هل قال القرآن الكريم بموت المسيح وماهي أدلة ذلك؟
مقدمة الكتاب
لقد بات من المعلوم في كلّ مكان من عالمنا المعاصر أنّ فئة (اليهود) والصهيونيّة منهم خاصّة يشكّلون مصدر الشرّ والإفساد منذ أن كانوا في مصر وبعد أن رحلوا عنها وإلى يومنا هذا.ففي مصر كانت ظواهر عنصريّتهم غالبةً على حياتهم وتمثّل ذلك في حميّة موسى عليه السلام لليهوديّ وقتله الرجل المصريّ.وإنّ هذه الحقيقة التي كانت تجلّت للمسؤولين المصرييّن في ذلك الحين كانت قد أخافت أولي الأمر منهم ولسكنى هؤلاء الإسرائيلييّن الذين كانوا من نسل يعقوب قريبا من قصر ملك مصر الذي كان جدّه قد اقتطع يوسف عليه السلام وأبويه وإخوانه أرضاً في زاويةٍ من أرض قصره الكبير، وحسبما روى هذه الحقيقة الإصحاحات 45/46/47 من سفر التّكوين من (العهد القديم).فهؤلاء الإسرائيليّون قد تناسلوا في أرض (ساسان) التي أسكنهم فيها ملك مصر وقريباً من قصره وأصبحوا في عهد من حكموا من بعده يشكّلون إثنا عشر سبطاً محتفظين بقوميّتهم ومتعصّبين لها وقد أشعروا المسؤولين المصرييّن في تلك الحقبة من الزمان أنّهم عادوا يشكّلون لعصبيّتهم تلك خطراً داهما على النظام المصريّ من جرّاء ظاهرة العنصريّة التي كانت تبدو في جميع تصرّفاتهم لذلك عمد المسؤولون المصريّون في ذاك التاريخ إلى تشغيلهم في أعمال السخرة والحدّ من تناسلهم وانقلبوا من جرّاء ذلك إلى طبقة عبيد ومع ذلك لم يتنازلوا عن عنصريّتهم وهم عبيدٌ للمصرييّن.فلمّا أخرجهم موسى من مصر أخرجهم كانت عقولهم قد أصبحت عقول عبيد لذلك لم يعرفوا طعماً للحرّية التي أتتهم بغتةً على طبق من فضّةٍ على أيدي النبيّ موسى عليه السلام وهذه الحقيقة جعلتهم لا يعرفون لتلك النعمة من قيمة لذلك فأذاقوا النبيّ موسى الأمرّين بعد خروجهم من مصر على أيديه عليه السلام وكما هو معروف من تاريخهم نفسه.فلم يلتزموا معه بشيء ممّا أمرتهم به تعاليم السماء .ودام حالهم كذلك بعد أن اغتصبوا أرضاً من فلسطين العربيّة.علماً بأنّ اللّه عز وجلّ قد بعث من بينهم أنبياء مصلحين بغرض إصلاحهم وتقويم سلوكهم اليوميّ، لكنّهم ما استفادوا من ذلك كلّه وقتلوا عددا من أولئك الأنبياء الذين أرسلهم اللّه تعالى لإصلاح أحوالهم.إلى أن انتهى الأمر بهم إلى أن بعث اللّه تعالى المسيح عيسى ابن مريم لإعادة الوجه الحقيقيّ لتعاليم موسى عليه السلام ولقوله نفسه في الإنجيل (ما جئت لأنقض الناموس ولكن لأكمل ) وكان من سوء حظّ المسيح أنّه لم يكن في فلسطين أيام بعثته في فلسطين من أولئك اليهود غير سبطين من أسباط بني إسرائيل هما الكتبة والفرّيسيون ممّن سمح لهم حاكم العراق بالعودة إلى فلسطين بعد سبيهم منها بمائة عام وحسبما تروي تواريخهم هذه الحقيقة الواردة في العهدين القديم والجديد. علماً بأنّ عقول وأفكار الكتبة والفريسّيين المشار إليهم كانوا في قمّة الجمود الفكريّ والتفسّخ الأخلاقيّ والانحراف عن تعاليم موسى عليه السلام. لذلك كانوا يشكّلون كابوساً مخيفاً في المجتمع اليهوديّ في ذاك الحين .
