التي كان اللّه تعالى قد أنزلها في السنتين الأخيرتين من حياة الدعوة في مكّة المكرّمة،أيّام بلغ اضطهاد المشركون في مكّة المكرّمة لرسول وأصحابه ذروته.يتبيّن لنا بأنّ اللّه عز وجلّ كان قد أنذر من خلال هذه الآيات الأوائل من سورة الأنبياء أهل مكّة بأنّهم إن لم يرتدعوا عن اضطهادهم لرسول اللّه وأصحابه،أنذرهم جلّ شأنه بأنّهم إن هم استمرّوا في عُدوانهم المذكور، فقد اقترب حسابهم وهم في غفلة عنه مُعرضون.علما بأنّه تعالى قد أورد كلمة (الناس) الواردة في هذه الآيات الكريمة مشيرا بها إلى هؤلاء المشركين بدليل أنّها وردت معرّفةً هنا بأداة التّعريف الدالة على المعهود في أذهان رسول اللّه وأصحابه،وهم أهل مكّة أنفسهم الذين كانوا في (غفلة) من اقتراب نزول عذاب اللّه تعالى منهم من جرّاء ما اقترفوه من جرائم بحقّ هؤلاء الأطهار الأبرار.خصوصا وأنّهم كانوا (مُعرضون) عن قبول الهدى الذي جاءت به تعاليم الإسلام.وقد اختصر اللّه جلّ شأنه في الآيات الباقية اعتراضات أهل مكّة القائمة على الظنون والتي لا يسندها دليل.وكأنّ ما أوردته هذه الآيات من سورة الأنبياء تعني بألفاظ أخرى بأنّ ساعة نزول عذاب اللّه تعالى بأهل مكّة وزعمائها بات قريبا.
هذا وإنّ ما يؤكّد لك يا عزيزي القارئ بأنّ المقصود من كلمة (الناس) في هذا الخطاب الذي افتتحه اللّه تعالى في الآيات الأوائل من سورة الأنبياء،هو أهل مكّة خاصّة وزعماءها،الأمر الدالّ عليه سباق هذه الآيات الكريمة.فإن أنت عُدت إلى سورة (طه) التي قبلها،وقرأت الآيتين الأخيرتين منها،تلاحظ بأنّ اللّه عز وجلّ قال هناك (قُل كلٌّ متربّصٌ فتربّصوا،فستعلمون مَن أصحاب الصراط السويّ ومَن اهتدى.).وهذا الخطاب كان موجّها إلى أهل مكّة وزعماءها الذين لم يُعطوا (طه) والمقصود به محمّد رسول اللّه (ص) مكانته الروحيّة.خصوصا وأنّ فعل (تربّصوا) اشتقّ من قولك: ربص بفلان معناه انتظر به خيرا أو شرّا يحلّ به (محيط المحيط).
وهنا وبعد أن تكون قد أيقنت يا عزيزي القارئ بهذا المعنى الذي بيّنته لك بما يتعلّق بالآيات الأوائل من سورة الأنبياء.يتبادر لذهنك سؤال استباقيّ وهو ما نوع هذا العذاب الموعود والمشار إليه في هذه الآيات الكريمة التي استهلّ اللّه تعالى بها سورة الأنبياء ؟
فأجيبك وأقول: لا تظنّ يا عزيزي القارئ بأنّ سورة الأنبياء قد انفردت بهذا التّعبير (اقترب للنّاس حسابهم).بل كان قد سبقه تعبير مثله تضمّنته سورة (القمر) التي أنزلها اللّه تعالى قبل سورة الأنبياء بسنوات.سورة القمر الدالة على مقدرة اللّه عز وجل علاّم الغيوب والتي شكّلت إحدى الفصول التابعة لسورة (ق) التي تكلّمت على ما للّه عز وجلّ من قدرات فلقد استهلّ اللّه تعالى سورة (القمر) بقوله (اقتربت الساعة وانشقّ القمر.وإن يرَوا آيةً يّعرضوا ويقولوا سِحرٌ مستمرّ.وكذّبوا واتّبعوا أهواءهم وكلّ أمرٍ مُستقرّ.ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مُزدجر.حكمةٌ بالغةٌ فما تُغنِ النّذر. فتولّ عنهم يومَ يدعُ الدّاع إلى شيءٍ نُّكر.خُشّعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنّهم جرادٌ مُنتشر.مهطعين إلى الدّاع يقول الكافرون هذا يومٌ عَسِر.).
فإن أنت راجعت يا عزيزي القارئ ما فهمه المفسّرون القدماء رحمهم اللّه تعالى ممّا تضمّنته هذه الآيات الكريمة.يتبيّن لك بأنّهم كانوا قد أخذوا من تلك الآيات ما تبادر منها من معاني،ومن دون أن يتدبّروها بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.فهم فسّروا قوله تعالى (اقتربت الساعة وانشقّ القمر) على أنّ القمر المعروف في السماء قد حدث فيه انشقاق. وأنّ في حدوث هذا الانشقاق علامة على أنّ يوم انتهاء هذا العالم وزواله قد بات قريبا.ومتناسين بأنّ القمر كوكب سيّار لا ينشقّ.وأنّه والشمس كلٌّ في فلك يسبحون.وأنّ القمر إذا انشقّ تزول جاذبيّته الذاتيّة ويتطاير في الفضاء.وأنّ هذه الحقيقة العلميّة تعدُّ قرينة لغويّةً تُبعِدنا عن المعنى الحقيقي لكلمة (انشقّ) وتدفع بنا للأخذ بمعناها المجازي وهو أنّ انشقّ معناه تفرّق.وأنّ كلمة
(شقاق) معناها المخاصمة والخلاف (محيط المحيط).ثمّ إننا إذا علمنا بأنّ (القمر) شعار عربيّ نعود نفهم من قوله تعالى (وانشقّ القمر) الإشارة إلى أنّ اللّه عز وجلّ قد قرّر زوال الحكم الذي كان يمثّله عرب الجاهليّة،وليحلّ مكانه حكم دولة الإسلام.وعليه فإنّ قوله تعالى (اقتربت الساعة وانشقّ القمر) كان يحمل نبوءةً غيبيّة تتعلّق بزوال الحكم الذي كان يمثّله زعماء مكّة الذين اضطهدوا محمّدا وأصحابه.وأنّه تعالى يُنبئ بأنّ (ساعة) زوال هؤلاء الزعماء باتت على الأبواب.ولذلك قال تعالى بعد ذلك (وإن يرَوا آيةً يُعرضوا ويقولوا سحرٌ مستمرّ.وكذّبوا واتّبعوا أهواءهم وكلُّ أمرٍ مستقرّ.) ومشيرا بذلك إلى أنّ تنفيذ كلّ أمرٍ إلهيٍّ وقتٌ مقرّرٌ له. وبعد أن ذكّر اللّه عز وجلّ كفّار مكّة بمصائر الذين سبقوهم من كفّار مختلف الأمم السابقة، قال تعالى في الآيات 43-47 من سورة (القمر) (أ كفّاركم خيرٌ من أولئكُم أم لكم براءةٌ في الزبُر. أم يقولون نحنُ جميعٌ منتصِر.سيُهزم الجمعُ ويولّون الدّبُر.بل الساعة مَوعدُهم والساعة أدهى وأمرّ.إنّ المجرمين في ضلال وسُعُر.).بمعنى أنّ اللّه عز وجلّ أنبأ عمّا كان سيحدث بعد هجرة رسوله الكريم من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة.
والآن واستنادا إلى ما أنبأت عنه سورة (القمر) وما أنذرت به سورة (الأنبياء)، لاحظ معي يا عزيزي القارئ ما استهلّ اللّه تعالى به سورة (الحج) والتي كانت من أوائل ما نزل من سورٍ في المدينة المنوّرة.فقد افتتحها اللّه عز وجلّ بما يربطها ربطا موضوعيّا بسورة الأنبياء، وتحقيقا لنبوءة سورة (القمر) فقد قال (يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهلُ كلُّ مُرضعةٍ عمّا أرضعت وتضعُ كلّ ذات حملٍ حملها وترى الناس سُكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب اللّه شديد.).
فالخطاب في هذه السورة في (يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم) ما يزال موجّها إلى أهل مكّة الذين أشبعوا محمّدا وأصحابه اضطهادا وتعذيبا، والذي خوطبوا في سورة الأنبياء تحذيرا لهم من هذا النّهج الذي انتهجوه مع هؤلاء الأبرار الذين كان كلّ ذنبهم أنّه شهدوا بأنّه لا إله لهذا الكون إلا اللّه وحده خالق كلّ شيء.ودليلي في ذلك أنّ اللّه جلّ شأنه قد جعل سورة الحجّ تأتي بعد سورة الأنبياء بترتيب تلاوتهما لإيجاد هذه الرابطة الموضوعيّة بينهما، ولكونهما تابعتين موضوعيا لسورة (طه) التي تعني (أيّها الرجل العظيم) والذي (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى). بمعنى أننا لم نكلّفك بإشهار هذا القرآن وتبليغه إلى الناس لنتركك وحيدا في الميدان تواجه الشدّة والعُسرَ في حياتك، ولا ننزل لتأييدك ورفع الظلم عنك،ومعاقبة هؤلاء الكفّار الذين دأبوا على مشاققتك واضطهادك في مكّة المكرّمة.
ومن هذا المُنطلق فإنّ اللّه تعالى يكون،ومن خلال مضمون هذه الآيات من سورة (الحجّ) قد ناشد زعماء مكّة وأهلها أن يكتفوا بما صدر عنهم من جرائم في حقّ الإنسانيّة، وانتهاكٍ لحقوق الإنسان،وألاّ يُلاحقوا محمّدا وأصحابه إلى المدينة المنوّرة. فهذا هو معنى (اتّقوا ربّكم) في هذا المقام.ومن ثمّ أتى تعالى بحرف التّأكيد (إنّ) وأضاف وقال : (إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم.).وقد قصد اللّه جلّ شأنه ووفق دلالة هذا السياق الموضوعي من كلمة (الساعة) هنا ساعة إنزال العذاب بهم وهو العذاب الذي أنذرتهم به الآيات الأوائل من سورة الأنبياء.وأنّ هذا العذاب حين ينزل بأهل مكّة سيكون بمثابة حدوث زلزال في أرضهم. وذلك بسب ما سيسفر عنه وقوع هذا العذاب.وهذا تشبيه بليغ،وإلاّ فلو كان المقصود بكلمة (الساعة) هنا (عذاب الآخرة) فما كان يوجد هناك من داع يدعو لاستبدال كلمة (الآخرة) بكلمة (الساعة) في هذا المقام.ويعود هذا الإنذار لا يتعلّق بمجريات ما سيحدث بعد هجرة محمّد وصحابته من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة.والدليل الثاني على مصداقيّة ما ذهبت إليه، هو قول ربّنا عز وجلّ في الآية الثانية وهو يصف ما سيحدث لهؤلاء المعتدين (يوم ترَونها تذهلُ كلُّ مُرضعة عمّا أرضعت وتضعُ كلُّ ذات حملٍ حملها وترى الناس سُكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب اللّه شديد.). فالمقصود من قوله تعالى (يوم ترونها) هم هؤلاء المخاطبين والمُنذرين بعذاب اللّه الشديد الذين كنّى اللّه عز وجلّ بهذا الوصف عن نتائج ما سيحصدونه بعد نزول عذاب اللّه تعالى بهم.والحقيقة هي أنّ معركة بدر الكبرى التي قُتل فيها أبرز زعماء مكّة قد أحدثت في أهل مكّة ما تضمّنته هذه الآية من وصف فريد ومجازيّ،وذلك من خلال كلّ ما أسفرت عنه تلك المعركة من نتائج وصفتها هذه الآية الثانية من سورة الحجّ بهذا الوصف المجازيّ.
واستنادا إلى هذه الدلالات التي أوردتها لك يا عزيزي القارئ فإنّ اللّه عز وجلّ قد راح يغمز جانب هؤلاء الذين أنذرهم وقال بعد قوله المذكور (ومن الناس مَن يجادلُ في اللّه بغير علم ويتّبعُ كلّ شيطان مّريد.كُتِبَ عليه أنّه مَن تولاّه فأنّه يُضلّه ويهديه إلى عذاب السّعير.).وقد قصد اللّه تعالى هنا أيضا من كلمة (الناس) وللمرّة الثالثة أهل مكّة وزعماءها الذين كانوا يجادلون محمّدا وأصحابه فيما أنزله اللّه عليه من كتاب وتعاليم بجدال قائم على الظنون و (بغير علم)،ومتّبعين في سلوكهم هذا سلوك كلّ متمرّد هالك في نهاية المطاف.وقد (كُتِبَ عليه) أي كُتِب على هذا الإنسان الذي يتولّى سبيل الشيطان المشار إليه (فأنّه يُضلُّه ويهديه إلى عذاب السعير.) أي إلى عذاب تتأجّج ناره وتحرقه هو نفسه قبل سواه.
لم يرتدع المشركون بهذه الإنذارات القرآنيةّ
ألا إنّ محمّدا وأصحابه كانوا يُسمعون أهل مكّة وزعماءها ما كان ينزل عليهم من وحي آيات هذا القرآن الكريم.وإلى درجةٍ أنّ أبا بكر الصدّيق كان يتلو آيات القرآن بصوت عالٍ،وذلك ليسمعه أهل مكّة حتّى ضجّوا منه وشكوه إلى رسول اللّه (ص) ليمنعه عمّا كان يفعل، وبسبب أنّهم خافوا على نسائهم وأولادهم من أن ينجذبوا بما يسمعونه إلى تقبّل الإسلام دينا.وهي حقائق ترويها صفحات تاريخ تلك الحقبة من الزمان.وعليه فإنّ زعماء الكفر من أهل مكّة والذين كانوا في قمّة معرفتهم باللّغة العربيّة ودلالات ألفاظها واستعاراتها،كانوا هم بدورهم يفهمون هذه الإنذارات التي تضمّنتها ما تلوته عليك آنفا يا عزيزي القارئ من آيات سورتي الأنبياء والحج.وكانوا يأخذونها على محمل السخرية بها، ولم يأخذوها على محمل الجدّ .وبدليل أنّهم وبعد أن استفاقوا من دهشتهم من مُجريات ما جرى بعد هجرة محمّد الصادق الأمين من بينهم إلى المدينة المنوّرة ، أنّهم قرّروا ملاحقته إلى مقرّه في المدينة المنوّرة، وبدليل الرسالة التي كانوا قد أرسلوها إلى زعيم المنافقين في المدينة وهو (عبد اللّه بن أبي سلول) والتي ذكرتها لك من قبل والتي أنهوها بقولهم في آخرها (إنّكم آويتُم صاحبنا وإنّا نُقسمُ باللّه لتُقاتلُنّه أو تُخرجُنّه، أو لنسيرنّ إليكم بأجمعنا حتّى نقتُلَ مقاتلكم ونستبيح نساءكم) - سيرة ابن هشام-.
من هذا عُدت تُدرك يا عزيزي القارئ بأنّ زعماء مكّة ما ارتدعوا بالإنذار الذي وجّهه اللّه تعالى إليهم من خلال آيات سورتي الأنبياء والحجّ التي أوردناها.ولا كانوا قد فهموا قيمة لنبوءة سورة (القمر) التي أوردناها.وكانت هذه الحقيقة التي أثبتتها مُجريات الأحداث في علم اللّه الغيبيّ، من أنّ أهل مكّة سيقدمون على ما عزموا عليه، غير مبالين بما حملته لهم تلك الآيات القرآنيّة من إنذار.ولذلك فإنّك تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه جلّ شأنه راح ينبّه هؤلاء الذين استضعفوا رسوله وصحابته،واستغلّوا زعيم المنافقين فكاتبوه.فقد نبّه اللّه جلّ شأنه هؤلاء في الآية 38 من سورة الحجّ وقال (إنّ اللّه يُدافعُ عن الذين آمنوا،إنّ اللّه لا يحبُّ كلّ خوّان كفور.) وكأنّه جلّ شأنه قد أنذر زعماء مكّة للمرّة الأخيرة أولئك الذين استضعفوا رسوله الكريم بعد أن استتبّ له المقام في المدينة المنوّرة.فقد أنذرهم تعالى من خلال قوله هذا بأنّكم يا معشر زعماء الكفر لا تظنّوا أنّكم إذا لاحقتم رسولنا إلى المدينة المنوّرة وقاتلتموه،أنّه سيظلّ يقف هو وأصحابه متحمّلا ما تُنزلونه بهم من اضطهاد وتعذيب بلا نصير ينصره وبلا مؤيّدٍ يؤيّده وينصره عليكم. بل اعلموا بأنّكم قد جاوزتم حدودكم إلى درجة اعلموا معها بأنّ اللّه عز وجلّ لن يدع المؤمنين بعد ذلك لرحمتكم، وبعد أن عاد كلّ واحد منكم (خوّان كفور) ، فقد حرمتم أنفسكم من رحمة اللّه ومحبّته،واستحقّ المؤمنون الصابرون أن ينزل اللّه جلّ شأنه ملائكته ليدافع عن رسوله وصحابته في مواجهتكم.
سورة الحج أذنت بقتال دفاع مقدّس
ولم يكتف اللّه عز وجلّ بما أورده في الآية سابقة الذّكر.بل أتبعها بالآيتين 40/41 اللّتين قال فيهما صراحةً (أُذن للّذين يُقاتلون بأنّهم ظُلموا وإنّ اللّه على نصرهم لقدير.الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلا أن يقولوا ربُّنا اللّه،ولولا دَفع اللّهِ الناس بعضهُم ببَعضٍ لهُدِّ مت صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكرُ فيها اسم اللّه كثيرا،ولينصُرنَّ اللّه مَن ينصره ،إنّ اللّه لقويٌّ عزيز.الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهَوا عن المُنكرِ،وللّهِ عاقبة الأمور.).