والمهمّ في الأمر هو أنّ هؤلاء الكتبة والفريسسين ما إن فوجئوا ببعثة المسيح الناصريّ إلاّ وكفروا به وبرسالته المبعوث من أجل تأديتها فاضطهدوه وكادوا له عند الحاكم بيلاطس النبطي الروماني ودفعوه ليعاقب المسيح عيسى ابن مريم وعلى اعتباره يخرّب في تعاليم دينهم الموروثة مطالبين الحاكم الرومانيّ أن يصلب المسيح وليثبتوا من خلال موت المسيح على خشبة الصليب أنّ المسيح كذّاب فيما ادّعاه لاعتقادهم أنّ النبيّ الكاذب يُقتل (سفر التثنية: الإصحاح 18/18) . علما بأنّ فلسطين كانت تشكّل في تلك الفترة من الزمان ولاية من ولايات امبراطوريّة روما الوثنيّة.لكنّ بيلاطس أدرك مكرهم الذي مكروه ضدّ هذا البار المسيح فمكر بيلاطس هو بدوره ودبّر طريقاً لإنقاذ المسيح من ذاك المصير الرهيب الذي كان ينتظره إن هو استجاب لمطالب اليهود.وحقّق ذاك التدبير الذي اتّخذه بيلاطس حفظ المسيح من العاقبة التي كانت تنتظره نتيجة لشرور اليهود. فحقّق (بيلاطس) ما دبّره وأنقذ المسيح عيسى ابن مريم من الموت على خشبة الصليب. وإثر حادثة الصليب هاجر المسيح عليه السلام من فلسطين وليكمل أداء رسالة ربّه وليبشّر بقيّة أسباط اليهود الذين كانوا مسبيّين خارج أرض فلسطين وموزّعين في أقطار عدّة منها: العراق وفارس وأفغانستان والهند وكشمير خاصّة. وكنت قد أجريت دراسة موضوعيّة دوّنتها في مؤلّف نشرته بعنوان (هل مات المسيح على الصليب؟) وقد بيّنت فيه حقائق مُجريات أمور تلك الأحداث التي مرّ منها السيّد المسيح عليه السلام وقد استقيت معلومات دراستي الموضوعيّة تلك من الأناجيل الأربعة الحاليّة المعتمدة نفسها من مختلف كنائس المسيحيّة في العالم.وقد أثبتّ في الكتاب المذكور أنّ المسيح ابن مريم وأمّه قد هاجرا بعد حادثة الصليب من فلسطين متخفّيين وبقصد البحث عن بقيّة أسباط بني إسرائيل في المهجر ووصلا آخر المطاف منطقة كشمير وماتا هناك ولقد أعطيت القارئ عنوان قبريهما للتحقّق ممّا أجريته من بحث ودراسة موضوعيّة في الكتاب المشار إليه.
لكنّ هذا الذي كنت قد قمت به لا يكفي في نظري ويظلّ ناقصاً ما لم أقم بإثبات وبالدليل القاطع بأنّ هذا القرآن المجيد الذي أنزله اللّه تعالى على محمّد رسول اللّه (ص) من بعد زمن بعثة عيسى بما يقارب ستّة قرون زمنيّة ومصداقا لبشارة المسيح الناصريّ نفسه الوارد في إنجيل (يوحنّا) 16/12: (إنّ لي أموراً كثيرةً أيضا لأقولَ لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن وأمّا متى جاء ذاك "روح الحقّ" فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ لأنّه لا يتكلّم من نفسه بل كلّ ما يسمع يتكلّم به ويخبركم بأمورٍ آتية.) وتصديقاً للبشارة المذكورة في إنجيل (يوحنّا) السالفة الذكر فقد ورد قول اللّه تعالى في الآية السادسة من سورة الصفّ (... ومبشّراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمهُ أحمد فلمّا جاءهم بالبيّنات قالوا هذا سحرٌ مبين) . أقول : ما لم أثبت بالدليل القاطع من معطيات آيات هذا القرآن المجيد أنّ اللّه تعالى قد أخبرنا فيها بأنّ المسيح عيسى ابن مريم قد مات قبل زمن نزول هذا الكتاب العزيز وبصورة قاطعةٍ وحاسمة لهذا الموضوع فإنّ بحثي الذي أجريته في مؤلّف (هل مات المسيح على الصليب ؟) يضلّ ناقصاً ومحتاجاً إلى هذا البحث الذي يكمله.خصوصاً وأنّ المفسّرين المسلمين القدماء كان قد التبس عليهم هذا الموضوع موضوع موت المسيح ووفاته ففسّروا الآيات القرآنيّة وهم تحت وطأة التأثّر بأفكار أهل الكتاب وكما سأثبت هذه الحقيقة في حينه.