فهاتان الآيتان قد صيغتا بصياغة دستوريّة عامّة الدلالات وغير مخصّصة.ولتصبحا مرجعا لجميع الآيات التي أنزلت من بعدها والتي نصّت على القتال،والتي صيغت بصياغة قانونيّة الدلالة.وبدليل أنّ فعل (أُذن) ورد بصيغة المجهول كذلك فعل (يقاتلون) قد صيغ بصيغة المجهول وقد حذف اللّه عز وجلّ مضاف هذا الفعل فلم يبيّن من هؤلاء الذين يُقاتلون،وليفهم المقصود منه من معطيات سباق الآية وسياقها.واستناداً إلى أصول تفسير آيات هذا القرآن العظيم.فهذه حقيقة تُدركها يا عزيزي القارئ إن أنت راجعت مؤلّفي (منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره).وقد نصّت هاتان الآيتان على الأمور التالية:
أولا – فعلى حين كان رسول اللّه (ص) وصحابته الكرام يتحمّلون من زعماء مكّة وأهلها مختلف أنواع التعذيب والاضطهاد.وكانوا لا يردّون على العُنف بعُنفٍ مثله تأدّبا مع اللّه عز وجلّ الذي لم يأذن لهم بذلك،على اعتبار أنّ تعاليم الإسلام هي تعاليم سلام.فقد استهلّ اللّه عز وجلّ الآية الأولى بقوله تعالى (أُذِن للذين يُقاتلون بأنّهم ظُلِموا) ولم يقُل (للذين يُضطهدون). إشارة إلى هذا الدور الثاني من حياة هؤلاء الذين ظلّوا مسالمين لا يردّون على العنف بعنف مثله مدّة ثلاث عشرة سنة مؤمنين ومؤمنات.وجاء زمن هجرتهم إلى المدينة المنوّرة وما عاد هناك من مجال للمكّيين ليضّطهدوهم وليعذّبوهم كما كانوا يفعلون بهم في مكّة،بل جاء زمن تنفيذ هؤلاء المكّيين تهديدهم الذي هدّدوا فيه زعيم المنافقين وأهل المدينة إن هم لم يُخرجوا رسول اللّه وصحابته من ديارهم،وذلك بقيامهم بالزحف إلى المدينة المنوّرة ومقاتلة كلّ من كان فيها بصورة جماعيّة، وإلى حدّ قتلهم وسبي نسائهم.
ثانيا – وقد أورد اللّه عز وجلّ في الشطر الثاني من الآية الأولى،وردّا على تصميم المكّيين بالزحف إلى المدينة على رأس جيش مخرّبين ومعتدين، أورد تعالى الذي أذن للمؤمنين بالردّ على العدوان الجماعي وأن (يقاتلوا الذين يقاتلونهم) حفاظا على أرواحهم، وصيانة لنسائهم من أن يسبيها هؤلاء المعتدون. وقال اللّه جلّ شأنه واعداً رسوله الكريم وصحابته الكرام بقوله تعالى (وإنّ اللّه على نصرِهم لقدير.).وبمعنى أنّ اللّه تعالى الذي أذن للمؤمنين بمقاتلة الذين يقاتلونهم ولردّ عدوانهم عليهم،فإنّه تعالى لن يدع جماعة المؤمنين لوحدهم،بل سيؤيّدهم في ردّ هذا العدوان عنهم بإنزال ملائكته لتأييدهم ولتثبيت أقدامهم،ولإنزال الهزيمة بهؤلاء المعتدين.
ثالثا – وقد راح اللّه عز وجلّ يُعدّد في الآية الثانية حيثيّات قرار هذا الإذن المذكور، وذاك التأييد الموعود، بقوله تعالى فيها:
1- (الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلاّ أن يقولوا ربّنا اللّه). بمعنى أنّ هؤلاء المعتدين اضطرّوا هؤلاء المؤمنين ليتركوا ديارهم وما يملكون وليهاجروا منها، بغير أي ذنبٍ ارتكبوه ليستحقّوا عليه هذا العقاب،إلا تعبيرهم عن مُعتقدهم بوجود اللّه ربّهم الذي خلقهم والذي لا إله إلا هو. وهم في هذا التّعبير عن مُعتقدهم يكونون قد استعملوا حقّا من حقوق الإنسان وهو (حرّية المعتقد).
2- وعبّر تعالى عن الحيثيّة الثانية لقراره المذكور وقال (ولولا دفعُ اللّه الناس بعضهُم بِبعضٍ لهُدّمت صوامع وبِيعٌ وصلواتٌ ومساجد يُذكرُ فيها اسم اللّه كثيرا).فأورد تعالى حرف (لولا) هنا حرف امتناع لامتناع،أي أنّه تعالى أدخل حرف (لولا) على جملةٍ اسميّةٍ وهي قوله (دفعُ اللّه الناس بعضهم ببعض) وعلى جملةٍ فعليّةٍ وهي قوله تعالى (لهُدّمت صوامع وبيَعٌ وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم اللّه كثيرا).وتفصيل مضمون هذه الحيثيّة الثانية لقراره المذكور، هو أنّ اللّه جلّ شأنه دأب على الإذن لجماعات المؤمنين من قبل بعثة هذا الرسول الكريم بمقاتلة أعدائهم المعتدين بعد تجاوزهم مرحلة اضطهاد المؤمنين إلى مرحلة مقاتلتهم إيّاهم بصورة جماعيّة ، وذلك بقصد محافظة اللّه تعالى على دور عبادته التي كان يقيمها كلّ نبيّ بعثه اللّه تعالى لهداية عباده منذ آدم عليه السلام وإلى زمن بعثة محمّد رسول اللّه (ص).
3- وقد أضاف تعالى حيثيّة ثالثة قال فيها (ولينصُرنَّ اللّه مَن ينصُرُهُ إنّ اللّه لقويٌّ عزيز) والمعنى هو أنّ من غير المعقول أن يمنح اللّه جلّ شأنه هذا الإنسان (حرّيته في أن يعتقد ما يشاء) ويقوم آخر لإكراهه على ترك مُعتقده، ليس بصورة فرديّة ولكن بصورة جماعيّة وبالقوّة،ومن ثمّ يترك اللّه تعالى هذا الإنسان المظلوم وحيدا في الميدان.إلا أن يقوم بتأييده ونصرته خصوصا عندما يأذن اللّه تعالى له هو بنفسه بردّ هذا العدوان الذي يريد أعداءه إنزاله به.وهنا أتى تعالى بحرف التأكيد (إنّ) وقال (إنّ اللّه لقويّ عزيز.) بمعنى أنّ من أسماء اللّه (القويّ) ومعناه أنّ اللّه تعالى ذو قوّةٍ وهو غير ضعيف،لذلك فإنّ تأييد المؤمنين المضطهدين بقوّة من اللّه تعالى تجعلهم أقوى من أعدائهم يقينا.وأنّ من أسماء اللّه (العزيز) وهو الوجود الذي يستحيل أن يُغالب من طرف أحد ولا يتغلّب اللّه عز وجلّ عليه.
وبعد أن فرغ اللّه تعالى من بيات حيثيّات أمره المذكور على الصورة التي لاحظتها يا عزيزي القارئ.فقد أضاف تعالى آية ثالثة وضّح من خلالها النتائج التي يُسفر عنها إذنه المذكور وتأييده الموعود لجماعة المؤمنين،وقال (الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهَوا عن المُنكر،وللّه عاقبة الأمور.).بمعنى أنّنا حين ننصر هؤلاء المؤمنين باللّه الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم، ونمكّنهم من إقامة دولة في هذه الكرة الأرضيّة.فإنّ فئات المؤمنين هذه، لن يفعلون فِعل المعتدين فيعتدوا على حرّية الإنسان في معتقده.بل إنّهم ينفّذون أوامر ربّهم ويعملون على تعاليمه التي من أبرزها : (إقامة الصلاة) بمعنى توطيد صلة الإنسان بخالقه والسعي للتعرّف عليه والفوز بمحبته وقربه ورضوانه.(وإيتاء الزكاة) بمعنى تزكية أموالهم ودفع ما فيها من حقٍّ للسائل المحتاج، وحقّ مختلف أنواع الحيوان المحروم من النطق.(والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر) بمعنى إقامة الأمن والسلام في العالم. وذلك من خلال الأمر بالمعروف بما ورد من أوامر اللّه عز وجلّ ومنها حقوق الإنسان ، والنهي عن كلّ شيء مُنكر في تعريف تعاليم هذا الدين ومنها سفك دماء الأبرياء بدون حقّ.وقد اختصر اللّه تعالى النتائج التي تُسفِرُ عنها هذه التعاليم التي دأب اللّه تعالى على أن يأمر بها عباده المؤمنين على مرّ الزمان وقال (وللّه عاقبة الأمور) بمعنى أنّ الأمور بخواتيمها وليس بمقدّماتها. فعمليّة الإفساد في الأرض تحدث في كلّ زمان.ولولا تدخّل اللّه تعالى في توجيه عباده لينتهي بالأمور إلى أن تصير أخيرا وفق مشيئة اللّه وإرادته لكانت قد هُدّمت جميع أمكنة عبادة اللّه تعالى التي أمر بتعميرها مختلف أتباع الديانات في مختلف الأمصار.
وهنا قد تسألني يا عزيزي القارئ وتقول: لقد أذن اللّه تعالى
للمؤمنين بالقتال وفي وقت لم تتّضح فيه الأمور بعد،ولم يحدث أن زحف جيش المشركين إلى المدينة المنوّرة بعد،وإنّ رسالة التهديد التي أرسلوها إلى رئيس المنافقين وإن أصبحت في أيدي الذين وقعت في أيديهم مستمسكاً ضدّ المشركين،فالحرب والقتال لم يكُن قد بدأ بعد ليؤذن للمؤمنين بقتال الذين يقاتلونهم.وعليه فهذا الإذن بالقتال والحال هذه يتنافى ومبدأ (السلام) الذي قامت عليه تعاليم الإسلام.فبماذا تعلّلُ هذا الإذن بالقتال ؟ وقبل أن أُجيب على هذا الذي طالبتني يا عزيزي القارئ بتعليله وتقديم الدليل على دحضه ، أرى أن نستخلص أوّلا ما سبق لنا الكلام عنه والمتعلّق بوضع رسول اللّه وصحابته في مكّة المكرّمة.
ما نستخلصه من الدور المكّي ومُجريات الأمور فيه
ألا إنّنا إذا أمعنّا نظرنا يا عزيزي القارئ فيما ذكرناه وبيّناه بما يتعلّق بالدور المكّي ومجريات الأمور فيه، نستخلص منه الأمور التالية:
أولا – فأوّل شيء نستخلصه من مُجريات الأمور في الفترة التي قضاها محمّد رسول اللّه (ص) وصحابته الكرام في مكّة المكرّمة،هو أنّ اللّه عز وجلّ كان قد أعطى الناس أجمعين أنموذجا حيّا من خلال واقع تلك السنوات الثلاثة عشرة التي ترك اللّه جلّ شأنه رسوله والمؤمنين يرضخون خلالها لقوانين وأنظمة غير المؤمنين ويثبتون مع ذلك على عقائدهم مهما لاقوا في سبيل عقائدهم من عذاب واضطهاد.يكون اللّه جلّ شأنه قد أعطى العالم أجمع درسا يؤكّد أنّ تعاليم الدين الإسلاميّ هي تعاليم أمن وسلام تطبع معتنقيها بطابع المواطنة الصالحة التي تطيع أنظمة وقوانين أيّة دولة تعيش في ظلّ حكومتها.ويكون اللّه عز وجلّ قد رسم لكلّ مسلم في الوقت نفسه،عاش أو يريد أن يعيش في بلدٍ غير إسلامي،ٍّ قد رسم له أسوةً حسنة من مُعطيات ما قدّمه محمّد رسول اللّه وأصحابه الكرام من أسوة حسنةٍ قدّموها في ظلّ حكومة غير إسلاميّة.وذلك من خلال بقائهم في مكّة المكرّمة مدّة ثلاثة عشرة سنة وتابعين لأنظمة تلك الدولة غير الإسلاميّة وقوانينها،ومن خلال تحمّلهم فيها مختلف أنواع الاضطهاد والتّعذيب من جرّاء إعلانهم عقيدة التّوحيد التي اعتنقوها.وهي أنّ اللّه موجود وأنّه يتّصف بالأسماء الحسنى وأنّه لا إله إلا هو الحيّ القيّوم . وهذه الحقيقة يفسّرها قول اللّه تعالى في سورة النساء (أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.) فإطاعة اللّه تعالى تتمثّل في إطاعة تعاليم كتابه العزيز.وإنّ إطاعة الرسول تتمثّل في العمل على سنّة الرسول.وأمّا (أولي الأمر منكم) فهم كلّ نظام سياسيٍّ قام في دولة ما،ومنتخبين من شعبها،وأصبحوا (أولي الأمر) فيها.
ثانيا – والأمر الثاني الذي نستخلصه من مُجريات الأمور في مكّة المكرّمة،هو أنّ المسلم الذي يعيش في دولة غير إسلاميّةٍ ولا يستطيع تحمّلَ ما تفرضه عليه أنظمة تلك الدولة وقوانينها، فإن تعاليم الإسلام تأمر هذا المسلم بالهجرة من ذاك البلد.وهي حقيقة مثّلتها هجرة الضعفاء من المسلمين الذين كانوا يقطنون في مكّة إلى الحبشة، ومن ثمّ إلى المدينة المنوّرة، والذين ما كانوا قادرين على تحمّل ما كان يلاقيه فيها من بقي فيها من اضطهاد وتعذيب.هذا وإنّ تعاليم الهجرة هذه تضمّنها قول اللّه عز وجل في الآية 97 من سورة النساء التي ورد فيها (إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كُنتم،قالوا كُنّا مستضعفين في الأرض،قالوا ألم تكن أرض اللّه واسعةً فتهاجروا فيها،فأولئك مأواهم جهنَّمُ وساءت مصيرا.).
ثالثا – والأمر الثالث الذي نستخلصه من خلال مجريات الأمور في مكّة المكرّمة هو أنّه لا يجوز للمسلم الذي يعيش في بلد غير إسلاميٍّ أن يفكّر في جَمع الأسلحة لمقاومة حكومة ذاك البلد،ولا يجوز له أن يقوم باغتيال أحد من زعماء ذاك البلد.فإن صدر عنه ما يخالف هذا التّعليم فإنّه يثبت بأنّه لا يطيع اللّه ولا يطيع رسوله ولا يطيع أولي الأمر منه.وهذه حقيقة وضّحها محمّد رسول اللّه (ص) من خلال أسوته الحسنة.فهو لم يجمع في مكّة المكرّمة أسلحة للاستيلاء على الحكم فيها.ولا دفعَ بأحدٍ من صحابته ليغتال زعيما من زعماء مكّة قد أقدم على اضطهاده واضطهاد أتباعه من المؤمنين.
رابعاً – كذلك نستخلص من مجريات الأمور التي وقعت بعد هجرة محمّد رسول اللّه (ص) وأصحابه الكرام إلى المدينة المنوّرة،وتهديد كفّار مكّة المؤمنين بملاحقتهم إليها ومقاتلتهم فيها، والإذن للمؤمنين بمقاتلة الذين يقاتلونهم من أولئك الكفّار،ووعد اللّه عز وجلّ فئة المؤمنين أنّه سيؤيّدهم في حربهم مع المعتدين وينصرهم عليهم أيضا،حفاظا على الإبقاء على شعائر اللّه تعالى في الأرض.نستخلص من ذلك كلّه بأنّه إذا حدث اعتداء على دولة إسلاميّة باسم الدين فإنّ اللّه تعالى يسمح لأهل تلك الدولة الإسلاميّة بردّ عدوان المعتدين عليهم ومقاتلتهم باسم الدين.وأنّ اللّه تعالى حينذاك يعدهم بأنّه على نصرهم لقدير.
خامسا – هذا وإنّ الأمر الرابع الذي نستخلصه من ذلك كلّه،هو أنّ كلّ حرب تقع بين دولتين، ولا يكون لها طابع دينيٌّ،فإنّ تلك الحرب تدخل في باب الحروب الوطنيّة ولا تعود هناك من علاقة لوعد اللّه تعالى للطرف المسلم بالنصر في تلك الحرب الوطنيّة التي قد تدخل في باب الاختلاف على الحدود الواقعة ما بين الدولتين.أو تدخل في باب احتلال دولة لأرض دولة أخرى ظلما واعتداء وبلا مسوّغٍ من قانون دوليّ.
فهذه الأمور الخمسة التي توصّلنا إليها واستخلصناها من مجريات ما حدث في زمن بقاء محمّد رسول اللّه (ص) في مكّة المكرّمة،وقبل أن يأمره ربّه بالهجرة منها إلى المدينة المنوّرة،فقد شكّلت هذه الأمور الخمسة أساسا دستوريّا لكلّ مسلم يعيش في بلد غير إسلاميّ.
ولا تحسب يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ لم يقدّم للعالم مثالا عمليّا يكون قد أثبت من خلاله مصداقيّة ما قدّمه من تعاليم (سـلام) من خلال مجريات الأمور في الفترة المكّية.ومن خلال ما أعقبها من أحداث تطلّبت الإذن لجماعة المؤمنين بمقاتلة الذين يقاتلونهم.والوعد بأنّ (اللّه على نصرهم لقدير.).كلا فاعلم يا عزيزي القارئ بأنّ اللّه عز وجلّ قد قدّم للعالم أجمع من خلال ما حدث في واقعة (بدر الكبرى) مصداقيّة ما حدّثتك عنه نبوءة سورة (القمر) إلى جانب ما بيّنته لك الآيات الأوائل من سورة (الأنبياء) وما ورد من سماح للمؤمنين بمقاتلة أعدائهم الذين لاحقوهم إلى المدينة المنوّرة ليقتلوهم وليسبوا نساءهم أيضا وذلك في الآيات من سورة الحجّ.ولذلك كان عليك الآن أن تُصغي جيّدا إلى ما سأحدّثك عنه فيما يتعلّق بواقعة (بدر الكبرى) التي أثبت اللّه تعالى من خلالها مصداقيّة ما ذكره تعالى في سورة الحجّ وإليك البيان.
واقعة (بدر الكبرى) ونتائج القتال باسم الدين
ألا فاعلم يا عزيزي القارئ أنّه ما دام اللّه جلّ شأنه قد جعل محمّدا بن عبد اللّه الصادق الأمين رسولا مشرّعاً.فقد كان من الطبيعيّ جدّا أن يكون اللّه جلّ شأنه قد أراد أن يعلّم المؤمنين من خلال كلّ خطوة كان يخطوها رسوله الكريم (ص) خلال حياته وهو يؤدّي رسالة ربّه عز وجلّ،أن تكون لهم فيها عبرة ودرس ليتّخذوه منهجا لحياتهم على الدوام.ومن هذا المنطلق ينبغي عليك أن تنظر إلى ما جرى في واقعة (بدر الكبرى) وعلى أنّ اللّه تعالى بعد أن أذِن لرسوله ولأصحابه الذين ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم ونوى أعداؤهم من الكفّار أن يلاحقوهم إلى دار الهجرة ليقاتلوهم وليقتلوهم وليسبوا نساءهم،أقول بعد أن أذن اللّه تعالى لهم بالقتال أن يقدّم للمؤمنين مثالا ودرسا عمليّا يعطيهم من خلاله درسا ومنهجا لحياتهم في حال أنّهم لم يعودوا يعيشون في ظلّ دولة غير إسلاميّة،بل يعيشون في ظلّ دولة إسلاميّة هدّدها الأعداء بالاعتداء عليها باسم الدين.فمن هذا المنطلق سأشرح لك أحداث واقعة (بدر الكبرى).