وبناء عليه فقد خصّصت هذا الكتاب ليكمل مضمونه مضمون مؤلّفي الذي أشرت إليه وهو (هل مات المسيح على الصليب؟) وليهب القارئ الكريم ثقةً بما تضمّنه هذان الكتابان من حقائق تاريخيّة وإنجيليّة وقرآنيّة ولعلّي أكون بهذا الجهد الذي بذلته قد خلّصت عقول كثيرٍ من الناس ممّا التبس عليهم موضوع حيات المسيح أو وفاته.علماً بأنّي باحث ولا أقصد تجريح شعور أيّ إنسان يختلف معي في الرأي.بل أترك فرصة للحوار لكلّ من يريد محاورتي في هذا الموضوع كتابيّا أو على الهواء مباشرة واللّه من وراء القصد. وهو تعالى الهادي إلى سواء السبيل وإليه المصير.
وهنا رأيت من واجبي أن أعطي القارئ الكريم فكرة عن منهجي في هذا البحث الجديد الذي التزمت به إلى آخر الطريق.فأنا أعود إلى النصوص سواء من القرآن الكريم وسواء من العهدين القديم والحديث.وأفسّر النصوص بمنهجيّة وأصول.فالقرآن المجيد أنزله ربّنا عز وجلّ بلسان عربيّ مبين لذلك كان من أصول فهم آياته العودة إلى كتب اللّغة العربيّة لفهم ما ورد في الآية من كلمات وصيغٍ بلاغيّة.فإن كان مضمون الآية يتعلّق بحادثة تاريخيّة فمن الضروريّ مراجعة ما بين أيدينا من مراجع على هذا الطريق.وإنّ هذه المنهجيّة دفعتني في بادئ الأمر للتحقيق في دلالات كلمة (الوفاة) وذلك في معاجم اللّغة المعروفة.ومن منطلق أنّ كتابي هذا يبحث موضوع حيات المسيح ووفاته.كذلك دفعتني منهجيّتي في البحث إلى استعراض تاريخ عقيدة (الصعود) التي يعتنقها إخواننا من المسيحيين بما يتعلّق بمصير المسيح عليه السلام.وإضافة إلى هذا مناقشة تلك النصوص التاريخيّة المستقاة من الأناجيل الأربعة الحاضرة (متّى ، مرقس ، لوقا ويوحنّا) وأعرضت عن إنجيل (برنابا) لإعراض المسيحيين عنه وعدم اعترافهم به مرجعا.وقد أخذت هنا بعين الاعتبار جغرافيّة المنطقة والأسناد النقليّة ومعطيات التاريخ.
وبعد أن فرغت من ذلك كلّه بحثت مفهوم كلمتي (السماء) و (الإله) وكما كانت تدور في أذهان الناس أيّام بعثة المسيح الناصري عليه السلام.ومن منطلق أنّ مفاهيم الكلمات تتطوّر على مرّ الأيام. فالمفهوم لكلمة (سماء) في الزمن الغابر وقبل أن تأتي هذه الاكتشافات العلميّة المعاصرة كان مختلفاً كثيراً عن مفهوم كلمة (سماء) في أيّامنا هذه. كذلك الحال بالنسبة لمفهوم كلمة (إله) قديما وحديثا.وإنّ كلمات النصوص الإنجيلية التي هي بين أيدينا وردت أصلاً تحمل المفاهيم القديمة ولا تحمل المفاهيم الحديثة لكلمتي (سماء وإله).لذلك فإنّ من واجب الباحث مراعاة هذه الحقيقة.