فالذي حدث أنّه بعد أن أنزل اللّه تعالى آيات سورة الحجّ التي سُمحَ فيها للمؤمنين بمقاتلة الذين يُقاتلونهم باسم الدّين،في مَعرض قول اللّه تعالى (إنّ اللّه يُدافعُ عن الذين آمنوا، إنّ اللّه لا يُحبُّ كلّ خوّانٍ أثيم.) وليثبت اللّه جلّ شأنه مصداقيّة ما تضمّنه هذا الوعد الإلهيّ المذكور.فالذي حدث أنّها وردت أخبار إلى المدينة المنوّرة بأنّ المشركين من أهل مكّة يعدّون العُدّة لمهاجمة المدينة المنوّرة.أتت تلك الأخبار ولم يكن قد مضى على هجرة رسول اللّه (ص) إلى المدينة إلا ثلاثة عشر شهرا،ولم يكن رسول اللّه (ص) قد أعدّ مقاتلين أشدّاء يعتمد عليهم للدّفاع عن دولته الناشئة بعد.(فالمهاجرون) كانوا قد فرحوا من جرّاء خلاصهم من اضطهاد أعدائهم إيّاهم بعد وصولهم إلى المدينة المنوّرة وكانوا لا يفكّرون فيها إلاّ في تأمين مساكن يأوون إليها وموارد رزقٍ يتعيّشون بها،وهم قد اعتنقوا تعاليم أمن وسلام.(والأنصار)
من مسلمي المدينة لم يكونوا قد عاهدوا محمّداً رسول اللّه (ص) على القتال إلى جانبه بعد أيضا.وإنّ هذا الواقع الذي أشرت إليه قد دعا محمّدا (ص) ليخرج من المدينة المنوّرة ليستطلع حقيقة تلك الأخبار السيّئة التي وصلته بما يتعلّق باستعداد وخروج المشركين من مكّة المكرّمة لمهاجمته في عقر دولته الناشئة.ثمّ إنهّ ما كان يدري هل أنّ الجيش الذي كان يرافق قافلة أهل مكّة التجاريّة العائدة من الشام هو الذي سيقوم بهذا الاعتداء، أم أنّ الجيش سيخرج من مكّة نفسها قد استعدّ للقيام بهذا الاعتداء ؟ ففي تلك الأحوال التي ذكرتها لك يا عزيزي القارئ،فقد صمّم محمّد رسول اللّه (ص) أن يخرج بصحبة عددٍ من أصحابه لاستجلاء تلك الأخبار وذلك لمعرفة مدى مصداقيّتها.وقد تمنّى بعض الأنصار أن يرافقوه هم أيضا في مسيرته تلك.وقد بلغ عددُ الذين اصطحبهم رسول اللّه (ص) ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كان من بينهم صبيّان لم يكونا قد بلغا سنّ الرشد بعد.علما بأنّ أكثريّة الذين ذكرناهم من الذين رافقوا محمّدا رسول اللّه كانوا راجلين.ولم يكونوا يحملون من السلاح كفايته.ولم تكن لديهم إلا بعض الإبل وفرس واحدة.وعلى هذه الصورة فلم يكن هؤلاء جميعهم أهلا لمقاتلة فُرسانٍ أشدّاء ومسلّحين تسليحا جيّدا إن هم واجهوهم واضطرّوا لمقاتلتهم.بالإضافة إلى أنّ الأنصار لم يعاهدوا رسول اللّه (ص) أن يقاتلوا معه بعد. فماذا حدث ؟
الذي حدث هو أنّ اللّه عز وجلّ قد أطلع رسوله الكريم (ص) بأنّه قد دفعه إلى هذا الذي يقوم به من استطلاع،بقصد أن يتلاقى بجيش المشركين وليقاتلهم،ولينصره ربّه عليهم بعد أن كان قد (أذن للذين يقاتلون بأنّهم ظلموا وإنّ اللّه على نصرهم لقدير.).وهنا وتجاه هذا الحال الذي وقع فيه محمّد رسول اللّه،فلم يشأ ذاتيّا أن يُكرِهَ أحدا خلاف إرادته من هؤلاء الذين رافقوه والذين كان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر لم يستعدّوا للقتال.ولكنّه كان مُحرجا تجاه ربّه عز وجلّ أيضا الذي وضعه في ذاك الحرج الذي وجد نفسه فيه.فماذا فعل رسول اللّه ؟
الذي فعله محمّد رسول اللّه (ص) هو أنّه جمع مرافقيه حوله وأخذ يشرح لهم أبعاد الموقف الحرج الذي أطلعه ربّه عليه،وطلب منهم أن يشيروا عليه ماذا يفعل.وفي تلك الدقائق الحرجة فقد أخذ مهاجر إثر مهاجر يقف ويحثّه على مواجهة العدوّ وبكلّ جرأة وعلى صورة ما كان يبدو على الواحد منهم أيّ خوف ولا وجلٍ من مواجهة فرسان قريش الأشدّاء المدرّبين.حتى أنّ أحدهم وقف وقال (يا رسول اللّه امض لما أراك اللّه،فنحن معك،واللّه لا نقول لك ما قاله بنوا إسرائيل لموسى اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون،بل نقول لك اذهب وربّك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.).
وفي تلك اللّحظات كان محمّد (ص) يصغي إلى قول كلّ مهاجر منهم،ومع ذلك كان يقول بعدها : أشيروا عليّ.أمّا الأنصار ممّن رافقوا رسول اللّه فقد ظلّوا صامتين لا ينبسون ببنت شفة وذلك احتراما منهم لمشاعر إخوانهم من المهاجرين الذين إن قاتلوا فسيضطرون ليقتلوا أقارب لهم يكونون في صفوف جيش المشركين من أهل مكّة.لكنّ مداومة محمّد رسول اللّه على طلب المشورة منهم، وهم الذين لم يعاهدوه بعد على القتال إلى جانبه ،فقد نهض من بينهم (سعد بن معاذ) وكان أوجههم وقال (كأنّك تريدنا يا رسول اللّه ؟). فأجابه محمّد رسول اللّه أجل يا سعد أطلب مشورتكم أنتم أيضا.وهنا قال له سعد بن معاذ وبكلّ اندفاع إيمانيّ: (لقد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ،وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة.فامض لِما أردت فنحن معك. والّذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر فخُضتَه ،لخُضناه معك وما تخلّف منّا رجلٌ واحد.وما نكرهُ أن تَلقى بنا عدوّنا غدا. إنّا صُبرٌ في الحرب،صُدُقٌ في اللّقاء.لعلّ اللّه يريك منّا ما تقرّ به عينك.فسِر بنا على بركة اللّه.).
كان محمّد رسول اللّه (ص) يُصغي إلى كلّ واحدٍ يشير عليه إصغاءً تامّا.وما إن فرغ من سماع مشورة جميع المتكلّمين،حتّى أشرق وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبدى كلّ ارتياح،وعاود نشاطه،فخاطبهم وقال لهم (سيروا وابشروا فإنّ اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين. واللّه كأنّي أنظرُ إلى مصارع القوم.)-سيرة ابن هشام،الجزء الثالث-.
فإن أنت دقّقت يا عزيزي القارئ فيما خاطب رسول اللّه (ص) جماعته تلك،تلاحظ اشتماله على نقطتين هامّتين،هما :
فالنقطة الأولى – تجلّت من خلال قول رسول اللّه (ص) (ابشروا فإنّ اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين) ، هذا القول الذي يُستدلّ منه أنّ اللّه عز وجلّ قد أنبأ رسوله الكريم (ص) بأنّه سيُقاتل (إحدى الطائفتين) وينصره ربّه على عدوّه ومن دون أن يكشف له أيّ الطائفتين يقصد هل أنّه سيقاتل الجيش الذي يرافق قافلة قريش العائدة من الشام.أم أنّه سيقاتل الجيش الذي سمع أنه قادم من مكّة المكرّمة.فإن دلّ قوله (ص) هذا على شيء،فإنّما يدلّ على مصداقيّة ما سبق لي أن ذكرته لك يا عزيزي وهو أنّ محمّدا لم يغادر المدينة المنوّرة بقصد نهب قافلة قريش العائدة من الشام وعلى حسب ما اتّهمه به المستشرقون.ولا كان قد غادرها بقصد أن يقاتل الجيش الذي سمع عنه أنّه قادم من مكّة المكرّمة لمحاربة رسول اللّه (ص) في المدينة المنوّرة.بل إنّه (ص) غادر المدينة المنوّرة بقصد استطلاع ما وصله من أخبار.
والنقطة الثانية – تجلّت في قول محمّد رسول اللّه (واللّه كأنّي أنظر إلى مصارع القوم.).فهذه الكلمات إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على أنّ اللّه عز وجلّ لم يُطلع محمّدا رسول اللّه على أنّ مقاتلة العدوّ بات قريبا ومؤكّد\ ولكنّه تعالى قد أطلع رسوله الكريم على أنّ العدوّ سيهزم شرّ هزيمة كما دلّت على ذلك كلماته (ص) (وكأنّي أنظر إلى مصارع القوم.) .
فهذه صورة حقيقيّة روتها لنا سيرة ابن هشام عن لحظات حرجة وحسّاسة مرّ بها هذا الرسول العظيم الذي لم تمض عليه بعد أن أصبح حاكما في المدينة المنوّرة سنوات ليتمكّن من حكمه فيها.ولا كان الأنصار من أهلها قد بايعوه بعد على مقاتلة العدوّ معه.ولذلك فقد خرج من
المدينة المنوّرة بنفسه لاستطلاع أخبار تحرّكات زعماء قريش ضدّه.وكانت مخاطرة ما بعدها من مخاطرة.خصوصا وأنّ اللّه عز وجلّ أطلع رسوله الكريم وهو في منتصف طريقه للتحقّق من تلك الأخبار أنّه تعالى قد قدّر أن يتلاقى رسوله مع أعدائه كما قدّر أن ينصره ويهزم أعداءه شرّ هزيمة.وليضرب اللّه جلّ شأنه من خلال تلك الواقعة مصداقيّة ما أورده في سورة الحج من (إذن بالقتال) ووعد (بأنّ اللّه على نصرهم لقدير) .
هذا واعلم يا عزيزي القارئ بأنّ طلب محمّد (ص) من مرافقيه (مشورتهم) فقد كانت الغاية منها الكشف عن ضعاف الإيمان منهم، وذلك ليأمرهم بالعودة إلى المدينة المنوّرة،كيلا يظلّوا عبئا عليه في معركته القادمة مع أعدائه.وقد أثبت المهاجرون والأنصار منهم أنّهم كانوا جميعهم أقوياء في إيمانهم،وأنّ إخلاصهم لرسولهم كان منقطع النظير. وأنّهم كانوا قد اختاروا الاستشهاد في ساحة الوغى راضين مختارين.
وتابع محمّد رسول اللّه (ص) والذين رافقوه والذين كان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر فرداً بينهم صبيّان لم يبلغا بعد سنّ الرشد.تابعوا سيرهم إلى أن وصلوا موقعا يسمّى موقع (بدر)،وكان في الموقع المذكور نبع ماء توقفوا عنده للشرب منه وأخذ الراحة المطلوبة من عناء السفر.وإذ بجيش المشركين وقد وصلوا هناك وعسكروا على أرض صلبةٍ مقابل الموقع الذي عسكر فيه رسول اللّه وجماعته المؤمنة،والذين كانت الأرض تحتهم رمليّةً لا تصلح للكرّ فوقها ولا للفرّ إذا ما وقعت الحرب بين المؤمنين وجيش المشركين الذي كان عدد فرسانه ثلاثة أضعاف عدد أفراد جماعة المؤمنين الذين ليس في حوزتهم إلا بعض الجمال وفرس واحد،على حين أنّه كان عدد جيش المشركين ألف فارس متمرّس مدجّجون بالسلاح ويركبون جميعهم على ظهور جياد عربيّة أصيلة.وبألفاظ أخرى فإنّ اللّه عز وجلّ قد هيّأ رسوله الكريم ومن معه ليخوضوا حربا غير متكافئة في العدد ولا في العُدّة ولا في الفرسان المتمرّسين،ولا في الأرض التي كانوا يقفون عليها في موقع (بدر).وليزهوا أعداء محمّد (ص) بعددهم وبعُدّتهم وبموقع أقدامهم،وليتيقّنوا من كسب المعركة التي سيخوضونها في مواجهة محمّد بن عبد اللّه الصادق الأمين (ص) .فقد هيّا اللّه جلّ شأنه أسباب حدوث معركة غير متكافئة ليس من أجل ما ذكرناه وحسب.بل ومن أجل أن يقدّم للعالم أجمع أنموذجا عن الحرب الدينيّة التي اكتملت شروطها،وليكشف للباحثين عمّا تُسفر عنه أمثال تلك الحرب الدينيّة التي لا تدخل في باب الحروب العاديّة المعروفة ولا تنطبق عليها قوانين تلك الحروب. فماذا حدث ؟
الذي حدث أنّ الفريقين قد قضوا ليلة في المواقع التي عسكروا فيها،للراحة،وللاستعداد لخوض المعركة الفاصلة.وتروي لنا سيرتا (ابن هشام والزرقانيّ ) بأنّ محمّدا رسول اللّه (ص) لم يذق طعم النوم في تلك اللّيلة،وهو يصلّي ويتوسّل إلى اللّه عز وجلّ قائلا (اللّهمّ هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذّب رسولك،اللّهمَّ فنصرك الذي وعدتني، اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة اليوم،لا تُعبد.).وقد كشف اللّه عز وجلّ على رسوله الكريم في تلك اللّيلة أسماء عدد زعماء قريش الذين سيُقتلون في المعركة المقبلة وكشف عليه المواقع التي سيُصرعون فيها. وكان من نتيجة تضرّعات رسول اللّه (ص) وتوسّلاته في تلك اللّيلة أنّ السماء تلبّدت بغيوم ممطرةٍ كثيرة ،وأنزل اللّه تعالى الغيث الذي تسبّب في تلبُّد الأرض الرمليّة التي كان قد عسكر عليها فريق المؤمنين،فأصبحت بنتيجة ذلك صالحة لكرّ وفرّ .على حين أنّ ذاك الغيث تسبّب في أنّ الأرض الصلبة التي كان قد عسكر فوقها جيش المشركين قد أوحلت، وعاد من العسير أن تصلح لكرّ وفرّ،وبالتالي فقد عرقلت تحرّكات المشركين.
والمهمّ في الأمر هو أنّه ما إن أصبح الصباح،إلا وقد أطلّ محمّد رسول اللّه بوجهه الذي كان يشعّ نوراً وبهجةً،وصاح فيمن رافقوه من المهاجرين والأنصار أن اعلموا بأنّ ربيّ قد بشّر وقال (سيُهزمُ الجمعُ ويولّون الدّبر.) وقد كانت تلك الألفاظ هي بعينها التي كانت قد وردت في سورة (القمر) التي كان قد أنزلها اللّه عز وجلّ في مكّة المكرّمة قبل ما يقارب ثماني سنوات.والتي لفتّ نظرك إليها يا عزيزي القارئ من قبل، وأعلمتك بأنّها قد أنبأت نبوءة تتعلّق بمصير هؤلاء المشركين.أولئك الذين لم يبالوا بما كان ينزل من وحي ينذرهم بمصيرهم المشؤوم إن هم استمرّوا في اضطهادهم لرسول اللّه ولجماعته المؤمنة.هذا وإنّ الشيء الذي يزيد في مهابة هذه النبوءة (سيُهزم الجمع ويولّون الدّبر) أنّ محمّدا رسول اللّه (ص) قد نطق بألفاظ هذه النبوءة صباح يوم معركة (بدر الكبرى) بل وقبل بدء تلك المعركة غير المتكافئة عددا وعُددا.
وبعد أن بشّر رسول اللّه (ص) من كان برفقته في موقع بدر بما بشّره به ربّه جلّ شأنه فقد راح يسوّي صفوفهم ويعدّهم لقتال جيش المشركين الذي كانوا يستعدّون هم بدورهم لخوض هذه المعركة مع من كان يقودهم رسول اللّه (ص) نفسه.
إنّ بشارة (سيهزم الجمع ويولّون الدبر) لعبت بعواطف تلك الجماعة التي ما كانت مستعدّة للقتال من جهة،والتي كان عدد أفرادها لا يساوي ثُلث عدد جيش المشركين، أقول: إنّ مضمون تلك النبوءة قد شحنت جماعة المؤمنين بقوّة معنويّةٍ يعجز المرء عن بيانها بكلمات ،لذلك ارتأيت أن أورد للقارئ الكريم ما حدث خلال عمليّة تسوية رسول اللّه (ص) لصفوف جماعته،ليستنتج بنفسه ما تركته تلك البشارة السماويّة من أثر في نفوس الذين كانت تُسوّى صفوفهم.
فأنت تذكر يا عزيزي القارئ بأنّي كنت أطلعتك على مرافقة صبييّن من مؤمني أهل المدينة كانا في السابعة عشرة من عمرهما.فهذان الصبيّان اصطفّا هما أيضاً في الصفّ الذي كان قد وقف فيه أحد قادة جيش رسول اللّه وهو عبد الرحمن بن عوف (رضي).فاصطفّ أحد هذين الصبيّين عن يمينه، واصطفّ الآخر عن شماله.ونترك للصحابيّ المذكور بيان ما حدث قبل بدء المعركة.وأذكره بتصرّف من جانبي.
فعبد الرحمن بن عوف بيّن وهو يروي فيما بعد لأصحابه بأنّكم تعلمون بأنّ الفارس المتمرّس الشجاع الذي يشعر بالمسؤوليّة في المعركة وهو أنّه بحاجة لوجود فوارس يحمون جناحيه أثناء القتال،ليتمكّن من اختراق صفوف العدوّ. قال: فتلفّتُّ إلى من كان على جانبيّ ، وإذ بي أرى صبيّاً على يميني وصبيّا على شمالي ولا يبدو عليهما أنّهما ممّن تمرّسا
بفنّ القتال. وهنا أخذت أحدّث نفسي أن كيف عليّ أن أتدارك هذا النقص وفق معطيات فنّ الحرب ؟ أضاف وقال: ولم أكد يخطر ببالي هذا الخاطر،حتّى لاحظت بأنّ الصبيّ الذي كان على يميني قد وكزني وهمس في أذني: هل تدلّني يا عمّاه على (أبو جهل) في جيش المشركين لأتصدّى له لكثرة ما سمعت عن تماديه في إيذاء رسول اللّه ؟ قال: فلمّا بادرت أدلّه على الخيمة المتميّزة التي له بسبب أنّه كان يقود جيش المشركين.وإذ بالصبيّ الذي كان على شمالي يسألني نفس السؤال.فأشرت لهما بإصبعي إلى الخيمة التي تقع خلف صفوف العدوّ ويحرسها فارسان قد أشهرا سيفهما أيضا.فروى الصحابيّ عبد الرحمن بن عوف (رضي) وقال: فما كِدت أخفض إصبعي إلاّ وشاهدت هذين الصبييّن يخترقان صفوف الأعداء وكانا يزمجران زمجرة شديدة أثناء اختراقهما صفوف العدوّ ومن شدّة هول المفاجأة التي تفاجأ بها الأعداء فما رفع أحد منهم في وجههما سيف.حتّى نفذا إلى خيمة (أبو جهل) كالسهم سُرعة ومضاء.فانبرى لهما الحارسان اللّذان كانا يحرسانه.وضربا الصبييّن بسيفيهما.فخابت ضربة الواحد منهما.وقطعت ضربة الآخر يد أحد الصبييّن.لكنّ الصبيّان المسلمان لم يباليان بما حدث لهما،وتابعا إلى أن وصلا إلى (أبو جهل) ولم يتوانيا عن الانقضاض عليه وطرحه أرضا وإثخانه بالجراح البليغة.لكنّهما لم يتمكّنا من قتله هناك.وفي تلك الأثناء فقد أمر رسول اللّه (ص) الذين صفّهم بالهجوم على الأعداء.واشتدّ القتال بين الطرفين.فلم تمض عدّة ساعات إلا وتمكّن ثلاثمائة وثلاثة عشر مؤمنا،وكان بعضهم أعزل من السلاح،أقول: تمكّنوا من التغلّب على ألف فارس مغوار من فرسان قريش الأشدّاء.وتمكّنوا في الوقت نفسه من قتل أكابر زعماء المشركين.
وعلى هذه الصورة فقد قدّم اللّه العزيز من واقعة (بدر الكبرى) دليلا قاطعاً على مصداقيّة ما أنبأ عنه قبل وقوعها بسبع سنوات.ومن جهة أخرى فقد قدّم اللّه العزيز من خلال (واقعة بدر) أيضا الدّليل القاطع على مصداقيّة ما وعد به تعالى في الآية التي (أذن) فيها للّذين يُقاتلون من المؤمنين في الآيات من سورة الحجّ بالردّ عليهم وقتالهم،بعد أن توفّرت شروط هذا القتال باسم الدين.قدّم الدليل القاطع على أنّه جلّ شأنه هو على نصر المؤمنين لقدير.وقد فعل سبحانه وتعالى هذا ليعطي المؤمنين درسا ومنهجا ومبادئ تكون لهم مشاعل نور كلّما واجهوا ذاك الوضع الذي واجهه محمّد رسول اللّه (ص) وأصحابه في تلك الفترة من الزمان.وبألفاظ أخرى فإنّ على المؤمنين تحمّل مختلف أنواع الاضطهاد والإيذاء ما داموا يعيشون في دولة غير إسلاميّة.فإن وصل حدّ الاضطهاد المشار إليه إلى درجة غير محتملة،فقد أمرهم ربّهم أن يهاجروا من تلك الدولة غير الإسلاميّة.إلى دولة تقبلهم ولا تتدخّل في عقائدهم.فإن حدث أن جاء وقت أصبحوا فيه يشكّلون (أكثريّة) في بلد من البلدان،وأصبحوا يحكمون في ذاك البلد.فلا ينبغي أن يفكّروا في الانتقام،بل إنّ من واجبهم أن يعفوا ويصفحوا ويتسامحوا مع الذين ظلموهم.فلا يكون همّهم إلا إقامة الأمن والسلام والعدالة في الأرض ومراعاة حقوق الإنسان الممنوحة له بصورة طبيعيّة من قبل الذي خلقه ذا عقل وحرّ الإرادة والتفكير وتقرير مصيره بنفسه.أمّا إذا لاحق أصحاب البلد الذي هاجر منه هؤلاء المؤمنون أولئك الذين اضطُهدوا فيه من قبل،وقاموا بمهاجمة هؤلاء المؤمنين في البلد الذي أصبحوا فيه حكّاما،فإنّ اللّه عز وجلّ يأذن لهم أن يقاتلوا الذين يقاتلونهم،وإنّ اللّه تعالى قد أثبت بأنّه على نصرهم لقدير.
ما تركه (الإذن بالقتال) من آثار
وبعد أن أوصلتك يا عزيزي القارئ إلى ما أوصلتك إليه تسألني: وماذا ترك إذن اللّه تعالى للمؤمنين بقتال الذين يقاتلونهم من آثار ؟
وللإجابة على سؤالك المذكور، أذكّرك بادئ ذي بدء بما صرّح القرآن الكريم به من حيثيّات دعت إلى اتّخاذ قرار الإذن بالقتال.فأنت تذكر يا عزيزي بأنّ اللّه عز وجلّ وضّح حيثيّات قراره المذكور وقال في الآية من سورة الحجّ (ولولا دفعُ اللّه الناس بعضَهم ببعض لهُدِّمت صوامع وبيَعٌ وصلواتٌ ومساجد يُذكرُ فيها اسم اللّه كثيرا).بمعنى أنّ المقصد من (الإذن بالقتال) للمسلمين،ليس لحبّ المسلمين بسفك الدماء ومحاولة قتل الأبرياء من الناس،ولكنّ هذا (الإذن) صدر بغاية صيانة حرّية الفرد الدينيّة في أن يعتقد ما اقتنع بتفكيره الفردي بصحّته وللمحافظة على بالتالي على مختلف دور العبادة.
وهنا عاد من واجبك يا عزيزي التحقّقَ من مصداقيّة هذه الحيثيّة الأنفة الذكر.فأنت تعلم تاريخيّا بأنّ محمّدا رسول اللّه (ص) قد أمضى في مكّة المكرّمة ثلاث عشرة سنة، ومع ذلك فلم يبني فيها مسجداً واحداً. ليس بسبب أنّه لم يشأ بناء مساجد في مكّة المكرّمة،ولكن بسبب ممانعة أهلها من المشركين الذين رفضوا حتّى إزالة الأصنام التي كانوا يعبدونها في حرم الكعبة المشرّفة.حتى أنّ محمّدا (ص) كان إذا صلّى في حرم الكعبة،كان يلتفّ حوله غوغاء المشركين ليقطعوا صلاته وكانوا في بعض الأحيان يلقون فوق ظهره أثقالا من أحشاء حيوان مذبوح استهزاء بما كان يفعله وخلافا للموروث عندهم فيما يعبدونه من الأصنام.ولهذا فقد كان المؤمنون في مكّة المكرّمة يتّخذون من بيوتهم مساجد يؤدّون
فيها صلواتهم المفروضة فرادى وجماعات.
فمن هنا تُدرك يا عزيزي القارئ السبب في عدم وجود صوامع للمسيحيينّ وعدم وجود صلوات لليهود في مكّة قبل الإسلام.مع أنّه من الثابت تاريخيّا أنّه كان يوجد هناك مسيحيّون ويهود.فالسبب في ذلك كلّه أنّ عرب الجاهليّة لم يكونوا يحترمون حقّ الإنسان في أن يختار ما يشاء من عقيدة، ولا كانوا يسمحون بإقامة دور عبادة أيضا.وقد اتّخذوا حرم البيت العتيق الذي أقامه آدم عليه السلام لعبادة اللّه الواحد الأحد، اتّخذوه مكانا ليعبدوا فيه ما وضعوه فيه من أصنام نحتوها بأيديهم بدون محاكمة ولا سلطان من أمر إلهيّ.وبما أنّ الإسلام يأمر أتباعه إذا عاشوا في بلد غير إسلاميٍّ أن يطيعوا أنظمة وقوانين ذاك البلد،فقد نتج عن فقدان حرّة المعتقد في عهد الجاهلييّن أنّ محمّدا رسول اللّه (ص) لم يتمكّن هناك من بناء مسجد لأتباعه من المؤمنين.
أمّا بعد (الإذن) للمسلمين من جانب اللّه عز وجلّ في المدينة المنوّرة لمقاتلة الذين (يقاتلونهم) فقد كان من نتائج ذلك (الإذن) الإلهيّ أن بدأ العرب الذين أسلموا،والذين لاقوا ما لاقوه في مكّة من اضطهاد من جرّاء اعتناقهم عقيدة توحيد اللّه عز وجلّ ، بدؤوا يقدّسون حرّية الاعتقاد وكذلك يعتقدون بضرورة احترامهم لدور العبادة،وعدم المسّ بها بشكل من الأشكال، وبغض النظر عن عقيدة الذين يتعبّدون اللّه تعالى فيها.
وإنّ المحقّق الباحث في آيات هذا القرآن المجيد يعثر على كثير من الأدلّة القرآنيّة التي غرست في صدور العرب الذين اعتنقوا هذا الدّين الإسلاميّ الحنيف،أقول قد غرست في صدورهم تلك الآثار التي أشرت إليها،والدالّة على مصداقيّة ظهور تلك الآثار الانقلابيّة في نفوس العرب
الذين أسلموا.ومن تلك الأدلّة الواردة في كتاب اللّه العزيز:
أوّلا – فقد كنت قدّمت هذا الدليل الأوّل من قبل في معرض الكلام عن حرّية الاعتقاد في الإسلام.وهذا الدليل الأوّل تضمّنته الآية 257 من سورة البقرة التي قال اللّه تعالى فيها (لا إكراه في الدّين) الأمر الذي رسّخ في معتقد المؤمنين ضرورة الابتعاد عن الإكراه في الدين.وقد تكلّمت عن مضمون هذه الآية الكريمة من قبل،ولذلك فعلى القارئ أن يراجع تفسيرها هناك.
ثانيا – وفي معرض كلام اللّه جلّ شأنه في الآيات من سورة البقرة عن موضوع تحريم أو تحليل القتال في الشهر الحرام.فإنّ اللّه تعالى قدّم هذا الدليل الثاني المطلوب والشاهد على مصداقيّة احترام الإسلام لحريّة الاعتقاد.والذي أيقظ في نفوس المؤمنين الشعور بأنّ تعاليم الإسلام إنّما هي تعاليم (ســلام) وليست تعاليم حثّ في الأصل على القتال.فاللّه عز وجلّ قد قدّم لموضوع كلامه عن تحليل أو تحريم القتال في الشهر الحرام بقوله جلّ شأنه في الآية 216 (كُتِبَ عليكم القتالُ وهو كُرهٌ لكم،وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرٌّ لكم،واللّه يعلمُ وأنتم لا تعلمون.). فلاحظ يا عزيزي قوله تعالى (وهو كُرهٌ لكم) فقد أشارت هذه الألفاظ بكلّ صراحة إلى أنّ تعاليم الإسلام في الأصل هي تعاليم (أمن وسـلام) وليست هي بتعاليم حضٍّ على القتال وسفك دماء الأبرياء من الناس.وأنّ المسلمين قد خاضوا القتال مع الذين قاتلوهم من المشركين ليس عن رضى من نفوسهم ولكن نزولا عند إذن ربّهم عز وجلّ ولصالح الإبقاء على دور العبادة في هذه الكرة الأرضيّة.فإن نحن تذكّرنا كيف (أذن) اللّه تعالى للمؤمنين في الآية من سورة الحجّ بمقاتلة الذين يقاتلونهم بغرض الدفاع عن مقدّسات الأديان.وقدّمنا معركة (بدر الكبرى) شاهدا حيّا على مصداقيّة تلك الآية من سورة الحجّ التي أذن اللّه تعالى فيها للمؤمنين بمقاتلة الذين يقاتلونهم من المشركين.نكون قد حصلنا على هذا العنصر الثاني المرتبط بموضوع القتال بالمفهوم الإسلاميّ.فالقتال هو (كُرهٌ) للنفوس المؤمنة بالإسلام.ولا يقاتل المؤمن باسم الدين إلا إذا توفّرت لهذا القتال لديه شروطه التي سبق لنا أن بيّناها وعدّدناها من قبل.وهذا الأمر يعتبر في حدّ ذاته دليلا على الأثر الذي تركته تعاليم الإسلام في نفوس العرب المسلمين.
ثالثا – ودليلنا الثالث الدالّ على أنّ تعاليم الإسلام تركت بآثارها في نفوس العرب المسلمين.هو أنّ اللّه عز وجلّ هو أنّ اللّه تعالى قد احتفظ لنفسه حقّ هداية هذا الإنسان،ولم يجعل رسوله محمّدا الصادق الأمين على الناس وكيلا في هذا الشأن.وإنّ هذه الحقيقة تجلّت من خلال دلالة الآية 108 من سورة يونس التي قال اللّه عز وجلّ فيها وهو يخاطب الناس جميعا (قل يا أيّها الناس قد جاءكمُ الحقّ من ربّكم فمن اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه،ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها،وما أنا عليكم بوكيل.). فقوله تعالى على لسان رسوله الكريم (وما أنا عليكم بوكيل) لا يكون قد نزع عن محمّد رسول اللّه مسؤوليّة محاولة الضغط على حرّية الفرد بقصد هدايته.بل يكون هذا القول بالأحرى قد نزع هذه المسؤوليّة عن جميع المؤمنين.وترك هذا القول في نفوسهم بأنّهم مجرّد أداة لنقل ما نزل به هذا القرآن الكريم إلى الناس بالحوار القائم على الحجّة والبرهان فقط
وأنّ من واجب هؤلاء المؤمنين أن يتركوا لكلّ من يحاورونه بهذه الوسيلة حرّية الاعتقاد ما شاء أن يعتقده،وبعيدا عن أيّ نوع من أنواع الضغط والإكراه عليه،ومن منطلق أنّه لا إكراه في الدّين.
وتأييدا لهذه الحقيقة التي تضمّنتها هذه الآية التي أوردناها،فإنّ اللّه عز وجلّ قال في الآية 99 من سورة يونس نفسها (ولو شاء ربُّك لآمن مَن في الأرض كلُّهم جميعا،أ فأنت تُكرهُ النّاس حتّى يكونوا مؤمنين.) .وهذا نصٌّ قرآنيٌ صريح يجرّد محمّدا رسول اللّه (ص) من حقّإكراه أيّ إنسان على الاعتقاد بعقيدة معيّنة.ويبيّن صراحة بأنّ العليم بصدور الناس هو ربّ العالمين.فهو تعالى الذي يعلم من يستحقّ الهداية ويعلم من ينبغي أن يبق في ضلال.ولو شاء اللّه تعالى إكراه عباده على الإيمان بعقيدة معيّنة لكان باستطاعته هدايتهم جميعهم.لكنّه لا يُكره أحدا من الناس وقد ترك لهذا الإنسان أن يستعمل عقله ويختار بإرادته ما شاء أن يعتقده.ليتحمّل بنفسه نتائج ما يُقدمُ عليه يوم الحساب.فمؤهّلات كل امرئ لا يعلمها على وجه الحقيقة إلا اللّه عز وجلّ.
كذلك قد أكّد اللّه عز وجلّ هذه الحقيقة التي أشرنا إليها وذلك في الآية 56 من سورة القصص التي قال فيها وهو يخاطب رسوله الكريم (إنّك لا تهدي مَن أحببتَ ولكنّ اللّه يهدي مَن يشاء، وهو أعلم بالمهتدين.).وهو نصٌّ قرآنيٌّ صريح أيضا ويرفض فكرة الإكراه في الدين.
رابعا – وقد ظهرت آثار هذا الانقلاب الفكريّ الذي أحدثته تعاليم الإسلام على الصعيد العمليّ في نفوس المؤمنين في صدر الإسلام.فرسول الإسلام سمح لوفد نجران المسيحيّ العقيدة أن يؤدّي صلاته المفروضة عليه داخل المسجد وعلى حسب ما ورد في سيرته عليه الصلاة والسلام.فأين
هذا التسامح الدينيّ من التعصّب المقيت الذي كان عليه عرب الجاهليّة قبل الإسلام ؟ ثمّ إنّه لولا هذا التأثير الذي تركته تعاليم الإسلام في نفوس أتباعه،لكان المسلمون قد هدموا جميع الكنائس وغيرها من دور العبادة في البلاد التي فتحوها.وإنّ بقاء دور العبادة هذه يعدّ في حدّ ذاته الدليل القاطع على ما تركته تعاليم الإسلام من تسامح دينيّ وبُعدٍ عن الإكراه في الدين في نفوس المؤمنين.
القتال في الإسلام قام على قوانين جديدة
ولعلّ من المفيد لك يا عزيزي القارئ أن تحيط علما بأنّ تعاليم الإسلام قد أحدثت تغييرا جذريّا على قوانين القتال التي كان معمولا عليها في الجاهليّة والأديان السابقة.
ولنتناول تعاليم هذه التوراة الحاليّة التي هي بين أيدي اليهود والتي يهتدون بهدي تعاليمها.فهذه التوراة تروي لنا بأنّ اللّه عز وجلّ قد أمر موسى عليه السلام بأن يدخل (أرض كنعان) التي كانت تملكها الأمّة العربيّة على مدى تاريخها،فقد أمره أن يدخلها عُنوةً وعلى زعم هذه التوراة المعاصرة،وبقصد القضاء على أهلها، ولاتّخاذها موطنا لبني إسرائيل من أتباع موسى.وقد عمل على هذا التّعليم المذكور يوشع وداود وبقيّة أنبياء بنوا إسرائيل كما هو معروف من هذه التوراة نفسها.
ويكفي أن أنقل لك يا عزيزي القارئ بعض قوانين الحرب المنصوص عليها في هذه التوراة المعاصرة والتي يتذبذب (شارون) وغيره في موضوع الأخذ بها والعمل عليها في أيّامنا هذه،وهم لا يعرفون أيعملون على تعاليمها بصورة حرفيّة وخلافا لمزاعم وشعارات (حرّية الاعتقاد) و (الديموقراطيّة) و (حقوق الإنسان) التي يطلقونها ويتغنّون بها.أم أنّهم يقومون بإخفاء قواعد القتال (غير الإنسانية) و(المتوحّشة) التي نصّ عليها كتابهم الذي يقدّسونه وهو المتمثّل في هذه التوراة الحاليّة.
وأنقل لك يا عزيزي القارئ في هذه المناسبة ما نصّ عليه سفر (التثنية) 10/20 وبما يتعلّق بقوانين الحرب المسنونة في هذه التوراة. فهذه التوراة المعاصرة توصي اليهود في سفر التثنية المذكور وتضع لهم قوانين حرب ليأخذوا بها ويعملوا عليها حين يستولون على (أرض كنعان العربيّة).فقد ورد في السفر المشار إليه:
"(حين تقرب من مدينة لكي تحاربها،استدعها إلى الصلح.فإن أجابتك إلى الصّلح،وفتحت لك فكلّ الشّعب الموجود فيها يكون لك للتّسخير ، ويُستعبدُ لك.وإن لم تُسالمك بل عملت معك حربا ،فحاصرها.وإذا دفعها الربّ إلهُك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف.وأمّا النساء والأطفال والبهائم وكلُّ ما في المدينة،كلُّ غنيمتها،فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الربُّ إلهُك.هكذا تفعلُ بجميع المدُن البعيدة منك جدّا التي ليست من مدُنِ هؤلاء الأمم هنا.وأمّا مدن هؤلاء الشعوب التي يُعطيك الربّ إلهكَ نصيبا،فلا تستبقِ منها نَسمةً ما. بل تحرّمها تحريما: الحثّيين،والأمورييّن والكنعانيين،والفرزّيين،والحوّيين، واليبوسييّن،كما أمرك الربّ إلهك.لكي لا يُعلّموكم أن تعملوا حسبَ جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم،فتُخطئوا إلى الربّ إلهكم.) "
فهذا النصّ التوراتيّ المعاصر اشتمل على قوانين الحرب التالية:
أوّلا – أنّ الحرب التوراتيّة تتّصف بأنّها (حربٌ هجوميّة) .