فلمّا فرغت من بيان ذلك كلّه توجّهت قبل التفاسير الإسلاميّة القديمة وقمت باقتباس كلّ ما ورد فيها من تفاسير متعلّقة بالآيات التي تكلّمت عن مصير المسيح الناصريّ عليه السلام.وخاصّة منها تفسير ابن كثير وتفسير العلامة الفخر الرازي رحمهما اللّه تعالى وهما التفسيران المعتمدان لدى أغلبية المسلمين.ولم أمرّ على ما ورد في التفاسير القديمة من نصوص مرورا عابراً بل ناقشت تلك النصوص أيضاً ونبّهت إلى الخطأ والصواب ومن وجهة نظري الشخصيّة.
ويعد ذلك كلّه لخّصت للقارئ الكريم ما خرجنا به من استنتاجات أخذناها من تلك النصوص التفسيرية القديمة وبما يتعلّق بحيات المسيح ووفاته.ومن ثمّ التفتّ إلى كتاب اللّه القرآن المجيد فأعطيت القارئ الكريم فكرة ولو ملخّصة عن كلمة (اللّه) الواردة فيه ليتمكّن هذا القارئ من معرفة البون الواسع ما بين مفهوم هذه الكلمة (اللّه) وكما أفادنا به كتاب اللّه العزيز ليتمكّن هذا القارئ من الموازنة بنفسه ما بين المفهوم القديم والمفهوم الحديث لهذه الكلمة (اللّه).
ومن ثمّ وبعد بيان هذه الحقائق جميعها قمت بتفسير الآية 157 من سورة النساء وعلى ضوء ما توصّلنا إليه من خلال ما أجريناه من بحوث أشرت إليها .ففسّرت الآية المشار إليها بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره.وكنت لا أفسّر شيئاً من هذه الآية الكريمة إلاّ بعد الرجوع إلى ما ورد في الأناجيل الأربعة من حقائق تاريخيّة ومن باب أنّ اللّه عز وجلّ قد أورد هذه الآية الكريمة ليفصل ما بين ما توارثه اليهود من معتقدات خاطئة لا أساس لها ووفقاً لمعطيات كتبهم نفسها.وما بين ما توارثه المسيحيّون من معتقدات خاطئة هي أيضا ولا أساس لها ووفقا لمعطيات كتبهم نفسها.

وقد خرجت هنا نتيجة لهذه الدراسة الموضوعيّة التي أجريتها في هذا المؤلّف ومن خلال عمليّة تدبّر الآيات القرآنيّة بمنهجيّة القرآن الكريم وأصول تفسيره قد خرجت بنتيجة خالفت معتقدات جميع فرق المسلمين المعاصرين أيضاً.إذ ثبت لي أنّ القرآن الكريم هو بدوره يقول بموت المسيح جسديّاً وأنّ الذي ارتفع إلى اللّه تعالى فهو روح المسيح وليس جسده الترابيّ.ومن منطلق أنّ اللّه تعالى الذي رفع المسيح إليه (ليس كمثله شيء) ومن طبيعة غير مادّية ولا يجوز حصر وجوده تعالى في السماء. علما بأنّ اللّه تعالى يرفع إليه أرواح جميع الذين أصبحوا في عالمنا المادّي من مقرّبيه.وأمّا الجسد فهو من هذا التراب وإلى التراب يعود.وأمّا أرواح المفسدين الأشرار فلا ترتفع إلى اللّه تعالى بل تقذفها ملائكة اللّه تعالى في مكان سحيق هو المعبّر عنه بكلمة (جهنّم) ليتطهّر هذا الجهنّميّ من آثامه وليعود عبداً صالحاً ليرفعه اللّه تعالى إليه.
سليم الجابي