ثانيا – وأنّ الحرب اليهوديّة تتّصف بأنّها (حرب إبادة واستعباد) .
ثالثا – وأنّ المقصد من هذه الحرب التي تدعو إليها التوراة المعاصرة،هو (غرس روح العنصريّة وإبادة كلّ من يختلف مع اليهود في الدين.) .
فإن أنت دقّقت يا عزيزي القارئ في القوانين التي استنّها القرآن
المجيد في مقابل قوانين الحرب اليهوديّة التي اطّلعت عليها،وغيرها من قوانين الحرب التي سبقتها،فإنّك تُدرك مدى التّغيير الإنساني والعقائدي الذي أحدثته تعاليم هذا الدّين الإسلاميّ الحنيف في قوانين الحرب والقتال،وبما يتلاءم ويتّفق مع مُعطيات الفطرة البشريّة وحقوق الإنسان. وعلى صورة عاد من واجب كلّ إنسان راشد العمل على قوانين الحرب الإسلاميّة.فهي حاجة إنسانيّة، ومن أشدّ الضرورات لإقامة الأمن والسلام في عالم اليوم، وفي هذه الفترة من الزمان بالذات التي عاث اليهود فيها في أرض (كنعان) الفلسطينيّة ظلما وتعسّفا واستيلاء على الأرض واستعمار لأرضها بدعم من الجهات التي باتت معروفة بعدائها للأمّة العربيّة. وفي وقت بدأت تظهر فيها إمبراطوريّة دولة تتعامل بعدّة موازين،وتستهين بكلّ الأعراف والقوانين الدوليّة التي استقرّت عليها مختلف دول العالم وبلا خجل ولا استحياء.وإليك يا عزيزي القارئ أهمّ القوانين الجديدة التي جاء بها الإسلام،وخلافا للمتوارث المعروف:
أوّلا - أ فلا تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ تعاليم الإسلام بعد أن أذنت للمسلمين بالقتال ،فلم تأذن لهم إلاّ بعد أن أذاق المشركون المسلمين في مكّة المكرّمة أشدّ أنواع الاضطهاد والتّعذيب حتّى واضطرّوا المسلمين إلى الهجرة من ديارهم أيضا.وهل نسيت ما نقلته لك من مراسلة مشركي مكّة مع فئة المنافقين الموجودين في المدينة المنوّرة وتحريضهم على مهاجمة المسلمين ؟ فاستنادا إلى هذه الحقيقة التاريخيّة فأنت تستنتج من ذلك بأنّ الإسلام يكون قد نهاك عن (المبادرة بالهجوم) على من عاداك.وأن تتحمّل الاضطهاد في سبيل الحفاظ على عقيدتك في البلاد التي يحكمها نظام سياسيٌّ لا يمتّ لتعاليم الإسلام بصلة من الصلات.فإن أذن لك ربّك بالقتال،فقد أذن لك بها بعد هجرتك من تلك الأرض ولمجرّد (الردّ على الهجوم) وليس حبّا في القتال.ومن أجل الحفاظ على المقدّسات،وخدمة للأمن والسلام في العالم.ولهذا السبب نفسه فإنّ اللّه جلّ شأنه أورد في الآية التي وردت بعد الآية التي أذن فيها للمسلمين بقتال الذين يقاتلونهم،أورد يقول بحقّ هؤلاء الذين أذن لهم بالقتال (الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهَوا عن المنكر، وللّه عاقبة الأمور.)
ولاحظ يا عزيزي كيف أنّ اللّه عز وجلّ لم يحرّض المسلمين فيما نصّت عليه هذه الآية الكريمة على إكراه أحد من المشركين الذين يأسرهم المسلمون،وبعد أن ينصرهم اللّه تعالى عليهم.فلم يحرّضهم نصّ هذه الآية على إكراه أحد وإجباره على تغيير عقيدته وذلك بعد فوز المؤمنين في قتالهم مع أعدائهم وانتصارهم عليهم،بل تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف نبّه اللّه جلّ شأنه أذهاننا إلى أنه إذا نصر هؤلاء المؤمنين ّومكّنهم في الأرض التي أصبح لهم فيها دولة وسلطان وعادوا قادرين على فعل الذي يريدونه-وهي دلالة كلمة مكّناهم في الأرض- (محيط المحيط)،فإنّ الذي يفعله هؤلاء المنتصرون من المسلمين هو أنّهم (أقاموا الصلاة) أي أقاموا مساجد لعبادة ربّهم الذي نصرهم وبصورة جماعيّةٍ، وذلك بقصد التقرّب من ربّهم وطلب الفوز بمحبّته وبقربه ورضوانه. ليس هذا وحسب،بل (وآتوا الزكاة) أي قاموا بتزكية أموالهم وإعطاء ما في أموالهم من حقوق للنّاس غيرهم من الفقراء والمحتاجين،وحقوق الكائنات الحيّة المحرومين من النّطق والذين لا يستطيعون أن يسألوا مّا لهم من حقوق في أموال هؤلاء.وفي هذا إشارة إلى قول اللّه تعالى في مقام آخر (وفي أموالهم حقٌّ للسائل والمحروم) أي المحروم من النطق.وليس هذا وحسب،بل (وأمروا بالمعروف ونهَوا عن المنكر).وقد حذف اللّه سبحانه وتعالى في هذه الفقرة مضاف كلمتي (المعروف والمنكر) لداعٍ بلاغيٍّ، وذلك لتصريف هاتين الكلمتين إلى عدّة معاني.وليصبح المعنى : بل وراح هؤلاء المؤمنون بعد ذلك يأمرون بالمعروف من التعاليم التي نصّ عليها هذا القرآن المجيد،والمعروف من القوانين الدوليّة المتعارف عليها بين مختلف دول العالم،والمعروف أي المشهور ممّا تعارف عليه الناس في أمور التعايش بينهم في كلّ مكان من هذا العالم.بل وراح هؤلاء المؤمنون ينهون عن كل منكر أنكرته هذه التعاليم التي نصّ عليها هذا القرآن المجيد،وينهون عن كلّ ما أنكرته القوانين الدوليّة،وينهون عن كلّ ما هو مشهور أنّه منكر ممّا تعارف عليه الناس في أمور التعايش بينهم.
فجميع هذه الدلالات التي أوردتها لك يا عزيزي القارئ آنفا قد تضمّنها قول ربّنا عز وجلّ في هذه الآية من سورة الحجّ قوله تعالى (الّذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهَوا عن المنكر وللّه عاقبة الأمور.).
وأمّا الفقرة الأخيرة من هذه الآية وهي قوله تعالى (وللّه عاقبة الأمور) فالواو عاطفة.والّلام في (للّه) تفيد هنا معنى الاختصاص.وأمّا كلمة (عاقبة) فهي مؤنّث عاقب،والعاقب هو الذي يتلو السيّد، ويأتي بعده،ويخلف الذي قبله في فعل الخير.ويعود معنى (وللّه عاقبة الأمور) أنّ اللّه عز وجلّ يؤيّد وينصر جماعة المؤمنين في قتالهم ضدّ الذين يقاتلونهم ويمكّنهم في الأرض وذلك من أجل أن يقضي على أولئك الذين اعتبروا أنفسهم أسياداً في مكّة المكرّمة،أولئك الذين يقومون فيها بما يخالف مشيئة اللّه عز وجلّ، ويشركون باللّه ويعبدون الأصنام، ويكرهون الناس في عقائدهم.فاللّه ينصر المؤمنين عليهم لاختصاصه جلّ شأنه على مدى التاريخ في استبدال أمثال هؤلاء بمؤمنين به، يعقبون المشركين الأسياد حيثما كانوا، وفي أيّ زمان تواجدوا فيه.فهذا هو معنى هذه الفقرة الأخيرة من هذه الآية (وللّه عاقبة الأمور).فدلالتها واسعة وتشير إلى نهج تعامل اللّه عز وجلّ مع المؤمنين ومع غير المؤمنين.
ثانيا -وقد تبيّن لك يا عزيزي القارئ بأنّ المقصد من (الإذن) للمسلمين بالقتال الوارد في سورة الحجّ،كان من أجل توطيد حرّية الاعتقاد في الأرض،ومن أجل توطيد العدالة في الأرض أيضا،ومن أجل إقامة الأمن والسلام في ربوع هذا العالم أيضا. وإليك الدليل القرآنيّ الذي يؤكّد مصداقيّة ما أوصلتك إليه من معاني ودلالات يا عزيزي القارئ،فهو ما تضمّنه قول اللّه العزيز في سورة الأنفال وضمن الآيات 36-41 :
(إنّ الذين كفروا يُنفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه، فسيُنفقونها ثمّ تكون عليهم حسرةً،ثمّ يُغلبون،والذين كفروا إلى جهنّم يُحشرون.ليَميز اللّه الخبيثَ من الطيّب ،ويجعلَ الخبيث بعضهُ على بعض،فيركُمَهُ جميعا، فيجعلَهُ في جهنّم،أولئك هم الخاسرون.قُل للّذين كفروا، إن ينتهوا يُغفَر لهم ما قد سلَفَ، وإن يعودوا ، فقد مضت سُنّة الأوّلين.وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ،ويكونَ الدّين كُلّه للّه،فإن انتهَوا فإنّ اللّه بما يعملون بصير. وإن تولّوا،فاعلموا أنّ اللّه مولاكُم،نِعمَ المولى ونِعمَ النصير.).
وقد تضمّنت هذه الآيات الكريمة الأمور التالية:
أولا – أنّ إنفاق الذين كفروا أموالهم للتدخّل في أمر حرّية الفرد وإكراهه على عقيدة معيّنة،وعدم إعطائه حرّية اختيار عقيدته التي يشاء، وخصوصا منها صدّ هذا المؤمن عن اعتناق العقيدة الموصلة به إلى التعلّق باللّه تعالى وللاتّصال به والتقرّب منه،فإنّ هدر هؤلاء أموالهم لتحقيق هذا المقصد البشع والمخالف لحرّية الاعتقاد الطبيعيّة يعود على هؤلاء بالحسرة يقينا،ويُغلبون في نهاية المطاف،وإلى جهنّم يُحشرون.
ثانيا – وإنّ هذا الصراع المشار إليه يحدث ما بين أضداد من أصحاب العقول ومؤلّف من طرف خبيث متّصف بقبائح الأعمال،ومن طرف طيّبٍ تحلّى بالأخلاق وتعرّى عن رذائل الأعمال وقبائحها.(محيط المحيط)
ثالثا – وأنّ اللّه عز وجلّ يفسح المجال لهؤلاء الذين يُكرهون الناس في مُعتقداتهم أن يعودوا عن عملهم الشائن،إن هم تراجعوا، فيغفر اللّه لهم ما قد سلف. ويتوقّف القتال ما بينهم وما بين جماعة المؤمنين.أمّا إذا أصرّوا على الذي يفعلونه يصيبهم ما أصاب الأمم من قبلهم تلك التي سلكت هذا المسلك الشائن وانتهى الأمر بتلك الأمم إلى القضاء عليها.
رابعا – وأنّ اللّه عز وجلّ قد أمر المؤمنين أن يستمرّوا في قتال الذين كفروا ما دام الكفّار يصرّون على نهجهم الذي اختاروه بأنفسهم، وذلك دفعا للفتنة وصيانة للنّاس من أن يُبتلوا في عقائدهم،وللمحافظة على كلّ ما يمتّ إلى المقدّسات المنتشرة هنا وهناك والتي تمثّل مختلف الأديان التي أنزلها اللّه تعالى لصالح الناس.
خامسا – ولا يأذن اللّه تعالى للمؤمنين بالتدخّل في شؤون الذين كفروا إن هم (انتهَوا) عن إكراه الناس في عقائدهم.ويرتبط حسابهم بالتالي بكلّ ما يفعلونه في حياتهم اليوميّة ويُقدمون عليه.فهذا هو معنى الفقرة الأخيرة (فإن انتهوا فإنّ اللّه بما يعملون بصير.).
سادسا – وينذر اللّه جلّ شأنه هؤلاء الكفّار في الآية الأخيرة بأنّهم إن (تولّوا) وأعرضوا عن الرضوخ لهذا العرض الأخير وهو أن (ينتهوا) عن إكراه الناس في عقائدهم ومقاتلتهم في الدين،فاللّه عز وجلّ يعد المؤمنين أن يكون جلّ شأنه (مولاهم) في هذه الحرب الدينيّة المقدّسة.بمعنى أنّه سيظلّ يتولّى المؤمنين برعايته لهم وبتأييدهم بالنصر على أعدائهم.وهو تعالى (نعم المولى ونِعمَ النصير.).
وتلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه عزّ وجلّ حين فسح للكفّار الفرصة للتوقّف عن إكراه المؤمنين في عقائدهم.يكون تعالى قد أثبت من خلال ذلك مصداقيّة المقصد الذي وضّحه لك هناك في سورة الحجّ،وهو أنّ المقصد من (الإذن) للمسلم بالقتال كان للحفاظ على حرّية الاعتقاد، وحفاظا على الإبقاء على المقدّسات الدينيّة.
ثالثا -هذا وإنّ مشركي مكّة المكرّمة لو أنّهم استفادوا من هذه الفرصة السانحة،التي كانت تعني بأنّ اللّه عز وجلّ غير راغبٍ بمتابعة حثّ المؤمنين على مقاتلتهم إن هم رغبوا بدورهم ترك الاعتداء على المسلمين والارتداع عن مقاتلتهم، وإعراضهم عن القيام بمهاجمة المسلمين في المدينة المنوّرة،وتركهم هذا الإنسان المؤمن ليختار ما شاء من عقيدة. فلو حدث ذلك لكان قد توقّف القتال ما بين المشركين وما بين المؤمنين.ومن باب أنّ تعاليم الإسلام هي في الأصل تعاليم (ســلام) وتهدف في أصل وضعها إلى إقامة الأمن والسلام في الأرض، إلى جانب أنّها تعرّف الناس على خالقهم وتعلّمهم كيف يجذبون محبّة ربّهم ويتقرّبون منه وليحظوا برضوانه. فهذا هو السبب في أنّ اللّه عز وجلّ وبعد أن قام بترهيب المشركين، وذلك من خلال الآيات التي أوردناها من سورة الأنفال.فقد راح جلّ شأنه وبعد أن حثّ المؤمنين على إعداد ما استطاعوا من عدّة لردّ عدوان المشركين،أقول: فقد راح اللّه تعالى يقول في الآيتين 61/62 اللّتين صيغتا بصياغة قانونيّة،قال : (وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها وتوكّل على اللّه إنّه السميع العليم.وإن يريدوا أن يخدعوك فإنّ حسْبكَ اللّهُ هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين.).وهاتان الآيتان قد اشتملتا على الأمور التالية :
أولا – فقد لفت اللّه جلّ شأنه من خلال قوله هذا نظر رسوله الصادق الأمين إلى أنّ المشركين إن استجابوا للعرض الذي عرضناه عليهم،وهو أنّنا غير راغبين بمتابعة القتال معهم،وأنّ كلّ ما نريده هو الحيلولة بينهم وبين التدخّل في عقائد الناس ودينهم.فإن هم استجابوا لعرضنا المشار إليه من قبل،و(جنحوا للسّلم) فإنّ من واجبك يا محمّد أن تجنح للسّلم أنت بدورك أيضا، تنفيذا للعرض الذي كنّا عرضناه عليهم من قبل.فإن جنحوا للسّلم،(فاجنح لها وتوكّل على اللّه) وبمعنى أنّك مادمت متوكّلا على ربّك عز وجلّ فلن يُفلحوا في مخادعتهم إيّاك.خصوصا وأنّك تنطلق من كونك تؤمن بأنّ ربّك الذي أمرك بهذا الأمر (هو السميع العليم.).
ثانيا – ولمّا كانت الحرب خُدعة على قول المثل،وعمد المشركون إلى مخادعة المسلمين من خلال جنوحهم للسّلم.وهذا هو معنى (وإن يريدوا أن يخدعوك).فقد أتى اللّه عز وجلّ بعد ذلك بفاء الاستئناف وقال (فإنّ حسبُك اللّه).فهو تعالى أتى بحرف (إنّ) للتأكيد.وبكلمة (حسبُك) بصيغة مصدر وبمعنى يكفيك أيّها الرسول من اللّه النصر والتأييد إذا ما جدّ الجدّ وقاتلوك.وقد ذكّر اللّه عز وجلّ في هذا المقام رسوله الكريم وقال (هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين.) بمعنى إيّاك أن تخشى خداع هؤلاء المشركين إذا جنحوا للسّلم،وتذكّر بأنّ ربّك كان قد سبق وأيّدك بنصره وبالمؤمنين حين قاتلوك.
فمن خلال مُعطيات هاتين الآيتين سالفتي الذكر فقد تبيّن لك يا عزيزي القارئ بأنّ التشريع الإسلاميّ قد أمر المؤمنين المقاتلين أن يقبلوا الصّلح فيما إذا عرضه أعداؤهم عليهم وأنّ من واجبهم في تلك الحالة أن
يتوقّفون عن مقاتلة أعدائهم المعتدين بدون أيّ إبطاء ،إن جنح هذا العدوّ لمصالحتهم ومسالمتهم. وهذا التّعليم قد وردمن باب أنّ مقاتلة المسلمين أعدائهم قد فرضه العدوّ نفسه عليهم.وقد (أذن) اللّه تعالى بالتالي للمسلمين بمقاتلة الذين يقاتلونهم.وإلاّ فإنّ القتال (هو كُرهٌ) لنفس المسلم ومن باب أنّ تعاليم دين هذا المسلم هي تعاليم (ســلام) وأنّ من واجب المسلم أن يقيم الأمن والسلام في هذا العالم.
رابعا - كذلك أوصى الإسلام باحترام وتنفيذ جميع المعاهدات التي تُعقدُ ما بين المسلمين وما بين أعدائهم.وذلك على عكس ما كان اليهود عليه على الدوام.فهم لا ذمّة لهم ولا يحترمون المعاهدات.وإنّ هذه الموعظة قد تضمّنتها الآية الثالثة من سورة التوبة التي قال اللّه تعالى فيها (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا، فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم،إنّ اللّه يحبّ المتّقين.).
خامساً – حتّى أنّ تعاليم القرآن الكريم أمرت أن تعين كلّ من عادى الإسلام ،وكان يتوق إلى الاطلاع على تعاليم الإسلام في وطنه ومن المسلمين أنفسهم،فقد أمر الهيئة الإسلاميّة الحاكمة أن تيسّر له ذلك بكلّ الوسائل الممكنة.وذلك في الآية الخامسة من سورة التوبة أيضا حيث أمر اللّه عز وجلّ وقال (وإن أحدٌ من المشركين استجارك،فأجره حتى يسمع كلامَ اللّه ثمّ أبلغه مأمنه،ذلك بأنّهم قومٌ لا يعلمون.). فقوله تعالى (استجارك) يعني أنّ هذا المشرك أراد أن يأتي إلى بلدك ويسكن إلى جوارك ليطّلع منك على تعاليم الإسلام.وقوله تعالى (ثمّ أبلغه مأمنه) معنى ذلك أنّه لا يجوز لك أن تغدُر به.وأنّ من واجبك أن تُعيده إلى مكانه الآمن الذي أتاك منه.
سادسا _ كذلك أحدثت تعاليم الإسلام تبديلا جذريّا في موضوع القوانين المتعلّقة بالأسرى قبل الإسلام.ففي الآية 67 من سورة الأنفال قال تعالى(ما كان لنبيٍّ أن يكونله أسرى حتّى يُثخِنَ في الأرض تريدون عَرَض الحياة الدنيا،واللّه يريد الآخرة،واللّه عزيزٌ حكيم .) ألا إنّ حرف (حتّى) الوارد في هذه الآية الكريمة قد دخل على الفعل المضارع ولذلك فهو قد استُعمل بمعنى (إلى) وليصبح المعنى أنّه لا يجوز للنبيّ أخذ أسرى واحتجازهم من خلال معارك ثانويّة تحدث هنا وهناك.بل يجوز احتجاز الأسرى (حتّى يُثخنَ في الأرض) أي إلا في حال حدوث حرب تدور فيها معارك دمويّة.وقد أورد اللّه تعالى حيثيّات أمره المذكور وذلك من خلال قوله تعالى (تريدون عرَض الحياة الدنيا واللّه يريد الآخرة) بمعنى أنّ وقوع أسرى واحتجازهم لديكم يقتضي من جانب الأعداء أن يدفعوا لكم فدية عن كلّ أسير.وهذه غنيمة مادّية لا تساوي غنيمة إطلاع هؤلاء على ما هيّا اللّه تعالى للإنسان في الحياة الآخرة.وهذا هو السبب في أنّ اللّه عز وجلّ أتمّ موضوع الكلام عن الأسرى وذلك في الآية الرابعة من سورة (محمّد) حيث قال (فإذا لقيتُم الذين كفروا فضربَ الرّقاب حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوَثاق،فإمّا منّاً بعدُ وإمّا فداء حتى تضع الحرب أوزارها (وقف) ذلكَ ولو يشاء اللّه لانتصرَ منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعضٍ،والذين قُتلوا في سبيل اللّه فلَن يُضلَّ أعمالهم.).فلاحظ يا عزيزي إشارة الوقف التي نبّهت ذهنك إلى أنّ ما قبلها مضمون مستقلٌ يُكمل موضوع الأسرى الذي تكلّمت عنه سورة الأنفال.فهو تعالى نبّه هنا إلى أنّ العرب في جاهليّتهم كانوا يغزون ويتّخذون أسرى وسبايا من خلال غزوهم أو من خلال حربهم التي يخوضونها مع أعدائهم.على حين
أنّ تعاليم الإسلام أحدثت في قواعدهم تغييرا.وقد اختصر اللّه تعالى ذلك من خلال قوله (فإمّا منّا،وإمّا فداء) .وافترض اللّه عز وجلّ وجود أسرى ونساء منهم خاصّة لا يجدون مَن يفتديهم من أسرهم بالمال.فأمر تعالى في الآية 33 من سورة النور وقال (..والذين يبتغون الكتاب ممّا ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال اللّه الذي آتاكم ولا تُكرهوا فتياتكم على البغاء..).وهذه مزيّة للإسلام ما كانت جارية قبل ظهور تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف.
سابعا – وإنّ كلّ من يراجع تعاليم القادة المسلمين في الحرب يتبيّن له :
1- أنّه لا يجوز للمسلم أن يمثّل بجثث العدو – مسلم،ج2 ص 62 – في البخاري أيضا -
2- وأنّه لا يجوز استعمال سلاح الخداع – مسلم
3-وأنّه لا يجوز قتل الشيوخ والنساء والأطفال خلال الحرب مسلم ج2 ص65 و أبو داود ج1 كتاب الجهاد -
4-وأنّه لا يجوز قتل القساوسة والرهبان وأئمّة الدين – طحاوي –
5-وأنّ من واجب جيش المسلمين أن يتلطّف بعوام المغلوب–مسلم ج2 كتاب الجهاد –
6-وأوصى الإسلام بالتزام حُرمة الطرق في الحرب فلا يعرقلوا السير عليها – أبو داود كتاب الجهاد –
7-وأوصى الإسلام بجمع شتات العائلات –أبو داود كتاب الجهاد –
8-وأوصى الإسلام بحسن معاملة الأسرى – الترمذي أبواب السير –
9-وأوصى الإسلام باحترام الدبلوماسييّن وانتحال الأعذار لأخطائهم – (أبو داود كتاب الجهاد )
10-ولم يُجز الإسلام هدم منازل العدوّ ولا قطع أشجار أراضيهم وخلافا لما يفعله اليهود في فلسطين العربيّة (موطأ الإمام مالك ،كتاب الجهاد).
فهذه التعاليم التي أتى بها الإسلام هي تعاليم عمليّة وتصلح لكلّ زمان ومكان أمّا تعاليم العهدين القديم والحديث فهي تعاليم متطرّفة ولا تصلح للأخذ بها في زماننا خاصّة.
ما نستخلصه ممّا بحثناه بحقّ الإذن بالقتال
وبغرض دفع القارئ العزيز ليستجمع في ذهنه ما بحثناه حول الإذن بالقتال، أستخلص له الأمور التالية البارزة والهامّة:
أولا – كان السبب في (الإذن بالقتال) أنّ الدولة الإسلاميّة الناشئة قد هدّدت القضاء عليها أخطار ثلاثة،كان أبرزها تهديد حريّة الاعتقاد في مقتلٍ،وإزالة معالم المقدّسات.
ثانيا – وأنّ سورة الحجّ حين أذنت آياتها بالقتال.فقد أذنت بمقاتلة الذين يقاتلون المسلمين وبسبب أن أعداءهم بلغوا درجة الظلم في الاعتداء على المسلمين،ولم يقفوا عند حدّ الإيذاء والاضطهاد أيضا.
ثالثا – وأنّ هذه الحرب التي أذن اللّه تعالى بها،هي في حقيقة أمرها (حرب دفاعيّة) ولا تتّصف بصفة الهجوميّة بشكل من الأشكال.وأنّها حرب (مقدّسة) بسبب أنّها تسعى للحفاظ على حريّة المعتقد كما تسعى للحفاظ على المقدّسات.
رابعا – وأنّه إذا توفّرت شروط (الحرب الدينيّة الدفاعيّة المقدّسة) فإنّ اللّه تعالى قد وعد بتأييد القائمين بها ونصرته إيّاهم فيها بشكل يقينيّ وهي الحقيقة التي جلّتها واقعة (بدر الكبرى) مختلّة الموازين.
خامسا – وأنّ الحرب الدفاعيّة المقدّسة التي خاضها المسلمون أسفرت عن نتائج إنسانيّة جليلة القدر تدعم الأمن والسلام في العالم.وتثبت بأنّ الإسلام دين (ســلام) وهذه النتائج هي :
1- غرست في الصدور احترام العقيدة والمقدّسات.
2- وأبرزت حقّ الإنسان في اختيار عقيدته وتقرير مصيره.
3- وعمّقت في نفس المؤمن كُره الحرب والاعتداء.
4- وأحدثت تلك الحرب المقدّسة تبديلا جذريّا في قوانين القتال التي كانت سائدة قبل ظهور الدين الإسلاميّ.
5- وأثبتت بأنّ المسلم (رجل سلام) لكونه يجنح إلى السلام فيما إذا جنح عدوّه الظالم إلى السلام.
6- ووضعت شرطا أساسيّا للقتال باسم الدين،وهو أن يحدث اضطهاد باسم الدين،ويتجاوزه إلى حدّ القتال من جانب أعداء الدين.
فهذه حقائق تضمّنها بحث (القتال) ومدعّمة بالحج والبراهين من كتاب اللّه عز وجلّ ولم نستقها من قيل وقال،وكما يفعل الذين لا يتدبّرون هذا القرآن الكريم بمنهجيّته وأصول تفسيره.وعليه فهي حقائق قرآنيّة لا تخالف ما بحثناه في موضوعي (السلام والجهاد) ولا تتناقض مع مُعطياتهما بحال من الأحوال.ويتقبّلها كلّ من كان له عقل وجاء اللّه بقلب سليم.
آيات القتال لا تخالف مضامينها ما ذكرناه
فإن نحن عُدنا يا عزيزي القارئ نستعرض الآيات القرآنيّة التي حثّت المؤمنين على القتال،وعلى الجهاد في سبيل اللّه عز وجلّ.نلاحظ أوّل ما نلاحظه أنّ اللّه عز وجلّ حين كان يحاور ما صدر عن بني إسرائيل من مخالفات لتعاليم موسى عليه السلام،وذلك في بعض الآيات
من سورة التوبة.اتّهم اليهود بأنّهم فهموا موضوع القتال خطأ،ولذلك فقد صدرت عنهم مجازر تقشعرّ لها الأبدان.وقد راح اللّه جلّ شأنه في الآية 32 يقول (ومن أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه من قتَل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعا،ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعا،ولقد جاءتهم رسلُنا بالبيّنات ثمّ إنّ كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمُسرفون.) وموضّحا جلّ شأنه في هذه الآية الكريمة بأنّه لا يجوز قتل النفس إلا بالحقّ.وأنّه لا يجوز إعلان القتال باسم الدين إلا بعد أن يبلغ عدو الدين في اضطهاده للمؤمنين حدّ الاضطهاد الشخصي ويتجاوزه إلى قتل المؤمنين بصورة جماعيّة ويهدم المقدّسات،وبذلك ينشر الفساد في الأرض.
واستنادا إلى هذا التّعليم الذي تضمّنته الآية سالف الذكر.فإنّك تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد اغتنم فرصة كلامه عمّا كان قد فرض من قوانين قتال على بني إسرائيل وغيرهم من الأقوام الغابرة.فشرّع ذلك في تعاليم الإسلام ولم يزد عليها في شيء وراح يحدّد للمؤمنين بالإسلام الجزاء الذي يستحقّه كلّ من يخالف هذا التّعليم الذي أنزله تعالى على مختلف أنبيائه الكرام،ومن جملتهم موسى عليه السلام، فقد راح يقول في الآية التي بعدها (إنّما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعَون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفَوا من الأرض،ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم.).وبمعنى أنّ اللّه عز وجلّ قد ترك للحاكم المسلم أن يُنزل بكلّ من يخالف هذا الشرط المذكور أعلاه جزاء واحدا من إحدى هذه العقوبات المنصوص عليها في هذه الآية الكريمة،وأنّه يرجع تقدير ذلك
إليه.وأمّا في الآيتين التاليتين فقد حثّ اللّه تعالى المؤمنين على التقرّب منه والفوز بمحبّته ورضوانه وقال (يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلّكم تُفلحون.) وموردا مصطلح (وجاهدوا في سبيل اللّه) بمعنى بذل منتهى الطاقة في سبيل الحصول على هذا المقصد ولو اضطررتم إلى بذل أنفسكم في مقاتلة أعدائكم الذين اضطهدوكم وقاتلوكم وأفسدوا في الأرض.
وفي مجال الحثّ على تقوى اللّه تعالى في كلّ شيء يُقدم المؤمن عليه،فقد أتى اللّه تعالى في الآيتين 110/111 من سورة التوبة بتعليم مصاغ بصياغة دستوريّة وقال (إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللّه فيَقتُلون ويُقتلون وقف وَعدا عليه حقّا في التوراة والإنجيل والقرآن،ومن أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك الفوز العظيم.التائبون العابدون الحامدون السائحون الرّاكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والنّاهون عن المنكر والحافظون لحدود اللّه وبشّر المؤمنين.).فبشّر المؤمنين الذي يبذلون أموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه ولو في ساحات الوغى ،بشّرهم بالجنّة ومنبّها إلى أن هذا التبشير المذكور كان قد بشّر به موسى وعيسى من قبل أيضا،وقد اشترط جلّ شأنه البيعة لرسول اللّه وللّذين يخلفونه من بعده.وقد عدّد علامات التقوى المطلوبة لاستحقاق الجنّة أيضا.
وفي صدد الكلام عن الأهلّة ومواقيت الحجّ فقد أورد اللّه تعالى حكما شرعيّا بشأن القتال ومصاغا بصياغة دستوريّة أيضا وذلك في الآيتين 190/191 من سورة البقرة قال فيهما (وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين.واقتلوهم حيث
ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم،والفتنة أشدّ من القتل،ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين.).وفي هاتين الآيتين حثٌّ على مقاتلة الذين يقاتلون المؤمنين ويعتدون عليهم،وعلى اعتبار أنّ ما يفعله الأعداء هو من قبيل الفتنة في الدين.ويشترط اللّه تعالى عدم مقاتلة الأعداء في المسجد الحرام إلا في صورة قيام الأعداء بمخالفة هذا الشرط.ومعتبرا هذا الحكم الشرعي من قبيل أحكام الجزاء.
وقد وضّح اللّه عز وجلّ المقام الروحيّ الذي يناله المؤمن الذي يُقتل في ساحات الوغى دفاعا عن دين اللّه،وذلك في الآيات 169/170/171 من سورة آل عمران وقال (ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل اللّه أمواتا بل أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون.فرِحين بما آتاهم اللّه من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم،ألاّ خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.يستبشرون بنعمة من اللّه وفضل وأنّ اللّه لا يُضيعُ أجرَ المؤمنين.)
وقد قسّم اللّه عز وجلّ أعداء الدين الإسلاميّ إلى فئتين : الفئة الأولى مقاتلة ومعتدية.والفئة الثانية خلاف ذلك.فأمر المؤمنين بمقاتلة الفئة الأولى الذين يقاتلونهم في دينهم وليخرجوهم من ديارهم وظاهروا على ذلك.ونهاهم عن مقاتلة الفئة الثانية بل وحثّهم على التّعامل معهم ببرّهم والإحسان إليهم.وذلك في الآيتين 8/9 من سورة الممتحنة وقال (لا ينهاكم اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتُقسطوا إليهم إنّ اللّه يحبّ المقسطين.إنّما ينهاكمُ اللّه عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم،ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون.).
وقد قارن اللّه عز وجلّ ما بين المقصد الذي يقاتل المؤمن من أجل تحقيقه،وما بين المقصد الذي يسعى الكافر من أجل تحقيقه،وذلك في الآية 76 من سورة النساء وقال (الذين آمنوا يُقاتلون في سبيل اللّه، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت،فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفا.).
وهكذا تُدرك يا عزيزي القارئ بأنّني أعطيتك فكرة واضحة عن بحث القتال الذي أذن به القرآن الكريم.وعن القواعد التي جاء بها وخلافا لما كان متعارفا عليه في الجاهليّة.وكيف أنّ جميع ما أورده القرآن الكريم في موضوع القتال،لا يخالف ولا يتناقض مع معطيات تعاليم السلام التي علّمها هذا الدين الحنيف أتباعه في كتاب اللّه العزيز.وعلى العكس من ذلك فلا يستقرّ سلام حقيقيّ،ولا يستتبّ الأمن في ربوع عالمنا الدنيويّ إلاّ إذا أخذت جميع شعوب الأرض بتعليم القتال وقواعده التي جاء بها هذا القرآن العظيم.ويكفي أن تثمر هذه القوانين القتاليّة على الإبقاء على المقدّسات المنتشرة في جميع أرجاء الأرض.وأن تسلم حرّية اعتقاد هذا الإنسان من أيّ ضغط وإكراه تحول دون المرء من إعمال فكره وفؤاده من أجل أن يعتقد ما يشاء وأن يرفض ما يشاء.وبذلك يعود مؤهّلا ليحاسب عند اللّه الذي خلقه ويوم يقوم الناس بعد الموت لربّ العالمين. ذلك أنّ تعاليم الإسلام قد قامت على أساس وجود الآخرة يوم يُحاسب المرء على ما اعتقده وعمل عليه بصورة لا ضغط فيها ولا إكراه.وإنّ كلّ من يراني قد حِدت عن السبيل الذي اختطّه القرآن الكريم في مجال هذه البحوث الثلاثة سالفة الذكر ، وقام بنقد مؤلّفي هذا ، وبنفس هذه المنهجيّة والأصول التي تبنّيتها ، فلينزل إلى الميدان.
تلخيص بحوث: السلام والجهاد والقتال
والآن ،وبعد أن أنهيت شرح أبحاث: السلام والجهاد والقتال. عاد من واجبي أن أقوم يا عزيزي القارئ بتلخيص مضامينها لأعينك على استرجاع ما كتبته لك في هذا المؤلّف بسهولة ويُسر.
وأتناول موضوع (الســلام) فقد حاولت في بدايته إطلاعك على الكيفيّة المعجزة التي طرح من خلالها هذا الموضوع.فبيّنت بأنّ سورة (القلم) قد مهّدت لطرح هذا الموضوع من خلال بيان أُطُر الدعوة الإسلاميّة التي يعث اللّه عز وجلّ نبيّه محمّدا (ص).وأخّر بيان مضمون تلك الدعوة الإسلاميّة إلى سورة (القدر) التي أوردها جلّ شأنه بعد سورة (القلم) بترتيب تلاوتها.وبيّنت حين ألقيت الضوء على مضمون سورة (القدر) بأنّه سبحانه وتعالى قد أورد فيها كلمة (ليلة) بمعناها المجازي.وقدّمت الدليل على مصداقيّة هذا الطرح المذكور.كذلك قمت ببيان الرابطة الموضوعيّة التي ربطت مضمون سورة (القدر) بمضمون سورة (القلم).وانتهيت من ذلك كلّه إلى بيان أنّ اللّه عز وجلّ قد لخّص تعاليم الإسلام في سورة (القدر) بكلمة واحدة هي كلمة (ســلام).
وبذلك كنت قد أتيت على ذكر كون أنّ تعاليم الإسلام هي تعاليم (ســلام).وتهدف إلى إقامة الأمن والسـلام في العالم.
وانتقلت من ذلك إلى بحث موضوع الجهاد الذي طالب الإسلام أتباعه بالأخذ به بصورة عمليّة.فبيّنت هناك بأنّ كلمة (جهاد) لا ترادف لغويّا كلمة (قتال).كما بيّنت بأنّ جميع السور التي كان قد أنزلها ربّنا عزّ وجلّ في مكّة المكرّمة،وإن وردت فيها كلمة (جهاد)،فقد وردت بمعنى محاولة بذل منتهى جهد المؤمن وطاقته سعيا لمجاهدة نفسه،ولمجاهدة نفثات الشياطين،ولنشر عقائد الإسلام بالحجّة والبرهان،وليحاول هذا المؤمن الفوز بمحبّة اللّه وقربه ورضوانه وهو سبيل اللّه تعالى الذي عبّر اللّه تعالى عنه في دعاء سورة الفاتحة بالصراط المستقيم.وقمت هناك باستخلاص ما جرى في الدور المكّي للدعوة الإسلاميّة فوضّحت بأنّه أعطى المسلم فكرة عن حاله في بلاد الغربة عن وطنه.وكيف أنّ من واجبه إطاعة قوانين البلد الذي يعيش فيه بعيدا عن وطنه الإسلاميّ والالتزام بأنظمة بلد الاغتراب.فهذه هي الحكمة من تقسيم حياة الدعوة الإسلاميّة إلى دور مكّي وإلى دور مدينيّ حدث بعد هجرة رسول اللّه (ص) من مكّة المكرّمة.وشرحت هناك مصطلح (جهاد في سبيل اللّه) القرآنيّ وكيف أنّه قد اقترن أحيانا بالحثّ على القتال،وذلك في المدينة المنوّرة بصورة خاصّة،وبعد صدور الإذن للرسول وأصحابه بمقاتلة الذين يقاتلونهم ويعتدون عليهم بقتال يصل إلى حدّ التشرّف بمقام الشهادة الروحيّ، وذلك ليمتاز المؤمن في قتاله عن قتال الكافر بصورة جليّة ملفتة للأنظار. وهي حقيقة أثبتتها الوقائع التاريخيّة.
ومن ثمّ،وبعد أن أنهيت بحث (الجهاد في الإسلام)،فقد قمت ببحث موضوع (القتال) الذي أذنت به تعاليم الإسلام.فبيّنت بأنّ اللّه عز وجلّ لم يأذن للمؤمنين بقتال هجوميّ،بل أذن لهم بقتال دفاعيٍّ مقدّس حفاظا على حرّية الاعتقاد وحفاظا على المقدّسات المنتشرة في أرجاء العالم.كذلك بيّنت بأنّ هذا الإذن القرآنيّ بهذا القتال المشار إليه قد ورد في سورة (الحج) التي كان قد أنزلها اللّه عز وجلّ في المدينة المنوّرة بعد هجرة رسول اللّه وصاحبه أبو بكر إلى المدينة المنوّرة بزمن قليل،وذلك بعد أن كان قد صمّم المشركون على مهاجمة الإسلام في عقر داره في المدينة المنوّرة.متجاهلين الإنذارات التي طفحت بها آيات سور القمر والأنبياء والحجّ.وقد بيّنت هناك كيف أنّ اللّه عز وجلّ قد هيّأ موقعة (بدر الكبرى) للتدليل بها على مصداقيّة تلك الإنذارات المشار إليها، والتي أثبتت تدخّل اللّه عز وجلّ لنصرة عباده الذين يلتزمون بأوامره جلّ شأنه وحفاظا على حقّ حرّية الاعتقاد وحفاظا على المقدّسات التي تشهد على أنّ اللّه عز وجل كان يرسل المرسلين لتهذيب البشر وتربيتهم وتطوير حالهم عبر الزمان.وقد اغتنمت فرصة بحث موضوع الإذن بالقتال،لبيان الآثار الإنسانيّة التي أسفر عنها (الإذن بالقتال).كذلك بينت هناك وبتلك المناسبة مدى التغيير الجذريّ الذي أحدثته تعاليم القتال الإسلاميّة وقواعدها على ما كان معمولا به من قوانين وقواعد قتال في الجاهليّة.كذلك بيّنت بأنّ (الإذن بالقتال) المشار إليه لم يتناقض من حيث مضامينه ونتائجه مع مُعطيات البحثين الذين بحثتهما قبله وهما موضوعا (الســلام والجهاد).
تمّ بعون اللّه تعالى
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الأخت المحترمة – تجاوزا،ألفت نظرك ،وأنت تعترضين على مالا تحيطين به علما،إلى أن المسلم لا يُلقي بتحيّته ويقول : سلام عليك.وعلى شاكلة ما يفعله المسيحيّ.بل يحيّي ويقول : السلام عليك.مضيفا أداة التّعريف التي تفيد المعهود في الذهن ،وهو تعاليم الإسلام التي تدعوا إلى السلام.
ركّزت في سؤالك على علم اللّه الواسع من جهة،وعلى حبّ اللّه لهذا الإنسان من جهة ثانية،وأنّه تعالى لا يريد له إلا الخير.وكان اعتراضك أن كيف نفسّر استمرار عمل السوء من طرف الإنسان،وعدم تدخّل اللّه تعالى للحيلولة دون الإنسان ودون فعل السوء.
والإجابة على سؤالك يا أختي العزيزة تأتي من زاوية تاريخيّة،والتي توضّح لك كيفيّة تصرّف اللّه عز وجلّ مع عباده عبر تاريخ هذا الإنسان.كما تأتي الإجابة من زاوية تعاليم هذا الدين الإسلاميّ الحنيف الذي صرّح من جهة بأنّه لو شاء اللّه لجعل الناس أمّة واحدة.اللّه الذي أسّس عالمنا الدنيويّ على فلسفة ابتلاء الإنسان فيما آتاه ربّه من قوى ونعمة.وأنّ هذه الحياة الدنيويّة ليست نهاية المطاف،بل هناك عالم البرزخ بعد الموت ومن ثمّ يوم محاسبة الإنسان على أعماله.
وقد كرّم اللّه عز وجلّ هذا الإنسان بالعقل والإرادة وحرّية المعتقد والاختيار بصورة فطريّة،وليتصرّف هذا الإنسان وفق تعاليم اللّه الذي أنزلها لهدايته سبيل الفوز بمحبّته وقربه ورضاه.ولذلك قال تعالى (كل
ّنفس بما كسبت رهينة).ولذلك يظلّ المؤمن يتعرّض في حياته لابتلائه من قبل ربّه في سلوكه اليوميّ.
لكنّ هذا الإنسان قد خلقه اللّه تعالى اجتماعيا،وقد اختطّ كلّ مجتمع لنفسه نظاما سياسيا يحكمه.وبالتالي فإنّ طبقة الحكّام إن حادت عن جادّة العدل بين الرعيّة يظهر الفساد في الأرض.وهي الحالة التي تعاني منها شعوب الأرض في أيّامنا هذه،وهي الحالة التي لربّما دفعتك إلى توجيه هذا السؤال الذي طالبتني بالإجابة عليه.
فأقول : إنّ اللّه عز وجلّ قد نبّه عقولنا إلى وسيلة معالجة هذا الفساد الذي يتأتّى عن ظلم (أولي الأمر) وقال في الآية 116 من سورة هود :
فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممّن أنجينا منهم،واتّبعَ الذين ظلموا ما أُترفوا فيه وكانوا مجرمين.). أي أنّ اللّه عز وجلّ يتأسّى ويتأسّف في هذه الآية الكريمة على الناس الممنوحين عقلا وإرادة وحرّية تعبير من أنّهم لا يتحرّكون لصدّ حكّامهم عن الانحياز عن جادّة العدل وعن التسبُّب بهذا الفساد في الأرض.
وإنّ كون اللّه (حليما)،فهو يفسح المجال لهؤلاء وهؤلاء لعلّهم يلتزمون بتعاليم ربّهم. فإن استفحل الفساد،وما عاد هناك من مجال لتصحيح الأوضاع.يقوم اللّه عز وجلّ بإهلاك تلك الأقوام،وينجّي الصالحين من عباده.فهذه حقيقة بإمكان هذه الأخت العزيزة استقصاءها من تاريخ هذا الإنسان.وهي الحقيقة التي عبّر تعالى عنها في الآية وردت بعد الآية التي سبق لنا أن أوردناها وقد قال تعالى منبّها إلى هذه الحقيقة التاريخيّة :
(وما كان ربُّك لِيُهلكَ القرى بظلمٍ وأهلُها مُصلحون.).فاللّه عز وجلّ أنذر هنا الحكّام الظالمين ،وشعوبهم الخانعين،بأنّهم ما عادوا يستحقّون الحياة،إن هم استفحل الفساد بينهم ولم يعالجوه،ومبتعدين عن أهليّة الصلاح لإتمام أعمارهم في هذه الحياة الدنيويّة.
فهذا هو منطق تاريخ هذا الإنسان.وهذه هي مشيئة اللّه علاّم الغيوب. والأيّام بيننا يا أختي العزيزة.فيا سعد من أحاط بهذه الحقائق علما. والتزم بتعاليم ربّه الذي خلقه إنسانا عاقلا ُمبتلى في سلوكه اليوميّ. وأرجو أن أكون قد لخّصت لك الإجابة المطلوبة،فراجعي للتوسّع فيما سألت عنه مؤلّفي (في ظلال تفسير سورة هود) واللّه المستعان،وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.
سليم الجابي
بسم اللّه الرحمن الرحيم
أختي في اللّه إكرام السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
في الإجابة على سؤالك الثاني أقول : إنّ من المؤسف أنّ مفسّري أمتنا المسلمة القدماء،رحمهم اللّه تعالى أنّهم لم يكونوا حين قيامهم بتفسير آيات هذا القرآن العظيم،لم يكونوا قد أحاطوا علما بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.ولذلك لم تخل تفاسيرهم من نقائص أساءت إلى كتاب اللّه العزيز.أمّا وقد فتح اللّه العزيز على شخصي الضعيف تلك المنهجيّة والأصول وبفضل خاصّ منه سبحانه وتعالى،فقد عاد من الواجب تدبّر الآية الواحدة واستناداً إلى موضعها من سباق وسياق وتسلسل الآيات الموضوعي .
فبما يتعلّق بالآية من سورة يوسف التي استفسرت عن دلالتها،أقول: إن أنت راجعت ما قبلها من آيات،تلاحظي بأنّ اللّه عز وجلّ ما إن فرغ من بيان قصّة يوسف على حقيقتها ، إلا وقد قال تعالى في الآية 102 (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون.).وقد قصد من فعل (يمكرون) أهل الكتاب من يهود ومسيحييّن.وقد راح اللّه تعالى في الآيات (103/104/105/106)
يلمّح لرسوله الكريم بأنّ أكثر أهل الكتاب لن يؤمنوا لك بسبب تمسّك هؤلاء بالموروث بلا إمعان ولا تفكير،وأنّهم لم يعتبروا بالأمم التي مضت قبلهم،والتي كانت على شاكلتهم،واستحقواّ أن يُهلكهم خالقهم في نهاية المطاف.ولذلك قال اللّه تعالى في الآية 107 (أ فأمنوا أن تأتيهم غاشيةٌ
من عذاب اللّه أو تأتيهم الساعة بغتةً وهم لا يشعرون.) علما بأنّ (الغاشية) هي الغطاء الذي يغيب تحته الإنسان في سبات عميق.وكان في هذه الكلمة إشارة إلى ما حلّ بالإمبراطوريّة الرومانيّة التي زالت وأصبح المسيحيون بعدها في سبات القرون الوسطى إلى أن بدأت نهضتهم المعاصرة التي أنبأت عنها سورة الكهف،ولعلّها تأتيهم الساعة بغتةً في هذا الدور،وهم لا يشعرون.واختصر اللّه تعالى بيان مهمّة رسوله الكريم وذلك في الآية 108 (قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه وقف على بصيرةٍ أنا ومن اتّبعني وسبحان اللّه وما أنا من المشركين.).وقد كان القصد من إشارة (الوقف) تذكير أهل الكتاب بابتعادهم عن عقيدة (التوحيد) التي نادى بها نبيّهم موسى عليه السلام والتي ابتعدوا عنها فكرا وعملا.
ووضّح اللّه تعالى في الآية 109 كيف أنّ رسوله الكريم لم يكن بِدعا من رسل اللّه تعالى.وخاطب أهل الكتاب في الفقرة الأخيرة منها وقال (أ فلا تعقلون).بمعنى أنّه تعالى ذكّر هؤلاء بمنطق تاريخ بعث اللّه تعالى رسله وأنبياءه،ومنطق تاريخ كيفيّة استحقاق المكذّبين العقاب السماويّ،إن هم فكّروا بعقلانيّة.وقد راح اللّه تعالى يزيد هؤلاء بيانا حول حقيقة السبب في استحقاق المكذّبين العذاب، فقال في الآية 110 (حتّى إذا استيأس الرّسلُ وظنّوا أنّهم قد كُذبوا جاءهم نصرُنا فنجّّي من نشاء ولا يُرَدُّ بأسُنا عن القوم المجرمين.).أي أنّه تعالى أورد حرف (حتى) مُدخلا إيّاها على ظرف (إذا) لتفيد معنى (كي) التعليليّة.ومعلّلا (عاقبة الذين من قبلهم) من أنّ مكذّبي رسل اللّه تعالى دأبوا على تكذيب الرسل وإلى درجة جعلوا معها رسُل اللّه يقطعون كلّ رجاء في هداية هؤلاء المكذّبين
وهذا المعنى لا يعني بأنّ رسل اللّه قنطوا من رحمة اللّه تعالى.فالقنوط من رحمة اللّه شيء وقطع الأمل في هداية إنسان شيء آخر.ومن ثمّ أتى اللّه عز وجلّ بواو العطف التي تفيد معنى الحال لدخولها على فعل الماضي (ظنّوا)وأضاف وقال (وظنوا أنّهم قد كُذبوا) أي أنّ حال المكذّبين دأبوا على تكذيب رسل اللّه إلى درجة اعتقدوا معها أنّ رسل اللّه أنفسهم كانوا (قد كُذبوا) فيما نقلوه إليهم من إنذارات سماويّة.هذا المعنى على اعتبار أنّ فاعل فعل (ظنّوا) هنا هو هؤلاء المكذبون.وأنّ فعل (ظنوا) قد استعمل هنا بمعنى اعتقدوا.
فلمّا وصل الحال بهؤلاء وهؤلاء إلى الدرجة التي بينها اللّه العزيز في هذه الآية الكريمة، فقد أضاف تعالى وقال (جاءهم نصرُنا) أي أتى حينئذٍ تأييد اللّه لرسله الكرام. وأتمّ تعالى بيان ما يفعله سبحانه حين يأتي بنصره العزيز وقال (فنجّي من نشاء ولا يُرَدُّ بأسنا عن القوم المجرمين.)وقد كانت الحكمة في تأخير إنزال العقاب بالمكذّبين المجرمين، لإظهار أنّ حلم اللّه العزيز اقتضى إلقاء الحجّة الكاملة على هؤلاء المجرمين كلّ آن.
هذا وإنّ ما يؤكّد مصداقيّة المعنى الذي بيّنته لهذه الآية التي كنتِ أنت (حائرةً) في فهمها،هو مضمون الآية التي بعدها والتي قال تعالى فيها : (لقد كان في قَصصِهم عبرةٌ لأولي الألباب،ما كان حديثا يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه،وتفصيلَ كلِّ شيءٍ،وهدى،ورحمةً لقومٍ يؤمنون) ومنبّها من خلال مضمون هذه الآية الكريمة إلى الأمور التالية:
أولا- أنّ الحكمة من بيان قصّة يوسف عليه السلام والحال الذي آل إليه حال الأمم الغابرة أن تشكّل (عبرة لأولي الألباب).
ثانيا- وأنّ الدليل على مصداقيّة ما أتى محمّد رسول اللّه به أهل الكتاب من بيّنات،هو أنّه (تصديق الذي بين يديه) أي بعثه ربّه مصدّقا نبوءات الكتب السماويّة التي أنبأت عن بعثته.
ثالثا- وأنّ ما أتاهم به هذا الرسول فيه (تفصيل كلّ شيء).بمعنى أنّه
أتاهم بكتابٍ ما فرّط اللّه عز وجلّ فيه من موضوع إلا وبحثه فيه على
أكمل وجه وليصلح لكلّ زمان ومكان.
رابعا- وأنّ ما أتاهم به هذا الرسول عاد بين أيديهم (هُدى) لهم لتمييز الصحيح من الفاسد من عقائدهم التي ورثوها عن آبائهم.و (هدى) لهم للتقرب من ربّهم وللفوز بمحبّته ورضوانه.
خامسا- وأنّ ما أتاهم به هذا الرسول عاد (رحمةً لقومٍ يؤمنون).بمعنى أنّهم إذا آمنوا بهذا الرسول سيجذبون رحمة اللّه تعالى نحوهم ويفلتون من عقابه الذي سيحلّ بهم في نهاية المطاف.
وختاما لعلّي أكون قد أنقذتك يا أختي من (الحيرة) التي كنت واقعة فيها بشأن الآية 110 من سورة يوسف.وقد طلبت من ولدي أن يوافيك بآخر مؤلّف لي مخطوطاً،لعلاقته بما يدور من حولنا من أحداث.ولعلّ الأيّام تساعدنا على موافاتك بجميع مؤلّفاتي.والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
ســليم الجابي
(القراءة المعاصرة) للمفكّر محمّد شحرور: مجرّد تنجيم
في عام 1990م نزل إلى أسواق دمشق مؤلّف (القراءة المعاصرة) وقد أحدث ضجّة لدى أصحاب العقول التّقليديّة السلفيّة.الذين كفّروا كاتبه المفكّر محمّد شحرور،ونسبه بعضهم إلى الصّهيونيّة.وبما أنّي من الملتزمين بالحوار الحرّ العلميّ بعيدا عن الفكر التقليديّ السلفيّ،فقد حاولت محاورة المفكّر المذكور.فوعد وأخلف وأخذ يتهرّب منيّ.فتصدّيت حينئذ لنقض ما أورده في قراءته المعاصرة من طرح لا منهجيّة وراءه ولا أصول تفسير.وذكرت في مقدّمة الردّ عليه محاولة هروبه من الحوار.
وبهذه المناسبة أقول إنّ كتابا تحدّى اللّه عز وجلّ الذي أنزله على قلب محمّد الرسول الأمّي وخاتم النبييّن ومتحدّيا به الإنس والجنّ ، فلا يُعقل أن يكون هذا الكتاب السماويّ قد صيغ بأسلوبٍ بلاغيٍّ ولا تكون هناك لفهمه منهجيّة وأصول.بل ولا بدّ وأن يكون هذا القرآن الكريم نفسه متضمّنا منهجيّة فهم آياته وأصول تفسيرها.وبناء عليه فقد كان من واجب المفكّر محمّد شحرور أن يكتشف من خلال معطيات آيات هذا القرآن العظيم المنهجيّة والأصول التي ينبغي على متدبّره القيام بالالتزام بتلك المنهجيّة وتلك الأصول خلال عمليّة تدبّره.لكنّ المؤلّف المذكور كان بعيدا جدّا عن فهم هذا المنطلق.وتدلّ مقدّمة كتابه على أنّه قد كتب مؤلّفه بأسلوب كلّ من امتهن مهنة التنجيم.وإن ادّعى الشحرور أنّه بحث كلّ ما بحثه في مؤلّفه بأسلوب علميّ.
فالذي تبيّن لي من دراسة مؤلّف المفكّر محمّد شحرور أنّه كان يحمل أفكارا شيوعيّة نبّهني إليها رئيس الكتّاب السورييّن فيما بعد وأراد
الشحرور أن يُسقط نظريّته الماديّة التي كان يعتنقها على آيات هذا القرآن المعجز،وبهذا الأسلوب من التنجيم الوارد في مؤلّفه وليلبس كتاب اللّه عز وجلّ لباسا غير لباسه،ويحقّق بهذا الأسلوب ما لم يستطعه سواه.
هذا وإنّ المناسبة التي دعتني لكتابة مقالي هذا في هذه صحيفة السفير الغرّاء.هو ما ورد على الصفحة قبل الأخيرة فيها وبتاريخ السبت 22أيار 2004 – العدد 9799 مقال لكاتب سوريٍّ لم يكشف عن اسمه وبلقب (أبي حسن)،قد ورد فيه قوله (فُجعتُ بالمستوى الذي انحطّت إليه لغة النقد،خاصّة ممّن اختصاصهم علم الأديان المقارن ، فشل في أن يرتقي إلى مستوى فكريّة شحرور،وهنا تكمن مأساة الأخير).أي أنّ هذا الكاتب السوريّ الذي أخفى اسمه قد شمل ردّي مع ردود التقليدييّن السلفييّن من جهة.وقد سخّف مستوى نقدي الموضوعي من جهة أخرى.وكان بذلك في نظري من المفترين المضلّلين.ذلك أنّ الناقد الموضوعي يُدلي على صحّة رأيه بحججٍ وبراهين.لكنّ مقال هذا الناقد الذي أخفى اسمه بغضّ النظر عن أنّه لم يعمد إلى تقديم أيّ دليل على مصداقيّة رأيه،فهو قد تبيّن لي أنّه ألقى بكلامه جزافا على أقلّ تقدير
ولمّا كان من المعروف أنّ صدر أصحاب صحيفة السفير رحبا للحوار الذي طالما اشتُهروا به،فقد رأيت أن أردّ على الاتّهام المذكور، والبادئ أظلم.فأقول: اعلم يا عزيزي الكاتب بأنّك خضت في المقدّمات وتناسيت النتائج التي طلع بها المفكّر شحرور.النتائج التي بيّنت بوضاحة جهله بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره التي تضمّنتها آيات هذا الكتاب السماويّ العظيم وأنا حين أوجّه نظرك إلى هذه الحقيقة،كان من واجبي تقديم الدليل على مصداقيّة ما أدّعيه.
وتسأل: وما هو دليلك ؟ فأقول: إنّ دليلي هو ما عرضه المفكّر محمد شحرور من تأويل لسورة القدر وذلك استنادا إلى أسس التأويل التي حصل عليها من خلال ما قام به من تنجيم.فمحمد الشحرور كتب على الصفحة 205 من قراءته المعاصرة وبعنوان: ( نموذج من التأويل –
تأويل سورة القدر) ما يلي: (في ضوء ما تقدّم سنطرح تأويلا لسورة القدر).علما بأنّ بيان تأويل سورة القدر في (القراءة المعاصرة) قد زاد عن الصفحتين بقليل.وقد أوّل المذكور خلالها كلمة (ليلة) بالظلام. وأخذ لكلمة (شهر) معنى الإشهار.وقال: وهكذا تفهم "ألف شهر" تعني تأليف الأشياء بعضها مع بعض.وانتهى ليؤوّل قوله تعالى (تتنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر) إلى أنّ ليلة القدر "إشهار القرآن" بمثابة موسم لإصدار الأوامر كالعفو..الخ.لذا يتوجّه الناس بالعبادة والتضرّع إلى اللّه في هذه اللّيلة.وهذه الحالة موجودة عند الناس الآن. وانتهى ليؤوّل قوله تعالى (سلام هي حتّى مطلع الفجر) بأنّ موسم إشهار القرآن ،قد سلّمه اللّه لنا وهو سالم يتجدّد كلّ عام ما دام هذا الكون قائما . وسينتهي هذا الموسم بالنفخة الأولى في الصور وقيام الساعة حيث يحصل الانفجار الكونيّ الثاني ليشكّل على أنقاضه كون جديدٌ فيه البعث والحساب والجنّة والنار،ولذا قال (حتّى مطلع الفجر).
فهذه هي خلاصة تأويل محمد الشحرور لمعطيات آيات سورة القدر.وهو التأويل الذي يشكّل نتاج جميع ما أورده الشحرور في كتابه (القراءة المعاصرة) من منهجيّة وتقسيمات وطرحٍ لأفكاره التي ما أنزل اللّه تعالى بها من سلطان.فما هي ملاحظاتي على هذا التأويل ؟
أوّلا – لقد أوّل الشحرور آيات هذه السورة وكأنّها مستقلّة عمّا سبقها وعمّا ورد بعدها من سور قرآنيّة.فأبرز كتاب اللّه العظيم وكأنّه مؤلّف من مجموعات سورٍ لا رابطة موضوعيّة بينها تجمعها بعضها إلى بعض. فعتّم بذلك على أعظم ما لهذا القرآن الكريم من خصائص،وهو وجود تسلسل موضوعيٍّ يربط ما بين جميع آيات هذا القرآن الكريم،وهي الحقيقة التي وضّحتها في مؤلّفي (خصائص القرآن الكريم المعجزة).وهو كتابٌ متداولٌ في مختلف المكتبات.
ثانيا – وقد أهمل الشحرور الكلام عن إشارة (الوقف) الواردة بعد كلمة
(سلامٌ) وكأنّ إشارات الوقف وغيرها من الإشارات،ليست من أصل هذا القرآن وليس لها أيّ دور في تأويل آيات هذا القرآن الكريم.ويكون محمد الشحرور بذلك قد عتّم على إحدى خصائص القرآن المجيد أيضا. علما بأنّ من خصائص هذا الكتاب السماوي أنّه حيث وردت إشارة (وقف) فالقصد منها دفع هذا القارئ المتدبّر ليتوقّف هناك عن التلاوة للحظات، من أجل أن يتفكّر فيما قرأه قبل إشارة الوقف، وليستخلص المقاصد المرجوة من إشارة الوقف. وقد بيّنت هذه الحقيقة التي ذكرتها في (خصائص القرآن الكريم المعجزة) أيضا.
ثالثا – ثمّ إنّ محمد الشحرور حين أوّل قوله تعالى (حتّى مطلع الفجر) بأنّ اللّه تعالى قد سلّمنا موسم إشهار القرآن ليتجدّد كلّ عام وليدوم حتى النفخة الأولى في الصور وقيام الساعة، ساعة الحساب.فقد ألغى بهذا الطرح عالم البرزخ الذي يتوسّط ما بين عالمنا وعالم الآخرة.
وعلى هذه الصورة يكون محمد الشحرور قد أفرغ كتاب اللّه المقدّس من أبرز خصائصه.وأسقط على آياته ما شاء من طرح شاء طرحه مما لا علاقة له بالآيات من قريب ولا من بعيد.ويكون الشحرور قد أبرز هذا الكتاب السماويّ مجرّدا من أصول تفسير يتوجّب علينا أن نلتزم بها حين تدبّر آياته الكريمة. علما بأنّ اللّه تعالى قد فتح عليّ تلك أصول تفسير آيات القرآن من داخل القرآن الكريم، وليس من خارجه. وقد ألّفت كتابا عنوانه (منهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره) وقد صدر الجزء الأول منه بحدود أكثر من ثلاثمائة صفحة.والجزء الثاني في طريقه للصدور.وإنّ هذه الحقيقة تدفعني إلى بيان المضمون الحقيقي لآيات سورة القدر،ليعين هذا البيان القارئ العزيز على المقارنة ما بين التأويلين.
فاعلم يا عزيزي بأنّ سورة (القدر) قد وردت بعد سورة (العلق) بترتيب تلاوتها،ولم يحدث ذلك عبثا.فسورة العلق التي استهلّها اللّه تعالى بالأمر (اقرأ) فلم يكن المقصود من هذا الأمر أنّ جبريل أمر محمّدا الرجل الأمّي بالقراءة.فكون محمّد (ص) أميا،يعدُّ من حيث الواقع قرينة على أنّ المقصود من هذا الأمر (اقرأ) معناه الآخر اللّغويّ وهو أن اصدع لأمر ربّك يا محمّد واحمل رسالة ربّك وبلّغها إلى الناس.فأنت تقول:اقرأ مني فلانا سلامي أي بلّغه إيّاه.وإنّ اللّه عز وجلّ قد تكلّم في سورة العلق عن أطر الرسالة السماويّة التي شاء أن يكلّف محمّدا بتبليغها إلى الناس كافة.وليس هذا مقام شرح آيات سورة العلق.وسيرد الشرح في مؤلّفي (الإسلام علّم السلام والجهاد والقتال) وهو المؤلّف الذي وافقت على نشره وزارة الإعلام،وهو في طريقه إلى الطباعة عمّا قريب إن شاء اللّه العزيز.
وقد خصّص اللّه عزّ وجلّ سورة القدر لبيان روح تعاليم هذه الرسالة السماويّة المشار إليها.وهذا هو السبب في أنّ اللّه عز وجلّ قد حذف مرجع ضمير فعل (أنزلناه) من قوله تعالى في أوّل آية من سورة القدر (إنّا أنزلناه في ليلة القدر)،ليصبح عائد الضمير (أنزلناه) عائدا إلى القرآن الكريم الذي تكلّمت عنه سورة العلق، والذي تضمّن تعاليم هذه الرسالة السماويّة التي كلّف اللّه العزيز نبيّه محمّدا (ص) بتبليغها إلى الناس وهي الواردة أُطرها ضمن آيات سورة العلق.وبما أنّ القرآن الكريم قد نزل منجّما،ولم ينزل في شهر واحد هو شهر رمضان المبارك.فهذه الحقيقة قد شكّلت هي أيضا قرينة لغويّةً تدفعنا إلى إغفال المعنى الحقيقي لكلمة (ليلة) وللانتقال منها إلى معناها المجازيّ.تحقيقا لوجود رابطة موضوعيّة تربط ما بين سورتي العلق والقدر.وإنّ المعنى المجازي لكلمة (ليلة) يعبّر به عن فترة الانحطاط والتخلّف التي تصير إليها بعض شعوب العالم.واستنادا إلى هذا المعنى المجازي يصحّ القول بأنّ الشعوب النامية تعيش ليلة ليلاء.(أقرب الموارد).
واستنادا إلى هذا المعنى المجازيّ يعود معنى قول اللّه عز وجلّ (إنا أنزلناه في ليلة القدر) أنّ اللّه عز وجلّ قد أنزل هذا القرآن في زمن كان يخيّم فيه التخلّف والانحطاط على شعوب الأرض،وبغرض إنهاض تلك الشعوب من كبوتها.من هنا اكتسبت كلمة (ليلة) صفة (القدر) من خلال هذا المعنى المجازي،منزلتها وقدرها في نظر اللّه تعالى.فقد ورد في معجم مفردات الراغب:القدر والتّقدير معناه تبيين كمّية الشيء.أما في معجم أقرب الموارد فقد أورد أنّ كلمة القدر معناها الحُرمة والوقار والتّعظيم.وبهذا المعنى يكون اللّه جلّ شأنه قد وجّه أذهاننا إلى حقيقة مضمون سورة (القدر).
وقد شاء اللّه تعالى أن يزيد تعظيمنا لليلة القدر بمعناها المجازي والتي أنزل فيها هذا القرآن العظيم فقال في الآية الثانية (وما أدراك ما ليلة القدر).وعلى شاكلة ما فعل تعالى في سورة الهمزة حين قال (وما أدراك ما الحُطمة).ومن ثمّ شاء تعالى مقارنة ما نزل في هذه الليلة الليلاء مع ما كان قد نزل في ليالٍ سابقة في حياة شعوب الأرض،فقال جلّ شأنه (ليلة القدر خير من ألف شهر).وهنا فقد كان المفسّر الفخر الرازي رحمه اللّه تعالى قد اختار معنى (الإشهار) لكلمة (شهر) وقلّده في ذلك المفكّر محمّد شحرور وهو الذي أخطأ حين فهم من كلمة (ألف) معنى تأليف الأشياء بعضها مع بعض.على حين أنّ العدد (ألف) قد ورد هنا على سبيل المبالغة التي اشتهر بها العرب الذين يقول أحدهم : زرتك ألف مرّة ولم تزرني إلاّ مرّة واحدة.وفي وقت لا يكون فيه قد زار الذي يعاتبه أكثر من ثلاثة مرّات أو أربعة.وانطلاقا من هذه الدلالات التي أشرت إليها يصبح معنى قول اللّه عز وجلّ (ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر) أنّ إشهار رسالة الإسلام السماويّة في هذه الفترة من الزمان،هي خيرٌ من جميع ما سبقها من إشهار رسالات سماويّة سابقة.وهذه المبالغة كان القصد منها التدليل على كمال تعاليم هذا القرآن الكريم والذي لا تحتاج البشريّة بعده إلى أيّة رسالة سماويّة تُكمل تعاليمه.فمن هذا المعنى وردت تسمية محمّد رسول اللّه (ص) (خاتم النبييّن).بمعنى أنّ شريعة الإسلام الكاملة لا تحتاج بعدها إلى نزول أيّ تشريع سماويٍّ ليكمل شريعة الإسلام.
وأمّا في الآية الرابعة من سورة القدر فقد قال اللّه تعالى فيها (تنزّل الملائكة والرّوح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر).وقد أورد تعالى كلمتي (الملائكة والرّوح) في هذه الآية معرّفتين بما يفيد معنى الاستغراق. ولبيان أنّ ملائكة اللّه تعالى وعلى رأسهم جبريل عليهم السلام قد اشتركوا كلّهم، وبإذنٍ من ربّهم، في عمليّة حمل تعاليم رسالة الإسلام إلى هذه الأرض.
ومن ثمّ فقد أنهى اللّه عز وجلّ سورة القدر بقوله تعالى (سلامٌ (وقف) هي حتّى مطلع الفجر.).وكان من واجب المفكّر محمّد شحرور أن يُعطي أهمّية لإشارة (الوقف) هذه الواردة بعد كلمة (سلامٌ).ولكنّه لم يفعل بسبب جهله بأهمّية إشارات الوقف القرآنيّة.
والذي أراه، وانطلاقا من جميع ما توصّلنا إليه من دلالات،ومن منطلق أنّ سورة القدر قد أكمل مضمونها، مضمون سورة العلق التي سبقتها في النزول.ومن منطلق أنّ سورة القدر قد انفردت في بيان حقيقة وروح تعاليم هذا القرآن المجيد.يكون اللّه عز وجلّ قد لخّص حقيقة وروح تعاليم الإسلام في هذه الآية الأخيرة بكلمة واحدة ولتصبح أصلا من أصول تفسير آيات هذا القرآن العظيم،قائلا (ســلامٌ ) أي إذا أردنا أن نلخّص تعاليم الإسلام بكلمة واحدة،فلا نجد كلمة تُعطي المعنى الحقيقي لروح تعاليم الإسلام إلا كلمة (ســلامٌ).مع الملاحظة بأنّ هذه الكلمة (سـلامٌ) وردت منوّنة على آخرها.والتنوين يوضع بلاغيّا لزيادة تعظيم مضمون الكلمة المنوّن آخرها.وكأنّ اللّه عز وجلّ حين اختصر تعاليم الإسلام هنا في هذه الآية الأخيرة من سورة القدر قائلا (ســـلامٌ) فقد كان تعالى قد قصد من خلالها أن يُعلن محمّد رسول اللّه (ص) أن اعلموا أيّها الناس جميعكم بأني أحمل إليكم تعاليم رسالة سماويّة كان القصد ممّا اشتملت عليه أن تنهض تعاليم هذه الرسالة السماويّة بشعوب الأرض من كبوتها.وليستتبّ الأمن والسلام في جميع أرجاء الأرض.ولكي يستوعب المسلم هذه الحقيقة فقد أورد اللّه جلّ شأنه إشارة (الوقف) بعد كلمة (ســلامٌ).ولذلك فقد أورد تعالى بعد ذلك ضمير الشأن (هي) وقال: (هي حتّى مطلع الفجر.).وقد أصاب الشحرور حين لم يأخذ لكلمة (الفجر) معناها الحقيقي المعروف.لكنّه أخطأ في تأويل قوله تعالى (هي حتّى مطلع الفجر).فكلمة (الفجر) بالنظر إلى المعاني التي توصّلنا إليها حتى الآن،والتي تعدّ قرينة تمنعنا من الأخذ بمعناها الحقيقيّ.فقد كان القصد أن ننتقل من الأخذ بمعنى الكلمة الحقيقي إلى الأخذ بمعناها المجازيّ،والذي يفيد تخلّص البشريّة ممّا شاع بينها من تخلّفٍ وانحطاط قد عمّ البشريّة قاطبة. فهذا المعنى دلّتنا عليه كلمة (مطلع) وهي المصاغة بصيغة مصدر والتي تعني طلوع الشمس.أي طلوع شمس رسالة الإسلام السماويّة التي جاء بها محمّد النبيّ الأمّي وخاتم النبييّن صلّى اللّه عليه وسلّم.
فيا عزيزي القارئ ها أنّي قد لخّصت لك ما فهمته أنا من آيات سورة القدر ووفق معطيات خصائص القرآن الكريم وأصول تفسيره.وقد عاد بإمكانك أن تقارن ما بين فهم المفكّر محمّد شحرور لمضامينها وهو البعيد عن الإحاطة بخصائص هذا الكتاب القرآن العظيم والجاهل بأصول تفسيره.فأمر المقارنة بات عائدا إليك لتحكم على أيّ هذين التفسيرين هو أقرب إلى الصواب.علما بأنّي لم أكفّر محمد شحرور وكلّ ما في الأمر أنّي نقدته نقدا موضوعيا. سليم الجابي- مختصّ بعلم الأديان المقارن
|